الرئيسية / صفحات مميزة / تداعيات وآثار التدخل الروسي في سورية –تحليلات ومقالات مختارة-
A picture depicting Russian President Vladimir Putin is splattered with eggs during a protest against Russian military operations in Syria, in Istanbul, Turkey, Saturday, Oct. 3, 2015. The picture reads both in Turkish and Russian: 'Murderer Putin'. In ramping up its military involvement in Syria's civil war, Russia appears to be betting that the West, horrified by Islamic State's atrocities, may be willing to tolerate Syrian President Bashar Assad for a while, perhaps as part of a transition. (AP Photo)

تداعيات وآثار التدخل الروسي في سورية –تحليلات ومقالات مختارة-

كتاب سوريين

 

 

 

الحرب الروسية في سوريا.. حدودها ومداها/ غازي دحمان

خريطة التفاهمات التي نسجها قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني في زياراته الأخيرة إلى موسكو بدأت تتكشف تفاصيلها ومفاعيلها، إقامة مركز للتنسيق في بغداد لإدارة الحشود البرية التي ستنطلق من العراق ولبنان تحت غطاء جوي روسي يمهد لتدمير بنية الفصائل المعارضة وتشتيتها تحت زخم نيراني كثيف يضعها في حال من الفوضى والارتباك ما يسهل بالتالي تفكيكها نهائيا وتهجير البيئة الحاضنة لها.

هذه العملية تشبه تلك التي حصلت في منطقة القصير قبل عامين، ولكن بشكل موسع وبأهداف أبعد مدى خاصة على المستوى الإقليمي من خلال دفع الأطراف الإقليمية الداعمة لهذه التشكيلات إلى الانكفاء وكسر إرادة الصراع لديها.

هل هذه هي المفاجأة التي كان سليماني قد وعد بها العالم قبل أشهر من على شرفة جبل العلويين المطلة على سهل الغاب حينما كان “جيش الفتح” يعبر مدينة جسر الشغور صوب سهل الغاب؟ حين أدركت إيران وأذرعها أن التحدي بات أكبر من قدرتهم على فعل شيء، كان لا بد لها من تغيير المعادلة بإضافة فاعلين جدد، ذلك أن الطرف الداعم للجبهة المقابلة قد قرر حسم المعركة والتفلت من قواعد الاشتباك التي فرضتها إدارة أوباما ردحا من الزمن للحفاظ على التوازنات.

وفي المعطيات أن سليماني -وعلى وقع تلك المتغيرات الجريئة- ذهب إلى موسكو ووضع قيادتها في صورة الوضع الميداني طالبا منهم الانتقال من خانة الدعم الدبلوماسي والتسليحي إلى العمل الميداني المباشر إذا كانوا يرغبون بالحفاظ على نفوذهم في سوريا، مما دفع بوتين إلى طلب تقدير موقف من قياداته العسكرية التي أخبرته أن التوازنات التي كانت قائمة على الأرض قد اهتزت، وأن البنى الرديفة التي جرت صناعتها لدعم الجيش من مليشيات محلية وطائفية عاجزة عن تقديم أي دعم حقيقي، أما البدائل التي قدمتها فتمثلت باقتحام المشهد السوري وبقوة وفي فترة زمنية محدودة.

تزامن ذلك مع إعلان تركيا نيتها إقامة منطقة عازلة في شمال سوريا وسماحها للقوات الأميركية باستخدام قاعدة” أنجرليك” ومع إصرار سعودي على إخراج الأسد من أي ترتيبات مستقبلية تخص سوريا، وهذان متغيران خطيران في حسابات الكرملين من شأنهما إحداث تغيرات مفاجئة تخرج روسيا نهائيا من خانة اللاعبين المؤثرين، ليس في سوريا وحسب، بل وفي الكثير من ساحات المساومة الدولية، عبر إسقاط الرهانات التي بنتها روسيا طويلا على بقاء الأسد في السلطة واستمرار جذوة الصراع مشتعلة، وبالتالي دوام حاجة الأطراف الإقليمية والدولية لدورها في إمكانية حل النزاع، في ظل ثبوت عدم جدية إدارة أوباما في التحرك لحل الأزمة أو بلغة أدق عجزها عن اجتراح مقاربة سياسية تنهي فصول النكبة السورية.

وفق ذلك يمكن تقدير أهداف الحرب الروسية في سوريا بأنها ضربة استباقية لإحباط الترتيبات التي يعتقد أن بعض القوى الإقليمية بدأت تجهز لها في الميدان السوري، كما تهدف تلك الضربة أيضا إلى تثبيت وجود روسيا على خريطة القوة الدولية، وتبعث برسالة للقوى الإقليمية والدولية مفادها أنها لن تسمح لأحد بسحب البساط من تحت أرجلها، وهي التي تعد الورقة السورية بوابتها لإعادة الاندماج في البيئة الدولية إثر ما تعرضت له من عزل جراء احتلالها للقرم وبوابتها لاستعادة عافيتها الاقتصادية التي تراجعت كثيرا بعد العقوبات الاقتصادية والانخفاض الحاد في أسعار النفط.

تسعى روسيا عبر ضربة استباقية لإحباط الترتيبات التي يعتقد أن بعض القوى الإقليمية بدأت تجهز لها، كما تهدف أيضا لتثبيت وجودها على خريطة القوة الدولية، وبعث رسالة للقوى الإقليمية والدولية مفادها أنها لن تسمح لأحد بسحب البساط من تحت أرجلها

” هذا فضلا عن مطامعها الجيوسياسية المتمثلة في احتكار السيطرة على الساحل السوري الذي يضمن لها تواجدا ثابتا في البحر الأبيض المتوسط الذي يبدو أنه دخل بقوة في الحسابات الاستراتيجية الروسية بعد نية أميركا التوجه صوب المحيط الهادي.

وفق ذلك يمكن رسم خريطة التحرك الروسي في سوريا ومعرفة حدودها ومداها، ما لم تحصل تغيرات مفاجئة وتطورات دراماتيكية حادة، وقد صرح بوتين نفسه بأن العملية ستكون ضمن أطر ونطاقات معينة، وغالبا ستنحصر في المناطق المحيطة بالساحل السوري، أرياف حمص وحماة وإدلب.

ومن المتوقع أن يستغل بوتين ورقة الأقليات إذا اشتد النكير المحلي والدولي عليه، أو إذا ارتكبت طائراته مذابح في صفوف المدنيين، فحينها سيعلن للملأ أنه يعمل على حماية الأقليات الدينية التي باتت تتجمع في هذه المنطقة حصرا، وتحديدا الأقلية المسيحية، ويبدو من خلال تأييد الكنيسة الأرثوذكسية بقوة لحرب بوتين دخول هذا العامل ضمن الحسابات الروسية، إضافة لذلك يعتبر بوتين أن حربه في هذه المنطقة شرعية لدفاعه عن القاعدة الروسية في طرطوس والموجودة بناء على اتفاق مع الدولة السورية، شأنها شأن القواعد الأميركية في دول المنطقة.

كما أنه الواضح، سواء من حجم الاستعدادات اللوجستية أو الاستعجال الروسي في شن الضربات، أن عامل الوقت مهم لدى القيادة الروسية، ذلك أنها تتحسب أن طول الوقت قد يؤدي بالأطراف والقوى الإقليمية إلى إنتاج استراتيجيات مواجهة تؤدي إلى إغراق روسيا في وحل الأزمة واستنزافها، وهو ما لا ترغب به موسكو.

كما أن قصر وقت العملية ينطوي على فرص أسهل في إصلاح الأعطاب التي قد تحصل في قنوات التواصل مع تلك القوى، فروسيا تراهن من عمليتها في سوريا على فرض وقائع معينة في سياق الحدث السوري ومن ثم التفاوض عليها، حتى لو أدت المفاوضات إلى تنازلات مشتركة من قبلها وقبل الأطراف المواجهة لها، لكن حينها تكون قد فرضت نفسها لاعبا مقررا في سوريا وعلى مستوى النظام الإقليمي الذي بدأ في التشكل.

على ذلك يمكن وصف العملية الروسية بأنها عملية جراحية موضعية محددة المكان والزمان تحقق جملة من الأهداف السياسية، ويكون نتيجتها إمساك روسيا بدفة إدارة الصراع في سوريا وتوجيهه بما يناسب المصالح الروسية الاستراتيجية والأمنية ودون توريطها في صراعات بعيدة المدى.

في تاريخ الصراعات، تكون اللحظة الأسهل دائما هي لحظة اتخاذ قرار الانخراط فيها، ثم بعد ذلك ونتيجة التداعيات والارتدادات تصبح المسألة معقدة لدرجة أن إمكانية اختيار لحظة الانسحاب تصبح خارج قدرة الطرف أو الأطراف المتورطة

” لكن السؤال المنطقي إلى أي مدى تتطابق حسابات ورهانات روسيا مع الواقع، خاصة أنها تواجه أطرافا لها حساباتها ورهاناتها في سوريا؟ وهل تستطيع روسيا بناء عملية تفاوضية عند اللحظة التي تعتقد فيها أن وضعيتها صارت ملائمة؟ وكيف تستطيع روسيا نزع تهمة عدم اصطفافها مع طرف دون آخر في صراع يغلب عليه الطابع المذهبي؟ هي الخيارات والبدائل في حال خرجت الأمور عن سياق تصوراتها لإدارة الأزمة وإيصالها إلى حيث تحافظ على مصالحها وتحقق الجدوى المطلوبة من تحركها العسكري؟

في تاريخ الصراعات، تكون اللحظة الأسهل دائما هي لحظة اتخاذ قرار الانخراط فيها، ثم بعد ذلك ونتيجة التداعيات والارتدادات تصبح المسألة معقدة لدرجة أن إمكانية اختيار لحظة الانسحاب تصبح خارج قدرة الطرف أو الأطراف المتورطة.

ومن الواضح أن الكرملين اتخذ قرار الدخول في الحرب السورية تحت تأثير عاملين ينطويان على تضليل كبير؛ الأول اعتقاد روسيا أن انخراطها في الأزمة السورية يشكل فرصة سهلة للتخلص من تداعيات الأزمة الأوكرانية، وبالتالي اللجوء إلى أزمة للتخلص من أزمة. والثاني: تصوير إيران لروسيا أنها ستتولى القسم الأكبر من المهمة وستكون نتيجتها كما وعد قاسم سليماني مفاجأة تذهل العالم، أي تحطيم كامل لبنية فصائل المعارضة من خلال عملية مفاجئة؟.

ولكن ماذا لو مضى الوقت سريعا قبل أن تكمل الطائرات الروسية استهداف بنك أهدافها واستطاعت الفصائل المعارضة امتصاص الصدمة والتكيف مع المستجدات الميدانية وعكس الهجوم؟

الأرجح، ومن خلال التجربة السورية أن ذلك قابل للحصول بدرجة كبيرة، خاصة وأن الأطراف الإقليمية الداعمة للثوار لن تقبل بأي شكل أن تفرض روسيا رؤيتها للحل، وحينها تكون روسيا قد غرقت في المستنقع السوري ولن تتمكن من الانسحاب بسهولة لأن خسارتها في سوريا ستعني خسارتها في كل الملفات الأخرى، هي إذن مغامرة ولعبة روليت روسية يلعبها القيصر بمزيج من النزق والتذاكي.

الجزيرة نت

 

 

 

 

تكتيكات روسيا وخيارات الثوار/ غازي دحمان()

لم يكن أحد يستطيع تقدير حجم إخفاق مهمة إيران وأذرعها في الميدان السوري إلا بعد دخول روسيا على خط الحرب، حينها اكتشف الثوار أن تكتيكاتهم وتضحياتهم أحدثت أعطاباً كثيرة في جسم المنظومة الإيرانية بحيث وصلت للى حد أن انهيارها كان قاب قوسين أو ادنى ما تطلب استدعاء الحليف الروسي على عجل في مهمة إسعافية لإنقاذ الوكيل ومشغليه.

لكن مهلاً، حتى روسيا كانت في قلب الحدث وكانت واحدة من فواعله الميدانيين، الفارق يكمن الآن في نسبة الانخراط ودرجته، ما يعني أن الفشل أيضاً طال الجانب الروسي أقله في طريقة إدارته للحرب التي كان طرفاً فيها، وهذا يعني أيضاً ان الروس لم يدخلوا الحرب حديثاً بل طوروا عملية انخراطهم بأسلوب عملها وحجمها وطرحها في البازار السياسي الدولي.

ربما تلك الحركة التكتيكية هي ما سبب المفاجأة وحالة الارتباك إن على جبهات الثوار أو على صعيد القوى الدولية، وإن كان التسلل الروسي واضحاً للعيان ومعروفة تفاصيله التقنية واللوجستية إلا أن عدم القدرة على تقدير طبيعة السلوك الروسي ومعرفة حدوده وأمدائه هو ما خلق حالة اللبس التي انتظر وضوحها الضربات الاولى من الحرب الروسية الجديدة.

حتى بنك الأهداف الذي تقصفه روسيا لم يكن سراً ولا مخفياً ذلك أنّ الحرب في سورية تموضعت في السنتين الاخيرتين وفق النمط الكلاسيكي للحروب، جيوش مقابل جيوش، المفاجأة هنا أن الروس يقصفون جيشاً يمثل الثورة وشعبها وهذا ما يعتبر خروجاً عن حالة الالتزام الدولي التي سادت في السنوات الاخيرة في التعاطي مع الحدث السوري على أنه حرب أهلية ولا يجوز الانضمام المباشر والعلني لأي من طرفي الصراع خصوصاً وأن الحرب الأهلية هذه ذات طابع مذهبي وامتداد إقليمي وبالتالي فإن أي محاولة لتغيير قواعد اللعبة من الأطراف الخارجية سوف يتم احتسابها على انها اصطفاف صريح إلى جانب أحد طرفي الصراع.

لم يعد مهماً معرفة أهداف بوتين من هذا الدخول الصادم والمفاجئ إلى أرض المعركة إذ يمكن إيجاد أكثر من حافز ودافع في هذا الاتجاه، على الأقل بالنسبة للثوار على الأرض فإن ما يعنيهم أمر آخر تماماً وهو معرفة التكيكات التي يسعى بوتين إلى تطبيقها في حربه وطبيعة رهاناته في الفوز على الثوار من أجل صوغ ردود مناسبة وكسر الهجوم الذي تشنه روسيا.

لا شك أن خبرة بوتين في غروزني وأبخازيا لا يمكن أن تسعفه في تجربته السورية لاختلاف المعطيات والوقائع، ذلك أنه في الحالتين قاتلت روسيا ضمن مساحات جغرافية ضيقة وعدد سكاني محدود ناهيك عن قرب خطوط الإمداد والتموين وإمكانية تزويد الجبهة بأعداد إضافية من الجنود عند أول طارئ، وهذه العوامل تبدو مفقودة في الحالة السورية.

الواضح من تحليل التكتيك الروسي في الأيام الاولى من الهجوم أن القادة الروس يراهنون على الكثافة النيرانية الهائلة لتفكيك بنية الجبهة المقابلة عبر تدمير مقارها ومخازن أسلحتها وقطع خطوط إمدادها وتشتيت كوادرها وقطع قنوات الاتصال بين القيادات والكوادر، وذلك تمهيداً لدخول القوات البرية التي يجري الحديث عن تجهيزها من قبل إيران وتوابعها في المنطقة.

لكن ثمة مشاكل تعتري هذا التكتيك تتمثل بالتحصينات التي أقامتها الفصائل المقاتلة في المناطق المأهولة وإمكانية فرض نمط قتال المدن والشوارع الذي اتبعته في الزبداني وكثير من المناطق التي تسيطر عليها في مختلف المدن السورية والتي عجزت إيران ونظام الأسد عن تحقيق اختراقات مهمة فيها.

من جهة ثانية يملك الثوار مرونة التحول، وخاصة في المناطق المفتوحة، إلى مجموعات صغيرة تقاتل خلف خطوط العدو وهو أسلوب إضافة إلى نجاعته الاستنزافية يدفع الطرف الآخر إلى التخفيف من زخمه الهجومي والانكفاء إلى حالة دفاعية لتقليل حجم الخسائر وخاصة على الصعيد البشري.

حتى اللحظة يبدو أن الثوار يتكيّفون سريعاً مع التطورات العسكرية المتلاحقة، تراجع حجم الخسائر واستعادة الثوار مبادرة الهجوم والقصف حتى في مناطق يملك فيها النظام والروس أفضلية عسكرية أكبر، كاللاذقية، مؤشرات مهمة على سرعة تكيّف الثوار مع الواقع الجديد وانتهاء فعالية الصدمة والمفاجأة وهي أخطر جزئية في الحروب وخاصة وأن الإستراتيجية الروسية تقوم على قاعدة «خطوة خطوة» حيث كانت تأمل في تحقيق نتائج فارقة جراء المباغتة لتبني على الشيء مقتضاه وذلك لم يحصل.

ذلك لا يعني أن التدخل الروسي لن تكون له أثار سلبية ومضاعفات على المأساة السورية، ذلك أن الروس معروفون بهمجيتهم الحربية فضلاً عن أن جيشهم يحتل المرتبة الأخيرة في دقة التصويب مقارنة بالجيوش الغربية مما ينذر بارتكاب مذابح في الجغرافيا السورية في المرحلة القادمة.

() كاتب من سوريا

المستقبل

 

 

 

 

بريجنسكي يفكك بوتين: مقامر صالح للشراكة!/ صبحي حديدي

لا يُستحضَر تاريخ التورّط السوفييتي في أفغانستان، ثمّ الهزيمة والانسحاب المخزي، وابتداء تفكك الاتحاد السوفييتي ذاته؛ إلا ويُستذكَر زبغنيو بريجنسكي: الأب المؤسس لمنظمة «القاعدة»، التي ستفرخ «جبهة النصرة» و«داعش» و«بوكو حرام» و«حركة الشباب المجاهدين» وسواها في عشرات البلدان؛ والمهندس الأبرز وراء إطلاق تلك «الصناعة الجهادية» التي أعطت «الطالبان» و«الأفغان العرب» وأسامة بن لادن وأيمن الظواهري والزرقاوي والبغدادي.

هو، كذلك، «البروفيسور» الذي فتح علبة باندورا الأسطورية الشهيرة، أو أطلق المارد من القمقم كما نقول، متوهماً أنّ الأذى سوف يصيب السوفييت وحدهم، ولن ينقلب السحر على الساحر نفسه، بعد أن تُطوى نهائياً صفحة الاتحاد السوفييتي، و»المعسكر الاشتراكي» بأسره.

