صفحات سوريةعلي العبدالله

بوتين وقد أمسى في عنق الزجاجة…/ علي العبدالله

 

 

عكست موجة التسوق التي اجتاحت روسيا حالة الهلع التي يعيشها المواطنون الروس نتيجة انهيار سعر صرف العـــملة الوطـنية (الروبل) وازدياد المخاوف من انفجار التضخم وارتفاع الاسعار في شكل كارثي بعد تراجع العملة الوطنية امام الدولار واليورو بنسبة فاقت الـ 50 في المئة، فقدت 20 في المئة من قيمتها يوم الثلثاء الأسود فقط.

فهل هي أزمة عابرة، كما قال بوتين في مؤتمره الصحافي؟

واقع الحال أنها أزمة خطيرة ومعقدة لاعتبارات تتعلق بالعوامل المسببة فمع الدور الكبير الذي لعبته العقوبات الغربية وتراجع أسعار النفط الا أن الفساد المستشري داخل السلطة وسوء الادارة الاقتصادية في البلاد، ناهيك عن السياسة الخارجية وتكاليفها الباهظة، زادا هشاشة الاقتصاد وراكما عوامل ضعف اضافية على اقتصاد ريعي ينطوي على نقاط ضعف قاتلة.

فالقيادة الروسية تواجه لحظة سياسية دقيقة في ضوء العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية الغربية التي فُرضت رداً على تدخلها في اوكرانيا، وبخاصة ضمها جزيرة القرم (كلفها رفع الرواتب في الجزيرة لتماثل الرواتب في روسيا 12 مليار دولار سنوياً)، وتحولت العقوبات الى كارثة اقتصادية بعد انهيار اسعار النفط وتراجعها الى النصف تقريباً، نظراً الى اعتماد واردات الدولة الروسية على صادرات النفط بشكل رئيس، 50 في المئة من الموارد، وهي لحظة شديدة التعقيد لتداخل الملفات والقضايا الداخلية والاقليمية والدولية.

فالوضع الداخلي يعاني من هشاشة عميقة، على رغم شعبية بوتين المرتفعة، على خلفية السلطوية والفساد المتفشي في أجهزة الدولة. فالسلطوية الصلبة التي تبناها بوتين منذ تسلمه السلطة، وبخاصة بعد انتخابات 2012، قادت الى حصول احتقان سياسي وتوترات اجتماعية على خلفية تراجع الحريات العامة والخاصة وهيمنة السلطة على المجتمع وضبط ردود افعاله وتوظيف تحركاته لخدمة سياساتها عبر مركزة السلطة السياسية والاقتصادية بيد مجموعة صغيرة موالية له والحد من التحركات المعارضة، وقد كان لافتاً تراجع عدد الاحزاب التي خاضت الانتخابات البرلمانية الاخيرة (2011) الى سبعة احزاب، وصفت بالطيّعة، في حين كان عددها اثنين وثلاثين حزباً في انتخابات 1999.

لقد شكل بوتين المجال السياسي بما يتواءم مع توجهاته ووزع المهمات والصلاحيات على عدد محدود من الموالين ممن كانوا معه في بطرسبورغ او في الـ «كي جي بي» الذين امسكوا بالمجالين السياسي والاقتصادي، وتحالف مع عدد من المتمولين وسهّل لهم الوصول الى موارد الدولة والحصول على العقود والصفقات، ناهيك عن توظيف الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، باعتبارها رصيداً «جماهيرياً» في الانتخابات بمستوياتها المختلفة، عبر السماح لها ببناء الكثير من الكنائس داخل روسيا وخارجها وتوسيع ممتلكاتها من العقارات والأراضي، كما سمح لها بالنشاط الاقتصادي المربح وفق قواعد خاصة تفضيلية. وقد بادلته الكنيسة الود فقد وصفه البطريرك كيريل بـ «معجزة الرب» الذي استطاع انتشال روسيا من الواقع المؤلم الذي أصابها، ومن الضياع الذي دخلت فيه بعد تفكك الاتحاد السوفياتي في نهاية ثمانينات القرن الماضي، وانتقد الدعوات الليبرالية واعتبرها طريقاً للانهيار.

وأما على الصعيد الاقليمي فقد أثار تبني بوتين لسياسة استرجاع ما يعتبره اراضي روسية وحماية الروس في دول الاتحاد السوفياتي السابق تحت شعار «حماية الاهل وأبناء العرق الواحد» قلق دول الجوار وحنقها المكتوم فغدت علاقاتها مع روسيا اما فاترة او متوترة. فجل الدول الأربع عشرة التي تحاددها لها مشكلات وملفات مفتوحة معها (هي في حالة حرب مع اوكرانيا، والصين لها اراضٍ سيطرت عليها روسيا في ستينات القرن الماضي، وقد باءت بالفشل محاولاتها اقناع بكين بتأييد ضمها جزيرة القرم، وعلاقتها بجورجيا عدائية، وكذلك هي مع دول البلطيق وبلغاريا وبولندا واذربيجان، لم يبقَ على علاقة قوية بها الا كوريا الشمالية).

دولياً، هي في حالة اشتباك مع الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي على خلفية تمدد حلف الناتو باتجاه حدودها الغربية ونشر درع الصواريخ الاميركية في اوروبا الشرقية وانفجار الازمتين الاوكرانية والسورية، وهذا دفعها الى نشر القوات واقامة قواعد في خمس دول سوفياتية سابقة وأخرى في القطب الشمالي عام 2013 وقاد بدء تطوير القوات وتحديث اسلحتها، زادت موازنة الأسلحة والمعدات العسكرية الحديثة بنسبة 17 في المئة، ومن المقرر أن ترتفع هذه النسبة في 2015 إلى 30 في المئة وفي 2020 من 70- 100 في المئة، الى تخصيصات مالية ضخمة، وهي قابلة للزيادة اذا تطورت المواجهة مع الولايات المتحدة الى سباق تسلح وحرب باردة، استنزفت موارد الدولة وحدّت من قدراتها على الانفاق في مجالات تنموية وخدمية، بخاصة مع استمرار العقوبات الغربية، مع احتمال فرض المزيد بالتوازي مع تطورات الوضع في اوكرانيا، وانهيار اسعار النفط وهروب رؤوس الاموال الخاصة الى الخارج واضطرار الدولة لدعم الشركات التي أوشكت على الانهيار بسبب المقاطعة الغربية وسحب استثمارات الشركات الغربية (87 شركة صفت اعمالها او خفضتها) وتراجع النمو الى ما دون الصفر.

قال بوتين في مؤتمره الصحافي ان الازمة الاقتصادية ستنتهي خلال عامين على الأكثر، لكنه لم يقل كيف سيواجه تبعاتها ويحد من انعكاسها على الازدهار والاستقرار المالي الذي كان وراء شعبيته، وهل يكفي تصوير الازمة على انها مؤامرة غربية للإطاحة بالنظام الروسي، كما أعلن لافروف مؤخراً، وشحذ حماس المواطنين وتركيز انتباههم على الكبرياء الوطني وحماية مكانة روسيا وهيبتها، لإقناعهم بتقبل حالة التقشف والتعايش معها وتجنب حالة سخط عامة.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى