الرئيسية / صفحات سورية / اللحظة الراهنة من الثورة السورية

اللحظة الراهنة من الثورة السورية


غياث نعيسة

اثار التحول النسبي في الخطاب الرسمي للحكومة الايرانية و بعض التحول في خطاب حزب الله في دعوتهما للحوار بين الحكومة السورية و المعارضة من اجل الاصلاحات في سورية ، و الجلجلة الدبلوماسية من تركيا الى قطر و روسيا و اخيرا الى الجامعة العربية و مبادرتها الاخيرة حول سوريا ، الى عدة تساؤلات تخص الواقع السوري.

كما شهدت الدوحة عدة اجتماعات للمعارضة السورية برعاية قطرية ، تسارعت بالأخص بعد زيارة امير قطر لإيران، تسعى الى لململة العديد من اطراف المعارضة العديدة و المختلفة في اطار واحد باسم المجلس الوطني او ما اشبه، لينطق باسم المعارضة السورية كلها.

ما الامر و ماذا يجري؟

يشير الواقع على الارض ، ان الانتفاضة الشعبية السلمية السورية و بعد ستة اشهر من اندلاعها و بالرغم من التضحيات الهائلة التي قدمتها في مواجهة الة القتل للسلطة الدكتاتورية لم تسقط النظام الدكتاتوري بعد ، و ان النظام ما يزال يحتفظ باحتياطي للعنف و القتل كبير جدا . و رغم ذلك فان الانتفاضة السورية الرائعة ما تزال مستمرة و لن تتوقف رغم كل اشكال القهر و القمع التي تمارسها الطغمة الحاكمة. انه وضع ثوري مستمر، بمعنى ان الشرائح الشعبية لم تعد تقبل ان تحكم كما كانت من قبل ، و ان الشرائح الحاكمة لم تعد تستطيع ان تحكم كما كانت تفعل من قبل، و الشرائح الوسطى في حالة تأرجح بين الاثنين ، و ان بدأت تميل الى الشرائح المنتفضة.

من جهة النظام ، فانه و ان كان لم يسقط بعد الا انه اصبح اكثر ضعفا بكثير ، كما انه فقد شرعيته داخليا و يتعرض الى حالة من الادانة الدولية لممارساته الوحشية ، و لم يستطع – و لن يستطيع- ان يسحق الانتفاضة الشعبية المستمرة. في حين ان ردود فعل الدول الامبريالية و الامم المتحدة و غيرها من المؤسسات الدولية اضافة الى القوى الاقليمية لم يكن ابدا يعبر عن قرار اتخذته بإسقاط النظام السوري بقدر ما ان ردود فعلها النقدية تجاه النظام هي نتيجة لصعوبة استمرارها بالصمت على مجازر النظام السوري بحق المدنيين بعد اشهر طويلة ، فأصدرت عددا من العقوبات و التصريحات النارية، و لأنها وجدت فيها فرصة سانحة لها لفرض شروط علاقاتها بالنظام الحاكم . ولكنها في الاسابيع الاخيرة عادت الى ما يشبه الصمت.

ليس بوسع اي عاقل الا ان يلحظ ان ما يسمى بالمجتمع الدولي(القوى الامبريالية) و القوى الاقليمية اعطت و ما تزال تعطي النظام مهل متواصلة لإخماد الانتفاضة الجماهيرية، على حساب بحار من الدماء و الالام لجماهير الشعب السوري.

لهذا يأتي تحول خطاب الحكومة الايرانية و الروسية و حلفائهما بإقرارهما بحق الشعب السوري بالحرية من جهة و بضرورة الحوار بين النظام السوري الحاكم و المعارضة ، من جهة اخرى، ليضعهما في موقع الوسيط في عملية الحوار هذه ، و قد اندفعت بعض اوساط المعارضة للتعامل مع هاتين الحكومتين على هذا الاساس. و المساعي القطرية تندرج في السياق نفسه.

و على ما يبدو، فان الهدف الواضح من التوافقات الروسية –الايرانية –القطرية هو جر المعارضة (والى حد ما طمأنة النظام الذي يرفض حتى الان اي نوع من انواع التنازلات الشكلية) الى حوار يسمح بإيجاد مخرج للمأزق الذي وقعت فيه الطغمة الحاكمة في سوريا ، و يمنع انهيار النظام السوري و انقاذ اسسه مع ادخال بعض التعديلات عليه و خاصة فيما يخص بمشاركة المعارضة في الحكومة.

