الرئيسية / صفحات العالم / انتظار قطار لن يصل أبداً!

انتظار قطار لن يصل أبداً!

 


احمد جابر

النظر إلى فصول الحدث السوري، وتفاصيله، يلزمه دليــل مرشـد في التحليل، وخطوط عامة ملزمة، لتحديد المواقف منه. يرقى ذلك إلى منزلة الثوابت السياسيـة، التي ترادف المسؤولــية الوطنية والعربية، في تناول الوضع السوري. هنا لا يصعب تبين التداخل بين المستويين الداخلي والخارجي، عـندما تنتمي النظرة إلى الأفق العـربي الجامع، وإلى المصالح العربية المتـقاطعة والمتشابكة.

من الثوابت الراسخة: سلامة الوطن السوري، التي تنطوي على الأبعاد الجغرافية والمجتمعية، مع التمسك بكل ما يعزز هذه السلامة، والاعتراض على كل ما يهددها، من سياسات رسمية، أو من مبالغات شعبية غير محسوبة. في هذا المجال يندرج «ثابت» الموقف من سلوك النظام السياسي السوري، ومن التوازنات التي ترجـح اتجــاهاته، ومن المــصالح التي تملي عليه ممارساته. على صعيد مبدئي، تلتزم النظــرة المدققة معــارضة كل نظام، عندما يصيــر نسقاً مهيمناً، في هذا السياق تصير سياسة التبرير، التي تقول بانتمائها إلى «ثقافة» معــينة، سياسة ممالأة وتملق، لا تخدم «سلامة الوطنية»، لأن هذه الأخيرة، لا تتحقق إلا بتأمين انفتاحها الدائم على المستقبل، هذا الذي يصير مسدوداً برؤية النظام لذاته، وباكتفائه بما حصَّله من ثقافة خاصة، تضيق تباعاً، فتتقلص مساحتها الاجتماعية، ومعها تتراجع شرعيتها السياسية. ضمن البعد الاجتماعي، يحضر «ثابت» واقع الحراك الشعبي، الذي يجب أن يُقرأ على حقيقته، فلا الإضافة الحماسية تدفعه قدماً إلى الأمام، ولا اللغة الاتهامية الاختزالية، تلغي عناصره التعددية الفعلية.

من موقع ثقافي أيضاً، يجب أن تظل «الثقافة» منحازة إلى «مطلب التغيير»، لكن البداهة تقتضي التدقيق في الحقائق والقوى، التي قد تحيل التغيير إلى عملية إحلال «قديم في مكان قديم».

الخلاصة التي تفـضي إليــها هذه المقاربة، هي الدعوة إلى المساهمـة في النقاش حول المخارج الممكنة للأزمة السياسية في سوريا، والتنبيه من مخاطر الانسداد السياسي، الذي يمنع ولادة التسويات الداخلية، والإشارة إلى العوائق الفعلية، أو المفتعلة، التي تعرقل هذا المسعى أو ذاك، من قبل فريقي «العقد الوطني» السوري.

بالاستناد إلى «مرجعية» الثـوابت المقترحة أعلاه، أين تقف السياسات اللبنانية، في إزاء التفاعل مع الحدث السوري، والانفعال به؟ وعن أية مرجعيات تصدر المواقف اللبنانية المؤيــدة أو المعترضة، أو تلك التي تلتزم الصمت، حيال ما تشهده الساحة السورية؟ يمكن الرد على التساؤلات بجواب إجمالي، هو أن لا ثوابت لبنانية سياسية، جديرة ببناء ثوابت سياسية فوقها، بل إن الأقرب إلى الصواب هو الحديث عن متحركات تقود الممارسة السياسية اللبنانية، بحيث تدعو المواقف المترتبة عليها إلى تمحيص دقيق في الدوافع التي أملتها، في راهنها، وفي الأهداف التي تسعى إلى بلوغها، في مداها البعيد. بالانتقال إلى التفاصيل، لا نعثر على معطى التفاعل مع الحدث السوري، بل على الالتحاق به، فئــوياً، من باب تعـليل النفس السياسية بدوام الواقع القائم، سورياً، لأن في ذلك الدوام، ديمومة لبنانية موازية، لفئة لبنانية موسومة بكـلام سياسي من طراز محدد، وعلى «الرصيف» المقابل، لا جمهور انفعال بالمعنى السياسي، أي على الوجه التغيري الواقعي، الذي يستطيع تمثل الحدث والإسهام في بلورة قضاياه، بلورة نظرية وسياسية جادة. في امتداد ذلك يصـير الســلوك اللبـناني سجين معادلة تقوم لحمتها على الإلغاء في الداخل والخارج، أي إلغاء «النظام الخصم» في الجوار، وملاحقه الداخلية، لتأمين استمرارية جزء من الداخل الداخلي، أو على إلغاء معارضة «النظام الحليف» للوصول إلى إلغاء محبذيها الداخليين، تأميناً لاستمرارية جزء آخر من الذات الداخلية اللبنانية.

تسقط في ميدان الإلغاء مقولة الديموقراطية اللبنانية، داخلياً وخارجياً. فما تمارســه القــوى المتــصارعة يفشل في امتحان اللبنانية، إذا كانت هـذه مشروحة على معنى الانفتاح والتفاعل والتداول، وقبول الآخر والاستعــداد للتسوية، وتفشل الممارسة أيضاً في امتحان العروبة، إذا كانت هذه مشروحــة على كل ما يحمله معنى انفتاح الآفاق العروبية وفتحــها، في كافة نواحي الحـياة الاجتماعية ومقتضياتها السـياسية. تأسيساً على الافتقار إلى المنطق السياسي السليم، الذي تدعو إليـه دقة المرحــلة، يمكن القول أن مسالك القوى السياسية اللبنانية مخيفة، لما تنطــوي علــيه من تهور ومن ضيق أفق ومن أخطاء في الحسابات، ومن قصور في مجال المسؤولية الوطنية.

على سبيل الأمثلة السريعة، لكن ذات الدلالة: يزكي بعض اللبنانيين، سياسة العنف في سوريا، أي أنه يقبلها سياسة داخلية لبنانية، ولا ينتبــه البعـض هذا، إلى أن الدولة القسـرية، تهدد بانــفراط عقد الدولة، وتصعب إمكانية قيامها، لأن واقـع الــحال اللبــناني يقيــم في ظل شبه الدولة. يرافــق ذلك تغــاضٍ واضح عن لغة تراثية، في مقاربة التـغيير، لأن لها ما يشبهها في لبنان، وعن لغة قوموية خشبية، في تبرير فرض النظام، لأن لها قريناتها في اليوميات اللبنانـية أيضاً. تكراراً تتواصل تزكية الحسم والإلغاء في الخارج، مع ذات التزكــية في الداخل، وهكذا، ينجلي مسلك اللبنانيــين، عموماً، عن سياسة هدفها تحويل سوريا الشعب والنظام ،إلى «شيء» يشبه لبنان الكيان والشعب والنظام، لعل اللبننة في الخارج تعبن وتبرر، اللبننة «الأسطورية» في الداخل.

لذلك، فإن انتظار اللبنانيين سيطول على «المحطة» مع السيدة فيروز، في انتظار قطار لن يصل أبداً.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

83 − 78 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...