الرئيسية / صفحات مميزة / انسحاب حزب الله من الحدود السوريّة –مقالات وتحليلات-

انسحاب حزب الله من الحدود السوريّة –مقالات وتحليلات-

 

نصرالله يحاول «وصل ضفتي الحرب» بصوته/ حازم الامين

لا قيمة لبنانية لما قاله الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عن انسحاب عناصر حزبه من مواقعهم على الحدود اللبنانية- السورية، ودعوته الجيش اللبناني لتسلمها. فالجميع يعلم أن الفارق بين أن تكون هذه المواقع بيد الحزب وأن تكون بيد السلطات اللبنانية ليس كبيراً. لا بل إن استبدال الحزب بالجيش هناك سيكون مضياً في مثابرة دأب الحزب عليها، وتتمثل في توظيف لبنان في مهمات حزب الله الإقليمية، بعدما شعر الأخير أن لعناصره على هذه الحدود أدواراً يمكن أن يؤديها غيرهم من دون أن ينعكس ذلك على الوضع الميداني هناك.

لكلام نصرالله قيمة أخرى، فما وزعه «الإعلام الحربي» لحزبه من صور عن حشود «أميركية وبريطانية» على الحدود السورية – الأردنية، قبل يوم واحد من خطاب نصرالله الأخير، ينفي ما قاله الأمين العام لجهة أن الحزب غير قلق من ضربة في سورية أو في لبنان. الحزب شديد القلق من هذا الاحتمال، وهو على كل حال محق في قلقه على نفسه وعلى دوره. كلام نصرالله الأخير يوحي بإرباك يتخبط به حزبه في المهام الكثيرة الموكلة إليه من السيد الإيراني. وسبق أن كشفت الزيارة التي نظمها للصحافيين إلى الحدود اللبنانية- الإسرائيلية عن هذا الإرباك وعن هذا القلق.

من الواضح أن جميع الأطراف في الحرب السورية يعيدون النظر في مواقعهم، وفي طموحاتهم. حزب الله يبدو عاجزاً عن ذلك، فهو يؤدي مهمة هناك لا قرار له في تحديد وجهتها، وإذا كان نصرالله جزءاً من وجهة القرار الإيراني، فهذا لا ينسحب على موقع حزبه، ذاك أن بنية الحزب وتركيبته لا يمكن قطعها عن جذرها اللبناني، ووصلها بالمصلحة الإيرانية من دون ارتدادات ستصيب مهمة يؤديها الحزب في لبنان. ويبدو أن نصرالله عالق هنا. أي بين المهمة الإيرانية المطلقة لحزبه في سورية، والارتدادات اللبنانية لهذه المهمة. طُلب منه حرباً في مناطق القلمون، فانتصر هناك وارتدت الحرب على بيئته المذهبية في لبنان، بأن صار الشيعة أقلية في البقاع بعد أن نزح أهل القلمون إليه، بفعل حرب حزب الله في مناطقهم.

يجري اليوم شيء مشابه. انتشر حزب الله في الجنوب السوري من القنيطرة وصولاً إلى درعا. هذه المهمة أوكلت إلى الحزب من قبل الراعي الإيراني. واليوم انعقد تحالف لمواجهة هذا الانتشار. فإسرائيل تنفذ غارات بشكل متواصل هناك، والولايات المتحدة تشعر أن إيران تحجز مقعداً لنفسها في مستقبل سورية عبر هذا الانتشار، والأردن لن يقبل بأن تكون طهران على حدوده. واليوم ثمة فرصة للأطراف كلها لفرض واقع جديد. حزب الله شعر بذلك، وها هو مجدداً يبحث عن مخرج «لبناني» لهذا المأزق غير اللبناني.

دعوة نصرالله الجيش اللبناني لتسلم مواقع الحزب على الحدود اللبنانية – السورية، هي مناسبة جديدة قال فيها نصرالله إن «الأمر لي» في لبنان، وهذا صحيح إلى حد بعيد. فالجميع في لبنان يعلم أن تسلم الجيش هذه المواقع لن يعني أكثر من عملية تبديل روتيني للوحدات. أما تصويره الدعوة بصفتها جزءاً من «تسويات» يشهدها ريف دمشق بين جيش النظام وفصائل معارضة له هناك، فهذا ينفي ما تضمنه خطابه من دعوة لأهل الطفيل للعودة إلى بلدتهم. ما يجري في ريف دمشق هو عملية مبادلة سكانية مذهلة في وضوحها. هو تتويج واضح لحرب تهدف إلى تهجير السكان السنة وإرسالهم إلى إدلب. سقوط نصرالله في هذه المقارنة كاشف لحجم الإرباك الذي يتخبط به في مهمته السورية.

