الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سوسن جميل حسن / بين عالم الأمس واليوم “السوري”/ سوسن جميل حسن

بين عالم الأمس واليوم “السوري”/ سوسن جميل حسن

 

 

في مقدمه كتابه “عالم الأمس” الذي كتبه قبل انتحاره في البرازيل عام 1942، يقول الكاتب “ستيفان تسفايغ”: لقد أرغمت على أن أكون شاهدًا مكشوفًا ومخذولاً على انحطاط لا يُصدق للإنسانية إلى البربرية المعادية للخير العام، واعتقدنا أننا نسيناها منذ أمد طويل. وتبقّى لنا بعد قرون أن نرى ثانية حروبًا لا يُعلن عنها، ومعسكرات اعتقال، واضطهادًا، ولصوصية جماعية، وغارات جوية على مدن عاجزة عن حماية نفسها”.

يمكن للقارئ القول بعد قراءة النصف الأول من هذا القول إن ما يحصل في سوريا وغيرها من المناطق المنكوبة بحروب راهنة كاليمن وليبيا وقبلها العراق، ولا نعرف الدولاب سيندفع بأي اتجاه، شبيه إلى حد كبير بما حصل في أوروبا بين الحربين العالميتين وما تمخض عنه بعد صمت المدافع من واقع مدمر، بل ربما شراسة الحرب الدائرة في سوريا وتعقيدها وكثرة الأطراف الضالعة بها وإضرام نيرانها، كلما أوشكت أن تخبو، بفتيل الحروب الأهلية والبينية بين مكونات الشعب وبواسطة أفراده كوقود لها يحاربون بعضهم البعض، كل ذلك يجعل منها قضية إشكالية ولغزًا من الصعب التوصل إلى مفاتيحه على الأقل حاليًا، قبل أن تُكشف الوثائق التي تخبئ أسرارًا عندما يحين وقت إعلانها قد تكون أصبحت بلا قيمة ترتجى.

لكن نبوءته، أو استقراءه، بأن ترى البشرية مرة أخرى حروبًا لا يُعلن عنها ومعسكرات اعتقال ولصوصية جماعية وغارات جوية وغير ذلك، فقد أخطأ في تقدير توقيتها لأنها لم تتأخر عن ذلك إلا بضعة عقود لم تكمل القرن الواحد، فاشتعلت في سوريا بأبشع انتهاك للإنسانية والقوانين الدولية والحقوق التي تتبجح بها الأمم وتعقد المواثيق حولها، وبشكل علني وسافر.

بصرف النظر عن النهاية التراجيدية التي اختارها ستيفان تسفايغ لحياته كتحدٍّ صارخ للواقع الذي وصلت إليه أوروبا بعد عصر ليبرالي تنويري، تحت وطأة الإيديولوجيات الشعبية الكبرى: الفاشية في إيطاليا، والاشتراكية القومية (النازية) في ألمانيا، والبلشفية في روسيا، وفوق الكل التعصب القومي، “هذا الوباء الأكبر الذي سمم زهرة ثقافتنا الأوروبية” بحسب وصفه، فهو قد وثق مرحلة من تاريخ أوروبا في المجال الفكري والسياسي والثقافي والاجتماعي والعمراني، ليس توثيقًا فحسب، بل قدم قراءة فيها من الحميمية وفيها من النظرة النقدية، وحمّل نفسه مسؤولية أن يكون شاهدًا على هذا التحول الدراماتيكي المريع من عالم الأمس إلى عالم اليوم، في زمنه ذاك “وأن أؤدي شهادة على هذه الحياة المتوترة المثيرة الحافلة بالمفاجآت أمر يبدو لي واجبًا. لأن كل واحد كان شاهدًا على هذا التحول الهائل، وكل واحد أُرغم على أن يكون شاهدًا”.

لا بد أن تدفعنا سردية كهذه إلى السؤال عن الشهادات التي قدمها أو دوّنها المثقفون السوريون، ربما هناك المئات من الشهادات التي سجلها أصحابها أو احتفظوا بها في ذاكرة أرجو ألاّ تكون فظاعة العنف الممارس على الشعب السوري قد أثرت بها أو أضعفتها أو حرفتها باتجاه تشويش على الضمير ونزاهة الشهادة المرجوة. ما يؤلم في الحالة السورية هو التصدعات التي طالت البنيان المجتمعي، والبنيان الفردي أيضًا، ولم يسلم منها جزء كبير من المثقفين، فلم يصمدوا أمام هول اللحظة وأمام التضليل الإعلامي الذي كان له دور كبير فاق في خطورته المدافع والبراميل والطائرات.

اختلفت المفاهيم مثلما جرى الاختلاف عليها، هذا واقع لا يمكن تجاهله، فالحقيقة التي سعى لأن يوثقها ستيفان تسفايغ علّ جزءًا منها يمكن أن يصل إلى الأجيال اللاحقة: “إذا استطاعت شهادتنا أن تنقل إلى الجيل التالي ذرة من الحقيقة عن هذا البنيان المتفسخ، فإن عملنا لن يذهب كله سدى”، تمت مصادرتها من قبل أطراف الشعب السوري المقسوم على نفسه، كل طرف يدّعي امتلاكها كاملة غير منقوصة، وانطلت الكذبات والتضليل حتى على الشريحة المطلوب منها أن تضطلع بدور نقدي  تجاه الواقع المأساوي، وتجاه الماضي بتعريته ووضعه على الطاولة في سبيل فهمه والقطع معه. لا يمكن نكران تجارب عديدة لكثير من المثقفين في العقود الماضية، ومن المجحف أو غير المقبول عدم احترام تلك التجارب التي دفع أصحابها فواتير باهظة كانت تعادل حياتهم أو وجودهم في بعض منها في سبيل قول كلمة حق في وجه سلطان جائر. لكن أيضًا لا يمكن غض الطرف عن انزلاق الكثيرين منهم في سنوات المحرقة السورية نحو الاستقطابات السياسية فقدموا خطابًا لا يخدم قضايا الشعب. وما يدعو أكثر إلى الشعور بالخذلان ارتهان بعض المثقفين إلى المنابر الإعلامية التي، في غالبيتها لم يكن برنامجها أو أداؤها متوافقًا مع شعارها القائل بتوجهها إلى كل السوريين.

إذا كان المعلن والواضح والصريح في الأداء الثقافي السوري في زمن الحرب، التي صادرت الثورة وحرقت أحلام الشعب في الحرية والمستقبل اللائق بحياة إنسانية بعيدًا عن كل أشكال الطغيان، ينحو باتجاه التجييش والتحليل البعيد عن الموضوعية، بل في بعض الخطابات المتطرفة الكثير من المغالاة والكثير من التحريض، فما هو المنتظر من شهادات عن عالم الأمس السوري؟ العالم الذي في بعض منه كان مطلوبًا هدمه من أجل البناء عليه، لكن الهدم أيضًا يحتاج إلى دراية ونزاهة وتحديد الغاية والهدف منه.

ليس مطلوبًا أو متوقعًا أن تنسخ التجارب بعضها، ولا أن يكون كل السوريين، ونخبهم معهم دخلوا سن اليأس، بل حالة اليأس والإحباط المؤدي إلى الانتحار، لكن الذاكرة السورية بحاجة ملحة وسريعة لحماية من فيروسات فتاكة، أولها فيروس العصبيات والتطرف الفكري.

تلفزيون سوريا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...