الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بشير عيسى / بورقيبة… وأسئلة الإنتليجنسيا العربية/ بشير عيسى

بورقيبة… وأسئلة الإنتليجنسيا العربية/ بشير عيسى

 

 

إذا ما استثنينا تونس، على طول خطوط التحول العربي، أمكننا رؤية المآلات المخيّبة التي أحاطت وحلت بدول الربيع. وذلك على اعتبار أن ما تم غرسه على مدى عقود طوال، اتضح أنه كان تأسيساً لفصل الجحيم الذي نمر به. فالخطاب الذي راج وما زال، من أن الثورات قد اختُطفت، وأن المجتمع الدولي تخلى عن واجبه، في حماية هذه الشعوب، الساعية لنيل حريتها، هو ذات المنطق الذي يحاكي خطاب الأنظمة، لجهة كونها مستهدفة من الخارج. ما يعني أن كلا الخطابين، وإن لامسا الواقع، فقد ارتكزا على المنطق التبريري الذي يكشف عجز هذين النسقين، في النفاذ إلى كنه الواقع، وفهم طبيعة العلاقة الجدلية، بين ماهيته الذاتية، وصيرورته الموضوعية والتاريخية.

ولأن الخطابين، في جزء كبير منهما، أملتهما الضرورة الظرفية، في صوغ ما يُعتقد بأنه الأمثل، في النهج والحل، أخذت المشكلة بالتفاقم، نظراً الى كون المرغوب فيه كأيديولوجيا، قد تقدم على الفكر النقدي، الأمر الذي أفضى الى هذا الاستقطاب الحاد. وبالتالي كشف حقيقة عدم استعدادنا في العمق، لقبول المختلف، حيث فشلنا في أول محطة، لتدشين الممارسة الديموقراطية، وذلك بعدما خلعنا ثوب القداسة على السياسة، وبتنا نستمرئ معها فكرة التحول نحو الحرب المقدسة، علّها تأتي بالخلاص. وشيئاً فشيئاً تحول المثقفون إلى دعاة، والمجاهدون الذين شرعنّا حضورهم إلى ثوار!

يرى آرثر رامبو أن «مواجهة الذات لا تقل ضراوة عن معارك الرجال»، والسؤال هنا: هل كانت النخب الثقافية على قدر المستوى والتحدي المأمول منها، في رصد كافة الأسباب والعوامل، وعلى رأسها الذاتية، التي دفعت بظاهرة التطرف الديني نحو التوحش، وابتلاعها كل ما هو مطلب انساني- تحرري؟ أم أن هذه النخب كانت سبباً مساهماً ومسهّلاً، لانتشار هذه الظاهرة، وذلك بسبب بحثها وسعيها، للحصول على الشعبية والشرعية الثورية – الجماهرية، ما حتّم عليها تبني خطاب حشد يزاوج الدين بالسياسة، لتكتشف مؤخراً أنه انقلب وبالاً عليها، كما حصل مع فصائل المعارضة المسلحة، التي تحالفت في البداية، مع فرعي القاعدة في كل من العراق وسورية؟!

لا شك قس أن هناك توافقاً كبيراً داخل النخب المثقفة، سواء القريبة من الأنظمة أو المعارضة لها، حول أسباب نشوء التطرف الديني المعاصر، فيما يبقى الخلاف على أشده في تحميل المسؤولية التي يرميها كل طرف على الآخر. فالطرفان متفقان على أن ايديولوجية الجماعات الراديكالية بعيدة كل البعد من الفهم الصحيح والحقيقي للدين والتراث، وهي تستغل الرأسمال الرمزي للمعتقد الديني، للوصول عبره إلى السلطة. كما يتقارب الطرفان من حيث المبدأ، في دور المؤامرة بالتواطؤ مع أجهزة الاستخبارات، في دعم وتغذية حضور هذه الجماعات لمآرب سياسية، إلا أنهما يختلفان في المسبب، حيث ترى النخب المعارضة أن الأنظمة استعانت ودعمت قوى الإسلام السياسي، في مواجهة القوى العلمانية واليسارية، بينما ترى نخب الأنظمة أن الغرب السياسي وعلى رأسه الولايات المتحدة وبريطانيا، إضافة إلى بعض دول المنطقة مثل تركيا وقطر، استقبل واحتضن وموّل هذه الحركات الراديكالية. والحقيقة، أن كل طرف لديه من الأدلة والقرائن، ما يعزز وجهة نظره.

