الكابوس


رياض بيدس

“رأى تيمورلنك في منامه رجلا ازعجه فقتله. وسمع الشيخ بخبر الرؤيا، فأسرع الى اشيائه فجمعها وفرّ الى قرية اخرى.

فسألوه: لماذا تركت هذا الرجل، وقد وافق نجمك نجمه، وهو لا يغضب منك، وذهابك يضر بالبلدة؟

فأجابهم جحا: كنت في اليقظة ادبّر كلّ مسألة بعناية الله تعالى حسب ما يلزم واحتاط واحترز ما امكن، فتدخلت الآن احلامه، واذا لم يوافق تعبيري لها مرامه ففي ذلك خطر عظيم والعاقبة أليمة فدعوني من تعبير رؤياه”.

(جحا ونوادره، الدكتور فاروق سعد)

حاول المواطن او شبه المواطن او “اللاشيء” ان يعيش حياته على طريقته هانئا سعيدا مكتفيا بالنزر اليسير، الا ان يد الغدر والحسد والنميمة والتلفيق تدخلّت وكالت التهم له عن شمال وعن يمين، وهو يحدس ولا يحدس بما يجري، الى درجة انه فقد القدرة على الحدس. فما كان من تيمورلنك الا ان اغتنم الفرصة الذهبية لمزيد من الايقاع والتوريط بالمواطن “اللاشيء”، فراقب احلامه. ذات حلم، حلم المواطن انه يعيش في صحراء موحشة في كهف، وهو يعزف ويلهو على ناي من القصب. وفي الحال نمي الخبر الى القصر، فأعمل تيمورلنك كل ما فيه من قوة وبطش، واحضر المواطن الى بلاطه الدموي، الذي كان مجرد ذكره يبعث الرعب والهلع في النفوس. وما إن عرف المواطن الى اين يقاد، حتى اخذت خيوط الاتهامات تجري في اوصاله وشرايينه، من دون ان يعرف ما هي حقيقة التهمة الموجهة اليه. ما إن حضر تيمورلنك الى مجلسه حتى اغمي على المواطن وكاد ان يفقد حياته، لولا ان سارع الطبيب الحاضر بإسعافه برش الكولونيا على وجهه. افاق المواطن شبه مخبول، لكنه لحظة رأى تيمورلنك تمنّى لو انه لم يولد بالمرة ولعن من كان السبب في ولادته.

زمجر تيمورلنك: انت هو؟!

ارتجف المواطن كورقة في مهب الريح: م… ن… انا…؟!

ازداد تيمورلنك غضبا: وتسخر يا كلب الزمان؟! انت من انت! انت “لا شيء”!

واغمي على المواطن مرة اخرى ، لولا تدخل الطبيب الفوري. وكاد المواطن بعدما فتح عينيه ونظر خلسة ناحية تيمورلنك ان يموت بسبب منظر الاخير الذي كان الشرر يتطاير من كل كيانه.

سأله تيمورلنك: الا تعرف ماذا فعلت؟!

بجهد جهيد استطاع المواطن شبه المتداعي ان ينفي الامر.

نظر تيمورلنك الى حاشيته وداعب لحيته وقال: لا يعرف (ونظر الى المواطن غاضبا) الا تعرف حقا؟!

اجاب المواطن بصعوبة: كن… ت… نا… ئما… عندما…

غضب تيمورلنك: اخرس! تبيعني كذبا ايها المتمرّد! (وزمجر مرة اخرى) كنت تحلم، الا تعرف ان الاحلام ممنوعة ومراقبة في مملكتي؟!

صمت المواطن مستذكرا ما حلم به، لكنه نسي كل شيء بسبب بلبلته.

توجه تيمورلنك الى وزيره: قل له بماذا كان يحلم. قال الوزير: كنت تحلم انك في صحراء وحدك في كهف.

استذكر المواطن الحلم وقال: صحيح. لا اعرف كيف تسلّل هذا الحلم الى رأسي. ربما ساهمت زوجتي في ارساله اليَّ (وتأسف بينه وبين نفسه على جملته الاخيرة).

سأل الوزير: تعترف اذن؟

قال المواطن مرتجفا: اقسم اني لن احلم بعد تلك الليلة. ارحموني.

نظر الوزير الى تيمورلنك منتظرا اشارة منه للتنفيذ، في العادة الاعدام، الا ان تيمورلنك تردد للحظة ثم قال بمنتهى البرود موجها حديثه الى الطبيب ذي التقاطيع الجامدة،  مما فاجأ الجميع:

– ايها الطبيب، مر الاطباء ان يستأصلوا ذاكرته ومنطقة الاحلام في دماغه. هكذا سيكون شاهدا حيّا على من يجرؤ على المشاغبة والتمرّد في مملكتي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...