ماذا يقول اليوم، تعقيباً على ارتسام ملامح تورّط روسي جديد، في سوريا هذه المرّة؟

وما رأيه في بطل هذه الجولة، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي لم يكن بعيداً عن مذاقات مرارة الهزيمة الأفغانية، لأنه كان يخدم في المخابرات السوفييتية؟ وهل ثمة دلالة في أن إسراع بوتين إلى نجدة بشار الأسد، هو أيضاً لعبة روليت روسية، تقوم على عضّ الأصابع أيضاً، مع الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً؟ وما الذي يمكن أن يكون مميزاً في رأي بريجنسكي، اليوم، ما خلا أنه كان ذلك المهندس في أفغانستان، من موقعه كمستشار للأمن القومي في رئاسة جيمي كارتر، 1977 ـ 1981؟ ثمّ ما الجديد الذي قد يقترحه رجل تساءل، قبل أشهر قليلة: ما الضير، لمصالح أمريكا، في استبداد بشار الأسد أو انقلاب عبد الفتاح السيسي؟

بادىء ذي بدء، في شهر تموز (يوليو) الماضي، بصدد تحليل معادلات روسيا في أوكرانيا؛ ذهب بريجنسكي إلى درجة عقد مقارنة بين بوتين وأدولف هتلر: «أعتقد أنه توجد نقاط تشابه، ونقاط اختلاف. لم يكن هتلر مهتماً خصوصاً، شخصياً، بجني الكثير من المال. بوتين لديه اهتمام جانبي بتكديس الأموال الطائلة، وهذا يُدخل منظوراً مختلفاً بعض الشيء على الحياة، بحيث تتوازن الأهواء أو تنضبط. ولكنّ الأخطر هو أن بوتين مقامر». فعلى مَن، وعلى ماذا، يراهن هذا المقامر المدمن في سوريا؟ على الأسد، الخائر الخاسر؟ أم على ما تبقى من جيش الأخير، والروس به خبراء؟ أم على شراكة، جيو ـ عسكرية واقتصادية ـ استثمارية مع إيران؟ أم، في أوّل المطاف ونهايته، على ملاعبة واشنطن والحلف الأطلسي، بعيداً عن الباحة الأوكرانية، وقريباً من منطقة تقاطع المصالح الكبرى جمعاء؟

ليست هذه أسئلة بريجنسكي، بالطبع، بل هي أسئلتنا؛ أو، بالأحرى، تلك الأسئلة التي يصعب ألا ترد على الخاطر عند وضع افتراضات مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق على محك الوقائع، الساخنة المتفجرة منها بصفة خاصة.

طريف، بذلك، أن نقرأ له، في «فايننشيال تايمز»، تعليقاً حول التصعيد العسكري الروسي في سوريا؛ يقترح فيه حواراً بناءً بين أمريكا وذلك المقامر إياه، بوتين: «على روسيا أن تعمل مع، وليس ضد، أمريكا في روسيا»، كما يقول عنوان التعليق، و«يجب أن نقنع موسكو بالعمل معنا في حلّ هذه المشكلة»، و«الأفضل هو إقناع روسيا بالعمل مع الولايات المتحدة في البحث عن ترتيب أعرض لمشكلة إقليمية تتجاوز مصالح دولة واحدة»، يتابع بريجنسكي.

طريف أيضاً أنه، في التعليق ذاته، يحثّ الإدارة الأمريكية على استخدام «الحزم الستراتيجي» في مواجهة روسيا، ولا يفوته التشديد على البُعد العسكري في تطبيق ذلك «الحزم». ذلك لأنّ الضربات العسكرية الروسية في سوريا هي، في أفضل الأحوال، تعبير عن «انعدام الكفاءة العسكرية الروسية»، وفي أسوأها «رغبة خطيرة في تظهير العجز السياسي الأمريكي»؛ مما يضع على المحك مصداقية الولايات المتحدة، خاصة عندما تقصف موسكو مسلحي المعارضة السورية الذين درّبتهم واشنطن. ورغم أنه لا يشرح الوسيلة الممكنة، أو حتى المناسبة؛ فإنّ بريجنسكي يدعو البيت الأبيض إلى أن يطالب روسيا، رسمياً وعلانية، بأن توقف تحركاتها في سوريا، «بلا شروط»؛ خاصة وأنّ الطائرات الروسية في سوريا «غير حصينة، ومعزولة جغرافياً عن وطنها»، ويمكن «تجريدها» بالقوّة إذا لم يرضخ الروس للمطالب الأمريكية!

قارىء هذه الذروة في التعليق يخال أنّ بريجنسكي يدعو إلى مواجهة شاملة بين الجبّارين، لعلها تذكّر بأمجاد الحرب الباردة والإنذارات الشهيرة بين جون كنيدي ونيكيتا خروتشوف؛ لولا أنّ روح التعليق الإجمالية تدعو إلى التهدئة، والتسوية، والتفاهم، و… اجتذاب الصين، بدورها، إلى الحرب ضد «داعش»، وبما يوطد مصالحها في المنطقة أيضاً! هنا يدرك المرء أنه إنما يقرأ بريجنسكي القياسي: «بروفيسور» العلاقات الدولية والأخطار الجيو ـ سياسية العظمى، الذي يفضّل بقاء دكتاتور مثل الأسد، لأنه «الشيطان الذي نعرف»، وبديله شيطان مجهولا لا حاجة بنا إلى المجازفة بالتعرّف إليه؛ وصاحب كتاب «الاختيار: هيمنة عالمية أم قيادة عالمية»، الذي يناقش قيادة أمريكا للعالم، ولكنه يراهن على جنرال مصري، قاد انقلاباً عسكرياً على أوّل رئيس مصري انتُخب شرعياً للمرّة الأولى منذ ثمانية آلاف سنة من تاريخ مصر!

«القيادة الكارثية» هي السمة الكبرى للإدارة الأمريكية الراهنة، حسب بريجنسكي في كتابه «فرصة ثانية: ثلاثة رؤساء وأزمة القوّة العظمى الأمريكية»؛ وهي التي قوّضت الموقع الجيو ـ سياسي للولايات المتحدة على نحو خطير. ورغم أنّ فرصة ثانية (لإصلاح هذه الحال، كما نفهم) ما تزال قائمة، فإنّ بريجنسكي متشائم تماماً ويرجّح أنّ العلاج قد يستغرق سنوات طويلة ويقتضي جهداً مضنياً. ولعلّ عناوين الفصول، المخصصة للرؤساء الثلاثة، تختصر جوهر الملامة التي يلقيها بريجنسكي على عاتق كلّ منهم: «جورج هـ. بوش ـ الخطيئة الأصلية (وشِراك المخيّلة التقليدية)»؛ «بيل كلينتون ـ عجز النوايا الطيبة (وثمن التورّط الذاتي)؛ و«جورج و. بوش ـ القيادة الكارثية (وسياسة الفزع). ونفهم أنّ الخطيئة الأصلية هي فشل إدارة بوش الأب في إضفاء أي معنى ملموس على شعار «النظام الدولي الجديد»؛ وعجز كلينتون عن ترجمة الشعار، واغتنام ما خلقت سياسات الشعار من متغيّرات على الأرض؛ وقصور بوش الابن عن فهم البرهة التاريخية بين المخيّلة التقليدية والنوايا الطيبة…

وأمّا المشهد الكارثي ـ الذي رسمه بريجنسكي وأودعه أمانة في عنق رؤساء أمريكا المقبلين، وأوّلهم أوباما ـ فإنّ تفاصيله ترتسم هكذا: أوروبا الآن تغترب عن أمريكا أكثر فأكثر، وروسيا والصين تقتفيان الدروب التي لا تفضي إجمالاً إلى باحة المصالح الأمريكية، وآسيا تنأى أبعد فأبعد وتدير ظهرها، واليابان تشتغل بذاتها على أمنها الذاتي، وديمقراطية أمريكا اللاتينية تزداد شعبوية وعداء لأمريكا، والشرق الأوسط يتشظى ويدنو من حافة الانفجار، وعالم الإسلام تلهبه الحميّة الدينية المتصاعدة والنزعات القومية المعادية لأمريكا، وعلى امتداد العالم تبيّن استطلاعات الرأي أنّ سياسات الولايات المتحدة لا تثير إلا الذعر والرفض… كلّ هذا بدون أن تقتحم «داعش» المشهد، فتستنفر 60 دولة طائراتها لقصف العراق وسوريا، وتقتفي أثرها روسيا بوتين، في انتظار الصين، وربما كوريا الشمالية… لِمَ لا!

ومع ذلك، «نحن شرطيّ العالم»، يقول بريجنسكي، ولكن ينبغي أن نبدو في صورة الشرطي العادل؛ وإذا حقّ لنا أن نتمتّع بمستوى من الأمن أعلى ممّا تتمتّع به الأمم الأخرى لأننا نجازف أكثر من سوانا، فإننا في الآن ذاته ينبغي أن نظلّ أبرز المبشّرين بالحرّيات الإنسانية الجوهرية اللازمة من أجل الارتقاء بالعولمة إلى مصافّ أعلى. نعم، كأن نحتضن أيّ، وكلّ، شيطان نعرفه؛ صحبة المقامرين!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

 

 

 

 

 

تفسير التدخل الروسي وتفسير الماء!/ عمر قدور

كالعادة، واكبت التدخل الروسي تحليلات متباينة، وصل بعضها إلى حد التناقض. الطريف في الأمر أن الروس أنفسهم غير متناقضين في تصريحاتهم وأدائهم خلال الأيام الأولى من بدء حربهم في سوريا، لذا يبدو بعض التحليلات كأنه قادم فقط من رغبات أصحابها، أو من محاولة تبرير صمت دول يُفترض بها أن تكون على تعارض مع موسكو. ولأن الواقع لا يشفع لأصحاب التحليلات هذه فهي تأخذ طابع التكهنات أحياناً، وتستند إلى استبعاد موافقة الإدارة الأمريكية على نهج موسكو أحياناً أخرى، أو يُلوّح بالنموذج الأفغاني بصرف النظر عن البون الشاسع بين إدارة ريغان والإدارة الحالية، وأيضاً بصرف النظر عن أن تركيا أو الأردن غير مؤهلتين للعب دور باكستان في تلك القضية.

تفسير الموقف الروسي، إذا توخينا الدقة، سيكون أشبه بتفسير الماء بالماء. فالكرملين بلا مواربة وضع كل من يقاتل نظام بشار الأسد في سلة واحدة هي سلة داعش، وأصبحت تالياً حربه المزعومة على داعش حرباً على جميع معارضي الأسد. أكثر من ذلك، لم يخفِ الروس للحظة أن تدخلهم هو لحماية بشار من السقوط، بشار تحديداً، وليس النظام، متراجعين عن مواربتهم السابقة في ما خصّ تمسّكهم بالمؤسسات لا بالأشخاص. إننا بالأحرى أمام كلام ينبغي ألا يُضاف بعده ما يجعله مثار الشك، بخاصة إذا أخذنا بالحسبان ثبات الدعم الروسي لنظام الأسد منذ انطلاق الثورة، وإذا أخذنا بالحسبان أيضاً التنسيق عالي المستوى بين طهران وموسكو على الصعيد السياسي واللوجستي.

ثم أن موسكو تقول صراحة ما تقوله الإدارة الأميركية مواربة، فتمسّك الأخيرة بالحل السياسي كان في أحسن حالاته يعتمد على موسكو وطهران في إيجاد بديل لبشار الأسد الذي صار يصعب التعامل معه مباشرة، بعد سجل جرائمه الحافل، وفي أسوأ حالاته يعتمد على عدم تعاون موسكو وطهران، ما يعني بقاء الوضع على ما هو عليه، على الأقل حتى يغادر أوباما البيت الأبيض. وإذا أتت موسكو لتفرض بقاء بشار مقابل مشاركتها، ولو المتواضعة، في ضرب داعش فهي مقايضة مقبولة، إذ في النهاية لا ضير من الإبقاء على بشار في وضعية مشابهة لوضعية البشير في الخرطوم. لقد قامت إدارة أوباما سابقاً بـ”واجبها” إزاء عدم السماح بسقوط الأسد، وأن تتنكب موسكو وحدها الآن المهمة القذرة فأمر مرحب به بلا شك، وأن تدفع موسكو الثمن مستقبلاً فذلك مرحب به أيضاً.

تحت المقايضة الكبرى مع واشنطن هناك مقايضات أصغر أُبرمت، أو تلوّح بها موسكو. فالصمت شبه الجماعي العربي لم يخرج عنه سوى تهديد سعودي بالرد لا يمكن الجزم بتوفر القدرة على تنفيذه، وهناك دول مرحّبة علناً أو سراً، فضلاً عن صمت الحكومة التركية التي تعرّضت سابقاً لضغوط أميركية ضخمة، واستهل سلاح الجو الروسي غاراته بمناطق لا تبعد سوى أمتار عن حدودها. المقايضة التي يطرحها بوتين هي نفسها “داعش أو الأسد”، ويظهر من تبنيها الآن أنها لم تكن في الأصل اختراعاً أسدياً. فداعش على نحو ما أظهر حتى الآن يهدد خصوم الأسد في الخليج أكثر مما يهدد أصدقاءه. أما مع تركيا فالمقايضة المطروحة هي إعادة “الوحش” الكردي إلى القمقم، سواء في سوريا أو في الجنوب التركي.

من وجهة النظر الروسية، لقد حانت لحظة الصفقة الكبرى، حيث بموجبها يمكن الإبقاء على الأسد مقابل إعادة الاستقرار إلى دول المنطقة الأخرى، على أن تتولى موسكو مهمة الشرطي معفية الكثيرين من إحراج الرضوخ لطهران. ومن الخطأ الظن بأن بوتين يستولي على الورقة السورية ليستثمرها في تنازلات في الشأن الأوكراني، بل إن سحب الجنود الروس من الجبهة الأوكرانية وزجهم في سوريا دليل على ارتياحه هناك بعد تنفيذه المهمة كاملة بابتلاع شبه جزيرة القرم كواقع نهائي.

من وجهة النظر الروسية أيضاً، ما ينقص نظام الأسد بعض الصواريخ والقذائف الذكية، فضلاً عن تلك الغبية التي ينبغي ألا يتوقف استخدامها. ومن الخطأ الاعتقاد بأن الروس أتوا لحماية قاعدتهم العسكرية، أو لرسم حدود التقسيم. ما كان يُشاع عن حدود لدويلة النظام يتعلق بسوريا المفيدة لإيران، والروس لا يريدون منافستهم عليها لتكون مجرد قاعدة عسكرية تعتمد عليها كلياً على الصعيد الاقتصادي. هم يريدون كافة أراضي سوريا تحت سيطرة النظام. يريدونها ولو كانت مدمرة، لكن المهم أن تكون خالية من أي “تمرد”، ويرون فشل النظام والإيرانيين في اقتصارهما على التدمير العشوائي بدل ترافقه مع استهداف ممنهج و”ذكي” لخصوم النظام.

أما فرضية أن يضحي الروس ببشار الأسد بعد انتهاء المهمة، فهذه لا يسندها أيّ من الوقائع الحالية، ونفيها لا يقوم على تصديق البيانات الروسية الحالية فحسب. إنه مبني في المقام الأول على منطق قوى الهيمنة الخارجية، إيرانية كانت أم روسية، المنطق الذي يرى في ضعف العميل المحلي قوة للخارجي. ثم، إن موسكو ليست أقدر من طهران على تظهير عميل جديد من خارج عائلة الأسد، لو كان ذلك سهلاً أو مطروحاً حقاً.

في الواقع، كيفما قلّبنا الأمر، التدخل الروسي صفعة لجميع القوى الإقليمية المناهضة للنظام، وقبل ذلك هو اعتداء سافر على إرادة السوريين بغطاء دولي أشدّ سفوراً منه. مواجهة هذا الاعتداء لن تكون مستحيلة إذا أُحسِن امتصاص زخمه الأول، وإذا استطاع السوريون التكيف مع نوع مستجد من المقاومة مع المراهنة على استنزاف الروس حتى ترحل إدارة أوباما، لا لعشم كبير في الإدارة القادمة، لكن لأن أية إدارة مقبلة يصعب أن تكون على هذه الدرجة من السوء

المدن

 

 

 

سوريتان… لكن بلا تقسيم/ عمر قدور

على أكثر من وجه، يمكن قراءة التحرش الروسي بالجار التركي لسورية. من بين هذه الأوجه ذاك الذي تريد موسكو إبرازه، وهو تمسكها التام بتعريفها سيادة النظام على الأراضي السورية كافة، لذا لم تكن مصادفة استهلال عمليات الطيران بقصف مواقع للمعارضة لا تبعد أكثر من 500 متر من الحدود التركية. الرسالة الروسية واضحة، مفادها أن التدخل لا يهدف إلى بلورة «دويلة علوية»، ولا إلى الدفاع عما تداوله بعض المحلّلين باسم «سورية المفيدة» إيرانياً، وبالتأكيد الحملة برمتها تتجاوز إقامة بقعة نفوذ روسية صغيرة على مياه المتوسط.

الاحتلال الروسي يأتي على الضد من فرضيات تقسيم البلد، أو انقسامه تلقائياً إلى مناطق سيطرة مستدامة، ومتحاربة من دون أفق قريب لانتصار إحداها. الأشهر القليلة التي وضعتها موسكو لحملتها، وبموجب القصف المكثف الذي استهلته، يُفترض بهما إلحاق قدر من الدمار يجعل العيش في المناطق المستهدفة مستحيلاً، فضلاً عن إلحاق أذى غير قابل للتعويض في البنية العسكرية للفصائل المعارضة. هذا الطموح يتغذى من عدم وجود أدنى مؤشر الى استراتيجية غربية مضادة، ومن عجز القوى الإقليمية الداعمة للمعارضة عن فتح خطوط إمداد بلا تغطية أميركية، ويتغذى أيضاً من تقبّل المجتمع الدولي أزمة اللاجئين كقضية إنسانية مجردة.

