الرئيسية / صفحات سورية / السياسة السورية: من «حافة الهاوية» إلى أين؟

السياسة السورية: من «حافة الهاوية» إلى أين؟

 


عمر قدور *

قد لا يكون تعاطي الحكم السوري مع الأزمة الداخلية مفاجئاً بمقدار ما هي مفاجئة السياسة الخارجية التي اتبعها منذ بداية الأزمة. فقد تراجع النشاط الدبلوماسي إلى أدنى درجاته، في الوقت الذي تُرك فيه للماكينة الإعلامية التعبير عن أزمة السياسة الخارجية، ولا يخفى أن دخول الإعلام على خط الأزمة بهذه القوة يدل على عجز الدبلوماسية عن إدارتها بالطرق المعهودة. وإذا كانت المواجهة الأمنية المتبعة الآن في الداخل تذكر بحقبة مضت، وكان البعض يعتقد أنها انقضت نهائياً، من عمر الحكم فإن الأزمة الخارجية بدورها تعيد إلى الأذهان العزلة السياسية التي عاشتها البلاد لفترات ليست بالقصيرة ولا بالسهلة خلال العقود الثلاثة الماضية.

فور اندلاع التظاهرات بادرت الماكينة الإعلامية للحكم باعتماد نظرية المؤامرة الخارجية، وهي نظرية لا تغيب عن الأدبيات السياسية السورية إلا لتطل كلما لاحت بودر أزمة ما، أما في ظل التظاهرات الشعبية التي انطلقت واتسعت منذ ذلك الوقت فقد عكست اتهامات التآمر عدم احترام للإرادة الشعبية، أو بالأحرى استصغاراً لقدرة المواطنين على تقرير ما يريدونه بأنفسهم ولأنفسهم، ودون إيعاز أو توجيه من أية جهة. بصرف النظر عن ذلك تدحرجت كرة الاتهامات لتعكس رد فعل على مواقف الدول مما يجري في الداخل، دون النظر إلى أن مواقف الكثير من الدول تحركت تحت ضغط ما يجري في الداخل السوري لا العكس، بل إن الجهات الخارجية التي قد لا تضمر الود للحكم في سورية تريثت كثيراً قبل أن تبدي امتعاضها أو إدانتها لأعمال القتل التي ترتكب، وبعد أن وصل عدد الضحايا إلى حد يصعب السكوت معه.

تقفز نظرية المؤامرة عن بديهيات السياسة الدولية، ويسترجع الإعلام الحكومي العوامل التي تضع السياسة السورية تحت الاستهداف الخارجي، مع أن العوامل التي يشير إليها ليست طارئة، ولم تمنع في فترات سابقة وجود علاقات دافئة مع دول تُتهم الآن بالتآمر. ويتجاهل هذا المنطق عدم وجود ثوابت في سياسات الدول باستثناء مصالحها، أي أن وجود صداقات وخصومات متبدلة هو من طبيعة الأمور، والصداقات بين الدول لا تحتم على أي منها محاباة الأخرى حتى إن ارتقت الصداقة إلى مستوى التحالف، مثلما الخصومات التي إن تكاثرت على بلد فهي لا تعني التآمر والاتفاق بين جميع الخصوم. وحتى إذا أقررنا بوجود خصوم دائمين للحكم فهذا يعني عدم وجود متغيرات على هذا الصعيد سوى التغير الذي طرأ في التعاطي معهم، وجعلهم يستنفرون عداواتهم، لكن التهرب من المسؤولية على هذا النحو لا يلغي وجود متغير أهم وهو العامل الداخلي الذي فرض نفسه على الحكم وعلى خصومه وأصدقائه في الخارج.

