الرئيسية / صفحات الحوار / الكاتبة الإسبانية لينا ساد: سورية ضحية العالم كله

الكاتبة الإسبانية لينا ساد: سورية ضحية العالم كله

 

 

ميسون شقير

تحمل على ظهرها حقيبتها الرجالية وتمضي، تتمنى فقط أن تسرع بكل كتاباتها حول التفاصيل التي تصنعها حياة القرى الصغيرة في الروح. والقصد القرى الريفية التي ولدت فيها وعرفت فيها أول رؤية للحياة، لكنها بعد أن زارت الكثير من قرى ومدن العالم تقول الآن إن الشرق هو ما حوّلها إلى امرأة أكثر إنسانية، وهو ما جعلها تكون فنانة، “ولو أني لم أعش بلحمي ودمي خراب 2006 في بيروت وكل تلك الأحداث المروعة قبلها من مقتل الحريري ومن المظاهرات السلمية الرائعة التي شاهدتها، لما قررت الكتابة يوما”. 

إنها الكاتبة الصحافية الإسبانية لينا ساد التي تسمي نفسها كاتبة السلام. وهي التي كتبت كتابيها الأولين عن لبنان وسورية ولقيا اهتماما كبيرا في الأوساط الإسبانية والفرنسية، خاصة أنهما تضمنا مجموعة حقائق عاشتها هي بكل تفاصيلها.

وهذان الكتابان هما الكتاب النثري الذي يحمل عنوان “ماريا دي بيروت” وصدر أولا في بيروت باللغة الفرنسية، في عام 2007، ثم صدر في إسبانيا باللغة الإسبانية، في عام  2010، وتعتبره، على حد قولها، إقرارا بالحب للبنان، ذاك البلد الذي كان ولم يزل يريد أن يعيش في سلام، والبلد الذي ترى أنه أول من أعلن عن إرهاصات وبدايات الربيع العربي من خلال مظاهراته الأولى التي جاءت بعد مقتل الحريري وطالبت بإنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان، والتي كانت ماريا شاهدة عليها من لحم ودم، قبل أن تبدأ الثورة في تونس بأكثر من خمسة أعوام.

أما كتابها الثاني، الذي يحمل عنوان “ومضات من روح الشرق في إسبانيا” فهو، كما تقول في مقدمته، الضريبة أو الجزية المفروضة عليها ككاتبة، وكإنسانة إسبانية، أن تدفعها إلى سورية ولبنان، إلى هذين البلدين اللذين أشعلا النار في قلبها، واللذين تعيش مراكزهما الثقافية ومسارحهما واحتفالاتهما الثقافية والفنية الرائعة في روحها، وتعيش قلوب الناس الطيبة والمنفتحة والحضارية في أعماقها، مثلما تعيش أيضا كل من تونس والمغرب كدول عربية والأرجنتين والسنغال وتشيلي كدول لها طابعها الروحي أيضا، لكن سورية ولبنان بالنسبة لها، كما كتبت في مدونتها المعروفة، هما بلدان لا يُنسيان أبدا، وهما تاريخ البشرية الحقيقي وأجمل أمثلة على التعايش والجمال، وهما ضحية العالم كله.

كتابها الثاني هذا يدور حول عائلة سورية صغيرة لاجئة من الحرب في بلدها إسبانيا، تصل بعد رحلة عذاب لا تحتمل إلى قرية ريفية صغيرة جدا في إسبانيا، وكيف تعيد هذه العائلة نكهة الحياة للقرية، وكيف تقلب كل المفاهيم مسبقة الصنع التي بنتها الميديا المبرمجة الخطرة في العقول، وكيف يمكن لهؤلاء الهاربين من الموت أن يحملوا كل تلك الحضارة القديمة في أصابعهم وعقولهم وأرواحهم، وأن يعيدوا إنتاج الحياة هنا، في إسبانيا، بهذه القوة.