التصور الروسي/ الأسدي لسورية المقبلة قد لا يبدو واقعياً أو قابلاً للتصديق، وهي ثغرة إضافية في فهم أولئك الذين ينتظرون الأيام المقبلة للحكم عليه، لكنه مهما بدا غير واقعي فلن يضيف جديداً، إذ لا أحد قبل أربع سنوات كان يملك شجاعة تخيل ما حدث خلالها في سورية. موسكو والأسد يدركان عدم وجود أفق مستدام للدويلة المزعومة، أو على الأقل لا تقتصر أطماعهما عليها، فسورية «المفيدة» وفق ذلك الترسيم هي بالأحرى المفيدة إيرانياً، لا تلك التي تملك مقومات ذاتية للبقاء. لننسَ تلك المبالغات عن احتياطيات النفط والغاز في المتوسط، فلو كانت مغرية حقاً لسبقت إسرائيل الجميع وأصبحت دولة نفطية. سورية ذات الثقل الراسخ المفيد هي في الأصل خارج «دويلة الساحل» المزعومة، المشكلة فيها أن غالبية سكانها لا يريدون بقاء النظام.

إذاً، موسكو لا تخفي تفضيلها بقاء الأسد بعد المرحلة الانتقالية، ولا تخفي نيّتها مساعدته على استعادة الأراضي الخارجة عن سيطرته كافة تحت زعم شرعيته وإرهاب من يحاربه. وفق المعطيات الحالية، لا يُستبعد أن يحقق الروس انتصارات ميدانية مدعومين بقوات برية إيرانية وشيعية مع قوات النظام، وأن يبدأ مشروع قضم «المناطق المحررة» من دون تصدٍّ دولي له. المناطق المستهدفة ستكون كل تلك الخارجة عن السيطرة، باستثناء مناطق سيطرة الميليشيات الكردية، لأن للأخيرة وظيفة تؤديها الآن كحاجز أمام قوات المعارضة، وليس أمام «داعش» فقط كما يُروّج، وأيضاً كتهديد للجار التركي الذي لم يتخلّص من حساسيته إزاء الملف الكردي في الجوار. الوظيفة الأخيرة ستنقلب في ما بعد على الميليشيات نفسها، إذ توضع بين خيارين: التهديد التركي أو التسليم التام للنظام.

نجاح المخطط الروسي/ الأسدي لا يتوخى في المدى المنظور إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الثورة، فهذا هدف مستحيل أصلاً. علاوة على ذلك، لا النظام يريده ولا موسكو. سورية التي يريدها الطرفان مبدئياً هي المبنيّة على الوقائع التي فرضتها السنوات الأخيرة، مع الإقرار بفوز النظام وحلفائه بالمعركة، وتالياً الإقرار بخسارة المعارضة وحلفائها. هي سوريتان، سورية التي لم تتأذَّ بالحرب أو الانتقام، وسورية «المعارضة» التي خسرت الحرب، وخرجت مدمرة تماماً، والتي ستلاحقها نقمة المنتصر. للتذكير، عانت مدينة حلب من انتقام الأسد الأب ما يزيد عن عقد من الزمن نتيجة ما عُدّ تمرداً من جانبها ودعماً للإخوان المسلمين، أما مدينة حماة فسبق بها النظام نموذج غروزني، وجهد بعد انتصاره لإعادة هندستها معمارياً وسكانياً بما يضمن سيطرته.

سورية «المزعجة» ستكون بعدد أقل من السكان، لأن أزمة اللاجئين لن تجد طريقها إلى الحل سريعاً، وليس مستغرباً إطلاقاً التعامل معها كما تعاملت إسرائيل مع أزمة اللاجئين الفلسطينيين. مع التنويه بأن نجاح موسكو النظام سيفاقم أعداد النازحين، قد تُستخدم قضيّتهم لابتزاز دول الجوار سياسياً، أو حتى لابتزاز دعم دولي أو إقليمي تحت ستار إعادة الإعمار، لكن المافيا البوتينية أو الأسدية ليست من النوع الذي يتوانى عن السطو على الدعم والتنصّل من الوعود. باختصار، المستهدف هو ثروات سورية «المزعجة» الطبيعية فحسب، مع أقل ما يمكن من السكان الذين هم أصلاً إما في موقع الموالاة أو الحياد. هذا وحده ما يكفل التنصّل من التبعات الضخمة لإعادة الإعمار، وأيضاً يكفل الموارد لتسديد الديون الإيرانية والروسية.

بهذا المعنى، سيبني التدخل الروسي على مخطط التدمير والتغيير الديموغرافي الذي بدأه النظام وإيران، ولن تكون استعادة السيطرة إلا بمثابة احتلال شبه معلن، ووفق أسوأ مخيال عن قوى الاحتلال. ومهما قيل عن التزام موسكو بمعايير المؤسسات، إلا أن سلوك المافيا الحاكمة في داخل روسيا نفسها لا يشجّع على حسن الظن، بل إن سلوكها في مناطق السيطرة والنفوذ بدءاً من الشيشان وصولاً إلى شرق أوكرانيا والقرم، يعزز فرضية تبنيها سياسة التدمير والتهجير في سورية أيضاً. السيناريو السوري، إذا كُتب له النجاح، سيمزج بين نهج أسوأ القوى الاستعمارية ومرحلة العبودية، إذ ستكون الفرصة سانحة ليعتقد النظام أنه تجاوز مرحلة «الأبد» إلى ما بعده.

التقسيم، إذا حصل وفق ما تريده موسكو، سيكون بين سورية حاكمة واحتكارية للثروات، وإلى جوارها سكان يخضعون للسيطرة المطلقة تحت زعم مشاركتهم في السيرك الوطني الجديد. قبل سنوات، قدمت هوليوود تصوراً مشابهاً، في سلسلة حظيت بالرواج تحت اسم The hunger games، حيث تدور القصة في بلد شهد ثورة فاشلة، وعوقبت المقاطعات الثائرة بانتقام وصل حدّ التجويع، بينما كان أبناؤها يُساقون للفرجة عليهم في مواسم وطنية يتمتع بها سكان المقاطعات الحاكمة. بالطبع، تصعب مقارنة الحلول الهوليوودية بفظاظة الجيش الروسي، مثلما يصعب الجزم بنجاح موسكو في ما تريد فرضه كوضع دائم، وإن كانت فرص نجاحه موقتاً غير معدومة.

الحياة

 

 

 

 

 

عن بوتين والشعب السوري!/ ميشيل كيلو

ذهبت اواخر عام إلى موسكو بمعية وفد من المنبر الديمقراطي، للتفاوض مع وزير خارجيتها السيد لافروف حول ايجاد حل للقضية السورية. خلال حديثه، لاحظت وبقية اعضاء الوفد أن سورية لا توجد إلا كشيء تابع لبشار الاسد او ملحق به، وأن الوزير لا يستطيع تصورها أو التفكير فيها، إذا لم يكن بشار رئيسها، الذي يجب رؤيتها بدلالته، ولا حل لمعضلتها غير التمسك به. لم يعرج لافروف على ما يجري في سورية من احداث، أو يدن ما يتعرض له شعبها من فظاعات، بل قصر بنقطتين، هما : بشار كرئيس حتمي لسورية، والتخلي عن الثورة ومطالبها باعتباره الحل السياسي المطلوب لمعضلتها.

لم يقبل سعادته، بطبيعة الحال، وجهة نظرنا، التي نفت ان يكون حل مشكلة بشار الاسد هو الحل المنشود للمسألة السورية، وطالبت برؤيته بدلالة الشعب والوطن ومصيرهما وليس العكس، لأن روسيا تفهم الحدث السوري عندئذ بطريقة خاطئة، وتقترح بالتالي حلولا خاطئة، بينما رؤيته في ضوء مسائلها المتعلقة بمصير دولتها ومجتمعها، يحوله إلى قضية فرعية وقليلة الاهمية، ترشحه جرائمه للمثول امام محكمة الجنايات الدولية كمجرم حرب وضد الانسانية في آن معا، بدل رؤيته كموضوع وحيد لوضع تجاوز سورية وبلغ حدا من التعقيد يبعدها أكثر فأكثر عن اي حل، سياسيا كان ام عسكريا، إن رأينا دولتها ومجتمعها بدلالته صار من المحتم أن نعتبر السوريين مجرمين وإرهابيين يتمردون على رئيس شرعي منتخب.

تركز القسم الأكبر من مفاوضاتنا مع لافروف على هذه النقطة، ولم نترك حجة إلا واستخدمناها لاقناعه بعدم جواز رؤية قضية كبيرة كالمسألة السورية بتعقيداتها المتشابكة والمتفاقمة بدلالة أمر جزئي وهامشي كمصير فرد هو الأسد، وأن هذه النظرة تمنع روسيا من رؤية الأمور على حقيقتها وتقديم حل منصف لها، وتسهم في إطالة صراع لن يفيد من إطالته غير الارهاب والاصولية، وتورط موسكو في مواقف معادية للشعب السوري ستكون لها انعكاسات سلبية على علاقاتها مع العالمين العربي والإسلامي. لكن الرجل بدا وكأنه لا يسمع ما نقوله. وفي النهاية، بعد نيف وساعتين، عرض علينا القدوم إلى روسية متى قررنا الحديث مع الاسد، فرفضنا عرضه وخرجنا من اللقاء ونحن لا نكاد نصدق أن ما سمعناه هو موقف دولة عظمى تدعي صداقة شعبنا، لها مسؤوليات سياسية واخلاقية تجاه العالم، وتعلم أن هناك قانونا دوليا يضع سلامة وأمن الشعوب فوق كراسي الحكام، وأن شرعية أي نظام تقاس بمدى احترامه للسيادة الشعبية ولحقوق الإنسان والمواطن.

منذ ذلك اللقاء وانا اعتقد أنه لا خير يرتجى من دولة ترى سورية بدلالة قاتل « شرعي«، تعلم أنه وصل إلى القصر الجمهوري بانقلاب غير شرعي وغير دستوري، رتبه ضباط الحرس الجمهوري بدوافع محض طائفية مع ابيه، الذي اخذ السلطة بانقلاب غير شرعي وغير دستوري بدوره، وارسى نظامه على قدر غير مسبوق من العنف والدم، لكن ابنه فاقه في الإجرام وقام بمذابح منظمة طاولت كل سورية وسوري، لكن بوتين انكر وقوعها وتنكر لتقارير هيئات ولجان تحقيق دولية تابعة للأمم المتحدة، طالبت صراحة بمحاكمة الاسد كمجرم حرب، كما تنكر اخيرا لاستخدام بلاده حق النقض ثلاث مرات في مجلس الامن ضد اي تدخل اجنبي في سورية، حين امر بارسال قوات روسية اليها واعلن انه يزود الاسد ب«اسلحة وخبرات ومعونات «، كأن ارسال الطائرات الحربية والدبابات والسفن القتالية إلى دولة اجنبية ليس تدخلا عسكريا، ويمكن أن يدرج تحت بند « المعونات « التي تقدم إليها، والتي ما ان وصلت اليها حتى باشرت هجماتها المسلحة على مناطق من الساحل، و« اعانت « سكانها العزل على الالتحاق بالعالم الآخر!.

ترى روسيا معضلة سورية الواسعة من اضيق زاوية يمكن تصورها هي مصير بشار الأسد. وتتخذ منها موقفا يتفق مائة بالمائة مع شعاره الإجرامي: «الأسد او لا احد«. لهذا السبب، أمدته طيلة اعوام الثورة بجميع انواع العون الحربي والمالي والسياسي، وقصرت سياساتها على انقاذه. والغريب، ان بوتين يتوهم اننا من السذاجة بحيث نصدق كلامه عن رغبته في حل سياسي، ونتعامى عن دوره ودور جيشه وسلاحه في انقاذ الأسد، وعن المعاني الكامنة وراء التصميم على ابقائه رئيسا ابديا لسورية، واعتبار شعبها المطالب بالحرية ارهابيا!.

لن تكون روسيا دولة سلام، ما دام جيشها ينقذ الاسد وخيارها محسوما لصالحه. ولن يقبل شعبنا وجود جيشها الغازي في بلادنا، لان هدفه فرض ربيبها علينا بالقوة. ولا تبقي موسكو لنا اي خيار غير إخراج المجرم من بلادنا، وإرساله إليها، بالقوة ؟.

المستقبل

 

 

 

 

في سوء تقديرات بوتين السورية/ مروان قبلان

لا أعرف ما إذا كان السيناتور الأميركي، جون ماكين، بحاجة أن يذكرنا ببعض صفات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والمؤهلات التي بوأته مقعد رئيس قوة كبرى بحجم روسيا. ففي جلسة لمجلس الشيوخ، تزامنت مع بدء القصف الروسي على سورية، وصف ماكين، بوتين بأنه “سفاح” و”قاتل” و”بلطجي”. بالتأكيد هذه صفات لا يتفرد بها الرئيس بوتين، إذا شئنا الدقة، فمن راح أيضاً يراقب على مدى خمس سنوات قتل مئات آلاف السوريين وتشريد الملايين منهم، وهو قادر على فعل شيء لمساعدتهم ولم يفعل، فلا شك أنه يشارك بوتين بعض الصفات التي ذكرها ماكين. فالسلوك الأميركي الصامت على الجرائم التي تُرتكب بحق الشعب السوري لا يقل، من ناحية أخلاقية، سوءاً عن سلوك بوتين الذي يقوم اليوم بعمليات القتل أو يدعمها، أما إذا شئنا النظر إلى لموضوع من زاوية قانونية فهو يعد شريكاً فيه.

مع ذلك، يبدو أننا نسينا، فعلاً، في زحمة الأحداث، ماضي بوتين وطريقة ولوجه إلى السلطة، وقد انصرف اهتمام بعضنا إلى متابعة، لا بل وتشجيع، محاولاته تحدّي الهيمنة الأميركية في مرحلة ما بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001. فبوتين هو الرجل نفسه الذي ابتكر ما يسمى اليوم في أدبيات مواجهة التمرد (Counterinsurgency) بـ”خيار غروزني”، عندما قاد حرب الشيشان الثانية التي بدأت في 26 أغسطس/آب 1999، أي بعد عشرة أيام من تبوئه منصب رئيس وزراء روسيا الاتحادية قادماً من عمله السابق سكرتيراً لمجلس الأمن القومي، وانتهت عملياً في 2 فبراير/شباط من العام 2000 بسقوط العاصمة الشيشانية غروزني بيد القوات الروسية، أي بعد شهرين تقريباً من توليه الرئاسة خلفاً لبوريس يلتسين.

وفي الشهور الستة، شكلت غروزني التي محا بوتين معالمها بالطائرات والدبابات جسر عبور رجل المخابرات السابق نحو زعامة روسيا. اليوم، وبالعقلية نفسها تقريباً، يحاول بوتين أن يستخدم سورية لتحقيق جملة أهداف، في مقدمتها تعزيز وضعه الداخلي، بعد أن ذهبت العقوبات الاقتصادية الغربية وانخفاض عائدات الدولة من النفط بجزء كبير من الدعم الشعبي الذي حققه بعد غزوه القرم وضمها، في ربيع العام الماضي. فقد أكدت استطلاعات الرأي العام ارتفاع شعبية بوتين إلى 86% بمجرد أن بدأت عمليات القصف في سورية، والتي قدمها الكرملين للرأي العام الروسي باعتبارها ضربات استباقية ضد التطرف الإسلامي الذي لن يلبث أن يعود ليستهدف روسيا، كما حصل مرات في الماضي. اللافت أن نسبة التأييد هذه هي نفسها تقريباً التي حصدها بوتين بعد “انتصاره” في حرب الشيشان الثانية عام 2000 والحرب مع جورجيا في أغسطس/آب 2008، وغزوه القرم في فبراير/شباط 2014، ما يعني أن هناك نمط علاقة (Pattern) يتطور بين مستوى الدعم الشعبي الذي يحظى به بوتين وسياساته الخارجية. وكان الكرملين مهّد لحربه في سورية بنشر تقديراتٍ، مصدرها هيئة الأمن الفيدرالية الروسية، تقول إن أكثر من 2400 مواطن من أقاليم روسيا الإسلامية يقاتلون في صفوف تنظيم الدولة في سورية والعراق.

“أكدت استطلاعات الرأي العام ارتفاع شعبية بوتين إلى 86% بمجرد أن بدأت عمليات القصف في سورية، والتي قدمها الكرملين للرأي العام الروسي باعتبارها ضربات استباقية ضد التطرف الإسلامي”

لكن بوتين، وكما تبيّن، في الضربات الأولى التي قام بها سلاح الجو الروسي في سورية، لم يأت لضرب تنظيم الدولة، لأن التحالف الذي تقوده واشنطن يفترض أنه يقوم بذلك، منذ أكثر من عام، بل جاء لتحقيق جملة أهداف مختلفة، حدها الأدنى منع سقوط النظام الذي يتعرّض، في الشهور الأخيرة، لسلسلة نكسات عسكرية، بدأت تثير شكوكاً حول قدرته على الصمود، وفي حدها الأعلى مساعدة النظام على استرداد مناطق استراتيجية خسرها، أخيراً، خصوصاً في الشمال الغربي وحول العاصمة دمشق. والمتداول أن الروس انتزعوا، أخيراً، من الايرانيين قيادة عمليات منطقة جورين، ويعدون خططاً لاستعادة جسر الشغور، كما استلموا من حزب الله قيادة عمليات منطقة جوبر في دمشق، ويعدون خططاً لاستعادة طريق الشمال باتجاه حمص. لكن تنفيذ هذه الخطط، بحديها الأدنى والأعلى، يحتاج إلى أكثر من مجرد قصف جوي، فالضربات التي يوجهها سلاح الجو الروسي لن تحقق نتائج أفضل من التي ما فتئ يوجهها سلاح الجو الأميركي ضد تنظيم الدولة، منذ أكثر من عام، كما لم ينجح اعتماد النظام الكلي على سلاح الجو في وقف تقدم المعارضة في أيٍّ من الجبهات التي يجري عليها قتال، ما يعني أن على الروس أن ينزلوا إلى الأرض، إذا ما شاءوا تحقيق نتائج فعلية. وهناك معلومات شبه مؤكدة تتحدث عن استعداد قوات خاصة روسية للمشاركة في عملياتٍ عسكريةٍ برية في سهل الغاب. هذا يؤشر إلى أن بويتن الذي يبدو، في العلن، حذراً من الانجرار إلى تدخل بري، قد يكون بدأ يخاطر بمزيد من التورط الذي قد يأتي عليه بنتائج عكسية، أولها أن التدخل البري يعني، حكماً، أن جثثاً سوف تبدأ بالعودة إلى الوطن، ما يعني أن الرأي العام الروسي الذي يوليه بوتين عظيم اهتمام سوف يبدأ بالتساؤل عن جدوى التورط في صراعٍ لا ناقة له به ولا جمل، وذلك في ظل مصاعب اقتصادية قائمة أصلاً، ويتوقع أن تتفاقم، والمعروف أن المزاج الشعبي سريع التقلب، ويمكن خسارته بالسرعة والسهولة نفسها التي يجري كسبه فيها.

ثانياً، لا يخاطر بوتين في تدخله في سورية بمعاداة الشعب السوري فحسب، بل العالمين العربي والإسلامي أيضاً. ووفقاً لاستطلاعات رأي عديدة نشرت أخيراً، عادت روسيا تتصدر قائمة أعداء العرب والمسلمين، كما كان عليه الحال عند غزوها أفغانستان، أواخر عام 1979. كما كان لافتاً أن “تنظيم الدولة” كان الوحيد، من غير النظام السوري وحلفائه، الذي رحب جهاراً بالتدخل الروسي، متوعداً بتسطير “ملحمة أفغانية” جديدة. وعليه، إذا كان بوتين جاء، كما يزعم، ليقضي على خطر “تنظيم الدولة”، فإن تدخله سوف يوفر للتنظيم كل أسباب البقاء والاستمرار، فآلاف الشباب المسلم حول العالم يحلم، اليوم، بالتوجه إلى سورية، لتأدية “فريضة الجهاد”، وسوف يكون بينهم بالتأكيد “مجاهدون” روس كثيرون. من جهة أخرى، وعلى الرغم من كل ما تبديه واشنطن من مخاوف واعتراضات، فقد بات واضحاً أنها لا تمانع، إن لم تكن تشجع، على مزيد من التورط الروسي في سورية، فهو إن لم يساعدها في القضاء على تنظيم الدولة، ودفع روسيا إلى تحمل بعض أعباء مواجهته، كما طالب وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، فإنها لا تمانع، بالتأكيد، في أن يغرق بوتين في مستنقع جديد يزيد من عزلته واستنزافه، وستمثل هذه مناسبة أيضاً للرد على تلذذ روسيا بالورطة الأميركية في العراق، كما شكلت أفغانستان يوماً الرد الأميركي على استنزاف روسيا لها في فيتنام.

أخيراً، باتخاذها قرار التدخل عسكرياً إلى جانب النظام، خسرت روسيا قدرتها على تأدية دور الوسيط في حل المسألة السورية، وتحولت إلى خصم وعدو للثورة السورية، بعد أن كانت تحاول تأدية دور الحكم، ولن يكون بمقدور حتى المعارضة السورية “الليّنة”، بعد الآن، أن تذهب إلى موسكو، أو أن ترى فيها وسيطاً مقبولاً، ولماذا تكون هناك وساطة أصلاً، وقد دفن الروس، بتدخلهم عسكرياً، كل عملية جنيف وما ترتب عليها من آثار؟

العربي الجديد

 

 

 

ماذا يريد بوتين..!؟/ المحامي ميشال شماس()

ماذا يريد الرئيس الروسي من تدخله العسكري المتزايد في سوريا.؟ هذا هو السؤال الكبير الذي نسمعه الآن في كثير من الأمكنة، حيث بات الحديث عن الحضور القوي لموسكو في سوريا يتصدر نشرات الأخبار والصحف شرقاً وغرباً وحديث الناس في البيوت.. هل يريد فعلاً المحافظة على النظام السوري برئاسة بشار الأسد، أم لا.؟ أم أن الحضور العسكري الروسي بهذا الزخم الواضح مجرد رسالة إلى من يعنيهم الأمر في دول الخليج العربي وتركيا وواشنطن بخاصة، والغرب عموماً أن لا حل في سوريا بدونها سواء مع بقاء الأسد أو بدونه، وأن هذا التدخل جاء لحماية المصالح الروسية أولاً وأخيراً.

يرى بعض المحللين أن استخدام روسيا إلى جانب الصين حق النقض « الفيتو« عدة مرات في مواجهة مشاريع قرارات طرحتها أميركا وحلفاؤها في مجلس الأمن بخصوص سوريا لم يكن عبثياً، فتلك القرارات لم تراع مصالح روسيا الاستراتيجية في الشرق الأوسط، فروسيا لا تريد خسارة المنطقة الوحيدة المتبقية لها في العالم، ولا تريد أيضاً أن تخسر عقود توريد الأسلحة إلى سورية والمنطقة، ولا تريد أن تتخلى عن نظام بشار الأسد دون أن يكون لها رأي في النظام الذي سيأتي بديلا عنه بما يضمن مصالحها ونفوذها.

ويرى بعض آخر، إن ما تشهده سوريا اليوم من صراع دولي فيها وعليها، وتدخل عسكري إيراني- روسي مباشر فيها سيدفع السوريون غالياً ثمن هذا الصراع المتعدد الأوجه، لاسيما في ظلّ سياسة التردد التي اتبعتها الإدارة الأميركية الحالية، تجاه التدخل الروسي المتصاعد في سوريا. وقد استغلت روسيا الفراغ السياسي والعسكري الذي حصل بعد إحجام الغرب عموماً والولايات المتحدة الأميركية خصوصاً عن التدخل الفعّال لوقف الصراع المتفاقم في سوريا. حيث تعمدت الإدارة الأميركية ترك الصراع في سوريا وعليها يتفاقم إلى أبعد مدى على الأراضي السورية. دون أن تعير أي اهتمام لحجم الدمار الكبير الذي لحق بممتلكات السوريين وأموالهم وسقوط مئات الآلاف من السوريين قتلى وعداد القتل إلى ارتفاع مستمر..

ويرى آخرون، إن إبداء واشنطن «قلقها« الظاهري من الحضور العسكري الروسي في سوريا لم يكن إلا ذراً للرماد في العيون، لا يعكس حقيقة الموقف الأميركي الراضي والمشجع حتى الآن عن حدود التدخل الروسي وطريقته في سوريا، ويعتقد آخرون أن ثمة في الموقف الأميركي أبعد من ذلك بقولهم أن الولايات المتحدة الأميركية في الحقيقة تريد إغراق روسيا خصمها التاريخي في الصراع السوري، مشرعة الأبواب على مصراعيها أمام التدخل الروسي للتورط أكثر فأكثر في سوريا دون أن تتمكن من إنقاذ نظام الأسد على غرار ما حصل أيام التدخل العسكري السوفييتي في أفغانستان.

أما عن هدف روسيا وإصراراها على أن يكون الأسد جزءاً من الحل وشريكاً في محاربة الإرهاب، فربما على الأغلب يخفي أهدافاً أخرى غير التي أعلنها بوتين في خطابه العتيد في نيويورك، وتتمثل تلك الأهداف بتهيئة الظروف المناسبة لدفع الأطراف المعنية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات تحضيراً لإنجاز اتفاق الحل السياسي للقضية السورية الذي يجري الحديث عنه بقوه هذه الأيام، وبما يؤمن المصالح الروسية في سوريا والمنطقة، ووضع حد للنفوذ العسكري الإيراني الذي تصاعد في سوريا، حيث بدت إيران غير مرتاحة لهذا التدخل العسكري الروسي في سوريا الذي قد يقضي على آمالها في السيطرة على سوريا.

أما السوريون، سواء المنشغلين في البحث عن مكان آمن خارج سوريا، أم أولئك المنشغلين إلى حد الانهاك في كيفية تأمين معيشتهم في ظروف مأسوية داخل سوريا.. جميعهم يتساءلون بحرقة متى ينتهي هذا الصراع المدمر والدامي في سوريا؟ وهل التدخل الروسي سيساعد على وقف هذا الصراع قريباً، أم أنه سيصب المزيد من الزيت على النار؟ أم أن روسيا جاءت بعدتها وعتادها لتأمين موافقة النظام على حل سياسي ما يجري الإعداد له بعيداً عن الأعين؟

إلا إن ما يخشى السوريون حدوثه، بالرغم من كل ما حصل لهم من قتل وتشريد ودمار أن تتحول سوريا إلى أفغانستان أخرى وهذا ما لا أتمنى ولا أي سوري حدوثه.

() كاتب من سوريا

المستقبل

 

 

 

 

من أزمة سوريّة إلى تنافس دولي/ حسين العودات

لم تعد الأزمة السورية أزمة سورية لا من قريب ولا من بعيد، بل أصبحت بداية تنافس دولي على تحقيق مصالح وكسب مواقع متنوعة في شرق المتوسط وفي البلدان العربية عامة. وإذا تعرض أحد لجانب من جوانب هذه الأزمة، فإنما يكون حديثه وسيلة لتأكيد موقف أو تحقيق مكسب أو ترجيح رأي، ولا يخطر له الدخول الجدي لساحة هذه الأزمة رغبة بحلها. وقد تأكد ذلك بعد التواجد العسكري الروسي في سوريا.

إنها المرة الأولى التي تتواجد القوات العسكرية الروسية وقبلها السوفياتية في بلد خارج منظومة البلدان الاشتراكية السابقة، باستثناء تواجدها الكارثي في أفغانستان، حيث لم تكن الظروف الدولية كما هي الآن، وحيث استطاعت الولايات المتحدة بما هي زعيمة قطب دولي كبير أن توقع الجيوش السوفياتية حينها بمطبات عديدة، وحولت الوجود السوفياتي في أفغانستان والتدخل الذي مارسته السلطة السوفياتية لحماية النظام الأفغاني إلى حرب مقدسة إسلامية ضد الغزو «الإلحادي»، وجندت لذلك آلاف المتطوعين «الجهاديين» بالتعاون مع بعض الدول العربية وبتبرعات مالية سخية من هذه الدول ومن منظمات إسلامية عديدة. وانطلت اللعبة على كثير من الشعب الأفغاني وعلى الشعوب الإسلامية على أن الغزو هو غزو جيوش بلد ملحد ضد الإسلام والمسلمين، واستنزفت تلك الحرب الاتحاد السوفياتي وساهمت في تهيئة النظام للسقوط.

على أي حال، ليس من الحكمة قياس الشروط الحالية للتدخل الروسي في سوريا بالشروط التي كانت موجودة في أفغانستان في ذلك التاريخ، فالتواجد العسكري الروسي في سوريا يقتصر على التدخل الجوي ولم يباشر حتى الآن بأي تدخل بري. كما أن الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية ما زالت غير حاسمة المواقف من هذا التدخل وخاصة من أسبابه وتوقع نتائجه. وهي، وإن حذرت جميعها من التدخل العسكري الروسي في سوريا وتوقعت أن يكون كارثة على روسيا ومستنقعاً تغرق فيه، إلا أنها لم تتوصل إلى معرفة نهائية بأهداف هذا التدخل، وما زالت تفاوض روسيا على تعديل أهدافها وأساليبها، وتبحث عن طريقة لقبول التدخل الروسي سواءً بزعمها أنه يعقلن السلطة السورية ويجعل مواقفها معتدلة ويعمل على إقناعها بإخراج الميليشيات غير السورية والتواجد العسكري الأجنبي من سوريا، أم بقبولها تسوية سلمية متوازنة تحاول السياسة الروسية أن تصل إليها، وهدفها الرئيس هو تحقيق تسوية «لا غالب ولا مغلوب»، وتجنب أي هزيمة مكشوفة للسلطة السورية وللرئيس الأسد خاصة.

في ضوء ذلك، فإن الجميع مرتبك. فالروس يحاولون الآن إقناع الدول الغربية والرأي العام العالمي بأن تدخلهم العسكري ما هو إلا مساهمة في هزيمة المنظمات الإرهابية، والدول الأوروبية والولايات المتحدة مترددة بين تشجيع الروس على تحقيق هذه الأهداف وبين الخوف من مطامعهم في المنطقة. ويقول طرف ثالث إن التدخل العسكري الروسي ما هو إلا لحماية المصالح الروسية في شرق المتوسط وخاصة في سوريا والعراق سواء منها القاعدة البحرية في طرطوس، أم لناحية طموحها بالفوز بعقد للبحث عن الغاز في المياه الإقليمية السورية، أم لمنع مرور أنابيب الغاز القطرية والإيرانية إلى أوروبا، وهو ما يؤدي بالتالي إلى كساد الغاز الروسي وهو مصدر مهم من مصادر دخل الدولة الروسية.

بغض النظر عن هذه المواقف والمصالح جميعها فإن السلطة الروسية بقيادة الرئيس بوتين وجدتها فرصة للاستقواء على الدول الغربية، وتذكيرها بأن روسيا ما زالت دولة كبرى لها حلفاؤها في العالم ومصالحها أيضاً، وهي قادرة على حماية هذه المصالح، وعلى ممارسة دورها كدولة كبرى ذات تأثير في السياسة العالمية، وإحياء مجد الاتحاد السوفياتي السابق نسبياً. وهذا ما يتمناه الرئيس بوتين ويحلم به، بل هذا ما تتمناه تيارات سياسية روسية عديدة ومؤسسات شبه حكومية أيضاً.

والملاحظ أن دور الدول الإقليمية تراجع تراجعاً كبيراً لمصلحة المنافسة بين الدول الكبرى، فالسياسة الإيرانية، كما يبدو، فقدت بعضاً من أظافرها. ولذلك فهي حذرة من التدخل العسكري الروسي من جهة ومن الموقف الأوروبي والأميركي من جهة أخرى، كما أن دور العربية السعودية والدول الأخرى تراجع أيضاً، ولم تساعد التحركات والمبادرات التركية سلطة أردوغان لتبقى كما كانت قوية ومؤثرة، فماتت فكرة المناطق الآمنة، ولم يعد لتركيا موقع مهم يستشيره الجميع ويأخذه بعين الاعتبار، وفشلت فعالية محاولات السلطة التركية التشويش على السياسة الروسية أو تهديدها، كما لم تنفع مع هذه السياسة التحذيرات التركية بما فيها تفعيل الحماية الجوية لتركيا. وفي مختلف الأحوال، صارت الأزمة السورية مأساة يتداولها الكبار ويحاول كل منهم لي ذراع الآخر من خلالها من دون الاهتمام بمصالح الشعب السوري، أو بنهر الدماء الذي يجري في سوريا والاقتصاد الذي ينهار، ومنظومة المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي تم تدميرها، وتعميق الصراع الطائفي في البلاد، وتأخير التسوية المتوازنة التي تخلص السوريين من الصراع وتدمير بلادهم إلى أجل غير مسمى.

لم يعد الصراع في سوريا إذاً بين فئات سياسية أو اجتماعية أو حتى عسكرية سورية متعددة بما فيها السلطة التي تحكم البلاد، بل أصبح قضية دولية يتداولها الكبار ويتبارون في تسجيل نقاط سياسية وعسكرية بعضهم على البعض الآخر، من دون أن يحسبوا حساباً لآلام السوريين ومصالحهم. حتى أن بعض حواشيهم سمت التدخل الروسي في الصراع السوري حرباً مقدسة وبررت بالتالي الحرب الدينية التي تشنها المنظمات الإرهابية مثل «داعش» و «النصرة» وغيرهما، واستحضرت صراعات بدأت قبل ألف عام وأتاحت لرجال دين مسلمين كثيرين أن ينادوا «بالجهاد» ويحولوا مفهوم الجهاد الإسلامي الذي هو في الأساس دفاع عن الوطن ووقوف بوجه الغزو الأجنبي، إلى حرب ضد الآخر غير المسلم من أبناء الوطن، ما يؤدي بالضرورة إلى إلغاء فكرة المواطنة في البلاد واستطراداً فكرة المساواة والمشاركة والديموقراطية وحقوق الإنسان، وتبرير جميع الآثام السياسية والاجتماعية والمذابح التي تجري في سوريا باسم الحرب الدينية. وقد لوحظ صدور بيانات عديدة تدعو للجهاد ضد الروس من رجال دين، وقد تصرفوا بذلك من دون تردد وبشجاعة.

يطرح سؤال نفسه على جميع المحللين السياسيين وغير السياسيين وهو: هل يؤدي هذا التدخل إلى صدام عسكري جزئي أو كلي بين القوتين الكبريين، خاصة أن كلتيهما لها قوى عسكرية في شرق المتوسط متحفزة لمواجهة الأخرى، وأن كل يوم يمر يزيد الظروف تعقيداً والتحفز توتراً، ما يجعل المنطقة على صفيح ساخن؟

لا أعتقد بأن الأمور ستصل إلى صدام عسكري مقرر مسبقاً من أي من السياستين الروسية والأميركية. ولكن مثل هذه الحالات توجد شروطاً تخرج عن إطار المقرر وغير المقرر. ولكن الحرب الشاملة مستبعدة دائماً لأن كلاً من الطرفين يعرف الخسائر التي ستنجم عنها والدمار الذي ستؤدي إليه، فكل منهما يمتلك أسلحة فتاكة لم تكن في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي فلا بد أنه يخشى نتائج الحرب الشاملة. وعلى ذلك فستبقى الأزمة السورية في التداول وضمن التكتيكات التي تزعج الآخر وتقلقه وتمنعه من تحقيق انتصارات جدية وحاسمة. وستبقى المسألة السورية، كما يبدو، في تداول القوى الكبرى وتستخدم لتحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها بتسوية سياسية في سوريا ولا بحل الأزمة القائمة.

السفير

 

 

 

 

سوريا:إحتدام الصراع/ علي العبدالله

أدى الانخراط العسكري الروسي في الصراع في سوريا وعليها الى قلب الموازين والادوار تقدم به الدولي على الاقليمي ما جعل سوريا ساحة لصراع دولي ومختبرا لمستقبل النظام الدولي، وربط توازنات المنطقة بنتائج هذا الصراع، فالصراع لن يحدد مصير سوريا ومستقبلها فقط بل ومستقبل الاقليم في ضوء طبيعة النظام الدولي الذي سيترتب على نتيجة الصراع، وهذا سيدفع الدول الرئيسة في الاقليم الى التحرك للمحافظة على مصالحها ودورها عبر المشاركة في الصراع والانخراط في تحالفاته ومحاوره، ورفع مستوى تدخلها في الصراع كي تحجز مكانا لها على طاولة المفاوضات التي ستصيغ النتائج والمترتبات.

جاء التدخل العسكري الروسي بعد فشل محاولات روسية في إقناع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بتصورها لحل الخلاف السياسي بينهما يقوم على رفع العقوبات عنها مقابل تسهيل تنحية رئيس النظام السوري، وإطلاق يدها في ترتيب الحل السياسي في سوريا بما يحفظ مصالحها عبر الإبقاء على جوهر النظام القائم، تصور يستند إلى حالة استعصاء الصراع والخوف من تداعياته لجهة توسّع الإرهاب وتدفق اللاجئين، لكنه ينطوي على تراجعهما تحت الضغط الروسي وانتصار لبوتين يُخرج روسيا من عزلتها ويحررها من العقوبات الاقتصادية التي شلتها ويمنحها موقعا وازنا في القرار الدولي، وهذا حدّد طبيعة الرد بالرفض ما دفع بوتين إلى تصعيد الضغوط ليس بالانخراط العسكري في الصراع فحسب بل وباستهداف الفصائل التي تتلقى الدعم من الولايات المتحدة وحلفائها واستفزاز واشنطن والناتو عبر اختراق  حرمة الأجواء التركية بشكل متكرر.

لن يمر الانخراط العسكري الروسي في الصراع في سوريا وعليها دون رد من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، الإقليميين بخاصة، وقد بدأت نذره تتشكل في الفضاء السياسي والميداني على حد سواء، حيث تكرر الرفض الأمريكي والأوروبي للتدخل والتحذير من تبعاته، وخاصة لجهة تحول الصراع إلى صراع ديني بين السنة والشيعة، والتشكيك بفرص نجاحه بالكشف عن تقادم الأسلحة الروسية وافتقارها للدقة أو للقدرة على العمل ليلا(سوخوي 24 وسوخوي 25 من مخلفات العهد السوفياتي تفتقر إلى أجهزة توجيه ولا تستطيع التحليق ليلا، قال ألكسندر غولتس٬ محلل عسكري في موسكو، “إن القوات الروسية ما زالت تعاني من المشكلات القديمة نفسها. فعندما كثفت روسيا دورياتها وطلعاتها الجوية على طول الحدود مع دول حلف شمال الأطلسي هذا الصيف فقدت خمس طائرات في غضون أسبوعين فقط”)، والربط بين تغيير المشهد الميداني بالحاجة إلى التواجد على الأرض بقوة لا تقل عن مائة ألف جندي، وهذا يستدعي نزول قوات روسية على الأرض ويطرح احتمال وصول النعوش إلى موسكو، ما يثير رد فعل الرأي العام الروسي الذي بات حساسا للخسائر البشرية، وفق تقدير آنا بورشفسكايا الخبيرة بالشؤون الروسية، ويستنزف مقدرات روسيا المالية، وهي متواضعة بالأساس، حيث مازال الوصف الذي أطلق على الاتحاد السوفياتي:عملاق بساقين واحدة جبارة(العسكرية) وأخرى هزيلة(الاقتصادية) ينطبق على روسيا الاتحادية، وهذا يعيدنا إلى معادلة المؤرخ الأمريكي بول كنيدي لقيام وسقوط القوى العظمى: اقتصاد قوي يمول جيشا قويا ينتشر في الخارج، فاستمرار الصراع لبعض الوقت سيقود إلى تآكل الكتلة النقدية الروسية ويدفعها إلى حافة الإفلاس(كان الخبير الاقتصادي الروسي سيرغي غورييف قد حذر منها بقوله: “أنفقت روسيا حتى الآن أكثر من نصف ميزانيتها العسكرية لعام 2015. وإذا استمر الإنفاق بهذا المعدل سوف يفرغ صندوق روسيا الاحتياطي قبل نهاية العام”).

لم يكن رد الفعل الإقليمي بأقل حدة من الرد الأمريكي والأوروبي، فقد انتقدت السعودية التحرك الروسي في سوريا واعتبرته، في ضوء تعاونه مع إيران ومساهمته في نصرة النظام السوري الواقع تحت هيمنة طهران، تحد لها، فجددت رفضها لبقاء النظام وألمحت إلى إخراجه من السلطة بالطرق العسكرية إن لم يرحل بالطرق السياسية، وفق ما قاله وزير خارجيتها في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحرّكت آلتها الإعلامية للحشد ضده حيث دعت الصحافة السعودية والخليجية إلى تنسيق المواقف والوقوف مع المعارضة السورية ومدها بالسلاح والمال، ووصف بيان لعلماء دين سعوديين(52 عالما) ما حصل بتحالف روسي صفوي نصيري، و “حرب حقيقية على أهل السنة وبلادهم وهويتهم، لا تستثني منهم أحدًا، والمجاهدون في الشام اليوم يدافعون عن الأمة جميعها، فثقوا بهم ومدوا لهم يد العون المعنوي والمادي، العسكري والسياسي، فإنهم إن هُزِموا، فالدور على باقي بلاد السنة واحدة إثر أخرى”. تركيا من جهتها لم تقبل التدخل الروسي ودعت موسكو إلى التراجع عن مواقفها ، خاصة بعد أن استهدفت الطائرات الروسية فصائل عسكرية موالية لها، وهدد رئيس الوزراء التركي بتحريك قواعد الاشتباك والرد على أي اختراق للمجال الجوي أو الأرضي التركي دون إنذار مسبق، وقد عزز موقف تركيا إعلان حلف الأطلسي وقوفه إلى جانبها والدفاع عنها.

تتبنى روسيا تكتيك الاعتماد على القصف الجوي لإنهاك المعارضة تمهيدا لهجوم بري يقوم به النظام وحلفاؤه الإيرانيون والميليشيات التابعة لهم لاستعادة الأراضي التي خسرها في الأشهر الأخيرة ولإبعاد قوات المعارضة عن الساحل حيث القاعدة البحرية الروسية. غير أن هذا التكتيك يصطدم بعقبات كثيرة لعل أولها عدم نجاعة القصف الجوي في تحقيق نتائج حاسمة في الحروب غير المتوازية التي تواجه بها جيوش نظامية قوات غير نظامية، وأمامنا قصف عام كامل للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، وثانيها ارتباط روسيا بحليف ضعيف ما يزيد الأوضاع صعوبة ويشكل عبئا  ثقيلا عليها، وعدم تحقيق نتائج سريعة، وخاصة إذا تكبدت روسيا خسائر بشرية، سيضعها في مواجهة الرأي العام الروسي القلق من الانزلاق في حرب خارجية والذي مازال يعاني من متلازمة أفغانستان، ودفعها إلى الانسحاب من سوريا دون تحقيق نتائج مجزية سينعكس سلبا على صورة “البطل” بوتين ويؤدي إلى تراجع دورها الدولي لتعود إلى الحظيرة وتقبل بشروط واشنطن التي حددها الرئيس الأمريكي للحل في سوريا.

أمام الشعب السوري مرحلة صعبة سيحتدم فيها الصراع وترتفع التضحيات والخسائر البشرية والمادية حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، مرحلة تنطوي على مخاطر جمة سياسية واجتماعية.

المدن

 

 

 

تركيا والتدخل الروسي في سوريا/ خورشيد دلي

نظرة تركيا

إستراتيجية الاشتباك

استحقاقات التدخل الروسي

تشعر تركيا بمرارة شديدة من التدخل العسكري الروسي في سوريا، فقد باتت تحس بأنها في مواجهة مباشرة مع روسيا وإيران في سوريا، ولعل ما يزيد من شعورها بالمرارة هو إحساسها بالطعن من قبل حلفائها الغربيين إزاء الأزمة السورية، خاصة وأن اقتراحها بإقامة منطقة أمنية عازلة لم يلق التجاوب من قبل الغرب.

وقد كان جل التعاطي الأميركي مع هذا الاقتراح على شكل مراوغة سياسية فاقمت من تعقيدات الأزمة السورية وشجعت فلاديمير بوتين على الانتقال من إستراتيجية مد النظام السوري بالمعونات العسكرية إلى المشاركة المباشرة في العمليات الحربية، لتنتقل بذلك الأزمة السورية إلى مرحلة جديدة على صعيد التوازنات والحسابات وعوامل القوة والحسم.

نظرة تركيا

ترى تركيا أن التدخل العسكري الروسي في سوريا نقل العلاقات التركية الروسية إلى مرحلة حساسة بات فيها الاقتصاد -الذي كان ركيزة لهذه العلاقة- جزءا من البعد السياسي الأمني للمعركة الجارية خاصة بعد أن أوقف بوتين خط ما يسمى الدفق الجنوبي للغاز.

ولعل من الأهمية هنا الإشارة إلى أن هذا التدخل جاء بعد أيام قليلة من زيارة قام بها الرئيس رجب طيب أردوغان إلى موسكو وتصريحاته من هناك حول إمكانية القبول بالأسد لفترة انتقالية قبل أن يقلب بوتين ظهر المجن للجميع، ويعلن أردوغان أن تصريحاته فهمت بطريقة خاطئة، وأنه لا يمكن القبول بالأسد.

وهذا ما يؤكد التناقض الإستراتيجي في سياسة البلدين تجاه الأزمة السورية واحتمال انتقالها إلى مرحلة الاشتباك السياسي والدبلوماسي والصدام غير المباشر في الشمال السوري بعد أن افتقد الحرص الدبلوماسي والسياسي دوره.

تعتقد أنقرة أن التدخل الروسي يحمل جملة من الأهداف والمخاطر معا، ولعل من أهم هذه الأهداف:

1- إنقاذ النظام السوري من الانهيار خاصة بعد النجاحات التي حققتها المعارضة السورية المسلحة في الشمال السوري خلال الأشهر الأخيرة، وسيطرة داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) على مناطق واسعة في الشمال والشرق والوسط، وبالتالي فإن التدخل الروسي جاء لقلب موازين القوة وفرض معادلة جديدة في الداخل تحت عنوان مكافحة الإرهاب، هدفها القبول بالنظام في إطار تسوية سياسة محتملة.

والهدف الروسي من ذلك يتجاوز المعادلة الداخلية السورية إلى التمسك بموقع إستراتيجي حيوي يشكل قضية حياة أو موت للإستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط والبحر المتوسط.

2- حسم قضية معركة حلب التي راهنت عليها تركيا بأنها ستكون منعطفا لجهة إسقاط النظام، ولعل الأهداف التي تقصفها الطائرات الروسية والتي طالت مختلف الفصائل السورية المسلحة والحديث عن معركة برية واسعة في الشمال للجيش السوري بمشاركة إيران وحزب الله وتغطية جوية روسية تؤكد أن الهدف الروسي هو تحقيق انتصار ميداني كبير، وإذا ما حصل مثل هذا الأمر فإنه سيشكل ضربة كبيرة لتركيا وحلفائها من المجموعات المسلحة في الشمال السوري.

3- ربطا بمعركة الشمال السوري، فإن تركيا تشعر بأن أحد أهم أهداف التدخل العسكري الروسي هو منع إقامة منطقة أمنية عازلة طالبت بها مرارا، ولعل نوعية بعض الأسلحة والمعدات تشير إلى هذا الأمر، فنشر نظام الدفاع الصاروخي SA22 -كما تشير التقارير- هدفه يتجاوز محاربة داعش أو استهداف الفصائل المسلحة أو حتى حماية المنشآت الروسية التي أقيمت في سوريا، وإنما له أهداف لها علاقة بمنع إقامة منطقة أمنية عازلة وربما باحتمال تطور المواجهة العسكرية لاحقا إذا ما اتخذت الدول المعارضة للتدخل الروسي موقفا عمليا من هذا التدخل.

بموازاة هذه الأهداف، ترى تركيا أن ثمة مخاطر حقيقية ستترتب على أمنها الداخلي من التدخل الروسي، ولعل في مقدمة هذه المخاطر أن هذا التدخل قد يشكل ضوءا أخضر لتقدم وحدات حماية الشعب الكردية باتجاه جرابلس ومارع وصولا إلى عفرين على شكل اكتمال للإقليم الكردي في شمال سوريا وشرقها، وهو ما يعني انتقال إستراتيجية حزب العمال الكردستاني إلى مرحلة جديدة في ظل تصاعد وتيرة المواجهة بين الجانبين وعلى أبواب الانتخابات البرلمانية المبكرة.

إستراتيجية الاشتباك

لسان حال أردوغان يقول إن بلاده لن تقبل بفرض سياسة الأمر الواقع الروسية كما صرح بذلك أكثر من مرة، وقد كشف خلال مقابلة مع قناة الجزيرة قبل أيام أن بلاده ستقوم بعدة خطوات وعلى مستويات عدة أسماها بدبلوماسية الهاتف، وفي خطواته طرح موضوع إقامة منطقة أمنية خلال جولته الأوروبية والتشاور مع الدول الغربية والإقليمية التي تقف نفس الموقف من الأزمة السورية، والتواصل مع القيادة الروسية لمحاجتها في موضوع التدخل، لكن إلى جانب هذه الجهود، من الواضح، أن ثمة مسارين ستعمل تركيا عليهما.

الأول: دعم الفصائل السورية المسلحة في الشمال السوري لمنع حصول تطورات ميدانية كبيرة لصالح النظام وحلفائه، ويبدو أن الأمر الجوهري هنا يتعلق بنوعية هذا الدعم، وتحديدا تقديم أسلحة مضادة للطائرات والتي طالبت بها الفصائل المعارضة مرارا، إذ إن تقديم مثل هذه الأسلحة يعني تصعيب المهمة الروسية في تحقيق أهدافها، وربما إغراق روسيا في حرب طويلة تذكر البعض بالسيناريو الأفغاني، ولعل القرار بتقديم مثل هذا الدعم النوعي لا يتوقف على تركيا فحسب بل على حلفائها الإقليميين والدوليين ولا سيما السعودية وقطر والولايات المتحدة.

الثاني: إستراتيجية بناء القواعد العسكرية المتقابلة، فمقابل بناء روسيا قاعدة عسكرية ضخمة في جنوب اللاذقية إلى جانب القاعدة العسكرية الموجودة في ميناء طرطوس وافقت تركيا على فتح قاعدة ديار بكر أمام الطائرات الأميركية بعد فترة من السماح للطائرات الأميركية باستخدام قاعدة إنجرليك في الحرب الجارية ضد داعش.

كما أن التأكيد الأميركي على إعادة نشر صواريخ باتريوت في تركيا بعد سحبها وتحديثها يشكل مؤشرا قويا على احتمال اندلاع سباق من نوع جديد في المنطقة عنوانه إقامة المزيد من القواعد العسكرية المتقابلة بين روسيا والغرب على الأراضي السورية والتركية، بما يعني احتمال المواجهة العسكرية.

ولعل ذلك يتوقف على مسار العمليات العسكرية الروسية في الفترة المقبلة وأهدافها، على نحو هل ستؤسس هذه العمليات لتسوية سياسية أو الانفتاح على خيارات أخرى، تتراوح بين احتمال المواجهة الأمنية والاشتباك المخطط على الأرض ولو عبر الفصائل السورية المسلحة وخيار اتباع إستراتيجية إغراق روسيا في الوحل السوري كما جرى في أفغانستان؟

استحقاقات التدخل الروسي

من الواضح أن التدخل العسكري الروسي في سوريا صعب من الموقف التركي للغاية ووضعه في مأزق، إذ من شأنه ليس فقط زيادة الأعباء والتحديات الأمنية على الحدود وإنما وضع إستراتيجية تركيا لإسقاط النظام أمام امتحان حقيقي، ولعل ما يزيد من صعوبة الموقف هو عدم ثقة تركيا بجدية الإدارة الأميركية تجاه الأزمة السورية.

ولعل أولى الاستحقاقات هنا هي كيف ستحضر تركيا نفسها للهدف الروسي المتمثل بإنقاذ النظام السوري؟ من الثابت أن تركيا أعلنت أنها لا تقبل بهذا النظام كجزء من الحل، ولكن ماذا لو تقدمت سياسة الأمر الواقع الروسية على الأرض واتضح لتركيا أن الإدارة الأميركية المنكفئة على نفسها تقبل بذلك خاصة وأنها أعلنت أنها تقبل بالنظام كجزء من الحل في المرحلة الانتقالية؟

” سؤال يضع تركيا بين حدي السكين، فالقبول بالنظام كجزء من الحل يعني خسارة حكومة حزب العدالة والتنمية كامل المصداقية وهي أمام انتخابات تشريعية مبكرة ومصيرية، والذهاب إلى المواجهة لرفض سياسة الأمر الواقع الروسية دون وجود قرار أميركي يضع تركيا أمام مخاطر كثيرة ولا سيما في ظل تفجر الحرب مع حزب العمال الكردستاني وجغرافيتها المجاورة لدول مناوئة لها، من سوريا إلى إيران وأرمينيا.

التحدي الثاني هنا، ماذا لو أصبحت القوات الكردية التابعة لوحدات حماية الشعب جزءا من العملية العسكرية الروسية كما أبدت هذه القوات استعدادها والحديث عن موافقة موسكو بل والقبول بإقامة مكتب تمثيل للإدارة الذاتية في روسيا؟

دون شك، من شأن هذا الأمر تعظيم خطر الصعود الكردي الذي يتطلع إلى ربط المناطق الكردية من أقصى الشمال إلى أقصى الشرق وصولا إلى جبال قنديل التي ترى تركيا أنها تقف وراء هذا المشروع تطلعا إلى إقامة إقليم كردي في تركيا يحكمه حزب العمال الكردستاني.

ثمة من لا يستبعد مثل هذا الأمر طالما خرجت الأزمة السورية عن إطارها السوري إلى صراع إقليمي ودولي قد ينتج خرائط سياسية وجغرافية جديدة، تركيا قد تجد هنا أن سياستها تجاه الأزمة السورية لم تعد تتعلق بالنظام السوري وإنما هي سياسة حياة أو موت.

وعند هذه النقطة، ثمة من يتحدث بأن الموقف التركي قد لا ينتظر موقف الإدارة الأميركية إلى ما لا نهاية، فتركيا لا تتحمل خسارة كبيرة في الداخل حتى لو اقتضى الأمر تقديم أسلحة نوعية للفصائل السورية المسلحة لمواجهة الصواريخ والطائرات الروسية.

الجزيرة نت

 

 

 

 

عن التدخّل الروسي والتدخّلات عموماً/ ورد كاسوحة

التدخّل الروسي ليس التدخّل الأول أو الوحيد في سوريا ولكنه بحسب مؤشّرات أولية «الأعنف» والأكثر تأثيراً في مجريات الميدان. وتأثيره نابع من فشل التدخّلات السابقة في إحداث تغيير جدي في المعطيات الميدانية التي بقيت «مستقرّة» طيلة الفترة السابقة ولم يطرأ عليها أيّ تعديل منذ دخول «داعش» على الخط وهزّه الستاتيكو القائم (بين النظام والمعارضة المسلحة) قليلاً.

