تتوقف كرة الدم


    بدر الدين شنن

    ليس من باب المخادعة والجشع وحسب ، أن يتدخل الخارج الاستعماري ” العولمي ” ممثلاً بالقطب الدولي الأميركي الأحادي وتوابعه من الأوربيين والخليجيين ، في مجريات الأزمة بين الأشقاء في سوريا ، من خلال السعي الحثيث لفرض هيمنته المطلقة ، عبر مؤسساته الدولية ، على صنع عناوينها وأحداثها ومضامينها ، سياسياً ومالياً واقتصادياً وعسكرياً ، ومن خلال تجييش معظم المعارضة السورية بالشراء أو بالإرهاب وإلزامها بتبني مخططاته ، فيما يخص النظام السوري والجيو سياسية السورية والشرق أوسطية ، . متجاوزاً بوقاحة مطالب الشعب السوري المشروعة بالتغيير الوطني الديمقراطي والعدالة الاجتماعية . ومستبدلاً بغطرسة قوانين علم الاجتماع السياسي المعنية بالتحولات الاجتماعية السياسية الكبرى والثورات الشعبية ، وما افرزته تجارب الشعوب من خبرات متراكمة عبر معارك تحررها ، لتقرير مصائرها ، وبناء دولها ، واقتصادياتها ، وأنظمة الحكم وأساليب الانتاج التي ترغبها ، التي تؤكد أن الصراعات التي تجري في مختلف المجتمعات ، إنما تنبع من دواخل البلدان وعبر تفاعلات القوى الاجتماعية السياسية فيها ، إن لامتلاك آليات السلطة للاستحواز على فائض القيمة من الناتج الاجمالي ، أو لإعادة توزيعه لصالح هذه الطبقة الاجتماعية أو تلك ، أو لصالح المجمعات النوعية في هذا القطاع الاقتصادي أو ذاك . وتندرج ضمن هذا السياق ، من أسف الصراعات التي تجري في هذا الزمن الرديء ، تحت عناوين قومية تعصبية أو مذهبية دينية متطرفة ، التي لاتقل بشاعة عن الحروب التي تشنها الدول الامبريالية في زمن العولمة ، تحت عناوين التمدن وحقوق الإنسان والديمقراطية وحفظ السلام الدولي . مستبدلاً ( الخارج الاستعماري العولمي ) كل ذلك بقوانين الغاب الإمبريالية المتوحشة ، التي تمنحه لأنه الأقوى ، حرية التصرف بمقدرات الشعوب .

    كما أنه ليس من باب المخادهة والجشع وحسب ، أن يقوم الخارج الاستعماري ” العولمي ” بممارسة شتى أنواع التدخل في الشؤون الداخلية الأخرى على مستوى العالم . وعلى سبيل الذكر لا الحصر ، تدخله في شؤون منظومة الاتحاد السوفياتي سابقاً ، أوكرانيا ، روسيا ، جورجيا ، ومن ثم يوغسلافيا ، وأفغانستان , والعراق ، ومؤخراً في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ، بل إنه يقوم بذلك ، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ، على خلفية ” أيد يولوجية ” ابتدعها ، واعتقد أنها أعطته مفاتيح الخلود ، وأنه صار سيد الكون . وعلى مربعات الكوكب الرضي ـ التي كانت دولاً ـ أن تخضع لأوامره وإملاءاته ومخططاته ، وأن مسوغات ومفاهيم و ” قيم ” عولمته امتلكت شرعية أن تحل محل العلوم الاجتماعية السياسية والحقائق التاريخية ، وألغت مفاهيم الإنسانية والكرامة الوطنية والعدالة والحرية ، التي كانت قائمة في قناعات الشعوب ، ما قبل زمن عولمته .

    بمعنى أن عالم العولمة قد نفى النفي . لقد نفى سيد الكون إرادة الشعوب المتمسكة با ستقلالها وأوطانها وكرامتها وحقها بتقرير مصائرها وقياداتها وأنظمة الاجتماعية فقد أصبح العالم حسب رؤاه الهيستيرية وفتاوى فلاسفة مملكته الكونية بلا حدود .. تلاشت الأوطان والوطنية .. وحل حرام العبودية الرأسمالية محل حلال العدالة الاجتماعية والحرية ، معتبراً أن كوكب الأرض قد ارتكز إلى الأبد على القرن الأميركي .. وغدت الاتجاهاه الأربع تتجه إلى واشنطن .. وأصبحت الأرض والفضاء حكراً له . صار له أن يصدر صكوك حرمان وغفران .. أن يشن حروباً بذرائع هزلية كاذبة .. أن يأمر الحكام المترهلين أو الفاقدين للصلاحية في نظره ، أو الحكام غير المطاوعين له كما يشتهي .. بالتنحي . أن يأمر بتدمير مدن ودول .. أن يلعب لعبة الفوضى الهيستيرية ، ليعيد رسم خرائط أقاليم دولية بكاملها بأقلام مدادها من دماء الشعوب المستهدفة .. وينشر ذات اليمين شتاء وذات اليمين ربيعاً . وعندما يحلو له أن يرهب العالم ليضمن سلاسة الطاعة لسلطانه .. يقتل مليونأً هنا ومليونين هناك .

