الرئيسية / صفحات مميزة / الفكر العلماني: مقاربة للواقع السوري/ معتز حيسو

الفكر العلماني: مقاربة للواقع السوري/ معتز حيسو

يقترن التطور الحضاري والصناعي الذي أنجزته المجتمعات الأوروبية، مع نهوض علمي وفلسفي قطع ابستمولوجياً مع الفكر الديني الأصولي. وقد شكّلت المعارك الفكرية التي قادها الفلاسفة والعلماء ورجال الفكر التنويري ضد سلطة الكنيسة ومحاكم التفتيش، مدخلاً لتحرير الإنسان من سلطة الكهنوت والتخلف.

فالمجتمعات الإنسانية تُعبّر في صيرورة تطورها عن مكنوناتها الداخلية ومفاعيلها المتنوعة، فيكون الواقع المتعيّن تعبيراً موضوعياً عن فعالية البنى الاجتماعية في سياق تطورها الموضوعي.

لهذا فإن تجاوز الاستنقاع والركود المعرفي يتحدد في إقامة الحد على المفهوم والقطع المعرفي مع عوامل وأسباب التخلف. وهذا يعني أن الفكر العلماني والعقلاني المفتوح على التطور يُعتبر من أهم العوامل التي تساهم في تحطيم التابوات السلفية الأصولية المتزمتة التي لا تزال تتحكم بمفاعيل التطور الثقافي، وتُعيق التطور الاجتماعي. والعلمانية من هذا المنظور، تشكّل تعبيراً عن جملة تحولات اجتماعية تستغرق في سياق تطورها السياسي والاجتماعي والمفاهيمي القوانين العلمية من منظور تحليلي يستند إلى إعمال العقل النقدي في قراءة التحولات الاجتماعية.

وتتجلى العلمانية من خلال علمنة المكان والزمان. وهي بهذا المعنى متساوقة ومحايثة لحركة المجتمع والفكر الذي يميل إلى تجاوز الأشكال والأنماط الفكرية القائمة على الخرافة والنقل والتسليم والقياس والنمذجة، وفي سياق يتم فيه تمكين فصل السلطة الدينية ورموزها عن السلطة السياسية بعيداً عن مفهوم الإلحاد أو محاربة التدين. فالعلمانية ليست أيديولوجيا، وليست وصفة أو صيغة جاهزة تُفرض إرادوياً في لحظة تاريخية معينة على المجتمع، بل تُعبّر عن آليات وأشكال تفكير وممارسة وتحليل يستغرق الواقع في سياق تجاوزه الموضوعي. وبخلاف المجتمعات التي أسّست لوعي علماني يفصل بين الدين والسياسة، فإن المجتمعات العربية تخضع بشكل عام لوعي ديني. بينما السلطة السياسية تنغلق على ذاتها في أطر من التزاوج البراغماتي مع بعض الأشكال الدينية في سياق علمانية شكلانية إشكالية. ويعتبر التوظيف السياسي للدين من أهم مصادر قوة السلطة.

وقد تقاطعت الأحزاب الشيوعية العربية في سياق ممارستها السياسية والنظرية، مع جوهر الفكر الديني، والبنية المعرفية العميقة للسلطة السياسية السائدة، عندما حوّلت الفكر الماركسي إلى عقيدة ومذهب أحادي، وإلى نص مغلق يتحوّل فيه النسبي إلى مطلق. كذلك اشتغلت على تطويع الواقع مع معايير المنظومة المعرفية الماركسية بأشكال إرادوية ورغبوية. فالدوغمائية والجمود العقلي والعقائدي لغالبية قيادات الأحزاب الشيوعية، وتحديداً الرسمية، أفقدا الماركسية جوهرها الجدلي والثوري. إن المنهج الجدلي الذي يشكّل جوهر الفكر الماركسي لا يتجاوز الفكر الغيبي نقداً ونقضاً فقط، بل يستغرق المعارف العلمية، ويحوّلها إلى أدوات تحليل وتفكير للواقع الموضوعي الملموس، لتغييره وتجاوزه في سياق بناء مجتمع علماني ديموقراطي.

