الرئيسية / صفحات الثقافة / الرواية العربية في فضائها الثقافي/ محمد العباس

الرواية العربية في فضائها الثقافي/ محمد العباس

 

 

لا تنفصل الرواية عن البنية الثقافية التي تنتجها، فهي القاعدة الحسّية والموضوعية التي تمدها بالقضايا والوسائل، وحتى الشعور السائد الذي يفرض سطوته على صيرورتها، بل أن الرواية ضمن هذا الترابط الوثيق تشكل وجهاً ومن وجوه الحالة الثقافية العامة، ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الرواية العربية صورة من صور المناخ العربي، بكل ما فيه من ارتباكات وتطلعات وخيبات، حيث بدا الارتهان صريحاً منذ التأسيس، إلى شروط الهبوط الحضاري العربي، حتى وإن سجلت في اللحظة الراهنة محاولات للانحراف عن سياق الخطابات الفكرية المهيمنة التي تموضع الإنسان العربي ونصّه الإبداعي في مدارات تتلبس لبوسات النهضة والتنوير والالتحاق بالحضاري.

اليوم لا تستطيع الرواية العربية أن تتقنّع لتعبّر عن الاجتماعي مثلاً، بقدر ما تعلن عن علاقتها الواضحة حد التطرف بكل مفاهيم ومظاهر الحرية، سواء على مستوى الموضوعات المطروقة أو تقنيات التعبير الفني، حيث يبدو الفضاء الثقافي أكثر اتساعاً ومرونة وثراءً، بمعنى أن السرد وهو يبني عوالمه بحرية موضوعاتية وأسلوبية فائضة إنما يوسع دائرة المستنيرين، أي ذلك الطابور الطويل من الروائيين، الذين يتخذون من الرواية منصة انطلاق لتجسيد مقولة الحداثة الاجتماعية، أو هذا ما يفترضه النص الروائي الآخذ في التكاثُّر، بمعنى أنها تغادر التربة الثقافية إلى تجليات أخرى، وتجوب كل المدارات المعاشة تقريباً، إذ لم يعد مفهوم الأرض الحرام مقبولاً بالنسبة للروائيين.

هذا التورط للرواية في خطابات التغيير والحداثة، بمعانيها ومستوياتها السياسية والاجتماعية والتاريخية، يخلع عنها صفة الاستقلالية الأدبية، ويدفعها باتجاه العمومية، أي عرض الحياة بأفقية، وبمعزل عن التعقيدات التي يتكفل بها النص الأدبي، وكأنها تزحف على مستوجبات الخطاب لتحتل مواقعها الوعظية والحكائية والسجالية، الأمر الذي يهددها من الوجهة الفنية بالتحول إلى خطاب، حسب المفهوم الهيغلي، في ما يتعلق بالأعمال الفنية والأدبية التي يتضاعف فيها حضور الفكرة، فيما يتراجع الأثر الفني الذي يكفل للرواية ذلك التأثير الفارق على مستوى المعرفة الحسّية، بمعنى أن الرواية قد تستوي مع كل المنتجات الثقافية ذات السمة التوصيلية المباشرة، وهو مآل محتّم وملحوظ بموجب البنية الثقافية التي تتولد فيها الرواية العربية في لقطتها الآنية.

لم تتأسس الرواية العربية بمقتضى نظرية أدبية يمكن الركون إليها، بقدر ما بدت كحالة إبداعية استلحاقية لتقليد الآخر، على الرغم من كم المحاولات التفسيرية ذات المنزع الاجتماعي أو التراثي أو السياسي، وفي أطوار تحولاتها وانعطافاتها لم تتعرض لكشافات النقد بالمعنى التنظيري، حيث كانت تفرض حضورها الكمي والأسلوبي والتجريبي، في ظل مقاربات نقدية تجتزئ المشهد الراوئي، لتتعامل معه كمنظومة من التجارب المنفصلة، حتى مؤتمرات وملتقيات الرواية العربية، التي يفترض أنها تمثل الخطاب النقدي الروائي المواكب لبانوراما المنتج الروائي، اكتفت بالعناوين، ولم تحفر في المسارات التي تقطعها الرواية العربية، وبالتالي تعطل لدى الروائي والقارئ فكرة التيارات والمذاهب والتلويحات، التي يمكن أن تكون دليلاً لوعي مجمل التجربة داخل ظروفها الثقافية والتاريخية والاجتماعية والسياسية.

