الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بدر الدين شنن / السوريون على طريق الحرية

السوريون على طريق الحرية

 


بدر الدين شنن

لم ’يرحب بخطاب بشار الأسد الأخير في مجلس الشعب ، من قبل الأوساط الشعبية والسياسية ، الطامحة للإصرح والتغيير الديمقراطي ، لأنه بمقاييس الحاجة الماسة الملحة ، لم ’يلب ما كانت تنتظره أن يقول بشار بهذا الخطاب ” التاريخي ” الذي ’سوق بزخم كبير ، إعلامياً وسياسياً ، على أنه سيكون مفصلياً في حاضر سوريا ومستقبلها ، وبخاصة مايتعلق بإجراءات شفافة عاجلة لتلبية مطالبها المشروعة .. المتمثلة باستعادة حرياتها وإراداتها في تقرير مصيرها السياسي والاجتماعي ، التي تستلزم ، رفع حالة الطواريء ، وتعديل دستوري يتضمن الحقوق الديمقراطية والمساواة في الحقوق لكل المواطنين ، وانتهاج نمط اقتصادي يضع حداً لانحدارات الفقر ومناخات الاستبداد .

ومرد ذلك ، ليس لأن الرئيس في نظرها يتمتع بمصداقية في مجال الوعود والعهود منذ أن تسلم الرئاسة عام 2001 ، فهذه الأوساط تعرف أن الرئيس لم يكتف بأنه لم يحقق ما وعد به من إصلاح وحداثة وتطوير ، وإنما ا ستمرأ الاستمرار بنمط الاستبداد الموروث عن أبيه الرئيس الراحل ، هذا النمط الذي فات وولى زمانه ، قبل أن يفوت ويولي القرن الماضي ، ناسفاً بذلك كل مقومات الالتزام الفعلية بالاصلاح والتغيير ، بل مرد ذلك ، لأن النظام قد شاخ واهترأ ، حقاً ، وفقد صلاحياته التاريخية ، ولابد من تغييره بنظام بديل مغاير ، لتستمر الحياة بعامة ، دون معوقات تعسفية ومفوتة ، نحو آفاقها الطبيعية أسوة بالدول والشعوب الأخرى المتقدمة .

وقد جاءت الثورات الشعبية ضد الديكتاتوريات العفنة في تونس ومصر وليبيا واليمن ، لتعطي ا ستحقاق التغيير في سوريا صفة الاستعجال ، للحاق بمواكب النهضة العربية الحديثة ، ولتجنب البلاد عثرات وتداعيات سياسية واجتماعية خطيرة ، في حال استمرار المراوحة تحت سقف سياسات وآليات وامتيازات الاستبداد .

 

ومرد ذلك أيضاً ، أن الخطاب جاء في وقت تنشط فيه فعلاً مخططات خارجية طامعة تستهدف سيادة وقرار وجغرافية الوطن .. ما يستدعي الوحدة الوطنية ، وحشد كل الطاقات الوطنية والشعبية في مواجهة هذه المخططات . الأمر الذي لايتحقق إلاّ بإنهاء الاستبداد ، وإعادة بناء الوطن على أسس ديمقراطية ، دستورياً ، وقانونياً ، واقتصادياً ، واجتماعياً .

ومرد ذلك أيضاً وأيضاً ، أن الخطاب جاء في غمرة الغضب الشعبي .. وبعد سلسلة من التظاهرات الشعبية الثائرة في مدن كبيرة عدة .. مطالبة بالإصلاح والتغيير الفوري .. والتي راح ضحيتها على أيدي رجال أمن النظام عدد كبير من الشهداء والجرحى والمعتقلين .