العودة إلى الجنوب السوري مفيدة لمساعي تفسير الخطبة الغامضة للسيد. هو يستعين بـ «لبنان» كي يُنجده في سورية. ولبنان هنا ليس دولة أو مجتمعاً أو شراكة. لبنان هنا رهينة، والرهينة يبدو أنها بيد من لا يعرف اليوم كيف يوظفها. فهو متنازع بين مهمة لا قدرة له على الانسحاب منها، لكن لا قدرة له أيضاً على حماية نفسه من تبعاتها. وهنا، ومرة أخرى، ربما كان المفيد التمييز بين نصرالله كشريك في القرار الإيراني، وحزب الله كأداة لبنانية في يد إيران. فالفارق هنا يصنع مشهد الإرباك، فكيف للسيد أن يُوفق بين مصلحة طهران في «الحضور» في جنوب سورية، والأخطار على جسم الحزب اللبناني جراء هذه المهمة الخطيرة؟

تجرى في بادية الشام، على الحدود المشتركة بين سورية والأردن والعراق، تحضيرات لحرب الأرجح أن تمتد إلى مناطق في جنوب سورية. طرد «داعش» من المدن في سورية والعراق، سيدفع بمقاتليها إلى هذه المنطقة. حزب الله جزء من مشهد القلق الدولي هذا، وانتشاره في جنوب سورية يُعزز الاقتناع الإسرائيلي – الأميركي بأن يكون جزءاً من صفقة الحرب هذه. ومن الواضح أن موسكو لن تقبل بقطع رأس النظام في سورية، لكنها ستكون أكثر ليناً إذا ما حصرت المهمة بالقضاء على النفوذ الإيراني في جنوب سورية، لا سيما إذا ما تم ذلك ضمن صفقة أكبر تشمل حرباً على «داعش» في بادية الشام.

هذا ليس سيناريو أكيداً، إنما محاولة لتفسير خطوات المجهول التي أتى بها حزب الله في الآونة الأخيرة. الأكيد أن ثمة تحضيراً لحرب في جنوب سورية، والأكيد أن ورقة الحدود مع لبنان سُحبت من يد حزب الله، وها هو يحاول تعويضها عبر النفخ في خطاب الحرب المستحيلة هناك، وعبر بحث متعثر عن «تسوية» لبنانية لموقعه الحرج في سورية. دعوة الجيش اللبناني لتسلم الحدود مع سورية، أرفقها نصرالله بحقيقة أن عناصر حزبه سيستمرون في القتال في سورية! والحدود بهذا المعنى ستكون طريق مقاتلي الحزب الذي يحميه الجيش إلى سورية.

ثم ماذا لو شملت الغارات الإسرائيلية مواقع الجيش في هذه المناطق، لا سيما أن إحدى الوظائف الرئيسية لهذه الغارات منع وصول السلاح إلى لبنان؟ فعلى هذا النحو لطالما جرى وصل لبنان بطموحات غيره من الدول، وعلى هذا النحو جرى تدمير التجربة اللبنانية غير مرة، بدءاً من عبدالناصر مروراً بياسر عرفات وصولاً إلى قاسم سليماني.

الحياة

 

 

«حزب الله» يعيد تموضعه في سورية لأن ترامب وضعه في سلة واحدة مع الإرهاب؟

بيروت – وليد شقير

كثرت التفسيرات لإعلان الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله الانسحاب من الحدود اللبنانية الشرقية الخميس الماضي وتسليمها للجيش اللبناني، إلا أن تسرع بعض الأوساط في الحديث عن أنه يمهد للانسحاب من سورية دحضها نصرالله نفسه في الخطاب نفسه حين قال إن الحزب مستمر بالتواجد في المقلب الآخر، السوري للحدود «لمنع أي اختراق باتجاه الحدود اللبنانية». ويرى مراقبون أنه على رغم تسليم الجيش مراكزه على الحدود، فإن بقاءه في سورية يعني أنه سيستمر في الذهاب والإياب عبر الحدود ما يعني عبور المنطقة التي يفترض أن الحزب تركها للجيش.

كما أن نصر الله بدد كل التمنيات بأن يسحب مقاتليه من سورية عندما شدد على أن «الحلفاء يطلبون منا أن نتواجد في مناطق لا نتواجد فيها»، ورأى أن الطلب إلى الحزب مغادرة سورية «كلام فاضي».

ومن التفسيرات للإعلان عن تسليم الحدود الشرقية أن الحزب تلقى تحذيرات عربية من أن استمراره في التواجد فيها سيؤدي إلى تكثيف القصف الإسرائيلي المتواصل على مواقع له بحجة أنها تضم مخازن أسلحة له كما يقول الإسرائيليون. ويقول تفسير آخر إن الضغوط الدولية على لبنان لضبط حدوده دفعت بعض المسؤولين إلى الطلب من الحزب تسليم هذه الحدود للجيش.

إلا أن أوساطاً معنية بتطورات الداخل السوري نبهت إلى أن هناك استهدافات عدة لقرار الحزب. وتتفق هذه الأوساط مع قراءة لبنانية تفيد بأن من أسباب الانسحاب من الحدود، ودعوة أهالي بلدة الطفيل اللبنانية التي تتداخل حدودها مع الأراضي السورية، ولا طريق إليها إلا عبر هذه الأراضي، إلى العودة إليها، أن الحزب أراد تخفيف كلفة تواجده عن كاهله في هذه المرحلة، ومنها الكلفة المالية، خصوصاً أن إقامة مقاتليه في بعض المناطق والمدن باتت تستنزفه مالياً، ومن الطبيعي أن يخفف حضوره في مناطق أدت مراحل الحرب إلى سيطرة قوات النظام و «الحرس الثوري الإيراني» عليها بحيث لم تعد هناك حاجة للبقاء فيها. وفي معلومات هذه الأوساط أن نقل مواقعه الحدودية إلى الجيش يسمح للحزب بتركيز جهوده على الداخل السوري دعماً لنظام بشار الأسد، في هذه المرحلة الحساسة من المواقف الدولية التي رفعت نسبة الاهتمام بسورية، وعودة الحديث عن أن مصير الأسد بات مدار بحث مجدداً، وكذلك عودة الإدارة الأميركية عبر الرئيس دونالد ترامب، إلى التشدد حيال دوره المستقبلي في السلطة، وإزاء الدور الإيراني في سورية.

وتفيد معلومات الأوساط المعنية بتطورات الوضع السوري بأن قادة الحرس الثوري الإيراني الموجودين على الأراضي السورية يعربون عن خيبتهم من «عدم كفاءة» قوات النظام الحليف، وأن انتقاداتهم لأداء المسؤولين السوريين لم تقتصر على الجانب العسكري بل التنظيمي والسياسي، وصولاً إلى الإعلامي، إذ اعتبروا أن أقرانهم السوريين «لا يفقهون في الحرب النفسية». ونظم الضباط الإيرانيون دورات لتدريب هؤلاء على تجاوز سقطات كبرى سببت في السنوات السابقة فشلاً في الكثير من المواقع والمناطق، التي سبق أن جرى إخراج قوات المعارضة منها نتيجة تدخل «الحرس» و «حزب الله» من أجل السيطرة عليها، ثم تسليمها للجيش النظامي. وتنقل الأوساط نفسها عن قادة إيرانيين ميدانيين توجيههم انتقادات قاسية لخطط وأداء ضباط سوريين، وميليشيات تابعة للنظام متهمين إياهم بأنهم سبب «خسارتنا لمواقع عدة والنكسات في مشروعنا بحماية محور المقاومة». وتنتهي الأوساط نفسها إلى القول إن الاستنتاج أن التحرك الإيراني في سورية لا يوحي أبداً بنية سحب الحزب وقواته من سورية، في ظل جهودها لتصويب سلوك قوات الأسد الحربي.

إلا أن مراقبين لبنانيين يعتبرون أن هذا لا يمنع القول إن من أهداف إعادة تموضع الحزب السعي إلى تخفيف الأعباء عنه في سورية عبر بعض الخطوات ومنها ما أعلنه نصر الله، إضافة إلى حرصه على التبرؤ من تهمة التغيير الديموغرافي بإخراج السنة من القرى التي سيطر عليها. وفي رأي مصادر لبنانية أن نصر الله تقصّد للمرة الثالثة في خطبه نفي هذه التهمة عن الحزب وإيران وحتى النظام السوري، وأفرد مساحة واسعة لتفنيد ردوده على هذه التهمة، وهذه المرة في سياق دعوته أهالي بلدة الطفيل اللبنانية إلى العودة إليها (وهم من السنة).