ولدت لينا ساد في منطقة “كاستيو دي دويرو” في المدينة التي لم تزل تحمل اسمها العربي كاملا وهي مدينة ابن الوليد، أو كما يسمونها في إسبانيا “باياوليد”. وقد غادرتها منذ مطلع شبابها لتدرس وتكتشف العالم، لكنها عادت إليها في عام 2011 بعد أن كانت قد عملت مدرسة للغة الإسبانية في كل من فرنسا وبلجيكا، وقد كانت مدرسة متخصصة بتعليم الإسبانية للأجانب، كما أنها كانت عضوا في المنظمة الأوروبية للغات في بروكسل. تحمل لينا ساد شهادة في الأدب واللغة الفرنسية، ودبلوما في اللغة الفرنسية للأجانب من جامعة “فرانكويس رابيلياس دي تورريس” في باريس. وقد كانت دائما شغوفة بالصحافة كمهنة أولى لصنع الحرية، وقد تعاملت مع جريدة NHU في مدريد كاتبة ومراسلة خاصة، في ما يخص العالم العربي تحديدا، وهي أيضا تعمل مترجمة حرة. سافرت إلى تونس لكي تستطيع متابعة التغيرات الاجتماعية وأحوال المجتمع المدني بعد ثورة تونس في نهاية عام 2010 وبقيت فيه سنة كاملة.

هنا حوار مع لينا ساد علها تحدث العالم قليلا عن أمكنة كان ذنبها فقط أنها اقترفت حق الحرية، وعن كاتبة قادمة من عالم آخر، من عالم أوروبي منفتح، لكنها استطاعت أن ترى الحقائق في عمق كل ما حولها، كما لم يستطع مثقفون عرب أن يروه:

عشت بدمي ولحمي حرب 2006 على لبنان

(*) بعد كل الذي عشته في لبنان، والذي وضعتك فيه الصدف، لماذا قررت نشر كتابك الأول حول تجربتك في بيروت؟

– كنت في بيروت في فترة العطلة في عام 2006، ولم تكن أبدا مجرد عطلة نقضيها كالعادة في مكان غريب ومختلف، فلقد عشت بدمي ولحمي الحرب التي شنتها إسرائيل على الجنوب اللبناني بعد أن قام حزب الله باختطاف جنديين إسرائيليين في منطقة الحدود. ولأني عشت كل تفاصيل ذلك مثلما عشت تفاصيل الوجود السوري العسكري الأسدي في لبنان، قررت أنه يجب علي أن أشرح للعالم هذه الحرب اللاأخلاقية، معتقدة أن عملي سيكون مثل تصوير للتاريخ الحاضر لهذا البلد، بالإضافة إلى التقديم الشجاع والجريء، فإن المواضيع التي يحتويها العمل هي مواضيع متعلقة بعمق بلبنان، ومهمة ومؤثرة فيه، فهو يتحدث عن الحرب الأهلية، وتفاصيل مقتل الرئيس رفيق الحريري، وتأثير هذه الحادثة على كل شيء في لبنان، ومن هي الجهات المتهمة وصاحبة المصلحة في قتله، والتعايش بين المسلمين والمسيحيين في لبنان، وتأثير وجود حزب الله على هذا التعايش. وأعتقد أن كل هذا هو محطات تحتاج أن يضاء عليها وخاصة للشعب الإسباني وللعالم الذي لا يعرف إلا ما يريد الإعلام المهيمن أن يعرفه.

(*) بعد تجربتك هذه، وبعد الدخول في عمق الأحداث من خلال وجودك كصحافية إسبانية في لبنان، ماذا يعني لك الآن حزب الله؟

– عشت في لبنان طيلة ثلاث سنوات، ولإعطاء رأي بكل حيادية ومنطقية، وبعمق ودقة، كان عليّ أن أعيش أكثر من ذلك الوقت لكي أشكل رأيا أكثر شمولية. في هذا الشأن أكرّر ما تساءلته ماريا، بطلة الكتاب، حول حزب الله: هل هو كما يقول مجموعة عسكرية حامية للبنان من إسرائيل؟ أم أنه مجموعة إرهابية منظمة وخطيرة؟ أم دولة عسكرية داخل دولة؟

(*) أقمت كثيراً في البلاد العربية، فما هي أهم الأشياء التي وجدتها في قلب المجتمع العربي كامرأة قادمة من أوروبا؟

– كنت سعيدة عندما زرت كلا من لبنان، وتونس، والمغرب، وسورية، فإنها دول مشابهة لإسبانيا، وكلها من البلاد المجاورة للبحر الأبيض المتوسط. وكنت دائما أشعر أنني في بلدي، فالمناخ والبيئة متشابهان جدا، كما أني أحمل في ذاكرتي الكثير عن الحضارة العربية فأنا ابنة إسبانيا التي عرفت ثمانمئة سنة من الحضارة العربية المؤثرة في كل تفاصيل الحياة، فهي مؤثرة في فن العمارة، وفي اللغة التي أتكلمها، وحتى أن هناك الكثير من التقاطعات بين الشخصيتين العربية والإسبانية، لكن ما لفت نظري في المجتمع العربي هو اختلاف وضع المرأة فيه عما هو في أوروبا، ولكن أيضا لم يكن مثل الصورة النمطية التي في أذهاننا نحن الأوروبيين عن المرأة العربية، بل كانت المرأة في تلك البلاد، في كل مرة أعود وأزورها فيها من جديد، تمتلك استقلالية أكثر من قبل، وتتمتع بحرية أكثر من السابق، وهذا ما يفرحني دائما لأنها تستحق ذلك، لكن الحقيقة الصادمة التي وجدتها والتي تواجه الغريب عن المجتمع العربي في كل تفاصيل وجوده في بلد عربي، هي أنه في معظم الدول العربية لم تزل السلطة السياسية والدين، أو الدين والدولة، متعلقين جدا ببعضهما ومتلاصقين، وهذا من أهم المشكلات التي يعاني منها المجتمع العربي بشكل عام، طبعا مع مراعاة اختلاف النسب بين دولة وأخرى.

(*) كتابك حول مرحلة تاريخية مهمة لبلد عربي من وجهة نظر صحافية إسبانية عاشت هذه المرحلة بلحمها ودمها. لماذا لم يُنشر بالعربية؟

– الكتاب منشور باللغة الإسبانية الرسمية تحت عنوان “ماريا دي بيروت”، كما أنه منشور بالفرنسية تحت عنوان “حول ماريا البيروتية”. وأتمنى في المستقبل أن يجد الكتاب الطريق للنشر بالعربية مع دار نشر جيدة.

أنا داعمة جداً للشعب السوري

(*) ذكرت أنك زرت سورية قبل فترة من بدء الثورة فيها، وقبل هذه الحرب القاتلة، فما هو انطباعك الحقيقي عن النظام الحاكم فيها؟

– قبل كل شيء، أنا داعمة جدا للشعب السوري الذي يعيش حربا مرعبة منذ عام 2011، وأتمنى أن يتوقف العالم عن المساهمة في قتل هذا الشعب، وأن يستطيع هذا الشعب الجيد والمميز أن يجد طريقه واتجاهه، عن طريق اختياره ووصوله لمرحلة الديمقراطية التي ثار من أجل الحصول عليها.

لقد زرت سورية عدة مرات، إنها دولة أمنية بالمطلق، ديكتاتورية مرعبة، لقد رأيت صور الرئيس وصور أفراد عائلته تملأ كل ساحات وطرقات البلد، ودائما كان السجن والتعذيب رد النظام على كل من يتجرأ ويمتلك رأيا سياسيا، أو اقتصاديا، أو فكريا، مختلفا عما يصر عليه.

إن كتابي الجديد، الذي طبع بعد الكتاب الذي نشر عن لبنان، هو حول نموذج للشرق في الغرب، ويتحدث عن قصة عائلة سورية لاجئة وصلت إلى إسبانيا واستقبلت في إحدى قرى الريف الإسباني، وشكل وجود هذه العائلة تغيرا كبيرا في كل تفاصيل حياة هذه القرية.  وتحديدا ما أردت أن أقدمه هو التجربة المرعبة لأفراد هذه العائلة بعد أن قصفت الطائرات بيتهم وحياتهم، وبعد أن وصلوا هربا إلى تركيا مرورا بالألغام وبحرس الحدود، وبعد أن عبروا البحر في قارب ليس مجهزا إلا للموت، ثم وصولهم إلى مخيمات القهر والذل في اليونان التي عاشوا فيها سنة كاملة قبل أن تأخذهم إسبانيا، لكنهم مع كل هذه القصة استطاعوا أن يؤثروا كثيرا في كل شكل الحياة في القرية، وأن يحولوها إلى قرية نابضة بالحب والزراعة والخير. وهو سوف ينشر عما قريب من خلال دار النشر “الديوان” التي تهتم بنشر الكتب العربية المكتوبة في إسبانيا.

ضفة ثالثة

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...