وهو ما تتجاهله باستمرار التقديرات وردود الفعل الأولى على الضربات الجوية الروسية، إذ إنّ المطلوب حالياً ليس القراءة الموضوعية للتدخل الذي تقوده روسيا، وإنما وضعها تحت الضغط سواء استهدفت «داعش» أم لم تستهدفه، وسواء قتلت مدنيين أو لم تفعل. فتدخّلها مدان حتى قبل أن يبدأ في حين أنّ التدخلات الأخرى أُعطيت وقتاً قبل أن «تبدأ مساءلتها»، وعندما قتلت مدنيين إلى جانب استهدافها لمقرّات «داعش» وخطوط إمداده لم يكترث أحد لهؤلاء القتلى، وبقي التركيز منصبّاً على إبراز شرعية التدخّل وضرورته وحتميته. وحين يفعل بوتين الآن الأمر ذاته بحديثه عن «شرعية التدخل الروسي» المعطاة من قبل «الحكومة المعترف بها» في سوريا يصبح كلامه تبريراً للعدوان الروسي على قوات المعارضة السورية، ولا يعود التدخّل الذي يقوم به مشابهاً للتدخل الأميركي، على الرغم من أنهما يستهدفان البيئات الاجتماعية نفسها و»يوقعان فيها أعداداً متساوية من الضحايا». وهذا يضع علامة استفهام كبيرة حول المسار الذي يوضع الآن لمساءلة روسيا عن عملياتها الجوية، إذ يظهر أنّ القتلى الذين سيسقطون الآن من بيئات المعارضة لا يشبهون «من حيث الشكل» على الأقلّ ضحايا الغارات الجوية الأميركية، فهم أعلى شأناً على ما يبدو على الرغم من كونهم فقراء أيضاً. هكذا، لا تعود بيئاتهم الاجتماعية التي ستُحطَّم بالطيران الروسي مشابهةً لبيئات الرقة ودير الزور وريف الحسكة التي أحالها الطيران الأميركي «أثراً بعد عين». هذه الانتقائية ليست وليدة اليوم والتعبير عنها بهذه الحدّة مرتبط بالصراع الذي يتطوّر باستمرار منتقلاً من محطة دموية إلى أخرى، وفي كلّ محطة يأخذ معه الارتباطات بهذه الدولة أو تلك إلى مستويات جديدة. وهذه المستويات يجرى التعبير عنها من خلال الأداء الإعلامي الذي يربط عمليات القتل بالجهة التي تقوم بها وليس بالفعل نفسه، أو بأثره التدميري على البيئة المحلّية المُستهدَفة، والتي تبقى دائماً نفسها ولا تختلف باختلاف الجهة التي تحطّمها وتقتل فقراءها.

انتقائية الإدانة

في معظم العمليات التي قام بها التحالف الأميركي ضدّ «داعش» سقط قتلى من المدنيين ولكن لم يعترض أحد أو يجرؤ على مساءلة التحالف عن مدى الدقّة التي يضعها لأهدافه العسكرية من الجو، والآن عندما يحدث الأمر ذاته مع الروس تتغير الاستراتيجية تماماً وينشط المدافعون عن البيئات المحلّية المُستهدَفة بقصف الطيران الروسي لفضح المساندة التي تبديها روسيا عبر قواتها الجويّة «لنظام الأسد». في الحالتين يجب إبراز الجرائم التي ترتكبها قوات الطيران ضدّ البيئات المحلّية ولكن التركيز على جرائم طرف دون الآخر ينزع عن المساءلة الحاصلة شرعيتها الأخلاقية، ويربطها بالموقف المُسبَق الذي تتخذه دول غربية وأخرى عربية تابعة لها (في حالة دول الخليج تصبح التبعية أقرب إلى الحالة الاستعمارية فهناك الدول هي شبه مُستَعمرات ومواقفها السياسية ضد هذا الطرف أو ذاك لا يمكن تقويمها بمعزل عن هذه الحالة) من التدخّل الروسي. «جرائم الروس» هنا لا تعود محلّ تساؤل لأنها باتت مرتبطة بغضّ الطرف الذي يحدث في أماكن أخرى عن جرائم الأميركيين وحلفائهم، وهذه معضلة لن تستطيع الماكينات الإعلامية تجاوزها بسهولة لأنها ببساطة مرتبطة بطبيعة الصراع نفسه وبقدرة أطرافه على إخفاء جرائمها والاكتفاء بتسليط الضوء على جرائم الآخرين. طبعاً الوضع الدولي لا يسمح بتناول كلّ الجرائم وربطها مع بعضها البعض، فهذا منطق مرفوض في السياسة الدولية، ورفضه مرتبط بمبدأ ازدواجية المعايير الذي لا تقوم سياسة أو موازين قوى من دونه. وحين نتحدث عن موازين قوى أو عن معادلات دولية مرتبطة بالميدان، فهذا يعني أن لا مكان للمعايير التي تسمح بالاتساق مع الذات، وتسييد منهجية واحدة في التعامل مع التدخّلات العسكرية. وعليه يصبح كلّ الكلام عن جرائم التدخّل الروسي بلا طائل، تماماً كما كانت إدانة طرف واحد لجرائم التحالف الأميركي بلا جدوى أو مقدرة على ترجمة هذه الإدانة إلى أفعال على الأرض، فظلّ الأميركيون يقتلون من دون حساب، وتحوّلت البيئات التي يقصفونها إلى بيئة حاضنة لداعش و»غير مكترثة» بكلّ «ما يقال» عن وحشيته واستعباده للناس. وإذا لم يستفد الروس من تجربة التحالف الغربي ويحيّدوا هذه البيئات تماماً فسيتسببون في دفعها أكثر إلى أحضان «داعش» وجبهة النصرة، وعندها ستتحول الدعاية الموجهة ضدّهم إلى مكان آخر، وتبدأ باستحضار نماذج عن بيئات محلّية لم تكن على وفاق مع الوهابيين ولكنها اضطرت للإذعان لهم تحت ضغط القصف الجوي المتكرّر لها.

طبيعة التدخّل الجوي

وفي الحالة الروسية، فإنّ التدخّل الجوي ضدّ «داعش» مشابه بالفعل لباقي التدخّلات، إن من حيث «موضعيته» المُعلَنة أو من خلال عدم استثنائه المدنيين من أعمال القصف. هو قد يكون فاعلاً أكثر، ولكن فعاليته لا تتعارض مع عدم المسّ بالمدنيين أو على الأقل تحييدهم، وهذا يعود لطبيعة التدخّل نفسه، فروسيا هنا لا تتعمّد قصف السكّان المحليين وتحطيم بيئاتهم الاجتماعية، بل تتعامل معهم في ضوء «المنهج» الذي يفرضه التدخّل العسكري من الجو، والذي يقوم على مبدأ عدم الاكتراث بالمدنيين أثناء القيام بعمليات القصف، واعتبارهم في أحسن الأحوال «أخطاءً جانبية». «الامبريالية» تفعل ذلك دائماً، وحين تُواجَه بجرائمها تبدأ بالتبرير ولا تشير إلى المنهجية التي تحصل من خلالها أعمال القتل. قد تعتذر لاحقاً ولكنها تُبقي المسؤولية عن أعمال القتل في الإطار الفردي متعمّدة عدم الإشارة إلى مبدأ التدخّل نفسه الذي تحصل بموجبه كلّ هذه «الأخطاء». حدث ذلك مع أميركا في باكستان واليمن والعراق وسوريا ومع قوّات الأطلسي في ليبيا ومع السعوديين وحلفائهم في اليمن، ولا أحد يضمن عدم حصوله مجدداً مع الروس طالما أن شكلَ المواجهة هو نفسه تقريباً. والمقصود هنا بالمواجهة عدم التكافؤ بين القوات الجوية «الغازية» التي تحمل صواريخ وقاذفات وقنابل والقوّات المحلية (مهما كانت تسميتها) التي تعتمد على السلاح الخفيف والمتوسّط وتتمركز وسط المدنيين لحماية نفسها من الأسلحة الثقيلة التي يملكها الخصم. هذا الأمر سيخلق حالة تعاطف مع البيئات الشعبية المحيطة بالمواقع المستهدَفة، تماماً كما حصل مع التحالف الأميركي حينما بدأ باستهداف مواقع «داعش». فبعد سنة كاملة من بداية عمليات التحالف لم يعد الناس يتذكّرون منها إلا صور المنازل المدمّرة وحقول النفط المحترقة وأرقام القتلى بين المدنيين (على اعتبار أن صورهم لا تصل عبر الإعلام).

صياغة التدخّل إعلامياً

حينها لم تترافق أعمال القتل مع حالة تعبئة إعلامية لأن معظم وسائل الإعلام العربية والعالمية كانت في صفّ الولايات المتحدة، ولكن الأمر سيختلف الآن مع الروس، فهم لا يملكون ما تملكه أميركا من رساميل ولا يستطيعون إيقاف آلة الضخّ الإعلامي التي ستغرقهم وتغرقنا «بأرقام القتلى» و»صور الضحايا من المدنيين». شكوى الروس من هذا الأمر قد بدأت، فقد صرّح بوتين قبل أيام بأنّ المعلومات عن سقوط ضحايا بين المدنيين ظهرت قبل طلعات المقاتلات الروسية، وأبدى استعداده في ضوء هذا الهجوم لخوض حرب إعلامية إذا اقتضى الأمر. هو يعلم أنّ المواجهة على هذه الجبهة ليست سهلة، ولكنه سيخوضها في كلّ الأحوال، فحجم التدخّل الذي قام به على المستوى العسكري يفرض عليه أن يكون جاهزاً لأيّ اشتباك إعلامي، وهذه المرّة سيكون الاشتباك مختلفاً وسيذكّر الروس بحجم المواجهة التي خاضوها حينما تدخّلوا في أفغانستان لحماية النظام الشيوعي هناك من التمرّد الإسلامي الذي قام ضدّه. في تلك الحرب خسروا كلّ شيء بسبب مواجهتهم لأفراد متدرّبين على حرب العصابات جيداً ومندمجين في بيئاتهم التي كانت ضدّ التدخل السوفياتي، والصياغة الإعلامية لتلك المعادلة صبّت في مصلحة الأميركيين وحلفائهم الإسلاميين الذين استفادوا من التورّط الروسي وعملوا على أبلسته في كلّ مكان. الأبلسة الآن لن تكون سهلة كالسابق بسبب وضوح معالم الحرب أكثر وتورّط جميع أطرافها في عمليات القتل وتحطيم البيئات الاجتماعية ولكنها ستستمرّ بأشكال مختلفة، وستعتمد على حجم الضرر الذي ستحدثه الغارات الروسية في الأماكن المُستهدَفة. إذا حصلت جرائم جرّاء الغارات فسيواجه الروس أوقاتاً عصيبة لأنهم بخلاف الأميركيين لا يسيطرون على الإعلام والمنظومة التي يمتلكونها في المقابل لا تستطيع مهما كانت فعاليتها (وهي فاعلة إلى حدّ كبير) تفنيد كلّ الأخبار التي تتحدث عن آثار الغارات على البيئات المُستهدَفة. ولكي يستطيعوا المواجهة عليهم أن يتحدثوا بوضوح أكبر عن أهدافهم، وحين تتسبّب غاراتهم بسقوط ضحايا فيجب أن يعترفوا بذلك، وأن يشكلوا لجان تحقيق لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، لأنهم إن لم يفعلوا فسيصبحون «هدفاً سهلاً» للإعلام الغربي وتوابعه العربية، ولن يكون بمقدورهم إنكار ما حدث كما يفعل الأميركيون باستمرار. الامبريالية عادةً تمتلك بنية إعلامية هائلة لإخفاء جرائمها، ولذلك تبقى دائماً بمنأى عن المساءلة حين تقتل أو تدمر بيئةً اجتماعية ما، أما القوى التي لا تمتلك هذه البنية وليست مؤهّلة لخوض حروب الامبرياليات فعليها امتلاك وسائلها الخاصّة «لإخفاء الجرائم» أو «التخفيف من وطأتها»، هذا إذا كانت قد ارتكبت جرائم فعلاً، وهو سؤال برسم الروس وتدخّلهم الجديد.

* كاتب سوري

الأخبار

 

 

 

 

محاسن التدخل الروسي!/ محمد ديبو

بعيداً عن الآثار السلبية للتدخل الروسي المباشر في سورية، من حيث أنها ستؤدي إلى إطالة المأساة السورية، من خلال سعي الروس المتواصل إلى إعادة تعويم النظام السوري، بطريقة أو بأخرى، فإن لهذا التدخل “محاسن”، من زاوية تبديد وهم شاع بين نخب معارضة طوال عمر الثورة، ولايزال.

أظهر المسار الطويل للثورة السورية أن ثمة “وعياً” معارضاً لم يزل عالقاً في مرحلة الحرب الباردة، من خلال نظره إلى روسيا الحالية، باعتبارها وريثة الاتحاد السوفياتي على صعيد القيم التي أرستها ثورة أكتوبر (1917)، من حيث وقوفها إلى جانب حق الشعوب في تقرير مصيرها ومواجهة المد “الإمبريالي”، إذ على الرغم من كل ما جرى في العالم من تحولات، وتحوّل روسيا نفسها إلى امبريالية جديدة، بقي الوعي المعارض مقيماً في لحظةٍ مضت، دفعته إلى التعامل سياسياً مع روسيا من هذا المنظار، ما أدخل الحراك السياسي المعارض في مفارقة وقوفه ضد الثورة الشعبية، في مراهنة هؤلاء على الموقف الروسي الذي يريد الحفاظ على الدولة السورية التي ساهمت روسيا (كما دول أخرى) في تدميرها، من دون أن يكون الشق الآخر من المعارضة الذي راهن على الدول الأخرى مصيباً أيضاً، لأنه يصطدم، هو الآخر، بحائط لعبة الأمم، ما يجعل الطرفين شريكين في إشاعة وهم الاستعانة بالخارج لإسقاط النظام (بلغة الائتلاف) أو تغييره (بلغة هيئة التنسيق)، الأمر الذي يحيلنا إلى أزمة المعارضة التي راهنت كثيراً على الخارج، بعيداً عن القوى الداخلية التي لم تُولَ أي اهتمام، إلى درجة القول إننا أمام “سياسة” معارضة مفارقة للسياسة بمعناها المعروف، باعتبار أن قوة التمثيل على الأرض هي ما تفرض قوتك على طاولة التفاوض، وهذه القوة إن امتلكت تعجز أي قوة خارجية عن تجاهلك، إذ على الرغم من أن التعامل الوحشي للنظام لم يترك مجالاً واسعاً لمراكمة هذه القوة، إلا أن المعارضة لم تجهد نفسها العمل في هذا المجال، خصوصاً في  مناطق انحسار سيطرة النظام التي تُركت لقوى إسلاموية متشددة، يخشاها الغرب وقسم من الداخل، فبعد أربع سنوات ونيّف من الثورة، لم يمتلك أي تجمع أو ائتلاف سياسي ورقة الأرض، وهو ما يجعل القوى الكبرى قادرة على فرض هذا الطرف/الأداة من المعارضة أو ذاك، ما يجعل المعارضة اليوم بأطيافها كافة مجبرة على العمل في هذا الاتجاه، بعد أن كشف التدخل الروسي والتخلي الغربي عنها محدودية دورها وتأثيرها.

فيما يخص الشق المعارض الذي راهن على الروس، لا يمكن له العبور إلى هذه الخطوة، إن

“حتى لو كانت روسيا هي “الممانعة” اليوم للتوجه الغربي في العالم، فثمة إغفال أن العبور من السوفياتية إلى الروسية لم يهضم بعد قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان” لم تجر مراجعة عميقة لمفاهيمه التي تجاوزها التاريخ، إذ حتى لو كانت روسيا هي “الممانعة” اليوم للتوجه الغربي في العالم، فثمة إغفال أن العبور من السوفياتية إلى الروسية لم يهضم بعد قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان بمعناها العميق، فبقيت عالقة في “نصف ديمقراطية”، نرى تجلياتها في ممارسات السلطة الروسية تجاه معارضيها، ما يعني، في العمق، أن المعارضة المراهنة على روسيا تقف ضد طموحها في التغيير الديمقراطي الذي تنادي به، حين تتكئ على دولةٍ “تمانع” الامتداد الديمقراطي في العالم، معلية من شأن الممانعة في وجه الخارج، في سعي واضح إلى إبعاد شبح الربيع عن أراضيها، وهذا ما يجعل دولاً، مثل الصين وإيران وروسيا وكوريا الشمالية، تتضامن فيما بينها وتتحد في الموقف من الثورة السورية، فهي تعمل على إبقاء نموذجها قائماً في العالم، دفاعاً عن أنظمتها. وهذا ما يتقاطع مع بنية المعارضة السورية التي لم يكن تحوّلها من البنية الشمولية لأحزابها إلى البنية الديمقراطية عميقاً، فبقيت تمارس السياسة بوصفها الوصول إلى السلطة، إما في انقلاب أو دعم خارجي، بعيداً عن الشعب الذي تطلب له الديمقراطية بالمظلة!

يعلمنا التاريخ أن أفكاراً كثيرة قديمة لا تهدم في رؤوس أصحابها، إلا بفعل تحولات عميقة ممزوجة بالدم أحياناً، ألم يكن الشيوعيون العرب مؤمنين بشيوعية الاتحاد السوفياتي والطريق إلى الاشتراكية، حتى لحظة سقوطه التي جاءت أشبه بضربة على الرأس، دفعتهم إلى إعادة التفكير جذرياً؟ ألا يشبه الأمر موقف المعارضة التي رفعت شعار “لا للتدخل الخارجي”، وراهنت على الموقف الروسي في الوقت نفسه، فأتاها التدخل العسكري ممن راهنوا عليه بالذات، للوقوف بوجه التدخل الخارجي الآخر؟ أم أن هذا التدخل مستحسن؟

من محاسن التدخل الروسي أنه سيدفع بهذا الوعي إلى مزبلة التاريخ، ومن يبقى مقيماً عليه (هيئة التنسيق على لسان منسقها العام حسن عبد العظيم أيدت التدخل الروسي) سيجد نفسه أمام مصير خالد بكداش (الأمين العام للحزب الشيوعي السوري اللبناني) الذي وُصف، لحظة رحيله، بأنه آخر الستالينين العرب!

العربي الجديد

 

 

 

 

روسيا تغامر/ سلامة كيلة

حطّت روسيا في سورية، يكون الشعب السوري بذلك قد هزم عدوين عملا على سحق ثورته، النظام الذي كان واضحاً ضعفه نهاية سنة 2012، ما استدعى جلب حزب الله الذي أُعدّ لقتال الجيش الصهيوني، فمنع انتصاره سنة 2006، وحشد من الميليشيا الطائفية العراقية (فصائل أبو العباس وحزب الله العراق وفيلق بدر وعصائب أهل الحق وغيرها)، وأيضاً الحرس الثوري الإيراني الذي بات ضباطه هم من يقودون الحرب ضد الشعب، ولميم من الأشتات من باكستان وأفغانستان واليمن.

يظهر، الآن، أن كل هذا الحشد فشل، وظهر، في الأشهر الأخيرة، أن ميزان القوى العسكري اختلّ كثيراً لمصلحة الثورة والقوى التي تقاتل النظام، والتي تخضع لسيطرة دول إقليمية، كانت تريدها أن تحقق انتصارات لإقناع الروس والإيرانيين بضرورة الحل السياسي، مع إبعاد بشار الأسد فقط. ولهذا، أوقفت تقدم بعضها في سهل الغاب، وحاصر أخرى في درعا. عملت على تحقيق انتصارات من أجل المساومة فقط.

الآن، لم تقبل روسيا المعادلة، ومن الواضح أنها تتمسك بالأسد “إلى النهاية”، طبعاً ربما لأنها لا تثق بغيره في بنية السلطة. لهذا تقدمت بحشد عسكري جوي متطور، ويبدو أنها ستدفع بحشدٍ برّيٍّ تحت عنوان “تطوع الروس”. وعلى الرغم من أن الهدف هو الحرب ضد داعش، يبدو الأمر في الواقع بعيداً عن ذلك، حيث أن معظم القصف الجوي تركز على الشمال الغربي والوسط، أي على المناطق الذي حققت الكتائب المسلحة فيها انتصارات كبيرة، وباتت على مشارف الساحل. إلى الآن، قامت الطائرات الروسية بغارات هزيلة على الرقة وريف حمص الشرقي، لكنها ركّزت كل قصفها على الوسط والغرب، حيث عملت الكتائب المسلحة على طرد داعش منها منذ زمن سابق.

إذن، حرب روسيا هي ضد القوى التي تقاتل النظام، وليس على داعش التي هي من أدوات النظام وروسيا (عبر الشيشانيين المجندين في داعش ويلعبون دوراً قيادياً فيها). ويبدو أن موسكو تريد أن تسحق الثورة وتكرّس النظام، مع إدخال مدّعي معارضة في “حكومة وحدة وطنية” بديلاً من هيئة الحكم الانتقالية كاملة الصلاحية. بالتالي، أتوا لكي يجربوا مغامرة حزب الله وإيران، اللذين هزما بقدرة الشعب السوري، على الرغم من حصار كل “الأصدقاء” بمنع التسليح، خصوصاً المتعلق بالصواريخ المضادة للطائرات، تلك الطائرات التي شكلت الخطر الأكبر ضد الثورة، سواء بعمليات القتل والتدمير، أو بمنع تقدم الكتائب المسلحة في عديد المناطق.

سيجرّب الروس حظهم للإبقاء على بشار الأسد، وأظن أنه لن يكون أحسن من حظوظ من سبقهم، على الرغم من أنهم يمتلكون قدرة نيرانية هائلة وتفوقاً تكنولوجياً أعلى. لكن، تحسم الحروب على الأرض وليس من الجو. لهذا سيواجهون ما واجهه حزب الله وإيران من حرب تستنزفهم. ربما كانوا يدخلون تجربة أفغانية جديدة، ويبدو أن غطرسة بوتين، وعقدة المواجهة التي تحكمه، سوف تقودانه إلى منزلق كبير يأتي على دولته، لأن الحرب، هنا، سوف تستنزف الاقتصاد الروسي، الضعيف والمحاصر والمأزوم، خصوصاً بعد انهيار أسعار النفط إلى أكثر من النصف، في بلد تكون نسبة النفط والغاز المصدّر هي 70% من الصادرات، وتبلغ 52% من ميزانية الدولة. الاتحاد السوفييتي حين دخل حرب أفغانستان كان مضعضعاً، ويعاني من مشكلات كبيرة أدت الحرب إلى انهياره. وروسيا الآن تعاني من ضعف شديد كذلك، سيقود التدخل إلى استهلاك قدراتها بالضرورة.

بعد ذلك، تدخل روسيا في تنافس عالي الحدة من دول إقليمية لها مصالح في سورية، وبالتالي، سوف سيكون هناك من يزيد دعمه الكتائب المسلحة، لكي تغرق روسيا في المستنقع فتخسر سورية.

روسيا تغامر وستفشل، على الرغم من كل المآسي التي سوف يتعرض لها الشعب السوري، بعد مآسيه الكبيرة السابقة.

العربي الجديد

 

 

 

حول التحرش العسكري الروسي بتركيا/ بكر صدقي

بفاصل يوم واحد، تحرش الطيران الروسي بتركيا مرتين. في الأولى (3102015) خرقت طائرات روسية المجال الجوي التركي، ثم بررت موسكو ذلك بـ»سوء الأحوال الجوية» التي لم تمنعها من مواصلة غاراتها على فصائل الجيش الحر المدعومة من واشنطن وبعضها من أنقرة.

وعلى رغم قيام الخارجية التركية باستدعاء السفير الروسي في أنقرة لتسليمه احتجاجاً رسمياً من الحكومة التركية على ذلك الخرق، قامت طائرة من طراز ميغ 29 «مجهولة التابعية» كما ورد في بيان هيئة الأركان التركية، مدعومة بالدفاعات الجوية الروسية، بمضايقة دورية جوية تركية من عشر طائرات اف 16، في المنطقة الحدودية مع سوريا، لمدة أربع دقائق وثلاثين ثانية بالتمام والكمال (5102012).

وإذا كان الخرق الجوي الأول اختباراً فظاً لقواعد الاشتباك التي وضعتها تركيا في أعقاب إسقاط نظام دمشق لطائرة حربية تركية، في العام 2012، ورسالةً روسية مهددة لأنقرة بعد يوم واحد من تصريحات لرئيس الجمهورية التركية أردوغان، انتقد فيها الضربات الجوية الروسية لفصائل الجيش الحر؛ فالتحرش الجوي الثاني هو، بالأحرى، اختبار أكثر فظاظة بعد، للإدارة الأمريكية ولحلف الناتو اللذين عبرا عن تضامنهما مع أنقرة بعد الحادثة الأولى.

على رغم ارتفاع نبرة الانتقادات الأمريكية والأطلسية لروسيا، سواء على ضرباتها الجوية ضد الجيش الحر والفصائل الإسلامية المعتدلة، وفقاً لتصنيفات واشنطن، أو لتحرشاتها الخشنة بتركيا العضو في الحلف الأطلسي، فالسياسة الأمريكية في سوريا لم تتغير قيد أنملة بعد تصاعد التدخل العسكري الروسي المباشر، وقوامها أن الأولوية هي لمحاربة داعش مع تجنب أي احتكاك مباشر مع نظام دمشق الكيماوي. وزاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأمر وضوحاً حين صرح، تعقيباً على التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا، قائلاً إن بلاده لا تسعى إلى أي صدام مع الروس في سوريا.

ليس هذا وحسب ما يشجع الرئيس الروسي بوتين إلى مزيد من التصعيد ضد تركيا، فهو يدرك أيضاً ضعف موقف تركيا في مستويات عدة. فالخلافات التركية مع الأمريكيين بشأن سوريا معروفة ومعلنة. صحيح أن الحكومة التركية تراجعت خطوة أمام الضغوط الأمريكية ففتحت قواعدها الجوية أمام استخدام طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة داعش، لكنها لم تحصل من حليفتها، بالمقابل، على المنطقة الآمنة التي كانت تحلم بها داخل الأراضي السورية (من جرابلس إلى إعزاز). وصحيح أن الإدارة الأمريكية قد غضت النظر عن حرب الحكومة التركية على حزب العمال الكردستاني تحت غطاء محاربة داعش، في الفترة الأولى، لكن واشنطن استدركت ذلك لاحقاً وأخذت تنتقد تلك الحرب غير المتكافئة وتدعو الحكومة التركية إلى استئناف عملية السلام الداخلي مع الكرد. أما الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، فقد كانت انتقادتها للحكومة التركية، بهذا الصدد، أكثر حدة من الانتقادات الأمريكية.

تضاف الانتقادات المذكورة إلى ضغوط أمريكية ـ أطلسية مستمرة بشأن تهاون أنقرة في ضبط حدودها أمام الجهاديين الذين ينتقلون إلى داخل الأراضي السورية للانضمام إلى داعش أو النصرة أو منظمات جهادية أخرى.

لا شك أن عوامل الخلاف بين تركيا وحلفائها الأطلسيين المذكورة أعلاه قد شجعت بوتين على جاره التركي الذي بات يحاصره جغرافياً من الشمال والجنوب كما بين فكي كماشة. لكن عوامل الضعف التركي أمام موسكو لا تقتصر على ذلك، بل تتعداها إلى العلاقات الثنائية بين البلدين بمعزل عن حلف الناتو. ويأتي على رأس قائمة هذه العوامل الاعتماد التركي الكبير على الغاز الروسي (58٪ من احتياجاتها، مع العلم أن 20٪ إضافية من هذه الاحتياجات تلبيها إيران، حليفة روسيا في الصراع السوري). يضاف إلى ذلك تلزيم تركيا لروسيا بإنشاء مفاعلات نووية تبلغ ماليتها عشرين مليار دولار. وتعتبر روسيا ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا، وقد اتفق الطرفان على زيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى مئة مليار دولار سنوياً، بحلول العام 2023. ويأتي السواح الروس على رأس قائمة من يرتادون تركيا التي تعتمد على قطاعها السياحي بنسبة كبيرة من حجم ناتجها القومي. وبهذا الصدد يذكّر معارضو أردوغان، بنبرة لا تخلو من شماتة، بكلامه في موسكو، قبل أسبوعين، مخاطباً الرئيس الروسي: «آن الأوان لتضمونا إلى منظمة شنغهاي للتعاون الاقتصادي، لكي ننتهي من موضوع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي».

وهناك ما يمكن تسميته بـ»لوبي روسي» في تركيا، داخل المؤسسة العسكرية وفي التيار العلماني، يعارض سياسة الحكومة التركية في سوريا منذ خمس سنوات، وارتفع صوته أكثر في الأسابيع الأخيرة.

واليوم يضطر أردوغان إلى طلب الحماية من حلفائه الأطلسيين بعد طول فتور بين الجانبين. فتور بلغ درجة قرارين من واشنطن وبرلين بسحب بطاريات الباتريوت من الحدود التركية، من المفترض أن يتم تنفيذهما هذا الشهر، ما لم تتراجع العاصمتان عن قرار السحب هذا في أعقاب التطورات المنذرة بالأخطار على الحدود الجنوبية لتركيا.

نذكر من عوامل الضعف التركي أمام تحرشات روسيا، أخيراً، ذهاب تركيا إلى أول انتخابات مكررة في تاريخها الجمهوري. انتخابات من غير المتوقع أن تغير التركيبة السياسية للبرلمان التي أسفرت عنها الانتخابات السابقة التي جرت في شهر حزيران / يونيو الماضي. وهو ما يعني استمرار عجز «حزب الرئيس» عن تشكيل حكومة بمفرده، ليضطر إلى تشكيل ائتلاف حكومي قد يكون عنواناً لعدم الاستقرار.

بين روسيا وتركيا تاريخ من الحروب يمتد على نحو خمسة قرون، يمكن اعتبار الحرب الباردة فصلها الأخير، تبادل فيها الطرفان النصر والهزيمة. بلدان كانا امبراطوريتين سابقاً، لكنهما اليوم دولتان تنخرهما الكثير من المشكلات. المرجح أنهما لا تريدان العودة إلى خوض الحروب.

ولكن من يدري؟ فأية شرارة غير محسوبة يمكنها أن تخرج الأمور عن السيطرة.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

 

 

السقوط الأخلاقي لموسكو في سورية/ عبدالباسط سيدا

يوم ركّزت وسائل الإعلام الروسية على منظر أحد المتطرفين وهو يأكل كبد انسان ميت في مقطع للفيديو (حتى أن بوتين نفسه عبّر في ذلك الحين عن سخطه واشمئزازه في مواجهة الحدث المدان بكل المقاييس)، أدركنا أن روسيا هي في طريقها إلى تغيير دورها في الوضع السوري من موقع المتحالف الداعم إلى موقع المشارك المنفذ. فالرئيس الروسي لم يسبق له أن عبّر عن مثل هذا الشعور وهو يشاهد ويتابع تقارير الاستخبارات الروسية، التي من المفروض أنها وضعته في صورة التفاصيل الدقيقة لوقائع مجازر النظام السوري في الحولة ومعرزاف وتلبيسة، وجرائمه الخاصة ببراميل البارود التي باتت جزءاً من المألوف السوري، وهي براميل يعرف بوتين جيداً أنها توّزع الموت على الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى، ولا تطاول المقاتلين الذين يمتلكون القدرة على متابعة وتحاشي غباء تلك البراميل وحقدها.

ولم يتوقف بوتين مطلقاً، على الأقل عبر الإعلام، عند مناظر أطفال ونساء مجزرة بانياس ومجزرة الكيماوي في الغوطة. وهذا مؤداه أن توقفه عند مشهد بغيض مقيت لحالة شاذة ندينها جميعاً حالة لا علاقة لها بالثورة السورية وقيمها، إنما كان ذلك ضمن إطار وضعية الانسجام والتضايف، بل التكامل المدروس مع استراتيجية النظام التي اعتمدها منذ اليوم لانطلاقة الثورة السلمية. وهي استراتيجية متحمورة حول فكرة الربط بين الثورة السورية والإرهاب، وهي الاستراتيجية نفسها التي اعتمدها النظام الإيراني في كل من العراق وسورية، حتى أن الرئيس روحاني – الذي راهنّا بعض الشيء على دوره الإصلاحي، من موقع حسن النيّة – خرج على العالم ليتباهى بأن نظامه هو الأقوى والأكفأ في مواجهة الإرهاب في المنطقة، وهو يعلم جيداً أن الإرهاب الذي يتحدث عنه مترسّخ متأصل في ذهنية وممارسات نظامه، وهو يتجسّد في السعي المستمر لتصفية الخصوم المحليين والإقليميين، أو المغرّدين خارج السرب سواء في العراق أم في لبنان أم في سورية. كما انه يعلم جيداً أن نظامه الأصولي المذهبي النزعة قد تمكّن بالتحالف والتنسيق الفاعل مع النظام البعثي «العلماني» السوري من دفع الأمور في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين نحو الفوضى العارمة، وذلك عبر تدبير التفجيرات والمذابح التي نفذتها قوى متباينة المشارب والعقائد والمزاعم، ولكنها كانت جميعها محكومة بقواعد اللعبة التنسيقية بين الحليفين: الأصولي المذهبي، والبعثي «العلماني».

لقد اصبح الإرهاب فزّاعة بالنسبة إلى الأنظمة الاستبدادية في المنطقة والعالم، فهو الدجاجة التي تبيض ذهباً. وهي فزّاعة تصنعها الأنظمة المعنية، وتروّج لها، وتمكّنها من الانتعاش والتمدد، ومن ثم تعلن نفسها مناهضة لها، ومستعدة لمحاربتها، مستغلة الأوضاع الإقليمية والدولية، لتضع العالم أمام بديلين سيئين: إما الأنظمة الاستبدادية الفاسدة الإفسادية، أو الإرهاب الظلامي المتوحش. ولم يكن لهذه الفزّاعة أن تصبح فاعلة هكذا، لولا قبول الرأي العام الغربي بواقعيتها، وخشيته من مآلاتها.

وفي ما يخص الحالة السورية نرى أن لهذا الأمر أسبابه وعوامله التي من بينها اخفاق المعارضة السورية بمختلف أجنحتها في ميدان التواصل مع الرأي العام المعني بمؤسساته ومفاصله المؤثرة، بخاصة في العامين الأولين من الثورة حين كانت الأجواء مهيأة للتفاعل ايجاباً مع مطالب السوريين. بل انشغلت المعارضة المعنية بحساباتها الخاصة، وكان ذلك نتيجة تعاملها مع الوضعية بعقلية كسولة اتكالية، عقلية اعتمدت سلوكية انتظار تنفيذ الوعود العامة الضبابية التي كانت تتوالى من دول مجموعة أصدقاء الشعب السوري، وذلك عوضا عن العمل الجاد من أجل بناء القدرات الذاتية، وتنظيمها في مختلف الميادين وعلى مختلف المستويات.

ولكن يبقى للتردّد الأميركي تأثيره الأكبر على صعيد عدم حسم الأمور لصالح الشعب السوري، مما اضعف قوى الثورة الميدانية، وأخرج المئات من الضباط القادة والأمراء، وعشرات الآلاف من ضباط الصف والجنود المنشقين خارج نطاق المعادلة، بل فتح الباب واسعاً أمام المتشددين والإرهاب، الأمر الذي استفاد منه النظام ضمن إطار استراتجيته العامة التي اعتمدها مع حليفيه الإيراني والروسي.

الإدراة الأميركية لم تعتمد الحزم المطلوب في تعاملها مع نظام بشار الأسد، الحزم الذي كان من شأنه أن يفعل الكثير. والتجارب السابقة مع هذا النظام تؤكد ذلك.

أما النهج الوحيد الإتجاه الذي التزمته هذه الإدارة في تعاملها مع قضية الإرهاب في سورية فهو الآخر خدم النظام، واسبغ قسطاً من المشروعية على مزاعم روسيا بخصوص مخاطر الإرهاب الإسلامي المتطرف. فمنذ اليوم الأول كان واضحاً للجميع أن النهج المعني لن يعالج المشكلة في سورية باعتباره لا يعالج قضية الإرهاب بصورة متكاملة، وانما كان يركز الجهود حول داعش – النتيجة، في حين أنه كان يتناسى أو يتجاهل أن النظام مصدر الإرهاب الداعشي وغيره. وكل ذلك تناغم أو تكامل بهذه الصورة أو تلك مع استراتيجية النظام وحلفائه.

القوات الروسية دخلت سورية بدعوة من رئيس فاقد للشرعية. وهي تمارس عدوانها على الشعب السوري عبر قصف مدنه وقراه، مرفقة بمؤازرتها الصريحة للنظام، ودعوة موسكو الصريحة بضرورة الإبقاء على الأسد.

