صفحات الناس

القطعان الهائجة في المدينة/ وائل عبد الفتاح

لا أحد يعرف متى تبدأ الحفلة؟

لا يمكن توقّع مواعيد القطعان الهائجة في المدينة، ولا أماكنهم. إنهم يتحركون مثل بقع متفجرة. من الشوارع الى الميادين وأخيراً الجامعة.

القاهرة مدينة متحرّشين. يمكن أن تقول ذلك. ويمكن أن تقول ايضا إنها تفقد أمانها الذي منحها تفرّد مدينة لا تنام، وعشاق ليلها يتركون بحرية سكان النهار.

حفلات التحرّش شيء آخر. خطر ينتقل مثل الوباء في المدينة، وتتحول من جريمة شخصية الى هستيريا جماعية… وفي شكلها الأولي كانت حفلات التحرّش ردّ فعل على تحوّل القاهرة إلى مدن بلا شوارع وبلا مكان عمومي لممارسة الحرية. الحرية في تصميم النظام السياسي ليست علنية، بل سرية ومن حق أقليات مختارة وتُمارس خلف أسوار «مستعمرات الأغنياء». كانت الحفلات تتم في وسط البلد، قلبها المحايد، شكل للفرح والاحتفال، للقادمين من أحزمة البؤس.

يكسرون علامات السلطة في وسط المدينة. يحاولون اقتناص مساحتهم رغماً عن قوانين السلطة، فيسيرون في منتصف الطريق في شوارع وسط البلد، ويحتلّ بائعو البضائع الرخيصة الأرصفة وتقاطع شوارع العاصمة.

طريقة في الفرح تتعود على «اقتناص المتع» لا انتظار السماح بها، والاعتداء بوصفه استعراض ذكوري و«سادية» معلنة وسط احتفال صاخب للقطعان الهائجة.

الجذر هنا في تربية تتعرف فيها الانثى على انوثتها بالانزواء، والخجل بينما يتعرف الذكر على ذكورته بالاستعراض و الاعتداء… هذه التربية تمنح لاحتفالات التحرش معنى العيد الجماعي لاكتشاف الذكورة العدوانية.

وهذا ما يجعل المبادر الى التحرش بطل الاحتفال الذي بحث عن ضحية تصوَّر انها اضعف منه ليفرغ فيها منقوع الذل والاهانة الذي يعيش فيه.

لا فرق بين طالب جامعة وعاطل يبحث عن ذاته على موتوسيكل… كلاهما في نفس الدرجة من الوعي الذي دخل الغيبية مع سياسات تعليم لا تعلم شيئا وجامعات هي مجرد معابر للشهادات الجماعية.

ليست هذه هي الحفلة الاولى في جامعة القاهرة، لكنها المرة الاولى التى يكشف تصوير الجريمة انتقالها من الشوارع الى الجامعات.

وهي اشارة ذات دلالة كبيرة على هشاشة «التربية الجامعية» الى درجة لم تعد مؤثرة بعد سنوات كانت فيها الجامعة فضاء اللقاء الحر لتحرير المجتمع لكنها عبر هجوم الاسلاميين واعتبارهم الاختلاط خطيئة ثم انحدار كفاءة التعليم الى درجة الانحطاط، فقدت الجامعة ميزة الفضاء الحر وأصبحت مخزنا لافكار التخلف والفخر بالجهل.

الجامعة اضيفت كموقع جديد لاحتفالات الذكورة المريضة التي تشعر بالانكسار والهزيمة امام الأقوى من ضابط البوليس الى امين الشرطة مرورا بفتوّة الحي او الأب في البيت… كل هؤلاء منودبو الطرف الأقوى في سلطة تعتمد القمع والإهانة والإذلال وسائل حكم وسيطرة…

يتجرع الذكر المريض منقوع الذل والإهانة والقمع كل يوم ويبحث مثل الضبع الجريح عن فريسة يتخيل انها اضعف. وساعتها يكون بطل جماعته وتحتفل به القطعان الهائجة… ويكتمل المشهد بادانة الضحية، البنت، المرأة… والتفتيش في ملابسها… كمبرر للجريمة.