في المقابل ، تشهد المعارضة السورية غليانا كبيرا يشمل إعادة التحالفات و المؤتمرات و خرائط الطرق للخروج من (الازمة) ، و ان كان لهذا تفسيره بعد غياب طويل للنشاط السياسي بسبب الاستبداد ، لكن شعورا سائدا بدأ يغزو الخطاب السياسي المعارض هو ان تشكيل تحالف ناطق وحيد باسم المعارضة (مجلس انتقالي او ما شابه ذلك) هو شرط للنصر(كذا) . لكن ، و لكثرة ما اعلن عن تشكيل مجالس و فشلها اصيب الوسط المعارض و حتى الثائرين الميدانيين بنوع من الاحباط . و الحقيقة هي ان تشكيل صوت واحد ناطق باسم المعارضة (الموحدة) هو بالدرجة الاولى مطلب اقليمي و دولي و ليس شرطا لتقدم الانتفاضة او انتصارها. كما انه يبدو، من خلال فشل كل المحاولات السابقة، ان تحقيق تحالف يضم الجميع ليس بالضرورة ممكنا . و لعل ما هو مطلوب و اجدى هو نوع من ائتلاف لقوى الثورة الفاعلة على الارض حول عدد من المبادئ و الاسس المشتركة ، و الاهم هو توحيد كافة الجهود في نضالات مشتركة على الارض من اجل اسقاط الدكتاتورية، و ليس المطلوب بالضرورة تشكيل اطر سياسية جديدة و اضافية للمؤتمرات و اللقاءات التلفزيونية و الاعلامية، لأن فكرة توحيد الجميع في اطار واحد كناطق رسمي و وحيد(على طريقة منظمة التحرير الفلسطينية) قد لا يكون ممكنا و لا نعتقد انه ضروريا. المهم معرفة من؟ و من اجل ماذا؟ و خاصة، كيف؟ لان المعارضة تضم اصواتا مختلفة بعضها يدعو للحوار مع السلطة(و ان كان ببعض الشروط) واخرى تدعو الى مرحلة انتقالية مع النظام و ثالثة تدعو الى اسقاط النظام ، وهنا ايضا هل يكون الاسقاط بفعل الشعب السوري وحده(سلميا ام مسلحا) ام بتدخل عسكري خارجي؟ ام باستراتيجية ثورية تسمح للجماهير السورية بإسقاط النظام و بناء سلطتها الديمقراطية، و هذه الاستراتيجية الاخيرة هي ما تفتقر له الثورة الشعبية السورية حتى الان، و ليس كما يشاع الاعلان عن هذا المجلس ام ذاك.

و الحال، فان التفات التنسيقيات الميدانية و الثوريين على الارض نحو المعارضة لتوحيد نفسها انما ينبع من احتياجها المذكور اعلاه لاستراتيجية عملية و واضحة لإسقاط النظام الدكتاتوري ، و اعتقاد بعضهم انه بإمكان قوى المعارضة تقديمها. غير انه ، وبعد ستة اشهر من اندلاع الانتفاضة الجماهيرية العفوية، أدرك الثوار أن حاجتهم الماسة الى هذه الاستراتيجية الثورية التي تسمح بانتصار الثورة قد لا توفرها قوى المعارضة التقليدية، التي تلف و تدور حول قضية غير جوهرية هي لزوم توحيد نفسها باي ثمن و كيف ما كان.

و في كل الاحوال ، و في هذه اللحظة التي يمارس فيها النظام الاستبدادي بوحشية كل انواع القتل و التنكيل و القهر بحق الجماهير المنتفضة ، وفي الوقت الذي لم تحقق فيه الانتفاضة الشعبية بعد ميلا واضحا في موازين القوى لصالحها، ما يجعلها الطرف الاقوى في الصراع ، فان اي حوار مع هذه الطغمة الدموية لن يكون الا اذعانا و استسلاما لها و لشروطها و خيانة للثورة و لتضحيات جماهير شعبنا المنتفضة.

اننا ندعو الى توحيد اليسار السوري المنخرط في الثورة في اطار نضالي موحد ليكون اكثر تأثيرا و فعالية في دعوته الى ضرورة القيام منذ الان ببناء اجنة بنى الحكم الشعبي الثوري من الاسفل من خلال بناء مجالس او تنسيقيات العمال و الفلاحين و الاحياء و الجنود و غيرها، بحيث تدير قضايا النضال اليومي و الحياة اليومية للمناطق المعنية، و مراكمة سلسلة من الإضرابات و اشكال العصيان المدني وصولا الى الاضراب العام الجماهيري . مع الدعوة الى قيام حكومة شعبية ثورية، تعبر عن مصالح الشرائح الشعبية العريضة، نابعة من هذه المجالس و التنسيقيات من اجل اسقاط النظام الدكتاتوري و الدفع بالسيرورة الثورية الى مالاتها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...