وتسأل الأوساط المعنية عن قرب بالوضع السوري عن سبب دعوة نصر الله «الجماعات المسلحة في جرود عرسال وفي ما بقي من تلال في القلمون الغربي» إلى أن «نحل هذا المشكل… ونحن حزب الله جاهزون أن نضمن تسوية مثل التسويات التي تحصل، ونتواصل مع حلفائنا في النظام السوري، ويمكن التفاوض على الأماكن التي يذهب إليها المسلحون بأسلحتهم الفردية وعائلاتهم. فلنقفل هذا الملف ويجب أن نجلس ونحكي باللوائح والإجراءات».

كما تسأل الأوساط نفسها: «هل أن نصر الله أخذ ينظر إلى مسلحي التكفيريين بأنهم يمكن التواصل معهم باعتباره يواجه وإياهم الآن عدواً واحداً هو دونالد ترامب، بعد أن بات عنوان زيارته المنطقة مواجهة الإرهاب وإيران وحزب الله»؟ وتشير إلى أن عمليات التبادل الأخيرة التي جرت وشملت تحرير القطريين المخطوفين في العراق بالتزامن مع إخراج مسلحي وأهالي بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين، مقابل خروج مسلحي وأهالي الزبداني ومضايا، تمت باتصالات شملت «جبهة النصرة» (هيئة فتح الشام) التي خصصت الإدارة الأميركية 10 ملايين دولار للقضاء على زعيمها أبو محمد الجولاني. فهل أن وضع واشنطن الحزب مع «النصرة» و «داعش» في سلة واحدة سيتيح التواصل بينها؟

الحياة

 

 

انسحاب حزب الله من الحدود السوريّة:تكتيك أم استباق ضربة؟/ منير الربيع

تزامناً مع بدء حزب الله تسليم مواقعه في جرود السلسلة الشرقية للجيش اللبناني، كان مجلس الأمن الدولي يضع على الطاولة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويتيرس وملاحظاته على القرار 1559. وقد أضاف غويتيرس عبارات شديدة الإدانة لنشاط حزب الله الخارجي. ولم يحصر ذلك في قتاله بسوريا، إنما بمشاركته في القتال في كل من سوريا، العراق واليمن. ويحمل التقرير طلباً حازماً إلى الحكومة اللبنانية، والجيش اللبناني والأجهزة الرسمية، للعمل على منع حزب الله من الحصول على الأسلحة وخرق القرارات الدولية. ويركز التقرير على الطلب من الدول التي تربطها علاقة وثيقة بحزب الله، وهي إيران، على ضرورة الضغط على الحزب، لسحب سلاحه وتحويله إلى قوة سياسية.

قبيل صدور التقرير وإعلان حزب الله عن تفكيك مواقعه وسحب عناصر من القلمون، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يطلب من روسيا عبر وزير خارجيتها سيرغي لافروف، كبح جماح نظام بشار الأسد وإيران ووكلائها في المنطقة.

بالتأكيد، هذه التطورات في المواقف، ربطاً بما يجري التحضير له في الجنوب السوري، لا تنفصل عن الخطوة التي اتخذها الحزب في القلمون وأعلنها. لم يؤكد حزب الله أن سينسحب من سوريا، إنما من المناطق الحدودية مع لبنان وتسليمها إلى الجيش، بعد إنجاز المهمة. ولا يمكن للحزب أن ينسحب حالياً من سوريا بدون الوصول إلى الحلول السياسية، لأن المخاض لايزال مستمراً وكل طرف يريد السيطرة على منطقة نفوذه.