بالتبرير تكتمل دائرة الانحطاط، حيث المجرم ضحية «الإثارة» او الضعف امام المفاتن، وكأنه اذا اعجبتني سيارتك او بيتك فمن حقي لأنهما أثارا شهوتي للامتلاك ان اسرقهما، أو كأن المقتول لو استفز القاتل فالقتل سيكون مبرراً.

والتفتيش في الملابس هو موضوع شكلاني او اجرائي، يبحث عن شمّاعة، وهذا ماتكشفه نظرية «العباية بالكباسين» التي تم بها تبرير دهس ست البنات وتعريتها، كما انها تضع للاعراف او للصور النمطية عن الملابس قوة الاجبار، وهنا فإن المذيع نفسه الذي تكلم عن ملابس ضحية التحرش في الجامعة، سيرى شخص ما ملابسه تشبه مايرتديه القوادون، وساعتها من حقه ان يسأله عن ثمن ليلة مع المرأة التي تسير معه؟

لماذا يتصور احد انه «سلطة « تحكم على الآخرين بمنطقها وصورتها المشوهة، ولا يتخيل نفسه لحظة واحدة واقعا تحت نفس الوضع المنحط؟

التحرش ليس جريمة جنسية، لأنها ترتكب في بلاد ومجتمعات اخرى اكثر تقدما او تحررا جنسيا، لكن هذه المجتمعات تحترم الانسان وتحمي الحرية الشخصية وتضع قوانين تحكم المجال العام (حتى لا تحكمه قوانين الذكورة المريضة والبقاء للاكثر قدرة على الاذلال)… ولهذا تعتبر التحرش جريمة ولا تحترم من يبررها وتسمح له بنشر نفايات عقله المريض على الشاشات او من خلال منصّات سلطته الجامعية.

الجريمة يومية والاعتداء على الجسد في الاقسام او في الشوارع او بالقتل العشوائي يصنع صورة البطولة او الفتونة في المخيلة العامة ويصبح القادر على الاعتداء سلطة، فما دمت انت المعتدي فانت في درجة مميزة للمجتمع، وهذه التراتبية هي حلم هذه القطعان الهائجة والحفلات الجماعية للتحرش، احتفال بانتصارات زائفة لاجساد مقهورة ولا تجد رادعا في اعادتها للقهر وممارسته على النساء.

انحطاط لا قاع له… لأنه يعتمد على ترسيخ السلطة القائمة، وهذا يفسر تواطؤ الاجهزة السياسية والأمنية لعدم مواجهة التحرش، لأنه سيغير المفاهيم حول حرية الفرد وحماية حقه الشخصي في اختيار ملابسه والتجول بحرية في الشوارع وقبل كل شيء حماية جسده من الاعتداء.

هناك رغبة أو غريزة في استمرار تحول الشارع الى غابات يحكمها العنف لكي تستمر الاقامة في دائرة الانحطاط التي رتب فيها الجميع مواقعه. وهنا يلتقي الاسلامي الذي حرم خروج المرأة مع الضابط الذي يطارده دفاعا عن الدولة في الاستفزاز من عودة الحضور القوي للمرأة في المجتمع باعتبارها عنصر جديد سيغير ترتيب بنية الانحطاط العفنة.

بهذا المنطق يطارد الشباب فتاة في المجال العام (شارع، جامعة، مكان عمل) طامعين فيها، ولكنهم قبل ذلك يقومون بتعريتها من حقها ويمارسون عليها رقابة أخلاقية تضعها في خانة «المثيرات جنسياً» ويحق عليها العقاب: التحرش والمضايقة كنوع من ممارسة سلطة سلبية تمنع النساء من حق الحرية والأمان في الشارع.

وهذه جريمة يتصور المترفون انها تافهة او تتعلق بعادات المصريين وخصوصيتهم، رغم أن نفس المصريين عاشوا سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والنساء يرتدين موضات ملابس متحررة من اوهام ان العفة ترتبط بطول او قصر الفستان… ولم يرصد حفلات تحرش جماعية كما هي الان والغالبية من النساء تضع الحجاب على الرأس وتطيل الفستان الى الارض.

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى