الرئيسية / صفحات سورية / السعودية تمسك بالزمام وتطلب رحيل بشار!

السعودية تمسك بالزمام وتطلب رحيل بشار!


محمد رشيد

في مشهد افتقدناه على مدى عقود من عمر السياسة العربية، أمسكت المملكة العربية السعودية بزمام المبادرة، وفجّرت مفاجأة تاريخية، بنفض يدها من أية إمكانية للتواصل، مع نظام مصمم على قتل شعبه بعنف بغيض، وقامت بتوجيه دفة القرار العربي نحو نزع كامل لأية شرعية عربية لنظام بشار الاسد وأسرته، تمهيداً لرحيل النظام طوعاً او قسراً، ومعاقبته عربياً ودولياً على كل جرائمه بحق شعبه.

فخلال اقل من اربع وعشرين ساعة رمت المملكة العربية السعودية “القفازات” بوجه بشار الاسد، بعد ان قررت توظيف كامل ثقلها السياسي لتنهي التردد والتردي العربي المخجل إزاء الشعب السوري العظيم وهو يتعرض لأكبر وأبشع مذبحة دموية وعلنية في القرن الحادي والعشرين.

فبعد صبر أشهر، وعشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والمفقودين والمعتقلين، وعشرات الجولات المتعاقبة من المفاوضات، أعطي فيها الوقت الكافي للوساطات والبحث عن حلول ومخارج، استغلها النظام كلها، في القتل والإنكار والتحايل والتلاعب، وجد صانع القرار السعودي نفسه والعرب، على خط النهاية، وأمام مسؤولية دينية وإنسانية وأخلاقية، لإنهاء هذه “المهزلة الطويلة”.

وفعلت المملكة ذلك على خطوتيين متتاليتين: الاولى جاءت خلال دورة اجتماعات مجلس وزراء الخارجية العرب في القاهرة، بتصدي الامير سعود الفيصل للموقف والإعلان أن المملكة لم تعد تقبل او تحتمل استمرار حمام الدم السوري، وأنه لم يعد هناك المزيد من المهل والأوقات المستقطعة التي استهلكها النظام كلها في المزيد من القتل لشعبه، وأن على بشار الاسد أن يخرج من الحلبة ويرحل فوراً عن رقاب السوريين.

أما الثانية، فقد كانت مبادرة المملكة الى سحب جميع مندوبيها السعوديين من بعثة المراقبة العربية، إذ لم يعد يشرف “الرياض” بقاء مراقبيها في صفوف شهود الزور على الدم السوري المستباح، ولا أن يكونوا مضلة لذلك الجنرال السوداني “الدابي”، بكل أكاذيبه وتواطئه المعلن والمفضوح مع نظام بشار الاسد.

هذا الجنرال الذي جاء مثقلاً بالشكوك، ولن يغادر قبل أن يؤكد أن كل تلك الشكوك كان لها ما يبررها، مما نبهت منها أنا وكثيرون غيري، ولابد للعرب من محاسبته، وكذلك محاسبة من رشحه لهذا الدور الخطير، فلا الترشيح كان عفوياً، ولا التعين كان جهلاً بحقيقة الجنرال، وبكل أفكاره وارتباطاته وقناعاته.

قادة دول مجلس التعاون الخليجي من جانبهم لم يترددوا لحظة واحدة في تبني المبادرة السعودية بشقيها، فأعلنوا كما هو معروف بإنهاء جماعي لمهمة مراقبيهم في سوريا، وقبل ذلك وفروا الدعم والغطاء الكامل للمبادرة العربية التي نزعت آخر “قشة” للشرعية العربية عن النظام، مما يجبر بشار الاسد وأسرته وآلته الأمنية القاتلة على مواجهة حقائق جديدة، تضيق الخناق عليه، وتحرمه هامش المناورة لقتل المزيد من ابناء شعبه تحت الغطاء العربي.

ويسأل البعض: هل تأخر الموقف السعودي كثيراً؟ ولماذا تأخر؟

بكل صراحة، نعم الموقف السعودي تأخر بشكل ملحوظ، أما لماذا تأخر، فذلك سؤال من الافضل ان تجيب عليه “الرياض”، وذلك التأخير، لا يبرره طبعاً ما هو معروف عن الدبلوماسية السعودية من هدوء وتروٍّ، ومحاولة “فكفكة” المشاكل العربية بأقل خسائر ممكنة، ففي الحالة السورية الخسائر لم تكن، وليست الآن في حدّها الأدنى او المقبول، إن لم تكن قد خرجت عن حدها الأقصى منذ اشهر.

ربما كانت للمملكة حساسيتها الخاصة في التعامل مع الملف السوري، وقلق من ان يحاول البعض تفسير اي اندفاع مبكر في سياستها، كمحاولة انتقام من نظام يشتعل بينه وبين “الرياض” كل الإشارات الحمراء منذ سنوات، و”الحساسية” الزائدة، تفسير لا يمكن احتسابه لصالح الدبلوماسية السعودية في هذه الحالة، في ظل كل القراءات السياسية التي أكدت وتؤكد منذ سنوات ان نظام بشار الاسد قد تخطى كل “المسموحات” في عدائه المكشوف للمملكة، وانحيازه السافر لخصومها، ولكن، وكما قلت “المملكة” أشجع كثيراً من إخفاء دوافعها ومبرراتها، ولعلنا سنسمع قريباً التفسير الرسمي لذلك البطء والتأخير.

والتحرك السعودي الاخير ذكرنا بأيام إمساك العرب بزمام المبادرة، واتخاذ القرارات العربية الكبرى، حين كان القادة الكبار الثلاثة، الرئيس جمال عبدالناصر والملك فيصل بن عبدالعزيز والرئيس هواري بومدين، يضعون خلافاتهم جانباً ويعملون معاً، ويتحركون نحو هدف واحد، ولأجندة واحدة، رحمهم الله جميعاً.

وذلك ما يعكس لوضوح وقوة الموقف السعودي في الملف السوري، والآمال العريضة التي تعود الشعب المحب أن يعلقها على دور المملكة، أهمية أخرى فائقة وموازية كشفت عنها الخطوة السعودية، من عزم لاستعادة زمام مبادرة السياسة العربية، في ظل الغياب المؤقت “للشريك الاستراتيجي المصري”، بحكم انشغاله الكبير بإدارة مرحلة ما بعد سقوط نظام الرئيس حسني مبارك، بل سقوط الجمهورية الاولى واحتياجات قيام الجمهورية الثانية.

ويأتي ذلك في ظل “الهبوط الاضطراري” للسياسة العراقية على “مدرج” المصالح الإيرانية، بالاضافة الى تراجع كبير في اهتمام واكتراث دول المغرب العربي بقضايا شعوب المشرق العربي، خاصة الجزائر التي باتت تظهر جزعاً وسلبية وبرودة تجاه قضايا شعوب شرق العرب.

وربما الموقف الجديد مقلق بعض الشيء للمملكة في إثقال مسؤولياته وحرج لشعوب المنطقة حقيقة، خاصة أن الجميع يشخصون بأبصارهم نحو الرياض، فبقدر روعة انتصارات الثورات العربية وقيمتها الاستراتيجية على مصير شعوبنا وكرامتنا وحريتنا إلا ان هذه الثورات، وبحكم الآثار الجانبية لها، أفرزت حقيقة أخرى، حقيقة انحسار الطاقات العربية الرسمية الفاعلة، حتى وإن كانت على المدى القصير، تشكل انحساراً أربك العمل العربي المشترك، وأعاد توزيع مراكز الفاعلية والتأثير والقرار العربي بصورة مختلفة عن منطق القدرة والمصالح والتاريخ، مما اعتاد عليه الجميع، الأمر الذي أدى تلقائياً الى مضاعفة أعباء المملكة وشقيقاتها من دول مجلس التعاون الخليجي.

وإذا ما أضفنا كل ذلك الى التوتر المتصاعد على الحدود البحرية لكل دول المجلس، بفعل تاثيرات الأزمة الإيرانية، نستطيع أن نقيم حجم تلك الأعباء، وخطورة المسؤولية التاريخية لدول مجلس التعاون ولشعوبها، فليس أمام هذا الفريق العربي إلا تحمل المسؤوليات والفراغ الناتج عن غياب بعض الكبار قسراً أو طوعاً، بانتظار عودتهم التي نأمل جميعاً أن لا تطول كثيراً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...