لطالما وصِفت السياسة الخارجية السورية خلال عقود بأنها «سياسة حافة الهاوية»، وفي هذا إشارة إلى الأزمات الشديدة التي مرت بها، وإلى المهارة في تجاوزها كما يرى البعض، بل إن الفخر بكسر العزلة الدولية كلما حدث ذلك بات من الفلكلور السياسي والإعلامي السوري دون التوقف عند الثمن الباهظ للعزلة في عالم يزداد انفتاحاً. وفي كل أزمة يركز الإعلام المحلي على موقع سورية الاستراتيجي ومواقفها الممانعة اللذين يجعلانها عرضة للاستهداف، وعند تراجع الأزمة يشيد بمهارة السياسة السورية التي استطاعت كسر الطوق دون الإشارة إلى الموقع الاستراتيجي الذي يتم استثماره، وطبعاً دون الإشارة إلى الأخطاء التي تسببت ببعض الأزمات. لقد دفع السوريون مراراً ثمن سياسة حافة الهاوية، فالعقوبات التي فرضت مراراً، ولا يزال بعضها سارياً، أعاقت الاقتصاد وأعاقت أحياناً حركة الأشخاص بالإضافة إلى مجمل الإعاقات في التركيبة الداخلية، أي أنهم بدلاً من أن ينعموا بموقع بلادهم الاستراتيجي دفعوا دائماً ضريبة وجودهم فيه.

ما سبق يوحي بأن الحكم يركز اهتمامه حالياً على ترتيب البيت الداخلي، أما الأزمة المتزايدة في علاقاته الدولية فهو كفيل بحلها استناداً إلى خبرته السابقة في ما يوصف بسياسة حافة الهاوية، لكن هذا الرهان تعترضه معوقات جمة لم يختبرها من قبل. في كل الأزمات السابقة كان الحكم ممسكاً جيداً بالوضع الداخلي، هذا إن لم يلقَ دعماً أو تعاطفاً شعبياً، ولم تكن هناك خلافات بارزة بين الحكم ومعارضيه في ما يخص السياسة الخارجية، أي أن الوضع الداخلي لم يكن مصدر قلق أو ضعف أثناء تلك الأزمات. في غياب الاعتراض الداخلي كان بوسع الحكم التفرغ للأوراق الإقليمية التي يمسك بها، في الوقت الذي لا يجد فيه الخارج بداً من التفاوض وإن على مضض مع من يحتكر القرار السوري.

لكن ما يثير الاستغراب هو أن يبادر الحكم، في مرحلة دقيقة كهذه، إلى استثارة القوى الخارجية مع أن أغلبها اعتمد جانب المرونة تجاهه. لقد أهدر هذا التوجه مكتسبات السياسة الخارجية خلال السنوات الخمس الأخيرة، ولا شك في أن ذلك سيكون مصدر ارتياح كبير للخصوم. صحيح أن الحكم تمكن من تجاوز أزمات خارجية عديدة في السابق، آخرها أزمة عام 2005، إلا أن ذلك قد لا يكون متاحاً دائماً. ثمة استهانة غير مفهومة بالعوامل الخارجية، وإذا كانت القوى المتنفذة لا تبدي حماساً للتدخل المباشر في الشؤون الداخلية فهذا لا يلغي قدرتها على الاستثمار في الشأن الداخلي والمثال السوداني ليس بعيداً جداً.

إن نجاح سياسة حافة الهاوية سابقاً لا يعني تلقائياً نجاحها الدائم، بخاصة عندما تطبق داخلياً وخارجياً في الوقت نفسه، وحتى إن استتب الوضع للحكم في الداخل فسيخرج من الأزمة مثقلاً بتبعات الحل الأمني الذي اعتُمد حتى الآن. لقد ضيقت الدبلوماسية السورية على نفسها هامش المناورة بشكل غير مسبوق، وفي أحسن الحالات أعطت القوى الكبرى فرصة ذهبية لابتزازها فيما لو تم لها الإمساك بالوضع الداخلي مجدداً، وعلى ذلك ستضطر إلى تقديم تنازلات إقليمية كبيرة لم تكن لتقدمها لو اعتمدت خيار التفاوض والتسوية داخلياً. هذه المرة لم تعد حافة الهاوية مجازاً، ثمة اندفاع يصعب فهمه باتجاهها؛ اندفاع لا يشي بالقدرة على التوقف.

 

* كاتب سوري

الحياة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...