الرئيسية / كتاب الانتفاضة / رياض خليل / اليسار السوري: تاريخ فاشل ودعوة لإعادة البناء

اليسار السوري: تاريخ فاشل ودعوة لإعادة البناء


رياض خليل

السمة المشتركة التي تميز الحركات والأحزاب في سوريا ، كما في بلدان المنطقة ، هي أنها أشبه ماتكون بعشائر أو قبائل أو عائلات سياسية ، تحتكر زعامة تلك الحركات والأحزاب ، وتديرها بطريقة أبوية متزمتة ، محولة إياها إلى تشكيلات (دينية/ دنيوية ) بطبيعتها وممارساتها ، ويتجلى ذلك بمظاهر لاتختلف عن المظاهر التي تتجلى فيها الحالة الدينية ” الميتافيزيقية ، من كل الحيثيات ، فالأفكار لديها هي عقائد مقدسة ( وهي حالة مرضية ) وقادة الفكر ( أنبياء ) /

ويمتد هذا الواقع ليشمل الحركات اليسارية والشيوعية في المنطقة العربية عموما ، ومن ضمنها سوريا . فالحزب الشيوعي السوري الذي يعتبر من أقدم الأحزاب في سوريا ، والذي تأسس عام 1924 بزعامة خالد بكداش ، هذا الحزب لايشذ عن الحالة ، حيث كان واستمر حزبا عائليا ، من حيث الرأس ، وشبه عائلي من حيث قيادته ، ولجنته المركزية . طوال عقود ، كان أشبه مايكون بشركة مساهمة محدودة ، من حيث تراتبية المناصب القيادية .

ومع أنه من أقدم وأعرق الأحزاب العقائدية السياسية في سوريا ، فإنه لم يحصل أي مكاسب ذات قيمة من حيث الرصيد الشعبي ، وقد سبقته الأحزاب العقائدية القومية بأشواط ، وتمكنت من تكوين رصيد شعبي مهم ، ولاسيما بسبب تأثر الشارع بأمراض الثقافة الشوفينية الوافدة من الغرب . واستطاعت الأحزاب القومية أن تزاوج مابين القومية والاشتراكية ، وحققت من خلال ذلك سبقا كبيرا ، وحسمت التنافس السياسي والتنظيمي لصالحها ، ما مكنها من الاستيلاء على السلطة السياسية ، والسيطرة على الشارع بكل ما ملكته من وسائل السلطة وأدواتها . وبسبب اضطرار تلك الحكومات الجديدة ( البعث مثالا ) إلى التحالف مع المعسكر الاشتراكي لأسباب منها ضرورة تأمين الغطاء الدولي لها ، ولمواجهة ( الإمبريالية؟!) .. اضطرت إلى مراعاة ومجاملة الحزب الشيوعي السوري ، بصفته الإبن المدلل لموسكو ، وتعاملت معه ، على أن يكون شريكا فخريا أكثر منه فعليا في الحكومة ومؤسسات السلطة الأخرى ، مع تقييد مساحة نشاطه الحزبي والسياسي ، إلى أقصى الحدود . وقد جرى ترتيب كل ذلك بمباركة العراب السوفييتي ورعايته ، الذي انطلق من تقديم أولوياته الاستراتيجية الدولية ، على مصلحة الحزب الشيوعي السوري ومصالحه القطرية السورية والسياسية ؟

وكان الروس يدركون حقيقة أن الحزب الشيوعي السوري البكداشي هو أقرب مايكون لفرع الحزب الشيوعي السوفييتي منه إلى حزب شوعي سوري مستقل .. وصاحب قرار منفصل عن موسكو ، والمبرر غير المقنع هو تغليب الأممية على القطرية في العلاقة والبرنامج والعمل والأهداف .