قد يكون الحزب استشعر خطراً ما في تلك المنطقة، أو يستبق جعلها منطقة آمنة. بالتالي، أعلنها آمنة بدون الحاجة إلى إتفاقات دولية. لكنها، عملياً، تبقى خاضعة لسيطرته بفعل مغادرة آلاف المدنيين والمسلحين المعارضين له من تلك المنطقة، فيما استُعيض عنهم بمدنيين آخرين من توجهات الحزب الطائفية والسياسية. بالتالي، فإن الدافع إلى الإنسحاب هو أن لا حاجة عسكرية في تلك المناطق حالياً، فيما هناك حاجة للمقاتلين والأسلحة في مناطق أخرى، خصوصاً في الجنوب السوري وفي ريف حمص. وهنا، تلفت المصادر إلى أن إنسحاب الحزب يأتي بعد رسائل عديدة ضاغطة أُبلغ بها عبر قنوات معنية، أبرزها روسيا، بضرورة الإنسحاب من تلك المناطق، أولاً لإقامة منطقة آمنة فيها وضبط الحدود، وثانياً لتخفيف الضغط الأميركي عليه وعلى إيران.

يقول قيادي معارض في القلمون لـ”المدن” إن حزب الله يراوغ ويتحايل على الجميع بكلامه عن انسحاب من سلسلة الجبال التي لم تعد تشكل عليه أي خطر من الجانب السوري، إذ لم يعد هناك أي وجود للثوار فيها. ويعتبر أن الحزب في المرحلة الماضية، لم يكن موجوداً إلا في نقاط محددة من الجانب اللبناني، فيما ثقله الأساس من الجانب السوري. ويؤكد أن عناصر الحزب سيبقون بشكل محدود في الزبداني ومضايا وجرد رنكوس. وتعتبر المعارضة السورية في القلمون أن حزب الله أراد الإنسحاب من بعض المواقع المكشوفة وتغيير مواقعه خشية ضربة أميركية مرتقبة، وللقول إنه لم يعد موجوداً هناك، بل إن هناك سوريين شيعة وعلويين في تلك المنطقة، بالإضافة إلى من تبقى ما أهالي تلك القرى.

أما في موضوع المفاوضات، فيجيب القيادي المعارض بأن الموافقة عليها كانت أوّلية، ولكن بعد اكتشاف أنها مصالحة على غرار المصالحات التي فرضها الحزب والنظام في مناطق أخرى، جرى رفضها. بالتالي، فإن الموضوع أصبح معلقاً تماشياً مع السياسة الدولية واجتماعات آستانة. ويعتبر القيادي أن الانسحاب في هذه المرحلة طبيعي لطرف لم يعد لديه أي طرف يقاتله. بالتالي، هو يريد القول إنه يعمل بطريقة صحيحة ويسلم الجيش بعد زوال الخطر، مؤكداً أن الانسحابات ستكون في اتجاه مناطق أخرى في سوريا.

أما بالنسبة إلى حديث نصرالله عن المسلحين في جرود عرسال وغيرها، الذين مازالوا في المنطقة، فمن الطبيعي التفاوض والضغط وطلب المغادرة، تماشياً مع سياسة تفريغ العاصمة دمشق وريفها. ويؤكد القيادي أنهم سيبقون في مواقعهم ولو اقتضى الأمر معركة، لافتاً إلى أن مقومات صمودهم لن تكون بمستوى مقومات هجوم الحزب، لكن الجميع في هذه المرحلة ينتظر ما ستأتي به المشاورات الدولية، والتي ستحجّم نفوذ حزب الله، وتفرض عليه مزيداً من الإنسحابات، أو ستوجه إلى ضربة عسكرية مؤلمة.

 

 

 

 

حزب الله الغارق في سوريا و’التمنيات’ بطول بقائه/ علي الأمين

الدعوات إلى خروج حزب الله من سوريا لم تعد من يوميات القوى السياسية اللبنانية التي تصنّف في موقع المختلف أو المعادي لحزب الله، كما أنّ القوى الإقليمية والدولية باتت غير مهتمّة بهذه المسألة ما دام وجود مقاتلي حزب الله لا يشكل أيّ إضرار بقواعد اللعبة التي تدار في جانب النظام السوري بقواعد روسية، علما وأنّ الإدارة الأميركية وإسرائيل كانتا على الدوام تشجعان ضمنا تورط حزب الله في القتال السوري، وإن لم تذهبا إلى حدّ الترحيب الرسمي بوجوده العسكري في العديد من المناطق السورية.

التدخل الروسي المباشر والعسكري قبل نحو عامين في سوريا ساهم إلى حدّ بعيد في تراجع المطالبات السياسية اللبنانية وحتى العربية بخروج حزب الله من سوريا، فيما استمر الموقفان الأميركي والإسرائيلي على حاليهما من دون أي تبدّل، مع استمرار إسرائيل في تصيّد قوافل سلاح حزب الله دون أي رد منه، بل مع مَيل واضح لدى قيادة هذا الحزب إلى اعتماد أسلوب الصمت حتى لجهة الكشف عن الاستهدافات الإسرائيلية له في سوريا، والتي هي دائما تستهدف حصرا ما تعتبره تهديدا لأمنها.

