الرئيسية / صفحات الرأي / السلطة والعقلانية

السلطة والعقلانية

 


طيب تيزيني

لعله من المناسب والضروري الإشارة إلى أن نشأة السلطة بالمعنى العمومي اقترن بالقوة، بقدر أو بآخر، في حين أن نشأة السياسة اقتضت ظهور حدّ معين من العقلانية والقدرة على التدبير والتنظيم الاجتماعيين. وهذا من شأنه الإشارة إلى أن ظهور ثنائية السلطة والقوة كان سابقاً على ظهور الثنائية الثانية، ثنائية العقلانية والسياسة. وإذ نبدأ بالتمييز بين الثنائيتين المذكورتين، فإننا نرى -وفق الدراسات السياسية التاريخية- أن نشأة السياسة والعقلانية اقتضت تطوراً، بمستوى ملحوظ، لتقسيم العمل بين اليدوي والذهني، الجسدي والعقلي، ولتطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، إضافة إلى تطور تقسيم العمل بين الريف والمدينة وبين الرجال والنساء، وغير ذلك من صيغ التطور التاريخي، التي غابت في التاريخ العربي المعاصر.

وعلى العكس من ذلك، أردنا القول بأنه أصبح لثنائية السلطة والقوة حضور كثيف وفاعلية ملحوظة في حياة المجتمعات العربية خصوصاً، مع هيمنة مابعد السبعينيات من القرن المنصرم، ودور المجتمعات الاستهلاكية الطائشة اقتصادياً واجتماعياً، والنُّظم الأمنية الاستبدادية الموازية لها والمندمجة بها. هكذا راحت السلطة تتجه نحو اختزالها إلى قوة طائشة مدمّرة تُفضي إلى إفقار جل المجتمعات العربية، وإلى إدخالها في عنق الزجاجة. ولعلّ تفكك الوحدة بين سوريا ومصر، في حينه، كان إحدى الدلالات المأساوية على ذلك وإحدى نتائجه المريعة الأولى. كان ذلك حين أقْصِيت السياسة والمجتمع والحراك السياسي من المجتمعات العربية (خصوصاً في سوريا ومصر) لتتحول -شيئاً فشيئاً- إلى مجتمعات أمنية أصبحت رهينة في قبضة أجهزة لا تنفد شهوتها للسلطة والثروة والفساد والإفساد، بكل أنماطهما وعلى نحو يستفز الجميع ويرعبهم ويؤرقهم في حريتهم وكفايتهم المادية وكرامتهم.

وبتلك الطريقة المُمنهجة، التي أفضت إلى استباحة المجتمعات العربية المعْنية عبر ما استُنبِط بصيغة الدولة الأمنية ذات الشعار الاستراتيجي القائل بضرورة إفساد منْ لم يُفسد بعدُ، بحيث يصبح الجميع ملوِّثين ومُفْسَدين تحت الطلب، نقول، عبر ذلك وفي ناتجه- بدت المجتمعات المذكورة كأنها متجهة إلى نمط من الموت السريري: البؤس واليأس والتفكك الأسري وغياب الاستراتيجيات المستقبلية وانتشار المخدرات والرشوة الصغيرة والعظمى على الوطن: لقد غابت منظومات الوطن والقيم والتقدم والعقلانية والتحدي الحضاري، وراحت الانكسارات التاريخية تبدو في الوعي العربي الجمعي -بدءاً من أحدها الخطير عام 1948 وثانياً براهنها المتمثل بالجولان- كأنها من طبائع الأمور ومن مخلفات عصر الحداثة.

وحيث أصبحنا في عصر “ما بعد الحداثة والعولمة”، فإننا لم نعد بحاجة إلى ما دعاه فوكوياما “ما قبل التاريخ”: لا ثورة ولا نهضة ولا إصلاح ولا حضارة ولا دولة ولا عقلانية ولا وطن…إلخ، إن السوق الكونية هي البديل عن ذلك. ومثل هذا جميعه مع غيره وغير غيره ضمن الخصوصية العربية، أغلق الباب “التقليدي المتخلف”، وفتح “باب السوق” المذكور. لكن في حالة عربية راهنية تتجسد -خصوصاً بالنسبة للفقراء والشباب- في ذلك الموت السريري، لم يعد أمام هؤلاء وآخرين سوى الخروج إلى “الشارع” بحثاً عن الحرية والكفاية والكرامة!

الاتحاد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...