هذه الحيثيات ، يضاف لها حيثيات أخرى .. كانت سببا في الانفصال النسبي للحزب عن الواقع الاجتماعي / بطبقاته وفئاته الواسعة ، التي كانت ضحية المد القومي الشوفيني المتصاعد في المنطقة ، ومنها سوريا . وأدت منذ العام 1970 ، إلى تشظّي الحزب قيادات وقواعد ، بما يشبه ” انقسام الخليّة ” كطريقة للتكيف والاستمرار . وهي طريقة تفرضها بدائية ” الخلية ” في سلم الحياة ” الداروينية ” . وهذا الانقسام لم يتوقف عند حد ، بل تحول إلى انقسامات متوالية ومتعاقبة ، لتعبر عن أزمة التنظيم والفكر والمنهج الشيوعي / الماركسي عموما ، والسوري خصوصا . أزمة شملت تجلياتها كل النشاط الماركسي التالي على الساحة السورية ، ومنها عزلته الجماهيرية المتمثلة بالضعف الملموس لحضورها السياسي : التنظيمي والنظري كما ونوعا .

وقد حصل ذلك كله على خلفيات أخرى ، كمسألة الغرق في المساومات والتحالفات مع السلطة الحاكمة التي تمكنت من تخطي اليسار ، لتدخل مباشرة وكطرف قوي في التحالفات الاستراتيجية والتكتيكية كدولة مع روسيا الاشتراكية ، وهذه الأخيرة اختارت أن تعطي الأولوية للحليف / الدولة / السلطة / على حساب الحركات والتنظيمات المنبثقة عن الحزب الشيوعي السوري المحطم . ومن هذه الحركات ما اختارت التحالف مع السلطة ، وأخرى على العكس منها اختارت الخندق المعارض للسلطة ، وكان أن دفعت أثمانا باهظة جراء ذلك من القمع والتنكيل والملاحقة والتشهير وسائر أنواع التضييق والإلغاء ، دون أن يفيدها ذلك من بعيد أو قريب في ازدياد شعبيتها وتأثيرها في مجرى الحياة السياسية السورية .

وما زاد في الطين بلّة ، هو انهيار المعسكر الاشتراكي ، وفشل التجربة الاشتراكية على الصعيد العالمي ، والتي جسدت نوعا م الديكتاتورية والشمولية والفشل ، ماعزز عدم ثقة الناس والجماهير بها على جميع الصعد ، وقلص من جاذبيتها الشعبية . وانعكست عاملا جديدا للمزيد من التمزق والتشتت والانقسامات والتشرزم لقوى اليسار الشيوعي / الماركسي في كل مكان ، ومن ضمنها سوريا

وفي سوريا .. لم تتوقف الانقسامات ، لتنشأ عنها ومنها حركات ومجموعات تكاد لاتتعدى العشرات من المثقفين ، عدا عن الأفراد ” الألكترونات ” التي انفصلت عن باقي ” الذرة ” الشيوعية / الماركسية ، وبات مستقلة ، تعيش حياتها الخاصة ، والمتحورة , والمختلفة في خصائصها عن الأصل الذي انبثقت منه وعنه ، وكونت لنفسها مايشبه عالمها الخاص ، مافرض عليها نوعا من التهجين من أجل إعادة التكيف والتكييف مع المحيط . ونشهد مئات .. وربما آلاف من الشخصيات المثقفة المستقله ، أو شبه المستقلة ، المتحدرة من أصول ماركسية ، لكنها معدلة وراثيا ، وتكاد تكون مختلفة عن الأصل في الكليات والجزئيات والتوجهات ، ومنها من انحرف كليا أو جزئيا عن الماركسية ، وغير بوصلته واصطفافه ليصبح ليبراليا أو شبه ليبرالي ، وتبنى الفكر والممارسة الديمقراطية الراهنة ، بالمعايير الغربية التي أصبحت معايير عالمية عبر تأسسها على المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان المدنية والسياسية ، وما يتصل بها من إضافات وتفرعات مجمع عليها عالميا ، وموقع عليها من قبل الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة .

في مثل هذه الصيرورة التاريخية ، اضمحل تأثير الشيوعية / الماركسية / الكلاسيكية بشكل هائل ، لصالح تعاظم تأثير الفكر الديمقراطي بمفهومه العالمي الراهن ، الذي حسم المعركة مع نظريات : الديمقراطية الاشتراكية ، والشعبية ، وحتى البرجوازية . وبات من الصعب حرف المفهوم العام للديمقراطية عبر إضافته لمثل تلك النعوت ، باعتبارها تشكل مضمون الديمقراطية ، وتأكد أن الديمقراطية الحقيقية لاتحتمل مثل هذه المضامين والنعوت ، حين توضع على محك الواقع والتجربة .