فكما بات معلوما، فإن الجهد العسكري وجحافل المقاتلين من حزب الله الذين يصوبون سلاحهم ضد فصائل المعارضة السورية لا يعتبران هدفا إسرائيليا، فقط الصواريخ التي يحاول حزب الله نقلها عبر الأراضي السورية إلى لبنان وتصنفها إسرائيل سلاحا استراتيجيا تعتبر هدفا إسرائيليا مشروعا بغطاء روسي ورضا إيراني، يفسره امتناع حزب الله عن الرد على العشرات من الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت قوافل سلاح أو مخازن أسلحة استراتيجية في مناطق قريبة من دمشق.

السمة البارزة في الموقف الإسرائيلي تجاه ما يجري على المقلب الآخر من حدودها الشمالية هي المحافظة على الهدوء على حدودها سواء في الجانب السوري أو اللبناني، وهذا ما يوفره حزب الله في لبنان، أما في سوريا فلا شكّ أنّ المعادلة التي تريدها إسرائيل في الجانب السوري قائمة لجهة الاستقرار الذي لم يهتز فعليا منذ عقود، ولم يتغيّر الحال رغم الحرب الدائرة على امتداد الأراضي السورية، فيما حزب الله وإيران يظهران التزاما بعدم خرق هذا الاستقرار رغم الذرائع التي توفرها إسرائيل لهما للقيام برد على العدوان الإسرائيلي الذي يتكرر بين الفينة والأخرى على مراكز حزب الله كما أشرنا آنفا، علما وأن نظرية تدخل حزب الله في سوريا -كما يكرر قادة حزب الله- تقوم على فكرة ضرب المشروع الإسرائيلي في سوريا، فضلا عن مهمة شق طريق القدس التي قال زعيم حزب الله إنّها تمر من حلب ومن مدن سورية أخرى.

الموقف الإسرائيلي يلتزم الصمت وعدم التدخل العسكري في مواجهة أيّ نشاط إيراني عسكري مباشر أو غير مباشر عبر حزب الله وغيره من الميليشيات، ما دام هذا النشاط يتركز على مواجهة فصائل المعارضة السورية سواء كانت معتدلة أو مصنفة إرهابية، وفي الوقت نفسه بث العديد من التقارير الاستخباراتية عبر وسائل الإعلام التي تشير إلى أنّ حزب الله يكتسب في حربه السورية خبرات عسكرية وقتالية عالية، فيما تتلقف وسائل إعلام “الممانعة” هذه التقارير لتعيد عرضها على جمهورها كوسيلة من وسائل البحث عن مبررات استمرار قتاله في سوريا، وكالنعامة التي تضع رأسها في الرمال تنطلي هذه المقولات الإسرائيلية على بعض الجمهور، الذي تناسى ما فعله تدخل حزب الله في سوريا به.

ذلك أنّ أيّ مراقب يدرك أنّ الحرب مع إسرائيل لم تعد واردة في حسابات حزب الله بعدما صارت إسرائيل عمليا أقل خطرا عليه إذا ما قيس الخطر بالمواجهات التي يخوضها في الميدان السوري والإقليمي، فالشرخ الذي نشأ بالدم بين حزب الله والسوريين بات يشكل مصدر الخطر الأول عليه، بينما الطوائف اللبنانية تتربص به وهو يدرك أن أي حرب مع إسرائيل ستكون فرصة للانقضاض عليه من كل ما هو محيط به. وليس كلام أمين عام حزب الله قبل أشهر سوى تأكيد على ذلك حينما صنف السعودية والجماعات التكفيرية بأنها أخطر عليه من إسرائيل.

من هنا فإن “براعة” حزب الله في صناعة البيئات العدوة له فاقت براعة إسرائيل في ذلك، والصمت اللبناني اليوم حيال تورطه في الحرب السورية يستبطن في جوهره تمنيات بدوام البقاء غارقا في وحولها، بعدما رمى بكل المطالب والتمنيات اللبنانية الرسمية وغير الرسمية بأن لا يتدخل في دعم النظام السوري عسكريا، في خانة التخوين وفي سلة العداء للمقاومة وصولا إلى اتهام من يطالبه بالعودة إلى لبنان والدولة بأنه إرهابي أو مساند للإرهاب.

