الرئيسية / صفحات مميزة / بين الذاكرة والثورة، حوار صفحات سورية مع الفنان التشكيلي خالد الخاني

بين الذاكرة والثورة، حوار صفحات سورية مع الفنان التشكيلي خالد الخاني

 

أجرت الحوار فاطمة الصفدي

– خالد الخاني قبل الثورة فنان تشكيلي وذاكرة ممتلئة بالفقد .. فمن هو خالد الخاني بعد الثورة ؟

أنا قبل الثورة ذاكرة موقوتة مؤلمة مضطربة .. نزق يملأ الرأس بكل الاوقات كان من الصعب أن أتعايش مع الألم لأكون إنسان سوي أمام المجتمع الذي أنتمي له ,إضافة الى صعوبة في ضبط الدماغ والذاكرة المريضة حتى لا أنحو نحو العنف كل ذلك أدى الى سعي دؤوب للتعرف على نفسي لأقود ذاكرتي وأوجهها كمحاولة للتخفيف على آلامها مما انعكس على لوحاتي وعلى النهج الذي إخترته عبر تفريغ الالم على اللوحة البيضاء بألوان مسروقة من عبق حماة , الأبيض والأسود علاقة قائمة على هذا التضاد الواضح والجلي بكل اللوحات إضافة الى رسومات قائمة على فكرة الملامح المغيبة والتي تحمل بدلاً عنها أرقام والتي شيعها النظام وكرسها لشعب بأكلمه .. حتى العذابات الحاضرة بذاكرتي عند أي محفز حاولت أن تهز توازني النفسي . عند إنطلاق الثورة تحقق شئ من الحلم وبدأت أرى النصر وأعطي فرصة للذاكرة لتشفى ,, منذ بداية الثورة الى الان وأنا أعتبر نفسي في حالة تفريغ وتنفيس عن الذاكرة وكيفية إنعكاس هذا التفريغ على العمل الثوري بما إستطعت أن أقدمه من بداية الحراك . الثورة إستطعت أن تشفي آلامي النفسية الصغيرة ولكن الشفاء التام سيتم بلحظة النصر والتي آراها قادمة ولو طال الزمن .

– والدك الطبيب حكمت الخاني – رحمه الله – طبيب مشهور في حماة دفع حياته لأنه طبيب فلماذا لم تكن طبيب؟ لماذا اخترت الرسم ؟

والدي دفع حياته  ثمن لهذه المهنة النبيلة وهذا الشئ يزيدني شرف لكن مكانته لاتزيد عن مكانة أي شهيد آخر من شهداء المرحلة .. رمزيته لدي كبيرة وأقتدي به وكان لابد أن أحذو حذوه وأكمل مشواره الذي بدأه قبل الـ 82 , في مرحلة ما من مراحل حياتي مورس عليي ضغط كبير لأكون طبيب وكان حلم للعائلة أن أتخذ من عيادة أبي عيادة لي عندما أكبر لأكمل نهجه كاملاً- و ليس فقط حلمه في الحرية-  ومع كامل إحترامي وحبي لوالدي الشهيد المناضل الذي دفع ثمنه من أجل هذه المهنة العظيمة إلا أنني لم أجدها تتناسب وشخصيتي . أنا أعمل بإنسانية غير معنونة بكلمة طبيب ولكنني أعمل بإنسانية أخرى فاللوحة مثلاً هي نوع من أنواع النشاط الانساني الهائل التي إستطاعت أن تسحرني منذ طفولتي . الرسم أداة أستخدمها للإستشفاء من ذاكرتي المريضة والقلقة التي تكرست عبر سنوات وبنفس الوقت تسمح لي أن أعبر عن أشياء تحتاج لسنوات من الكلام , اللوحة قادرة على إختزال سلسلة من الصفحات والأحداث هذه القدرة على تكثيف الأحداث بلغة يفهمها جميع البشر تجبرني أن اكون مهووس بالألوان .