وهذا يفترض العمل على نقد آليات الممارسة النظرية (البراكسس) والأدوات المعرفية، وآليات العمل السياسي. وتعميق الإنتاج النظري والمعرفي القائم على نقد ونقض المنظومات والأنماط المعرفية السائدة، وذلك في سياق العمل على إنتاج هوية معرفية حداثية تساهم في بناء الدولة الوطنية الديموقراطية.

وإذا كانت الأشكال والتعبيرات السياسية العلمانية اليسارية والقومية بأشكالهما الراهنة، لم تقطع معرفياً حتى اللحظة، مع الأنماط الثقافية السائدة. وهذا يفسّر نسبياً إشكالية المد الأصولي على حساب التدين الشعبي والدين المتنور. مع ملاحظة استمرار إشكالية الوعي المجتمعي الذي يتمثل في إعادة إنتاج وعي السلطة السائدة. فإن المجتمعات التي شهدت ثورات معرفية، فلسفية، علمية، استطاعت أن تُنتج أنماطاً ثقافية تقطع مع العقل الأصولي وأشكال اشتغاله. فتراجع تأثير الوعي الديني إلى المستوى الذاتي للإنسان، حتى انحصر في ممارسة الطقوس والشعائر الدينية. وهذا يخالف واقع المجتمعات العربية التي يتداخل فيها الفكر الديني مع آليات التفكير والممارسة النظرية والسياسية. وفي سياق هذا التداخل الذي يتحول في لحظة ما إلى اندماج واندغام، يمكن للدين أن يمارس فعل الهيمنة على السياسة، والعكس ممكن. لهذا يجب التأكيد على ضرورة الفصل بينهما، والعمل على الحد من هيمنة أي منهما على الآخر. لهذا يجب ألا نفهم بأن استنهاض العلمانية المدنية الديموقراطية كردة فعل، بل كضرورة في مواجهة تزايد المد الأصولي.

وفي وقفة سريعة على قانون وحدة وصراع الأضداد، نرى أن البديل الاجتماعي الطبقي وحتى النظري يتولد من نقيضه (الحي يولد من الميت). وإضافة إلى أن الواقع الاجتماعي يحتوي على كل أشكال التناقض، فإن التطور الاجتماعي يُنتج النقائض المعرفية والسياسية والطبقية. فالفكر الأصولي الظلامي يقابله فكر علماني تنويري حداثي. والعنف يقابله النزوع اللاعنفي، والاحتكار وتراكم رأس المال في أيدي فئة اجتماعية قليلة يقابله إفقار وتهميش الغالبية. كذلك فإن الرأسمالية تُنتج نقيضها الطبقي بفعل آليات عمل وتطور وتراكم رأس المال. وإذا كانت التحولات الاجتماعية تندرج في سياق التطور العام والكلي، لكنها لا تخضع بالمعنى الضيق لمفهوم الحتمية التاريخية.

إن الفكر العلماني الديموقراطي يتحدد في مواجهة حركات جهادية تكفيرية، تعتمد في سياق بناء مشروعها الإسلامي على فكر سلفي أصولي وهّابي عنفي يناقض حركة التطور والارتقاء الاجتماعي. وهذا يستدعي بداهة تمكين بديل سياسي ومعرفي علماني ديموقراطي يتجاوز في سياق تطوره الأصولية الجهادية والاستبداد السياسي الذي يتقاطع ويتماهى في بعض اللحظات مع الاستبداد الديني. فالثورة الصناعية/ الليبرالية، تقاطعت مع تطور علمي وفلسفي تجاوز في سياق تطور المجتمعات الأوروبية هيمنة الكنيسة. بينما الواقع السوري يشهد تغوّل حركات إسلامية أصولية جهادية، وغياباً واضحاً للقوى العلمانية الديموقراطية، وتحديداً اليسارية، ومحاولات إعادة إنتاج السلطة لذاتها. وهذا يفترض موضوعياً تغييراً عميقاً في مستوى التفكير السياسي وآليات اشتغال القوى السياسية.

