الرئيسية / صفحات العالم / باســم الشــعـب

باســم الشــعـب


سليمان تقي الدين

محاكمة الرئيس المصري المخلوع وبعض أفراد أسرته ومساعديه حدث له دلالة ورمزية تفوق التهم المعلنة وإجراءات العدالة. يحاكم الرئيس المخلوع «باسم الحق والعدالة» كما باشر رئيس محكمة الجنايات افتتاح الجلسة. إلا أن الذي سمح بذلك الحدث التاريخي هو الشعب لا القضاء ولا العدالة القضائية. الجرائم التي ارتكبها الرئيس المخلوع وفريقه لا يمكن حصرها في قمعه لعناصر الثورة أو في الفساد وهدر الأموال واستغلال السلطة. العدالة في محكمة الجنايات قاصرة عن المساءلة التاريخية لرمز ونموذج من زمن عربي قرّرت الشعوب إزالته بعظيم التضحيات. الرئيس المصري المخلوع وسواه من الرؤساء والملوك والأمراء والحكام والزعماء الذين ينتمون إلى ذلك الزمن سرقوا تاريخ الشعوب وآمالها وطموحاتها وثرواتها وجهدها ومستقبلها. جاء هؤلاء جميعهم إلى السلطة من شرعية العروبة وفلسطين والحرية والتحرر والاستقلال والتقدم، حتى لو كان بعضهم استخدم شرعية الثقافة الدينية. استولوا على مقاليد السلطة وصارت ملكية خاصة على شعوبهم وبلدانهم.

هذا الزمن العربي سقطت شرعيته يوم لم تعد السلطة والأنظمة التي بنتها متصلة أو مرتكزة إلى شرعية الشعب. الزمن العربي الذي بدأ هذه الأيام هو أن الشعب عاد يذكّر بما يريد. انتهى عصر السلالات الحاكمة والاستبداد والامتيازات وثقافة «المملوكية» بمعناها التاريخي واللغوي ليبدأ عصر الحرية حتى لو أخطأت الحرية في ترتيب أولوياتها أو جاوزت حد الحرية لتقويم هذا التاريخ الأعوج. لا شيء الآن له معنى أرفع من هدم السجن العربي الذي نشأت فيه كل ظواهر التخلّف ومهانة الكرامة الوطنية والإنسانية.

كان ينقص هذه الحقيقة تلك الصدمة التي عمّت الشوارع العربية لكي يظهر الحاكم ويتصرّف بما يفضح إرثه وسلوكه وقيمه ونواياه. صار الحاكم قاتلاً، جلاداً، فاجراً، مدمراً لحضارة بلاده معنوياً ومادياً، مستهتراً بشعبه منكلاً محقراً لهذا الشعب ولاغياً لوعيه وإرادته. بين هذه المعاني لسلوك الحاكم العربي وردة فعله على مطالب الإصلاح والتغيير وبين كل ذرائعه وحججه وتبريراته لا محل للمفاضلة والمقابلة والمقارنة. يذهب عشق السلطة بعقل الحاكم إلى ما هو أبعد من الطيش إلى الحد الذي لا يسمح أبداً بالسؤال لماذا يجب أن يسقط ولا حتى كيف يجب أن يسقط.

الحاكم يُسقط نفسه بالمعنى الإنساني والأخلاقي والقانوني والوطني وهو ينكّل بشعبه فتحصل قطيعة ينكر الواحد منها الطرف الآخر.

يُقال إن الثقافة السياسية العربية بإرثها الإسلامي اشتغلت على سلوكيات الحكم ومعاييره وعلى أخلاقيات الحاكم وشروطه لا على مفهوم الدولة وقواعدها. كانت «الأحكام السلطانية» متصلة بفكرة العدالة لأن «الدولة العادلة» مفترضة من الإيمان بالعدالة الإلهية ومن الفطرة الإنسانية. لكن التاريخ العربي الواقعي أنتج حكاماً أفسدوا فكرة الدولة وفكرة العدالة وورثوا الأرض وما عليها واستخلفوا أنفسهم على كيان البشر والضمير وعاثوا فساداً فخربت ممالكهم وخربت مصائرهم. ليس الرئيس المصري هو الحاكم الوحيد الذي يُخلع عن سدة الحكم بالقوة بل هو الذي يحاكم على بعض جرائم لا ترقى في المحاكمة القانونية إلى مستوى محاكمة الشارع.

منذ نصف قرن على الأقل وتداول السلطة يتم عندنا بالقوة قتلاً واغتيالاً وانقلاباً وغدراً واستيلاءً وغصباً وتوريثاً وسرقة لإرادة الشعوب وتزويرها. صارت هذه ثقافة سياسية عامة فامتدت إلى المؤسسات السياسية الشعبية ولم ينتج العرب أحزاباً حديثة بل أنتجوا عصبيات سلفية بأوسع معاني السلفية تعيد تكرار التاريخ على قاعدة الالتحام بالنسب والإرث والولاء.

قد نجد أكثر من سبب للتحفظ على بعض ممارسات الثورات العربية ولكن سبباً واحداً لقيامها يكفي لكي تكون شرعيتها فوق الشبهات. هذه ثورات ضد الاستبداد اللاغي تاريخ العرب ووجودهم الإنساني الحر. يخرج العرب من السجن لأنهم لا يقدرون على صنع مستقبلهم داخله. لم ينجز العرب هذه الثورة في كل أقطارهم لنطرح عليها كل الأسئلة الضرورية والمفيدة والصحيحة عن بناء الدولة الحديثة.

ربما كانت مصر الآن في الطليعة وهي تؤسس لأسلوب حضاري في المساءلة والمحاسبة، أسلوب قانوني يمهّد لإطلاق الورشة الوطنية الكبرى الواجبة لمراجعة كل السياسات ولتغيير وإصلاح وتحديث كل المؤسسات. مصر في قلب هذه المواجهة مع الزمن العربي الفائت الذي أقام استبداداً وتخلفاً وحجز شعبها عن روح العصر. لا يجوز أن ننكر المصاعب والتحديات ولا أن نخفي السلبيات ولا أن نتجاهل كم يحتاج التغيير الديموقراطي إلى اكتساب عناصره ومقوّماته في الممارسة وفي موازين القوى الاجتماعية لا في الشعارات. لكنه متاح اليوم في الصراع في كل بلد عربي انكسرت هيبة الحاكم فيه أو انكسرت شوكته. لم يظهر حاكم عربي على أنه أفضل من شعبه أو أكثر حداثة أو وطنية أو إنسانية. خلع الحاكم العربي ثوبه النظيف وغرق في العنف والدم والنار والقتل.

في أعماق كل حاكم عربي شخصية فرعون أو والٍ مملوكي أو عثماني. حين يدير الحاكم عصابات البلطجية أو يستخدم جيشه أو أمنه فقط في صالح السلطة الفاسدة نعرف أن خصومه لن يكونوا ملائكة السلام ولن يخرجوا عليه فقط بأناشيد الحرية. إذا كان التغيير العربي في أزمة بل أزمات تبدأ بالحاكم المحلي ولا تنتهي عند الحاكم الدولي المتلاعب بمصائر الشعوب، فالتاريخ الجديد لشعوب منطقتنا يبدأ بلحظة كتلك التي ظهرت في محاكمة الرئيس المصري المخلوع. «باسم الحق والعدالة» كما أعلن رئيس المحكمة وباسم الشعب غداً في المؤسسات الديموقراطية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...