إن مفهوم القيمة المهيمنة هو الذي يحدد مسار الثقافة العربية، وبالتالي هو الذي يرسم معالم الخطاب الروائي، إذ يلاحظ أن الانفجار الروائي لا يتمدد بموجب ارتقاءات أدبية، بل وفق إحساس عام عند الإنسان العربي بإمكانية الدخول في نادي الروائيين، ولعب دور الكائن التنويري، من خلال اكتساب صفة الروائي، حيث التقط الإنسان العربي لحظة الديمقراطية ومهباتها ليتسلل بها إلى عالم الرواية، وهذه هي البنية الثقافية التي تسمح بظهور ذلك الكم من الروائيين، بدون أي معرفة بتقاليد وعادات السرد، وبدون أدنى دراية بالوعي اللغوي اللازم لكتابة رواية، وبدون أي رهان على أدبية منتجه الروائي، مقابل معرفة تامة بأصول لعبة الإثارة والنشر، التي جعلت معظم الراوئيين اليوم في سلة واحدة، إذ لا فرق لدى الناشر والقارئ والإعلامي ما بين روائي مخضرم وآخر يتهجى أبجديات السرد.

كل ذلك التمادي الشكلاني في التعاطي مع الفعل الروائي يعطل ابتناء نظرية تفسر واقع الرواية العربية وتشرح بأثر رجعي مسببات نشأتها بمعزل عن مجرات التأثير العالمية، فالرواية العربية اليوم من الوجهة الموضوعية لا تشكل إسهاماً في إغناء الإنسان العربي بالرؤى الفكرية والجمالية، وبالتالي فهي لا تحمل ذلك الأثر في اللحظة الكونية، وفي المقابل، لا تقترح من منظورها الفني أي تجديد يذكر، فهي مجرد صدى لحدث روائي عالمي على درجة من التسارع، وذلك نتيجة استنقاعها في مدارات ضيقة محتّمة بطبيعة الفضاء الثقافي المحكوم بحضور ذوات ثقافية تؤسس بدورها لبنية ثقافية مهترئة، إذ لا يمكن أن تتولّد عبقرية أدبية روائية في حقل أو فضاء يتسم بالمحافظة الفكرية.

هذا هو بالتحديد ما ترفض الرواية العربية اليوم التسليم به، حيث يتصور فصيل من الروائيين بإمكانية ظهور رواية ناضجة مكتملة البناء الفني والفلسفي بمعزل عن معطيات المشهد الفكري والحياتي، وكأنهم يمارسون حالة من الهروب إلى الأمام ليعلنوا انسلاخهم من اللحظة العربية بكل ما يعتريها من ارتباك وانحطاط وانفلات، وفي واقع الأمر لا يمتلك هؤلاء إلا إمكانية الارتماء في لحظة الآخر، واستثمار حظوظ ذلك العالم المتقدم في استعارة شروط الحداثة والديمقراطية لإنتاج نسخة عربية مقنّنة من الخطاب الروائي.

