الرئيسية / صفحات سورية / الموقف الروسي من الثورة السورية: الأسس الأخلاقية لتوسل العنف

الموقف الروسي من الثورة السورية: الأسس الأخلاقية لتوسل العنف


فراس قصاص

يعود إلى اقتناع وتبني الحكومة الروسية لرواية النظام السوري عن الأحداث التي تحصل في بلاده، الأثر الكبير في بنائها لموقفها من الثورة السورية، ولاستخدامها حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار تقدمت به المغرب، ودعت فيه مجلس الأمن إلى تبني المبادرة العربية التي قضت بتسليم بشار الأسد سلطاته إلى نائبه الأول، وبدء إطلاق عملية سياسية يجري بمقتضاها تشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها المعارضة وتشرف على إطلاق مرحلة جديدة في سورية .

تخلص الصورة المتحصلة لدى الروس بعد أخذهم بسيناريو النظام السوري، إلى تحميل مسئولية العنف المشتعل في سورية إلى طرفين يمارسانه، وليس طرف السلطة وحده، فالمعارضة بحسب الموقف الروسي متورطة أيضـــا في مهاجمة القوات الحكومية والمنشآت العامة والمقرات الأمنية.

عدم ركونه إلى الأسس الأخلاقية والمشروعة التي تبيح توسل العنف الحاصل من جهة الثورة، وخلطه في فهم ذات الأسس أثناء تسويغه للعنف القادم من جهة السلطة، مع عدم تمييزه الوظيفي بين كل من العنفين، عوامل تبرز تهافت الموقف الروسي، وتفسر ربما مع توافر المصلحة الروسية بما يدفع لتكوين معرفة مبنية على أساس عنف الجهتين في سورية، الآليات النظرية الداخلية لإنتاجه .

الخلط الحاصل في قراءة الحكومة الروسية لعنف النظام السوري، يتبدى في إدراجها إياه تحت خانة عنف الدولة المقونن، أي العنف المشروع الذي يمنح المجتمع حق ممارسته الحصرية لسلطة الدولة، بناء على قانون عام يقره المجتمع نفسه وتعمل السلطة على إلزام نفسها والكل الاجتماعي به، في حين أن عنف النظام السوري،الذي لم يصل إلى موقع السلطة بتفويض من الشعب، والاحتكام إلى إرادته، بل إلى إرادات القوة والغلبة والحذاء العسكري، لا يمكن قياسه عيانا إلا إلى العنف المافيوي المنفلت، الذي لم يعرف قط الالتزام بقانون، حتى ولو كان هذا القانون من صنعه هو.

عنف النظام السوري الذي يواجه به مجتمعه هذه الأيام، هو الإجراء المنطقي بحكم الخبرة، لمن حاز على موقع السلطة وقفز إليها وحافظ عليها بقوة السلاح، إنه وسيلته المثلى للقهر والوقوف ضد تطلعات الشعب السوري العادلة إلى الحرية والكرامة، كما كان وسيلته المثلى لتقويض سيادة القانون والحكم بمقتضى حالة الطوارئ التي تحلل بموجبها من كل قيد وكل معيار. يمتنع من كل الزوايا السياسية – الاجتماعية، ووفقا لمختلف الأدبيات السياسية ذات العلاقة، اعتبار العنف الذي يستخدمه النظام السوري في قمع شعبه عنفا مشروعا، فإذا كانت بعض المنظورات السياسية، تنفي أساسا، وجود أي عقد اجتماعي حاصل بين الشعب السوري وبين النظام السوري، يمنحه بموجبه حق ممارسة العنف، بسبب وصول الأخير إلى السلطة بانقلاب عسكري، واســتمراره في الحكم رغما عن إرادة الشعب، فإن المنظورات الأخرى التي تعتبر قبــــول الناس حتى ولو كان قهريا للسلطة، شكلا من أشكال العقد الضمني بينـــهما يتم بموجبه منحها حق ممارسة العنف، إنما تقول بانتهاء هذا العقد، وفرطه نتيجة لاشتعال الثورة السورية، وخروج الناس بأعداد كبيــــرة من أجل إسقاط هذا النظام والإطاحة به، ناهيك أصلا أن كل المنظــــورات التي تعاير عنــف الدولة المشروع إنما تربطه بالتزام طبقة السلطــــة بالقانون وبسيادته في علاقتها مع مجتمعها، وهو ما لم يحصل طوال مرحلة حكم النظام السوري المستبد لسورية .

أما الأساس الأخلاقي والمشروع للجوء إلى العنف، والذي لم تعره الحكومة الروسية اهتماما أثناء بنائها لموقفها من العنف القادم من جهة الثورة، فهو الأساس الذي اتفقت المنظومات القيمية، الروحية والزمنية معا على معياريته للشرعية، إنه حق الدفاع المشروع عن النفس. رد الفعل المقاوم لعنف النظام، والذي لجأ إليه الثوار السوريون، جاء محمولا على هذا الحق تماما. لقد خرج الشعب السوري في معظم فترة الثورة يطالب بالحرية، وبالانعتاق من أسباب الخوف والقهر والاستبداد، مسالما، يتظاهر ويرقص في الساحات العامة ويغني مطالبه، أبدع السوري بالفعل أشكاله الجميلة في الاحتجاج السلمي، لكن النظام السوري شن عليه حملة عنيفة، واجه بها سلمية التحركات الشعبية وعدالة مطالبها، فاقتلع حناجر مطربي الثورة وقتل الأطفال والأبرياء وزج بعشرات الألوف في المعتقلات، واستمر الحال هذا لأشهر طويلة دون أي بارقة أمل في عودة النظام عن قتله شعبه، الأمر الذي أدى إلى حصول تمرد بادئ ذي بدء في صفوف الجيش النظامي، فرفض جند وضباط من رتب مختلفة قتل شعبهم، وأصبحوا بعد هذا عرضة لنيران أجهزة النظام القمعية، ولجأ آخرون من المدنيين إلى الدفاع عن عائلاتهم وأطفالهم إزاء استشراس همجي لشبيحة النظام وأمنه، فنشأت بذلك المقاومة العنفية للنظام .

لكن ورغم ما سبق يبقى عدم التمييز الذي وقع به الموقف الروسي بين همجية العنف القادم من طرف النظام السوري ووظيفته القمعية المعيقة للحرية والتحول الجذري نحو الديمقراطية وبين عدالة وشرعية وأخلاقية الآخر القادم من طرف الإنسان السوري ووظيفته التأسيسية لتاريخ جديد ومستقبل سوري حر وكريم وعادل، من أكثر مآزق ذلك الموقف وضوحا وجذرية.

‘ كاتب وناشط سوري

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...