الرئيسية / صفحات مميزة / الديمقراطية وما يشبه الثورة

الديمقراطية وما يشبه الثورة


فواز حداد

في أواخر القرن العشرين، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ازدادت القناعة لدى الكثير من المحللين السياسيين بأن حالة السلام تحقق مصالح الدول الكبرى أكثر مما تحققها الصراعات المسلحة الساخنة والباردة. وإذا كان لا بد من الحرب، فبعيدا عن بلدانهم، وعلى أن تكون صغيرة ومحدودة وبأدوات محلية. الحرب الأخيرة اتخذت مسرحا لها العراق وأفغانستان، حصلت بالأكاذيب تحت رايات مختلفة، وبُررت بأنها حرب اضطرارية. بعد إخفاقاتها المتتالية في الوصول إلى أهدافها، استقر الرأي على ما استقر عليه سابقا؛ أن تعتمد الحروب أشكالا أخرى تتمثل في الحصار والتضييق الاقتصادي والتجويع، رغم تجاربهم غير البعيدة التي أثبتت عدم تحقق الغرض منها، فالأنظمة الديكتاتورية لم تتهاو، ولم تقُضّ العقوبات الاقتصادية مضجع الديكتاتور وبطانته، أو تنتقص من رفاهيتهم. وإن كان الحصار على المدى الطويل يؤتي ثماره؛ مزيدا من الغليان الشعبي. لكن يتحمل الشعب نتائجها الكارثية، ولو أنها أظهرت قدراته على مقاومة الجوع والموت بالتقسيط. من جانب آخر، تراجعت الحروب الأهلية الداخلية، وحوصرت لئلا تمتد مفاعيلها إلى الخارج، هذا إذا لم تلعب المصالح الدولية دورا في إذكائها. مع أن الأمم المتحدة شرعت مبررات للتدخل فيها لدواع إنسانية، بغرض إيقافها. فالمجتمع الدولي حسب البيانات الصادرة عنه ينبغي ألا يشعر بالقلق.

في هذه الأجواء من الحرص على تعميم التهدئة في العالم، استعادت الثورات على النمط الفرنسي والروسي حظوتها، وكانت، كما أشيع، قد انطوت إلى غير ما رجعة، تمثلت بثورات مخملية، تضارع النماذج الأصلية في مظاهرها الإعلامية من ناحية تحشيد الجماهير في الشوارع والساحات وإعلان إرادتها على منصات المنابر، ونجاحها في الإطاحة بالسلطة الحاكمة، مستعيدة تقاليد الثورات الكبرى من دون مقاصل وإعدامات ومشانق، لا مبرر لها، فالضحايا يثقلون الضمائر، خاصة أن الثورات الملونة كانت مدبرة، إذ إن للتآمر ودول الجوار والعمل المخابراتي لسفارات الدول الغربية نصيبا وافيا فيها.

بات الخارج يدفع إن لم يشارك في متغيرات تعمل لصالحه في دول العالم المتخلف التي توقفت عن النمو وأمعنت في التخلف من جراء الفساد المستشري فيها، وانحدرت من المرتبة الثالثة إلى الرابعة. وربما كان في تصنيف الغرب لهذه التحركات على أنها ثورة، إرضاء لحنين الشعوب إلى ماض لم يكن بعيدا. كان الغرب نفسه هو الأشد في محاولات قمعها بشراسة وبشتى الوسائل. ففي القرن الفائت تفاءل الثوار واعتقدوا أنهم ملكوا زمام المستقبل، فإذا بالثورات الظافرة سُرقت لصالح حفنة من الطغاة اللصوص.

يبدو اليوم في وصف التظاهرات بأنها ثورة، مبالغة لا تستمد من الواقع ولا من التنظيرات، فالثورات أمست حكرا على الماضي وحده. وليس في تزلف الغرب ونفاقه إشعار منه بإعادة الاعتبار إليها، وإنما تحويل الأبصار عن تصنيعه لها وهيمنته عليها. وإذا كان الغرب قد نجح في فرض رؤيته على العالم كله، وأصبحت الثورة شيئا غير ضروري، فلأن هناك أشياء تشبهها. غير أن المظاهرات التي اندلعت على طول الوطن العربي منتفضة على حكامها، من غير كونها مدينة لأحد سوى شعوبها، حيرت المحللين في توصيفها. فالغرب لم يخطط لها، أو يشارك بها، بل فوجئ بها، ولم يؤيدها إلا متأخرا، بعدما خشي على مصالحه المستقبلية.

المثير للسخرية أنه حتى أشباه الثورات أصابها الكيل بمكيالين، فثورات أوروبا الشرقية والبلدان المنفصلة عن الاتحاد السوفياتي باركها الغرب. أما الشعوب العربية التي تعاني من الطغيان السافر تحت أنظار العالم كله، فلم يكن هناك استعجال على منحها جواز المرور إلى جنة الديمقراطية، خشية أن تشتبه بالثورة أو تصبح ثورة حقيقية، وتطيح بالترتيبات القائمة والتفاهمات السرية مع السلطات الحاكمة، مما أطال عمر أنظمة ديكتاتورية تمُت إلى عالم بغيض، وإطالة عمر حكام، أقل ما يمكن أن يقال فيهم، إنهم اختلقوا سندات توريث وصكوك ملكية تمنحهم حق التصرف بالأرض والبشر من دون حسيب ولا رقيب. ولهذا كان من السهل على الغرب ابتزازهم بتنازلات على حساب بلدانهم، مما سمح لهم باستقرار مزعوم من دون منغصات دعائية غربية.

وهكذا لم يكن عبثا تسويق تنظيرات بين فترة وأخرى، راجت على نطاق واسع، وهي أن العرب غير مؤهلين للديمقراطية. حتى إن أكاديميين غربيين، برهنوا أن الدين الإسلامي على عداء معها، وأن سيكولوجية العرب المفطورة على الاستبداد تنفر من الحرية، وأن دفعهم إلى ما يشبه الثورة سيقودهم إلى الضياع في مسارب الفوضى. دعاوى تلقفها لفيف من المفكرين والمحللين السياسيين العرب وأقاموا الأدلة على أن الديمقراطية لا ينبغي استسهالها، ولا أن تكون مبذولة، وإنما تمنح بالتدريج البطيء جدا والطويل الأمد، ثم تباروا إلى حد المنافسة المحمومة في تدمير أي نوازع يشتم منها أن شعوبهم قابلة للانضباط بقوانين تحتاج إلى ثقافة منيعة عليهم، ووضعوا اشتراطات لها حصّنتها من الابتذال. وبهذا حجزت النخبة الذكية من المثقفين العرب لشعوبها مكانا خارج التاريخ والمستقبل. واستعادت رحلة جلد الذات الممتعة. غير أن الاحتجاجات العربية، أو الانتفاضات، أو الثورات، أو ما يشبهها، ربما لأنها سلمية لا ترفع السلاح، وراهنت على الديمقراطية، فاجأت النخبة الذكية نفسها بربيع أخذ في الانتشار السريع، ودفعتها إلى مراجعة حساباتها، واضطرتهم مرغمين إلى التعاطف مع هذا المد الشعبي. وإذا كان الكثيرون قد أشاروا إلى سقوط جدار الخوف، فقد سقط معه من جملة ما سقط التنظيرات العنصرية التي تميز بين الشعوب، فتختار لنعمة الحرية شعوبا وتحجزها عن أخرى. أما الديمقراطية فقادمة، والعزم عليها، يعني أن الطريق إليها قد بدأ.

ولنتذكر، ولو كان هناك من يقول إن أوانها لم يحل بعد، أن هذا اللهيب الذي يعصف في بلاد العرب، لم يكن مدبرا، ولا مخمليا، وإذا كان ملونا.. فبالدماء.

* روائي سوري

الشرق الأوسط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...