يلاحظ ذلك في الافتقار إلى البصمة، من خلال خفة الموضوعات المجادلة التي تحيل إليها العناوين، والفرار من فكرة التماس مع القضايا القومية ذات المنزع الإنساني، واستدخال الثيمات والتقنيات السينمائية، وتبئير الرواية حول الأنا بمعناها النزقي، والعزوف عن الحبكات، أو بمعنى أدق عدم القدرة على تحبيك تلك الخواطر في بنية روائية، وغيرها من المظاهر الاستعارية، بدعوى وحدة الوجود الإنساني وانصهار مخلوقات هذه اللحظة في لقطة مكوننة،

لا يتعلق الأمر هنا لا بالهوية ولا بفرادة الذات المنتجة للرواية، إلى آخر قاموس منتجات التأصيل، بل بمنعطف تاريخي يستوجب أن تسهم فيه الرواية بنصيبها في صوغ التاريخ الوجداني للإنساني العربي، إلى جانب ما يمليه عليها الواقع من شروط الحداثة الاجتماعية الموكلة إليها، ضمن صيرورة ثقافية ملزمة، لأن التخفّف من السببية والغائية الاجتماعية بدعوى الأداء الروائي الفردي، لا يُخرج الذات الروائية من تلك البنية الثقافية الضاغطة، ولا يعفيها من مستوجبات تحطيم تلك البنية، مع التأكيد على الفوارق والأولويات بين الأقطار العربية، وما تعكسه تلك التباينات من اختلاف شروط إنتاج المثقف العربي في كل قطر، وما يحفّ بمنتجاته الأدبية من ظروف واعتبارات موضوعية، يمكن مساءلتها في إطار الأدبي.

الدورة المكرورة لروايات الستينيات التي تبدأ من القرية وتنتهي في المدينة مع وابل من هجاء المدن لم تعد اليوم مقبولة، فالقرى العربية صارت على درجة من التماس مع المدينة العالمية بلغاتها ومظاهر بهرجتها، وصار بمقدور الروائي الريفي الكتابة عن المدن بشكل استعاري من الميديا، وهو ما يعني أن البنية الثقافية صارت تنفتح وتتمدد بشكل واسع، وهو انفتاح يضغط على الخطاب الروائي بقوة، لا لأنه يتقاطع مع مقولة إن الرواية بنت المدينة وحسب، ولكن لأن ذلك التمادي في التماس مع روح العصر ومادياته يعبث بمعجم الكتابة.

يكتب الروائي العربي روايته اليوم وهو يصارع انهمارات تربك الهوية وتغوي الذات بالوقوع في مدارات الاستلاب، والأهم أنها تدمر حسّه التاريخي وصداقته مع المكان، وهي خطايا روائية تبدو على درجة من الوضوح عند الجيل الجديد من الروائيين، وبأعلى نسبة في الروايات الخليجية، حيث تُستأنف الكتابة الروائية في الغالب من منصة خالية من الاستحقاقات، حيث يتم اللعب على تزوير الوعي والعبث بالذاكرة، وتلك نتيجة طبيعية في المجتمعات الممسوسة بالحداثة المادية، وللتجريف الذي اُرتكب في حق البنية الثقافية بكل تداعياتها الروحية.

ثمة خلل فني ونفسي في الروايات العربية الجديدة، فهي لا تشبه الإنسان الذي أنتجها، إذ تلوّح اليوم بعناوين عربية ولكنها لا تعكس نفسية الإنسان العربي، لا تلهمه، لا تستفزه، لا تحرضه، كأنها مرآة مقلوبة، لأنها لا تختزن تاريخه الوجداني، الذي يتأسس بالضرورة على أرضية أو بنية ثقافية ذات مواصفات أصيلة، وفي الوقت ذاته تتوالد الروايات تحت سطوة أسطورة تحتاج إلى فحص، مفادها أن الرواية العربية اليوم هي ديوان العرب، وهي مقولة تمتلك أحقيتها الموضوعية والفنية، وهذا هو ما يفسر ازدحام الديوان بمنتجات تحمل بمنتهى الصدق مواصفات اللحظة والإنسان العربي بحيرته وارتباكاته واستعاراته وانفعالاته التي تحتاج إلى ضابط إيقاع روائي.

٭ كاتب سعودي

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...