وعلى ذلك ، فإن الأوساط الشعبية والسياسية الطامحة للتغيير الديمقراطي العادل ، تشعر أن الرئيس قد خذلها مرة أخرى ، وآذى آمالها ورجاءاتها ، في أن يلبي حقها في الخلاص من عهد أذلها طويلاً ، وآلامها كثيراً ، وسبب لها حرمانات لاتحصى ، عهد هو الآن قائده وهو المسؤول الأول عن قراراته وسياساته ، عهد جعل بينه وبين المواطنين فجوة مزمنة .. تتسع .. وتتسع .. وتنتقل من وعاء لصدى صراخاتهم من آلام القمع والحرمانات .. إلى وعاء لدم الشهداء والاحتجاجات والانتفاضات ، وآذى مشاعرهم الوطنية ، بتجاوزه عن عمد وجودهم كأحرار ، الذي لاوحدة وطنية بدونه ، بل ويزداد إمعاناً ، في نهج هذا العهد ، في هذه الظروف الوطنية الخطيرة ، التي بنى خطابه على محاورها .

الأمر الذي يدفع للقناعة ، أنه لم يكن من الصواب بشيء التعويل على الخطاب لإعلان التغيير المنشود . إذ تكفي تجربة عشر سنوات من المصداقية المهزوزة مع النظام ، يدعم ذلك حقيقة عدم مواءمة بنية النظام الاستبدادية وخياراته السياسية على الصعد كافة . وهذا ما يكفي من الدلالة لفهم مجمل الخطاب ، من حيث بنائه المرتبك ، وتناقضاته السافرة ، وتسويفاته المكررة ، وخطورته الجدية في ظروف تتطلب خطاباً آخر مطابقاً مباشرة لاستحقاقات مواجهة الفساد والفقر والتحديات الاقتصادية الاجتماعية والوطنية .

لقد بني الخطاب على الافتراض الذرائعي ، بأن هناك من يريد الإصلاح وهناك من يريد الفتنة ” المؤامرة ” ، وعلى أن تعامل النظام مع حركة الاحتجاجات ، ينبغي أن تحقق الفرز بين هؤلاء وأولئك من المتظاهرين الثائرين .. أي إحداث انقسام في صفوفهم ، وتبرير وشرعنة ا ستخدام العنف لوأد ” الفتنة ” المؤامرة والمفتنين . كيف سيتم هذا الفرز ؟ .. الجواب بتبني الدولة مطالب الإصلاح . لكن كيف سيتم الفرز والتمييز بين المظاهرات الفتنوية والمظاهرات الإصلاحية ؟ .. الجواب مؤجل إلى حين تحقيق الإصلاحات . ومتى ستتحقق الإصلاحات ؟ .. لاجواب راهناً . ما يعني أن على المتظاهرين الثائرين إما إمهال النظام المزيد من الوقت المفتوح على الإهمال الذرائعي ، أو تحمل مسؤولية اتهامهم جميعاً بالفتنة ، وتلقي القمع العاري والرصاص الحي والمحاكمات الجنائية والاستثنائية والعسكرية .

وساق الخطاب الأعذار لتبرير التقصير ، طوال عشر سنوات ، في الإصلاح الموعود ، وخاصة بطغيان السياسة الخارجية على السياسة الداخلية . من الإحتلال الأميركي للعراق الشقيق المجاور عام 2003 ، إلى مؤامرة الدومينو لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط ، إلى التداعيات اللبنانية وأبرزها حرب إسرائيل على لبنان عام 2006 ألخ .. مؤكداً على الصعوبة الكبيرة للإلتفات إلى الوضع الداخلي . وهذا ما يثير السؤال : إذا كانت المخاطر الأجنبية خطيرة وكثيفة بهذا الشكل على البلاد ، فما هو التناقض بين الإصلاح وبين المواجهة ” الممانعة ” لهذه المخاطر ، التي تستدعي بالضرورة حضور الشعب والدولة وتلاحمهما لحماية البلاد ؟ ..