يبقى عامل الاستبداد والتهميش وغياب الديموقراطية، الذي يكرس الفقر والبطالة، ما يجعله عاملاً خصباً لإنتاج العنف والتطرف. حيث تحمّل المعارضة كامل المسؤولية للأنظمة، لانفرادها بالحكم. وفي المقابل تتذرع هذه الأخيرة بخصوصية مجتمعاتها، والقول إنها ماضية في عملية التدرج الديموقراطي والانفتاح الاقتصادي، مشددة في الوقت ذاته، وإن اعترفت ببعض الأخطاء، على انها لا تدخر جهداً في ايجاد المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية، للحد من تفاقم البطالة.

وبناءً على ذلك، ثمة سؤال محوري، يُطرح الآن، وهو: ما سبب ظهور خطاب ديني في هذا الوقت تحديداً، وليس خطاباً ماركسياً أو بديلاً آخر؟ وهنا تحضر التجربة التونسية، كمعيار، باعتبارها الأكثر نجاحاً والأقل خسارةً، بين دول الربيع العربي. فتونس كانت دولة بوليسية، ونسبة البطالة عالية بين أوساط الشباب، وهي كمثيلاتها من الدول العربية والإسلامية، شهدت نشاطاً مؤثراً للإسلام السياسي، ازداد في ظل حكم بن علي، حين قام بتوظيف الإسلاميين في وجه خصومه اليساريين، شأنه في ذلك شأن أقرانه العرب.

والسؤال هنا: لماذا حين قامت ثورة الياسمين، كان حصادها مغايراً لباقي دول الربيع؟ في تقديري أن العامل الذاتي هو ما أنقذ تونس، وليس الرهان على الخارج، والفضل يعود بالدرجة الأولى الى بطل التحرير، الحبيب بورقيبة، الذي آمن بفكرة «الدولة- الأمة»، حيث تمثلت البورقيبية الجمهوريةَ الثالثة الفرنسية، التي فصلت بين الدين والدولة عام 1905. ولعل أهم ما قام به بورقيبة بعد تفكيك البنية التحتية والاقتصادية للمؤسسة الإسلامية، ممثلة بالأوقاف، انتهاجه سياسة تعليمية، قوامها العلمانية والتحديث في كافة المجالات وفي طليعتها المناهج التي أسست لنشوء أجيال امتلكت من الوعي والفهم التنويري للنص والتراث، ما جعل معظمها في منأى عن التطرف. ترافق هذا مع إصدار مجلة «الأحوال الشخصية» للمرأة التونسية، التي كفلت الحقوق القانونية التامة لها، في مساواتها مع الرجل.

هذا الإرث البورقيبي، معطوفةً عليه مواقف المعارضين اليساريين، الذين لم ينزلقوا إلى الكيدية السياسية، وظلوا مخلصين لخطابهم الإيديولوجي والسياسي، في وجه خصومهم الإسلاميين، بخلاف نظرائهم العرب، هو ما حمى تونس من السقوط في أتون التطرف والفوضى. فإذا كنا نريد مستقبلاً ومكاناً مشرّفاً في العالم، علينا أن نناضل لتغيير المناهج الصفراء، بالتعاون مع المجتمع الدولي، بنفس القدر الذي نسعى فيه الى تغيير الأنظمة!

 

* كاتب سوري

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...