التمنّيات بطول القتال في سوريا والغرق في وحولها هما ما يتلقاهما حزب الله اليوم، لا سيما بعدما صار وجوده بلا أفق يمثل انتصارا بل جل ما يتمناه هو الحد من الخسائر، وبعدما صار رهينة الحسابات الدولية والإقليمية والتي تشكل إسرائيل وأمنها ومصالحها، الثابت الأول في هذه الحسابات سواء كانت هذه الحسابات أميركية أو روسية، أو حتى من قبل الأطراف الإقليمية والعربية التي باتت تتعامل مع الخطر الإيراني باعتباره مهددا لاستقرارها الداخلي، كذلك إيران وحزب الله يلتزمان التزاما مطلقا بأولوية حماية الحدود الإسرائيلية من خلال عدم المسّ باستقرارها، ذلك أنّ الطرفين بالمعنى العسكري هما الأكثر قدرة من حيث التسلح على توجيه ضربة موجعة لإسرائيل إذا أرادا ذلك، لكنهما يدركان أنّ تدمير سوريا والتورط في هذه الجريمة هما أقل خطرا عليهما من قيامهما بتوجيه أيّ ضربة عسكرية لإسرائيل.

علما أن إسرائيل هذه “أوهن من بيت العنكبوت” كما يكرّر حسن نصرالله، ويحتاج تدميرها إلى سبع دقائق ونصف كما قال قائد الحرس الثوري الإيراني قبل أشهر. هذا ما يكشف إلى حد بعيد أّن الوجود الإيراني على الحدود الإسرائيلية لا غاية له إلا تأمين مصالح الدولة الإيرانية، فقتال إسرائيل أو خوض مواجهة لتحرير فلسطين لم يكن يوما بالنسبة إلى إيران أمرا يتصل بأولويات الأمن القومي الإيراني بل شعارا غايته التمدد والمساومة عليه في لعبة التفاوض مع الشيطان الأكبر أو لابتزاز بعض الحكومات الإقليمية العربية وغير العربية.

الدعوات لحزب الله بطول البقاء في سوريا لا يشذ عنها إلا السوريون الذين تسبب حزب الله والانخراط الإيراني في الدفاع عن النظام السوري في تهجيرهم وتدمير بيوتهم، أما بقية الأطراف، ولا سيما إسرائيل وغيرها من الدول الكبرى بمن فيها لبنان فتدعو له بطول البقاء على أرض لم تألف وجوده، أرض حوّلها إلى أرض محروقة، لا يتجرأ على أن يدير ظهره لإنسان فيها حتى لو كان من أتباع النظام السوري، أرض استنزفته وتستنزفه رغم أنه حوّل العديد من مناطقها إلى أثر بعد عين. حزب الله غرق في الرمال السورية ولا أحد يريد أن يمد له طوق النجاة لا الأصدقاء ولا الأعداء، فقط إسرائيل تربتُ على كتفيه بالمزيد من الكلام المعسول عن الخبرات القتالية التي اكتسبها وحزب الله الغارق في دمائه والمحاصر بالأعداء يحب أن يصدق ذلك.

إسرائيل تدرك أن حساباتها في الأزمة السورية يتم احترامها، ورغم كل ما يقال عن قيامها بضربة موجعة لحزب الله هو من الإشارات والتحليلات التي تتكرر منذ سنوات، فإنه كلما زادت إسرائيل من وتيرة تهديداتها وحتى ضرباتها لحزب الله، كلما بدا أن حزب الله شديد الالتزام بشروط الأمن على الحدود مع إسرائيل، وكلما استمر حزب الله في تعميق الشروخ داخل البيئة المحيطة بإسرائيل كلما زادت الطمأنينة لدى قيادة الكيان الإسرائيلي، وهذه المعادلة قابلة للاستمرار وكفيلة بأن تحوّل النفوذ الإيراني في سوريا بالمعنى الاستراتيجي إلى عنصر أمان لإسرائيل لن تفرط فيه بسهولة.

* نقلا عن “العرب”

العرب

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عن اللجوء السوري –مجموعة مقالات-

اللجوء السوري والحسابات الطائفية/ هوازن خداج ارتفعت حدة الانتقادات الموجهة للجيش اللبناني من النشطاء السوريين ...