وبماذا نفسر التوجه الممنهج الذي جرى تطبيقه في خضم هذه المخاطر بالذات ، للانتقال إلى اقتصاد السوق الليبرالي ، وإلى هيمنة عتاة الرأسماليين في الطبقة الحاكمة المتحالفين مع عتاة السوق التقليديين على اقتصاد البلاد ولقمة العباد ، والاستحواز على معظم فائض القيمة المحقق في الناتج الإجمالي ، وتكديس ثروات ملياردية ، وإفقار المزيد من الملايين من الطبقا ت الشعبية والشرائح الاجتماعية ؟ ..

وفي هذا السياق يفرض نفسه أيضاً السؤال : كيف يكون لدى النظام ، في هذه الظروف ” العالية الخطورة ” ، وقت لبرمجة وتنفيذ إجراءات الاعتقال والمحاكمات ، ولاوقت لديه لبرمجة تدابير الانفتاح السياسي الديمقراطي في البلاد ؟ .. كيف يكون لدى النظام وقت ليلتفت في الظروف المذكورة ، لإعادة هيكلة وتوجهات البنية الاقتصادية لصالح قلة سلطوية وغير سلطوية .. ولا وقت لديه ليلتفت إلى قضايا الشعب ، الذي يكابد القمع والغلاء والمستويات المعيشية المتردية ؟ ..

المنطق .. ومصلحة البلاد .. تتطلب عند اشتداد المخاطر الخارجية .. الالتفات جدياً إلى الداخل بكل جدية ومسؤولية ، لتلافي النواقص والثغرات ، ولمعالجة الأزمات ، وتوسيع الحريات ، وبناء الصف الوطني الديمقراطي الموحد لإنجاح مواجهة هذه المخاطر . وفي حال إهمال ذلك وممارسة سياسات مغايرة للمنطق ولمصلحة الوطن .. ألايشكل ذلك مناخ الفتنة .. وصناع الفتنة .. واستثمار الفتنة ؟ ..

 

لقد سبقت الخطاب طروحات ومقولات مزيفة ومخادعة للشعب . لقد تطوع الشيخ ” البوطي ” بوصف الاحتجاجات المتصاعدة الثائرة ضد العسف والفساد كمن ينتقل من الحمى إلى الطاعون ، متجاهلاً أن الاستبداد بآلياته وسياساته ، قد فعل بالبلاد ما تجاوز بضرره أعراض ومفاعيل الحمى والطاعون .

وتطوع أحدهم بوصف الخطاب قبل إلقائه ، بأنه المفتاح الذهبي لدخول الوطن العربي كله مرحلة تتجاوز ما قبلها ، إلى مرحلة التحررالكامل والنهوض الشامل .

وبشر نائب الرئيس ” الشرع ” بالمفاجآت السعيدة التي سينطق بها الرئيس في خطابه المنتظر .

وأسهب بعضهم بتخويف المواطنين المعارضين الثائرين من مصير ليبي وسوداني ويمني .

وسبق الخطاب استغلال الالتزام الوظيفي والدراسي ، ورغبات قطاع واسع من الناس البسطاء بالإصلاح وتغيير الحال نحو الأفضل ، لتجييشهم في حشود غير مسبوقة في المدن السورية الرئيسية ، للاستعراض بأنها القاعدة الشعبية للنظام .

وفي خطوة ذات دلالة بالغة الخطورة ، شكلت القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم ميليشيا قمعية جديدة أطلقت عليها اسم ” الكتائب العامالية المسلحة ” ، تأخذ أوامرها وتوجهاتها من القيادة القطرية مباشرة . وقد بدأت هذه الميليشيا عملها اعتبارًا من الثلاثاء الماضي ( كلنا شركاء 26 / 3 / 2011 ) التي ستفضي في حال استخدامها في أنشطة القمع المباشرة إلى إحداث تشويه متعمد لدور العمال في معركة الحرية . إذ تعيد هذه الخطوة إلى الذاكرة ميليشيا ” الحرس القومي ” السيئة الذكر في أول عهد البعث في السلطة عام 1963 .