– عندما تغمض عينيك وتحاول أن تتذكر والدك .. ماهي الكلمات التي تأتي مع ملامحه ؟

لدي قصة ألم طويلة مع العينين .. في كل لوحاتي لا أستطيع أن أرسم عيون مفتوحة ربما يعود ذلك لبحثي عن عينا والدي الذي دفناه دون عينين في الـ82.  حتى لو إضطررت أن أرسم عيون تحت ضغط تكنيكي أحاول الهروب منها وأرسمها كعيون مغمضة . قضية إغماض العينين لها منعكس في نفسي , فأنا لا أستطيع أن أنام دون إستخدام “ماسك” والموضوع ليس له علاقة بالتعود بل برفض  فعل الإغماض نفسه. السؤال هل أنا أحاول أن أتذكر والدي ؟ في الحقيقة لا .. منذ الطفولة وأنا أحاول أن أنساه لكنه مصر أن يكون بدماغي ليذكرني بالواجب الذي علي القيام به . كل شئ حولي يجبرني أن أتذكره الأفكار , الأنفاس الثائرة . حتى الشكل الخارجي .. أنا أشبهه بدرجة كبيرة تجبر المرآة أن تذكرني به, الناس الذين يوقفوني في الشارع ليقولون لي “الله يرحم أبوك ” كل تلك الأشياء تجعل مهمة نسيان والدي مهمة فاشلة بالنسبة لي . الطفل في مرحلة ما يكون بحاجة لوالده , هذا الرمز الهائل الذي تركني وذهب في لحظات طفولة كنت آخذه إلى محكمة ذهنية لأحاكمه وأعاتبه لتركي في حين توفر خيارات أخرى له . الان تراودني ذات الفكرة – على الرغم من رغبتي الشديدة بالتواجد والاحتفال بالنصر- أن أعود لأنهج نهجه وأقدم نفسي شهيدا على مذبح الحرية

– هل سيكون إنتصار الثورة براُ للوعد الذي قطعته بفتح قبر والدك ودفن عيناه معه ؟

أعتقد ذلك ,  إنتصار الثورة سيكون برا لوعدي وبرا لملايين الناس داخل سورية وسيساعد على شفاء ملايين الجراح داخل شعبنا . إنتصار الثورة سيكون بمثابة روح جديدة لهذه البلد لتبني نفسها من جديد , كما ستكون تعويضاً لوالدة الشهيد التي قدمت أعز مالديها وتعويض لأصحاب الفقد ممن قدم منزله أو قدم علمه أو أو او .. إنتصار الثورة سيكون العزاء الوحيد لآلام السوريين .

– نجد في كثير من لوحاتك حضور لافت للأنثى فما الذي تعنيه لك الأنثى ؟

علاقتي  مع الأنثى ليست قائمة كعلاقة نزق الذكر مع الأنثى , مازلت بحالة دهشة مع هذا المخلوق العجيب حالة الدهشة التي تصيب الرجل (ليس بالمفهوم الذكوري) بل بالمعنى الحقيقي للرجل أمام الأنثى .. وأكثر الإناث إدهاشا لي هي أمي . ربما لأنها هي التي ربت في داخلي شعور التعاطف معها كحالة خاصة ومع الإناث ككل كحالة عامة , توحدي مع آلام هذه المخلوقة العظيمة الأرملة التي أبت أن تنتحي وقامت بنفسها على تربية أطفالها الأيتام والعجز الذي كان يعتريني كطفل لا يستطيع أن يرسل لوالدته إلا الكثير من التعاطف والحنان كل ذلك ساهم أن يستمر هذا الحنان والإحترام والحب لهذا المخلوق بعد النضج ولتتجسد بعدها في كثير من لوحاتي بآلامها وسط مجتمع ذكوري

– الإغتصاب سياسة إتبعها النظام سابقاً في حماة ولقد أثرت بك كثيراً كما يظهر من شهاداتك , ويعاد إستخدامها اليوم كوسيلة للإنتقام من المتظاهرين برأيك كيف بإمكان المجتمع أن يعوض عن المغتصبات ؟

أعود لنقطة النصر .. حتى المغتصبة في لحظة النصر من الممكن جدا أن تغسل آلامها , لايمكن أن أخفي ألمي الكبير تجاه المغتصبات وبالذات لما رأيته في طفولتي ولكن تبعاُ لما رأيته من شعب حماة “الرائع” فلقد تم إحتضان المغتصبات ومحاولة صهرهن مرة أخرى في المجتمع واليوم نراهن أمهات رائعات قمن على تربية جيل ثائر وحماة من هذا البلد . الشعب السوري الذي إحتضن مغتصبات الثمانينيات ليس صعبا عليه أن يلملم ألم مغتصبات الثورة .

– الابن يكمل ما بدأه الأب من قتل وهدم وتنكيل في حماة .. ما الذي تريده حماة من سوريا بعد الإنتصار ؟

شخصيا وانا لا أمثل الا نفسي .. الشعب السوري من درعا لحلب ومن الدير لطرطوس واللاذقية لايمكن في لحظة النصر إلا ان نفتح تلك الملفات مع النظام ولحماة الحصة الأكبر بها , لا نستطيع أن نطلب من الآخرين شئ أو نحاسببهم عن ترك حماة لوحدها في الثمانينات لأن كل المدن السورية قدمت في الثورة الكثير . حماة أخذت حقها بإعتراف العالم أن أهل حماة في سنة الـ 82 كانوا أصحاب قضية عادلة ولم يكونوا كما حاول أن يكرس النظام في الثلاثين سنة الفائتة بأنهم إخونجية ومخربين وإرهابيين .

