الرئيسية / صفحات الثقافة / المسرحي الكبير سعد الله ونوس في قلب الثورة العربية: الفيل يا طاغية الزمان

المسرحي الكبير سعد الله ونوس في قلب الثورة العربية: الفيل يا طاغية الزمان


(المسرح فارغ. زقاق تحصره في الخلف بيوت بائسة يتراكم عليها القدم والأوساخ. جلبة بعيدة وراء المسرح. ولولة. امرأة تصرخ. أقدام تتراكض.

يستمر هذا الجو الثقيل فترة

يعبر الزقاق رجل مسرع الخطى متجهم الوجه)

الرجل 1: (مستوقفاً الآخر) وإذن فالخبر صحيح!

الرجل 2: يا ويل أمه. ميتة لا يشتهيها المرء لعدوه.

الرجل 1: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. وأين حدث ذلك؟

الرجل 2: قرب دكان أحمد عزت. هناك لا يخلو الزقاق أبداً من الأولاد.

الرجل 1: كنت موجوداً؟

(يدخل رجلان آخران وهما يتحدثان. جميع الذين يدخلون إنما يأتون من الجهة التي يتناهى منها الضجيج)

الرجل 3: أرأيتم الى البيضة حين تسقط على الأرض؟ والله هكذا كان جسمه. كمية من الدم والأمعاء متناثر على أرض الزقاق.

الرجل 4: ماذا تنتظر؟ طفل لين العود يدوسه فيل ضخم كفيل الملك. يا لطيف..

الرجل 5: (منضماً اليهم) هذا الفيل!

(تدخل امأتان ومعهما طفلة صغيرة تمسكها أمها من يدها. الدموع بادية في عيون المرأتين. تنضم المرأتان والطفلة الى الرجال. شيئاً فشيئاً يتشكل اجتماع شعبي).

الرجل 2: الطفل صار حطاماً، والفيل تابع سيره غير مكترث بشيء.

الرجل 3: (متنهداً) تعرفون طبعاً.

الرجل 2 و4: (معاً) نعرف يا سيدي نعرف.

الرجل 3: فيل الملك

الرجل 5 والمرأة 2: (بصوت واحد تقريباً) آه.. هذا الفيل! (فترة تتراءى فيها الرهبة والجزع)

الطفلة: أمي.. ولماذا داسه الفيل؟..

المرأة 1: من يعرف يا ابنتي! نصيبه.

الطفلة: ألن يعاقبوه؟!

المرأة 1: يعاقبون من؟

الطفلة: الفيل…

(الجميع يهزون رؤوسهم)

الرجلان 4 و5: (بيأس) يعاقبونه!

الرجل 2: ومن يستطيع أن يعاقب فيل الملك!

(تدخل امرأة عحوز وهي تولول بصوت حاد، وتضرب بقبضتها على صدرها)

المرأة 1: الأطفال يداسون في الطرقات.

المرأة 3: ولا أحد يجرؤ على الكلام.

الرجلان 3 و5: الكلام!

المرأة 2: لا أمان على رزق أو حياة.

المرأة 3: ولا أحد يجرؤ على الكلام.

الرجلان 3 و5: الكلام!

الرجل 4: بدأت النسوة تخرّف.

الرجل 2: (يهز رأسه) كأن الكلام سهل.

الرجل 4: لا تعرف ما تقول.

الرجل 3: هذا فيل الملك يا امرأة.

(يدخل رجل سادس، وينضم الى الآخرين)

المرأتان 1 و2: (معاً، بصوت فارغ) نعم.. فيل الملك.

الرجل 7: على مد عمري رأيت كثيراً من الفيلة. لكل ملك فيله، ولكن حتى الآن لم أر كهذا الفيل شراً وغطرسة.

الرجل 8: لا يمر يوم من دون أن نرى لوناً من أذاه.

الرجل 3: احذروا..

الرجلان 4 و5: إنه فيل الملك.

الرجل 9: والملك يحب فيله كثيراً.

المرأة 3: (من خلال نحيبها) ونحن.. ألا نحب أولادنا!

المرأة 4: ليخطفني الموت قبل أن يصيب واحداً منهم مكروه.

الطفلة: ولماذا يحب الملك فيلاً مؤذياً يا أمي؟

المرأة 1: من يعرف يا ابنتي!

الرجل 8: يا الله.. من أين جاءتنا هذه المصيبة!

الرجل 9: المصائب مقيمة أبداً..

الرجل 7: تعشش في ديارنا كالفئران.

(يدخل زكريا ـ شاب نحيل، عصبي الوجه، عيناه محتقنتان بالغضب ـ ومعه رجال آخرون)

زكريا: (الصوت عنيف وساخط) ما هذا؟ حالة لا تطاق، ولا تحتمل. (يلتفت اليه الجميع بخشية وحذر) ألا يكفينا ما نحن فيه. فقر وعذاب.

الرجل 11: مظالم وأعمال سخرة.

الرجل 2: الله يبصر.

ظكريا: أوبئة.

الرجل 12: مجاعات..

زكريا: ضرائب تفوق كسبنا الهزيل.

الرجل 5: ربكم بصير.

الرجل 7: يتعب اللسان لو بدأنا الحديث عن همومنا.

زكريا: وفوق الحمل يجيئنا هذا الفيل..

المرأة: (مولولة) لا أمان.. لا أمان على شيء.

زكريا: لم نر يوماً أبيض منذ بدأ يسرح في المدينة.

الرجل 8: لا حارس ولا لجام.

زكريا: يلذه الشر كالغذاء.

الرجل 7: كل يوم ضحية.

الرجل 1: وكل يوم مصاب.

زكريا: البارحة خرب بسطة عيسى الجردي. أتلف كل بضاعته، وتركه يبكي خرابه وإفلاسه.

الرجل 5: مسكين سيجوع أهله.

زكريا: وأبو محمد حسان. أما كاد أن يودي به؟

الرجل 11: لولا حلم الله لقضي عليه. ظهره متورم.

الرجل 8: لن يغادر الفراش قبل شهور.

المرأة 3: لا أمان.. لا أمان على شي.

الرجل 12: علفت خروفي ثمانية أشهر هرسه الفيل كالبرغوث، هرسه كالبرغوث.

الرجل 4: يا لطيف..

زكريا: وخربت مزروعاتنا.

الرجل 7: لم يدخل أرضاً إلا أفسد زرعها، وأتلف محصولها.

الرجل 11: والنخيل. كم نخلة كسر حتى الآن!

الرجل 8: والله كسر النخلة الوحيدة التي أملكها.

(ثم تبدأ الأصوات في التمايز…)

المرأة 3: لا أمان.. لا أمان على شيء.

ـ أتنسون أنه فيل الملك!

ـ ما هذه الأيام السوداء!

زكريا: ويوماً بعد يوم ستزداد الضحايا وتكبر المصائب.

الرجل 11: اليوم طفل بريء، وغداً من يعرف!

اصوات: ـ يا جماعة.. أراكم تنسون أنه فيل الملك.

زكريا: يمص دمنا المزرق.. والحالة من يوم الى يوم تسوء.

الرجل 7: وهل بقي في عروقنا دم؟

الرجل 2: الله يبصر.

الرجل 5: الصبر مفتاح الفرج.

زكريا: وإلام نصبر؟

أصوات: (مبعثرة، ومتتابعة) حتى يفرجها الله.

زكريا: نولد ونموت وأعمارنا ليست إلا انتظاراً للفرج. صبرنا على الفقر.

الرجل 11: صبرنا على الضرائب والأوبئة.

الرجل 7: صبرنا على المظالم وأعمال السخرة.

زكريا: والآن يأتي هذا الفيل، فيدوس كل ما بقي لنا.

الرجل 11: أولادنا.

الرجل 8: أرزاقنا.

المرأة 3: لا أمان.. لا أمان على شيء.

زكريا: ولو دام الحال، فسيأتي دور كل منا كي يبكي ابنه، أو يبكيه لا ما عادت الحالة تطاق.

[ تم التصرف بالعنوان وبالسياق اختزالاً لضرورة الحيّز

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

9 + 1 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...