    ومن أسف أن كثيراً من المثقفين والسياسيين العرب والسوريين ، وخاصة الذين غادروا مواقع اليسار والطبقات الشعبية .. الذين يسعدهم أن تطلق عليهم الفضائيات التلفزيونية ألقاب بروفيسور أو مفكر أو دكتور أو محلل سياسي ، قد ضحكوا على أنفسهم قبل أن يضحكوا على الناس . وصدقوا نبوة ” العولمة ” ونبيها الدجال ، وذلك دون التمعن في الفضاء الدولي المتحرك واحتمالات متغيراته ، التي تفرضها ردود الفعل المشروعة على العدوانية الإمبريالية المستعرة بلا حدود وقيود . صدقوا النبي الجديد .. وتماهوا به وبعالمه ” العولمي ” وا ستسلموا لإملاءاته وطروحاته .. وتطوعوا لخدمة مخططاته في أوطانهم ، دون احترام أو حساب لمفاعيل ردات فعل الوطنية والكرامة على الظلم الاستعماري الجديد عند شعوبهم . وا ستبدلوا أهداف ” ثورة البسطاء الشرفاء السلمية ” من أجل التغيير الوطني الديمقراطي ” بالربيع العربي ” المفخخ بالعبوات الناسفة والاقتتال بقيادة أميركا والدول الاستعمارية الأخرى والدول الخليجية القروسطية المفوتة . وصوتوا بناء على طلب أعداء الوطن بنعم للتدخل الخارجي العسكري المدمر في بلدهم .. ونعم للاقتتال الداخلي المدعوم بالمسلحين الأجانب .. وذلك مقابل حفنة دولارات ، وعيش فاخر في فنادق الخمس نجوم ، ورحلات جوية بين عواصم الرفاه المبهرة ، وصولاً إلى مركز سلطوي ذليل تابع للخارج اللصوصي المحتل ..

    ومن أجل ذلك .. من أجل الرفاه في الخارج الآن .. ووجاهة وثراء التمتع بالسلطة لاحقاً .. فلتعاود كرة الدم تدحرجها ، التي كانت قد انطلقت من مجزرة مدرسة المدفعية بحلب عام 1979 ، ومرت بتدمر ، ودمشق ، وحلب ، وجسر الشغور عام 1980 ، وتوقفت حين انقطع نزيف الدم بالكي العنفي في حماة عام 1982 . وكان الثمن يحتوي على عشرات آلاف القتلى والمعتقلين والمشردين .. ولتتدحرج كرة الدم هذه المرة فوق كل المدن السورية .. وللتحول ساحات عظماء الوطن الخالدين .. ساحة يوسف العظمة بدمشق .. ساحة سلطان باشا الأطرش في السويداء .. ساحة سعد الله الجابري بحلب .. ساحة هنانو بادلب .. ساحة الشيخ صالح العلي في طرطوس .. ساحة العاصي بحماة .. ساحة النجة بحمص .. إلى بحيرات من الدم .. لقد طمس الدولار بهاء قلعة حلب ، ونقاء ياسمين دمشق ، وشدو نواعير حماة ، وشاعرية ديك الجن العذبة بحمص ، وزقزقة عصافير كروم العنب والتين في السويداء وادلب ، ووشوشة أغصان الزيتون في عفرين ، ومداعبات أمواج الساحل لأجساد الصبايا فوق الرمال الناعمة .. ولتصبح سوريا سوريات .. أليست الديمقراطية تعني التعددية .. ؟ ..

    بقية من رجاء نابع من بؤرة الشرف في القلب ، الذي ينبغي أن يكبر ويتسع ..

    مساحات شعبية شقت أفق الأمل ، التي ينبغي أن تزيد وتتوحد ..

    تبشر برفض الخضوع للنبي العولمي الدجال .. برفض حوارييه الذين باعوا الوطن بدولارات ملوثة بدماء الأبرياء .. وبرفض المساس بحرمة الأرض وحدود الوطن .. وبالتغيير الوطني الديمقراطي ، الذي وحده سيوقف تدحرج كرة الدم .

    إن المسؤولية الوطنية التاريخية المقدسة تستدعي كل الوطنيين الشرفاء .. كل عشاق الحرية .. كل الطامحين بحق للديمقراطية والعدالة الاجتماعية .. كل الأطراف السورية المشاركة بشرف بتفاعلات الأزمة .. أن يتوحدوا .. أن يمارسوا دورهم في إنقاذ الوطن من الاقتتال بين الأشقاء ، الذي بات كالوباء كالسرطان ينتشر في كل مكان .. في المدن السورية الكبرى والصغرى .

    لقد سرق الخارج الاستعماري وأتباعه ما سماه المحتجون الصادقون بالثورة السلمية . ويحاول بكل طاقاته أن يسرق ما يسميه أهل الحكم بالشرعية الدستورية . بمعنى أن كل السوريين مستهدفون .. كل الأرض السورية مستهدفة ..

    وحتى تتوقف كرة الدم إلى الأبد .. وتتوقف التدخلات الخارجية التي لعبت دوراً قذراً في أزمة الثمانينات من القرن الماضي .. وتتكرر الآن بمقاييس أكثر قذارة وأكثر دموية .. ينبغي أن نجلس معاً .. أن نفكر معاً .. أن نعمل معاً من أجل الحاضر والمستقبل .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...