– لوحاتك هي جزء منك لكن هناك لوحة لها مكانة مميزة في نفسك فماهي ولماذا ؟

كل لوحة لها مكانة .. علاقتي مع اللوحات قائمة على الحب والحوار ولكن هناك لوحات تأخذ من روحك الجزء الاكبر , لاعلاقة للوقت التي يتم إنجازها فيه ولا بعملية الإبداع ولا المكان أو الزمان . هناك لوحات تأخذ جزء من روحي وترحل كيف ولماذا لا أعرف . مثلا اللوحة الاولى التي تكون نقطة بداية  لسلسلة من الأعمال التي تليها من المؤكد سيكون لها مكانة خاصة .

– ما رأيك بالمواهب التي تفجرت في شوارع الثورة هل هي قابلة للإستمرار والتطور أم هي وليدة حالة الغضب التي تعترم في صدور الناس وستختفي لاحقاً ؟

سأتكلم عن المواهب المتفجرة في الشارع ككل وليس على المواهب الفنية فقط . المواهب المتفجرة في شوارع الثورة السورية ككل مواهب هائلة الشعب يقدم إبداع وحلول مذهلة خارج حدود المنطق  كون الإبداع يرتكز دوما على اللامنطق , الشباب برهن أن الإبداع يأتي من رحم الحرية فخلق  حالة من الإدهاش للمتلقي على كافة المراحل سواء كان بالتنظيم او التظاهر أو النقل المباشر وحتى على صعيد السياسة . على صعيد اللوحات قدمت تجارب جيدة جدا لها مستقبل واعد في سوريا الغد . المواهب الإبداعية تضيف أماناً إضافياً للثورة ,, الملفت للإنتباه أن هذه الأعمال كانت تحت مظلة الثورة والحرية والديموقراطية فتواجد هذا المفاهيم هي من أدت لتفجر الإبداع في الشارع والذي سيؤمن مواد ومحفزات يستطيع الشارع أن يعمل عليها ويطوره لسنين قادمة .. إذا مابقيت هذه المواهب تنهج ذات النهج أعتقد بأنا سنرى تطور وقفزات كبيرة في سوريا الغد .

– لماذا لم ترق المعارضة لتكون بوحدة الشارع ؟

الشارع أذهل العالم فمابالك بالمعارضة ؟ , أعتقد بأن المعارضة في حالة صدمة ودهشة أكثر من العالم حتى . الان يبدوا أن المعارضة بدأت بفهم الشارع ومتطلباته .. مع ذلك الجميع قدم ما إستطاع أن يقدم لكن ماقدموه لم يستطع ان يسقط النظام لوجود دعم روسي .. نحن نحارب حرب نبيلة صدور عارية تواجه دبابة ولا مجال هنا للمقارنة بين جيش يمتلك عتاد بسيطة كالجيش الحر وجيش يمتلك ترسانة من الأسلحة إذ مازلنا هنا نتحدث عن الصدور العارية والدبابة . الشعب يخوض حرب نبيلة فهو يقاتل بالشعر بالعبارات بالتلاحم بالألوان بالموسيقى بالفن بالتكافل بالتنظيم ويبدو بأن المعارضة تريد ان تقاتل بنفس سلاح الشعب وهو غير ممكن على صعيد السياسة

– ماهو النقد الذي لم توجهه من قبل للثوار وتريد أن تقوله لهم ؟

أنا أصغر من أنتقد الثوار .. ولكن بشكل أخوي على الجميع أن يعي بأن الوطن للجميع ولا أحب أن يكون هذا إنتقاد بل ليكن كتذكير , علينا أن نتحلى بقدسية وجمال وعظمة ونبل الثورة وأن لا نحيد عن ثوابتنا واعتقد بأنهم بغنى حتى عن هذا التذكير , بالإمكان إعتباره نوع من التغني بأخلاق الثوار .

– ما رأيك فيما يتردد عن كون سوريا على عتبات حرب أهلية ؟

يتردد مايتردد , حسب ما أعرفه من معلومات لو كان هناك إمكانية لإشعال حرب أهلية فكان الأولى أن تبدأ من ستة أشهر لا أن تنتظر الى الان . النظام يحاول منذ بداية الثورة الى الان أن يشعل فتيل الإقتتال الطائفي بكل ما آوتي من قوة قتل وتدمير إلا أنه يجابه دوما بوعي شبابي على الأرض مما يؤكد بأن “الشعب السوري واحد ” ليست لافتة ترفع هي حقيقة يمكن لمسها على الأرض . الى الآن أعتقد بأننا عصيين على الإنزلاق الى حرب أهلية إن كان هناك حرب فهي ستكون حرب تحرير شعبية من شعب يريد التحرر من إستعمار عائلة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...