لقد تقلصت مساحة العمل الشيوعي الماركسي التقليدي ، حتى لتكاد لاتذكر ، لاسيما وأنها كثيرا ما ابتعدت عن روح الماركسية وعلميتها على صعيد الممارسة ، ففي حين لم يشخصن ماركس الواقع الطبقي ، أو يتعامل معه عاطفيا ، كان الشيوعيون معبأون بالحقد والمبالغة في الكراهية الطبقية ، لدرجة أنهم يعتبرون الطبقة الرأسمالية والبورجوازية بمستوياتها عدوا , وهدفا مشروعا للعدوان ، مبتعدين بذلك عن اتباع الطريق الديمقراطي السلمي والتفاضي للحل الطبقي . ومنهم من يعيش وهم ” التوحش الرأسمالي ” بطريقة مرضية ، وهنا أؤكد أنني أزين صورة الرأسمالي ، بل أريد أن أنظر إليه كما هو في الواقع ، فهو إنسان أولا وقبل كل شيء ، ومن هذه الزاوية يجب أن أتعامل معه ، حيث لا أعمل على تهميشه وإقصائه ، وبنفس الوقت لاأسمح له باستغلالي وتهميشي وإقصائي ، وكل ذلك يمكن أن يجري ليس عبر الصراع الطبقي الساخن والعنفي ، بل عبر أشكال الدفاع المتاحة في المجتمعات الديمقراطية ، والتي تمكنني من فرض حقوقي ، ومنها سلطاتي وحقوقي وحرياتي المدنية والسياسية القانونية ، وهي أسلحتي في الدفاع عن مصالحي الطبقي ومشروعيتها وعدالتها .

إن المفاهيم الشيوعية التقليدية ، هي من نتاج الماركسيين ، وليست من نتاج ماركس ، هي من نتاج الفهم الخاطئ لروح الماركسية ، وسوء ترجمتها كمنهج تفكير وعمل في الواقع المتغير . هي من نتاج الموقف اللاماركسي للماركسيين أنفسهم .

هذا الواقع المزري لقوى اليسار عموما ، وللماركسيين خصوصا ، يتجلى الآن ضعفا فاقعا في لعب دور فاعل وريادي في الحراك الوطني الثوري ، يصعب تعويضه في اللحظات التاريخية الحاسمة التي تعيشها سوريا ، و الدور الذي تلعبه قوى اليسار حاليا .. هو أضعف من أن يضارع التيارات الدينية بأنواعها من الأكثر اعتدالا إلى الأشد أصولية وسلفية . وهنا الأزمة والمطب الخطير ، الذي لايسمح الواقع بمعطياته بتخطيه في المدى المنظور ، واعتمادا على الوضع المهلهل لقوى اليسار السورية . ولابد من معجزة تنقذ هذا اليسار ، من خلال إعادة بنائه بما يتيح تفعيله بالطاقة القصوى .

والمهم الآن .. في الظروف الراهنة ، هو أن يبادر الماركسيون المشتتون ، ومن ضمنهم ” المتزمتون ” إلى خلع عباءة الماضي النظرية والعملية ، والعمل على لم الشمل من خلال وضع برنامج جديد كليا ، يلبي متطلبات الواقع الراهن ، ويقطع نسبيا مع الماضي الفاشل ، وينفتح طبقيا وثقافيا وتاريخا ، من خلال :

التخلي عن التدين للشخص ( ماركس مثلا ) والتدين للفكرة ( الماركسية مثلا ) وعدم التسمي باسم الفرد : ماركس : الماركسية ، عبد الناصر : الناصرية .. الخ ، لأن هذا مهين للكرامة والشخصية الإنسانية للفرد ، ومسخ لقوة الجماعة والمجتمع والآخر ، ونسخ لدور رواد الفكر العالمي التقدمي منذ سقراط وأفلاطون وأرسطو ، إلى فلاسفة وعلما ء عصر النهضة الأوروبية ممن يعتبرون مرجعا لماركس وأنجلز ولينين وتروتسكي وروزا لوكسمبورغ وسواهم من المفكرين . ومن هؤلاء : آدم سميث ، وريكاردو وهيغل وبيكون وفيورباخ وجون ستيوارت ميل ومونتسكيو . وروسو .. الخ .