يضاف إلى ذلك توفر ضمانات لدى النظام ، بأن يقوض الاحتجاجات بالعنف وغير العنف دون حرج عربي ودولي . وهذا ما عبرت عنه وزيرة الخارجية الأميركية ” كلينتون ” بقولها جازمة ” لايتوقعن أحد أن نتدخل في سوريا كما فعلنا في اليمن ” كما عبرت عنه أيضاً اتصالات جرت مع الرئيس ، من قبل عدد من المسؤولين العرب وخاصة الخلجيين .

وهذه الممارسات ، والطروحات ، والحشودات ، والضمانات ، والتشكيلات الميلشية المسلحة ، الاستباقية مجتمعة ، يستخدمها النظام خلفية داعمة قوية ل” ممانعته ” في إجراء إصلاح عاجل ، ويجعل منها أداة ضغط على الذين يفكرون بمتابعة التظاهرات ، وتحذيرهم من مغبة تطويرها إلى ثورة كما حصل في تونس ومصر .

حقيقة إن الإصلاح ليس ” صرعة ” ولاهو موسمي . ولاهو مكرمة من الرئيس . إنه حاجة موضوعية .. إنه حق شعبي مشروع .. وهو واجب على الدولة التي تحمل مسؤولياتها الوطنية والاجتماعية بشرف . وذلك لما يحمله الاصلاح بالوعي الشعبي .. وحقيقة لالبس فيها .. من مضامين تتجسد بوضع حد للفساد ، الذي يتحكم بانتهازية وبشاعة بمؤسسات الدولة الإدارية والخدمية ومقومات ومستويات المعيشة للأكثرية الساحقة من الناس ، والتخلص من وصاية حزب واحد على الدولة والمجتمع ، وحرية التعبير والتنظيم الحزبي والنقابي ، ومكافحة الغلاء والاحتكار وتحقيق معادلة الأجور والأسعار ، وانتاج نمط اقتصادي اجتماعي يحول دون التمايز الطبقي المتوحش ، وتوزيع الناتج الاجمالي لصالح القوى المنتجة والمبدعة ، وتحقيق تنمية متوازنة على مستوى مختلف القطاعات الانتاجية والخدمية والسياحية والتجارية والعمرانية . وهذا الحق الشعبي والإنساني والأخلاقي بامتياز ، من الصعوبة بمكان الرهان على النظام لتحقيقه تلقائياً . ما يعني بوضوح ، أهمية متابعة الاحتجاجات بأشكال مختلفة ، لانتزاع هذا الحق .. مهما كانت التضحيات .. ومهما تطلب ذلك من زمن .. كما يتطلب من الذين يتصدون لمهام ثورة التغيير ، الحيلولة ، بالخطاب السياسي .. بينات .. شعارات .. منظومات رجزية في الشارع وفي الاعتصامات . وبالممارسة العملية للأخوة الوطنية الشاملة ، وتجنب ورفض كل أشكال التخريب للممتلكات العامة والخاصة ، الحيلولة دون توظيف النظام لما سماه ” الفتنة المؤامرة ” لتسويغ المماطلة من جديد بتلبية الحقوق المشروعة .. وتسويغ القمع .

وعود على بدء . ينبغي ألا ننسى .. أنه لولا الانتقال من معارضة تقليدية إلى معارضة ثورية .. لم يكن هذا الخطاب الجديد على علاته قد طرح .. ولم يكن يتضمن ما تضمن من ملامح وعود أقر بضرورتها .. وتشكيل لجان لمتابعة إنجاز بعضها لولا التضحيات الكبيرة التي قدمها ثوار سوريا في درعا واللاذقية .. ولولا التصميم القوي الواضح للجماهير الشعبية في مختلف المدن السورية على متابعة السير على طريق الحرية ..

وتأكيد يقيني .. إن الشعب بتمسكه بالخيارات الجذرية الحاسمة سينتصر .. مهما تفنن النظام بالتسويف والمخادعة والتعسف ..

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...