وبالرغم من أن الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي يفترض بداهة ولادة النقيض الموضوعي السياسي والفكري للطرف السائد وللأطراف الإسلامية التكفيرية الجهادية التي تحاول القفز على السلطة والقبض عليها، فإن الواقع في الحقيقة يفتقر إلى بديل وطني ديموقراطي علماني. فالأطراف العلمانية تعاني تناقضات وإشكاليات بنيوية، تجعلها عاجزة أمام هول الأزمة وتعقيداتها. وهذا يضع المجتمع السوري أمام تحولات مجهولة المآلات، وتحديداً في ظل استطالة الأزمة، ازدياد حدة الصراع واتساعه بين الأطراف المسلحة والجيش العربي السوري، تفاقم الاستقطاب والصراع بين القوى المعادية للسلطة لأسباب خاصة بها وأخرى تتعلق بتباين سياسات الدول الداعمة لها، ازدياد حدة الانقسامات الاجتماعية الحدية، التواطؤ الدولي والتناقض بين سياساتها المعلنة وممارساتها غير المعلنة، وتنامي الميل النكوصي لكثير من الفئات الاجتماعية إلى انتماءاتها الأولية.

وفي هذا السياق، يمكننا مقاربة واقع المجتمع السوري الذي يعاني من تنامي دور الحركات الجهادية والتكفيرية، مع واقع المجتمعات الأوروبية التي كانت تعاني من التخلف ومن هيمنة الكنيسة ومحاكم التفتيش التي كانت تقود حملات التكفير والقتل ضد العلماء والفلاسفة، قبيل التحوّل الليبرالي الاقتصادي والمعرفي. لكن مع فارق جوهري يتجلى في تلاشي دور حوامل التغيير العلماني في سوريا، بينما من ساهم في إطلاق عجلة التحول الليبرالي على المستويين الفكري والصناعي في أوروبا، هم العلماء والفلاسفة. فالواقع السوري يفترض تحالف قوى وطنية ديموقراطية علمانية قادرة على تجاوز جذور وتجليات الاستبداد والتخلف وتغوّل الحركات الدينية الأصولية والجهادية في لحظة واحدة. وإلا فإن انتصار أيّ من هذه القوى يعني إجهاض أي تحوّل وطني ديموقراطي، وإدخال المجتمع في صراع مفتوح يقود إلى التدمير الذاتي.

ولكون الأزمة السورية عامة ومركبة، فإن مهمات قوى التغيير عامة ومركبة. وهذا يعني أن المرحلة الراهنة تفترض من قوى التغيير الوطني الديموقراطي وتحديداً العلمانية واليسارية، العمل الجدّي من أجل وضع برنامج سياسي متكامل وناضج، وعلى أساسه يفترض أن يتم الاشتغال على إنضاج تحالفات سياسية واضحة ومحددة، هدفها ضبط آليات ومخارج التغيير بأبعاده ومستوياته المتراكبة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبشكل خاص الثقافية، كونها تشكل بوابة تشكيل الوعي الاجتماعي الجديد. ومن الواضح أن الفكر اليساري الديموقراطي الاجتماعي والعلماني، يمتلك جذوراً قوية في القاع الاجتماعي، وهذه الجذور تتعمّق كلما ازداد صلف المجموعات الجهادية التكفيرية وتعنّتها. وكذلك فإن القوى الحاملة لمشروع التغيير الوطني الديموقراطي الاجتماعي السلمي، ورغم كل العقبات التي توضع في طريقها، تمتلك حضوراً شعبياً مهماً، ويمكن التعويل عليه. وهذا يمكّنها من لعب دور فاعل فيما لو تم الاشتغال جدياً على المخارج السياسية للأزمة.

* باحث وكاتب سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...