على اليسار ، وهنا أخاطب اليسار السوري أن يتخذ من الميراث الثقافي المعرفي العالمي مرجعية له ، بدلا من يقتصر على ماركس والماركسية ، التي لايمكن علميا ومنطقيا اعتبارها سوى حلقة في سلسلة المنجزات المعرفية التاريخية العملاقة ، ويعتبر الماركسية مجرد وريث مرحلي لما سبقه ، وأنه نتاج ماسبقه من منجزات علمية معرفية في كل الميادين ، وهنا لايعود من الواقعي التسمي باسم الماركسية ، بل من المنطق بمكان أن نختار عنوانا آخر يعبر عن انتمائنا .. ليس لماركس أو أنجلز أو هيجل ، أو سواهم ، بل لكل من أسهم في تقدم الحضارة الإنسانية على جميع الصعد . . قبل وبعد ماركس ، وهذا مطلب واقعي وملح وضروري ، وليكن عنوان انتمائنا معبرا عن حالة ثقافية علمية عامة في الزمان والمكان والتاريخ ، ومن ذلك مثلا أرى تسمية ” اليسار ” مقبولة جدا كعنوان للتيارات الماركسية والعلمانية بل وحتى الليبرالية التي قدمت من الإنجازات مثلما قدمته سائر المذاهب والتيارات المعرفية . وكلمة يسار يمكن كعنوان أن تغطي مساحات التاريخ الثقافي والسياسي العالمي بماضيه وراهنه .

وعلى اليسار المطلوب أن يستوعب ويشمل العلمانية والديمقراطية ، وبالتالي أن يتخطى الطبقية ، ليصبح المجتمع بمعظمه مجال عمله ورؤيته ، وأن يطرح برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وثقفية واقعية ومقبولة وقابلة للحياة وجذابة لمعظم الأطراف والشرائح والفئات والطبقات ، مع التأكيد على فكرة المساواة والعدالة والاستثمار بالإنسان قبل أي شيء آخر ، وجعل الإنسان هدفا قبل أن يكون وسيلة للتنمية الشاملة وبناء الحياة الوطنية .

إن الروح العلمية لايمكن أن تحيا مع التعصب بأنواعه ومنها التعصب الطبقي ، والتعصب الفكري والثقافي والسياسي . والروح العلمية لاتحيا مع الحقد والكراهية الهدامة . وهي ليست موقفا نفسيا عاطفيا انفعاليا ، بل هي موقف عقلي عقلاني إبداعي دينامي وليس ستاتيكي . بمعنىى أنه لايتوقف عند لحظة تاريخية بعينها ، ويعمل على تعميمها بمعايير تلك اللحظة ، وهو مايتبعه الكثير من الماركسيين في مقارباتهم للوقائع الراهنة .

إن التوافق على منطلقات ومبادئ جديدة في الشكل والمضمون والعناوين لهو مهمة ثورية ملحة لكل قوى اليسار والعلمانية السورية ، إذا أرادت فتح صفحة جديدة ، تؤهلها للعب دور ريادي في الحياة السياسية السورية ، الحالية والمستقبلية ، من أجل بناء سوريا الجديدة القوية والمزدهرة والحرة ، سوريا الفاعلة والمتفاعلة مع محيطها الإقليمي والدولي بشكل إيجابي وبناء وتحت عنوان عريض ورئيسي هو : الإنسان . بغض النظر عن انتماءاته ومواقعه وخياراته .

بذلك وحسب يمكن لليسار أن يؤسس لحضور جديد قوي ومتنام على الساحة الاجتماعية والثقافية والسياسية السورية ، حضور يمكنه من كسب السباق ، عبر التحدي الديمقراطي ، مع سائر القوى اللاديمقراطية . ويمكن لليسار أن يتداعى لعقد مؤتمر من التيارات والشخصيات كافة للحوار والتوصل إلى توحيد قوى اليسار على الأسس المذكورة ، والانطلاق منها في وضع إطارها التنظيمي والنظري والعملي المقبل .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...