ردود الأفعال العربية والدولية لم ترتق بعد إلى المستوى المطلوب من جهة الإدانة والدعوة الحازمة إلى ضرورة التوقف عن التدخل، وإنما تراوحت بين الشجب الخافت، والامتعاض، والدعوة إلى التفاهم، وامكانية التنسيق بخصوص الإرهاب.

بشّار الأسد بوصفه عنوان مجموعة القرار في النظام هو أساس المشكلة. ولن تكون هناك أية امكانية للحل من دون تجاوز هذه العقدة، وابعادها عن العملية السياسية القادمة التي لا بد منها للوصول إلى الحل في سورية. ومن هنا نرى أن مهمة المبعوث الدولي دي ميستورا مسدودة الآفاق ضمن الأجواء الراهنة، وبناء على المعطيات المتوفرة حالياً.

أما الإصرار الروسي على دعم بشار بكل الأساليب، فهذا مؤداه حرب طويلة الأمد في سورية، بل في المنطقة بأسرها، حرب ستؤدي إلى تغييرات في الجغرافيا السياسية، وانزياحات سكانية كبرى، وهي تطورات ستكون لها، في حال حدوثها، تبعات جسيمة على المستويين الإقليمي والدولي.

* كاتب وسياسي سوري

الحياة

 

 

 

 

===========================================

 

 

كتاب عرب وأجانب

 

سورية بين «انتداب» بوتين وأقاليم العراق الثلاثة/ جورج سمعان

الرئيس باراك أوباما لن يخوض وروسيا «حرباً بالوكالة». لم يتفق ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في لقائهما الأخير على عناوين التسوية السياسية ومصير الرئيس بشار الأسد. لذلك لم يتأخر سيد الكرملين في بدء الحرب التي استعد لها طوال الأشهر الأخيرة. التقى نظيره الأميركي في نيويورك لعله يوفق في إبرام تفاهم. وعندما فشل جمع البرلمان الذي فوض إليه التدخل. وباركه رأس الكنيسة الأرثوذكسية في «الحرب المقدسة». اتفق الزعيمان على التنسيق العسكري فقط لئلا يقع تصادم بين المعسكرين. ولا تشي التصريحات الكثيرة التي حذرت الروس من ضرب مواقع فصائل المعارضة، من «الجيش الحر» و»احرار الشام» وغيرها، بأن أصحابها يعارضون هذا التدخل. ما يريدونه هو توجيه الغارات نحو مواقع «داعش» و»جبهة النصرة». في حين تضع موسكو كل الفصائل الإسلامية في سلة واحدة بلا تمييز.

الرئيس أوباما يفضل «التعاون» مع موسكو. ولا يملك في هذه المرحلة سوى الانتظار لجلاء نتائج المعركة الروسية. لن يتدخل أكثر مما فعل حتى الآن، وإن بدا واضحاً تماماً أن تحالفه الدولي – الإقليمي لاحتواء «داعش» لم يفلح في تحقيق الكثير. وهو منذ بداية الأزمة في سورية لم يعمل جدياً للإنخراط في هذا البلد. ولم يعمل لإسقاط النظام. وحتى عندما سنحت له الفرصة بعد استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة، فضل التعاون مع روسيا التي أراحته من عبء التدخل وتداعياته. ويريد اليوم أن يترك لغريمه فرصة أن يجرب لعله ينجز ما لم يحققه هو في الحرب على الإرهاب. وربما لجأ قريباً إلى إعادة النظر في غاراته على «الدولة الإسلامية» في سورية، بعد تعليق موقت لحملة تحرير الرمادي. علقها لأنه لا يرغب خوض حرب سيحصد الآخرون ثمارها. لا يروقه بالتأكيد أن تكون قوات «الحشد الشعبي»، ومن خلفه إيران، شريكة في أي تقدم في الأنبار لتكسب مزيداً من الأرض. وهو مطمئن إلى رفض الكرد الشراكة مع «الحلف الأمني الاستخباراتي» الناشيء بين روسيا وسورية وإيران والعراق. فهؤلاء يرون إلى أميركا حليفهم الاستراتيجي الدائم. مثلما لا تغيب عن باله مخاوف أهل السنة الذين لن يخرجوا لمقاتلة «داعش» ما لم تضمن حكومة حيدر العبادي تصحيح التعامل معهم، كما وعدت في برنامجها الإصلاحي عشية انطلاق حملة التحالف على هذا التنظيم.

الرئيس الأميركي منسجم مع نفسه ونهجه منذ وصوله إلى البيت الأبيض. لم ينخرط جدياً في كثير من الساحات، من أفغانستان إلى اليمن وليبيا وسورية والعراق. فضلاً عن فلسطين التي لم يأت على ذكرها في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولم يلوح بالتهديد بعدما ضم الروس القرم وتهديدهم أوكرانيا ودول البلطيق وشرق أووربا. وسيواظب على هذا النهج، ما لم يحصل تطور كبير يحمل تهديداً مباشراً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة، مثلما ما حدث مع سلفه الرئيس السابق جورج بوش الإبن الذي تجاهل في مطلع ولايته الأولى دور بلاده في مسيرة التسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقرر الانعزال. ولكن سرعان ما سقط هذا الانعزال على وقع سقوط برجي التجارة في نيويورك. وأطلق بوش الآلة العسكرية الأميركية في مواجهتين كبيرتين تحت شعار «الحروب الاستباقية». وانطلاقاً من هذا العزوف، لا يضير الرئيس أوباما أن تشمل حملة بوتين بلاد الرافدين… وإلا لما كان حيدر العبادي ليجازف بإغضابه عندما انتقد التحالف الدولي، ورحب بانخراط القوات الروسية في الحرب على «داعش» في بلاده. ولما استعجل البرلمان العراقي منح هذه القوات تفويضاً لشن غارات في العراق. بالطبع لا يزعج أميركا أن تقبض موسكو على الكستناء الساخنة إذا توسع الغضب العربي السني. وربما كان هذا أحد أهدافها لإرهاق روسيا. وقد بدأت أصوات أحزاب وقوى إسلامية تتحدث عن حرب «صليبية» ما دام بطريرك الروس سماها «حرباً مقدسة». وإذا واصلت الطائرات الروسية استهداف كل الفصائل المقاتلة في سورية بلا تمييز فإنها ستدفع هذه عاجلاً أم آجلاً إلى توحيد وجهة البندقية لمواجهة التدخل الجديد الذي وفر للرئيس بوتين الإمساك بالملف السوري إن لم يكن الاستفراد به دون الآخرين، وبينهم إيران أيضاً.

لكن انتظار الرئيس الأميركي قد لا يدوم طويلاً. لا يمكنه أن يترك نظيره الروسي يستفرد وحيداً برسم مستقبل بلاد الشام والشرق الأوسط برمته، وإن حاول فرض أولوياته في الأزمة السورية المستمرة من أربع سنوات ونصف سنة. سيراقب مدى جدية الروس في محاربة «الدولة الإسلامية» قبل تحريك الديبلوماسية بحثاً عن تسوية لأزمة سورية. وقد أعلن صراحة، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن بلاده لا تستطيع حل مشاكل العالم لوحدها. وبدا حريصاً على الدعوة إلى عمل جماعي. لا يريد عزل روسيا بل التعاون معها. وكرر ذلك قبل يومين. جل مبتغاه ان تحل المشاكل هنا وهناك بالوسائل السلمية. وحض موسكو على العمل مع المجتمع الدولي للحفاظ على مصالحها. وبالطبع لا أحد يتوقع أن يمد الفصائل المسلحة بما تحتاج من عتاد لمقارعة الطائرات الروسية وأسلحتها المتقدمة في المعركة… إلا إذا تمرد أحد شركائه في المنطقة على هذه الضوابط الأميركية، ومد المعارضة بما يضبط حركة الطائرات في الأجواء. عندها سيتبدل المشهد مرة أخرى.

سينتظر أوباما مئة يوم، المهلة التي حددها الروس لمهمتهم في بلاد الشام. بعدها سيتضح الجانب الضبابي في خطة الكرملين وعناوين الحل السياسي. لذلك جاء بيان «الإئتلاف الوطني» والفصائل العسكرية في رفض مقترحات المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا وخطته لتحريك عمل اللجان الأربع التي اقترحها على طريق تنفيذ بيان جنيف الأول. يكفي الآن أن خصوماً دوليين وإقليميين للرئيس الأسد قدموا ما يمكن تسميته تراجعاً عن شعار خروجه فور بدء المرحلة الانتقالية. قبلوا بفكرة بقائه لفترة انتقالية معينة. ولن يذهبوا أبعد من ذلك في لعبة تقطيع الوقت مع المبعوث الأممي. سينتظرون الآن ما ستقدم عليه موسكو وهل تلاقيهم في منتصف الطريق أم لا. وأياً كان موقفها فإن «إعادة التأهيل» التي يبشر بها بوتين لن تحمل التغيير نحو الديموقراطية، كما ترجو المعارضة. لن يكون التغيير أفضل من الديموقراطية التي ينعم به الروس، أو أفضل من تلك التي جربها ويجربها العراقيون!

بالتأكيد بثت الحملة الروسية موجة ارتياح في أوساط النظام. اطمأنت حاضنته الشعبية، من أهل الساحل وأقليات أخرى. مثلما شدت عصب المؤسسة العسكرية المتهالكة والمفككة. لكن هذا الارتياح لن يبدد مخاوف عميقة تنتاب رأس النظام والمحيطين به. الرئيس بوتين قال أنه يعول على «مرونة الرئيس الأسد وفاعليته في حل الأزمة». وكان «بشّر» قبل أسابيع بأنه مستعد لتقاسم السلطة مع معارضة بناءة. والسؤال الكبير اليوم هل ستواصل آلته العسكرية نهجها في ضرب فصائل المعارضة على الجبهات الساخنة وحدود منطقة الساحل؟ هذه القوى معظمها يلقى دعماً من تركيا وأطراف عربية، ومن أميركا أيضاً. هل يمهد لاستعادة ما خسره النظام وحلفاؤه في الأشهر الأخيرة بذريعة حمايته؟ عليه إذاً أن يستعيد ادلب ومناطق القنيطرة والجولان، والعودة إلى استعادة كل حلب بعد «تنظيف» حمص وحماة. بعد ذلك لا يعود هناك تأثير أو رأي لمعارضة سياسية في الخارج إذا تقطعت أذرعها العسكرية في الداخل. ويسهل تالياً على موسكو أن ترسم الحل على هواها. فإذا استعصى يكون لها الساحل والمدن والعاصمة والمدن الرئيسية ولخصومها «دولة البغدادي» وشركائه.

الرئيس بوتين دعا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى تدخل دولي لإعادة هيكلة الدول الفاشلة الغارقة في الحروب الأهلية والفوضى والتفكك. دعوة تعيد المجتمع الدولي إلى نهجه غداة سقوط السلطنة العثمانية، نهج الانتدابين الفرنسي والبريطاني. فهل سيوفق في «انتدابه» على سورية؟ من الصعب أن يحقق تدخله في ثلاثة أشهر ما عجز عنه التحالف الذي يقوده أوباما في الحرب على «داعش». ويخشى أن يكون تقاعس الأميركيين عن استئناف هذه الحرب لتحرير الأنبار مقدمة للعودة إلى مشروع الإقاليم الثلاثة في العراق حلاً وحيداً أعاد تسويقه مسؤولون سياسيون وعسكريون. والسؤال هنا عن مصير الإقليم السني ودور «الدولة الإسلامية» فيه ومصيرها. هل يستطيع الأميركيون تفكيك هذه الدولة واللعب على هذا الخليط العجيب من مكوناتها أم يتركونها في حضن العرب؟ وإذا دخلت المنطقة هذا المنحى فلماذا لا يصح في سورية ما يصح في جارها الشرقي ويترك الروس «داعش» في حضن العرب أيضاً؟

بدّل الكرملين، بلا شك، قواعد اللعبة سياسياً وعسكرياً، لكنه لن يستطيع دفع جميع اللاعبين إلى الرضوخ لشروطه وقبول «انتدابه». خسارة حلب بعد ادلب تعني الكثير لصورة تركيا. وتسوية تعيد تأهيل الأسد لن تقنع أهل السنة العرب، من مصر إلى العراق. لا يمكن هضمها وتسويقها. لا يمكن بوتين أن يتجاهل هذه الحقائق، إذا كان بامكانه الصبر إلى حين على متاعبه الاقتصادية… وإلا غرق في مستنقع أين منه وعورة جبال أفغانستان ومضائقها! من أوائل الصيف ودوائر في موسكو تروج لتحول كبير في الأزمة السورية مع نهاية السنة الحالية وبدء السنة الجديدة. فماذا يخبىء سيد الكرملين في جعبته السياسية بعد العسكرية؟ بالتأكيد يبدي النظام ارتياحه على قلق ومخاوف مكبوتة وكثير من الأسئلة، تماماً كما خصومه القريبون والبعيدون يعبرون عن قلق ومخاوف. هل ينتظر الجميع مئة يوم فيما لا تملك الميادين بمفاجآتها ترف الانتظار و»داعش» يرسخ دولته ويهدد المنطقة كلها؟

الحياة

 

 

 

بوتين وجيرينوفسكي و«علمانيّو» الأسد/ حازم صاغية

بالتأكيد ليس فلاديمير بوتين فلاديمير جيرينوفسكي. لكنْ بالتأكيد أيضاً، هناك شيء من جيرينوفسكي في بوتين. والشيء هذا قد يتيح فهم بعض السياسات السوريّة كما يتّبعها الكرملين، لكنّه قد يتيح فهم ما هو أعمق: بعض الشبه بين «ثقافة» المحتلّ الروسيّ الجديد و»ثقافة» بعض «العلمانيّين» عندنا ممّن يتعرّضون لاحتلاله… الأخويّ.

ولنقل، بادىء بدء، إنّ جيرينوفسكي، من خلال هذيانه القوميّ، أحد أبرز المعبّرين الروس، بعد انهيار الاتّحاد السوفياتيّ، عن فشل «التغريب» في روسيا والعجز عن الدخول إلى مدار الحضارة الرأسماليّة والديموقراطيّة، ممّا يقلبه القوميّون والفاشيّون إلى فضيلة: فلا الماركسيّة أقلعت هناك، ولا الليبراليّة أقلعت. أمّا القوميّة، التي خلطتها روسيا بميراثها الأرثوذكسيّ، فأفلحت في توفير سدّ وهميّ لفجواتها جميعاً، فهي الشكل الغربيّ الوحيد الذي أمكن استيراده وتبيئته.

لكنْ إذا كانت الماركسيّة والليبراليّة تريان إلى إخفاق روسيا انطلاقاً من نقص تقدّمها الذاتيّ، فإنّ القوميّة، التي قدّم جيرينوفسكي صيغتها الأكثر كاريكاتوريّة، ترى إلى ذاك الإخفاق، حين تعترف بأنّه إخفاق، بوصفه نتاج مؤامرة خارجيّة. والمؤامرة هذه إنّما تأتي من «الجنوب»، مصدر الشرور والمصائب جميعاً، بحيث لا تستقيم «رسالة روسيا» إلاّ بالتوغّل جنوباً وإخضاع «العِرق التركيّ – التتريّ» والدين الإسلاميّ، والوصول تالياً إلى ما كان القياصرة يسمّونه «البحار الدافئة».

بيد أنّ «الجنوب» هذا قد يجد دعمه في «الشمال»، أي في أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة، خصوصاً وقد تمكّنت منه الأعراق المنحطّة، فضلاً عن اليهود، بسبب سياساته في التعدّد الثقافيّ والإثنيّ والدينيّ، وفي التسامح مع مَن لا يستحقّونه، كما بسبب سياساته الليبراليّة في الهجرة. هكذا يصير الشيشان، مثلاً لا حصراً، السبب وراء أيّ تدهور يصيب روسيا. فإذا ظهر في الشيشان أفراد من منظّمة غربيّة غير حكوميّة، اكتملت لوحة المؤامرة وفُسّر التاريخ الروسيّ على أحسن وجه.

وجيرينوفسكي، صاحب هذه المواقف والآراء، سبق له أن أسّس حزباً لم يجد اسماً له إلاّ «الحزب الديموقراطيّ الليبراليّ»!، ومع أنّ الرجل لا تعوزه مهارات التهريج، حصل حزبه هذا على ربع أصوات الروس في انتخابات الدوما أواخر 1993. بعد ذاك استمرّ المهرّج شبه الفاشيّ في الحلبة السياسيّة كـ «معارض» يقدّم للروس وعوداً من نوع «دولة بوليسيّة… تنفّذ إعدامات جماعيّة بحقّ من لا يتقيّدون بالنظام». إلاّ أنّ الصعود اللاحق لفلاديمير بوتين، بوصفه الزعيم القويّ للقوميّة الروسيّة، أحاله إلى الهامش. وثمّة اليوم من يقول إنّ جيرينوفسكي غدا مجرّد أداة في يد الأجهزة الأمنيّة تستخدمه لأغراض بينها جسّ نبض الرأي العامّ القوميّ واليمينيّ، وبينها التأثير في خريطة الحياة الحزبيّة والانتخابيّة بما يلائم رغبات بوتين. أمّا عربيّاً، فقد عُرف جيرينوفسكي هذا بتأييده القويّ لصدّام حسين في حروبه. فالديكتاتور العراقيّ يمتلك، في عرفه، فضيلتين: أنّه ضدّ الغرب، وتحديداً أميركا، وأنّه ليس المسلم النموذجيّ الذي يمثّله خصومه، أي الإيرانيّون والأكراد والكويتيّون…

ويُلاحَظ اليوم أنّ المهلّلين عندنا للاحتلال الروسيّ الأخير، سواء صاغ نظريّته الفجّة فلاديمير جيرينوفسكي والكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة، أم صاغ نظريّته الملطّفة فلاديمير بوتين ورجال ديبلوماسيّته، آتون من مصادر تشبه تلك التي أتى منها الفلاديميران. فهؤلاء أيضاً، استعاروا من الغرب القوميّة، ولم يستعيروا الديموقراطيّة والليبراليّة. وهؤلاء جميعاً يقفون بالمرصاد للمؤامرة ذات الرأسين الغربيّ والإسلاميّ، يؤوّلون تاريخ انحطاطنا وانحطاطهم بموجبها. وهم علمانيّون بدرجة أو أخرى، يرون العلمانيّة مجرّد تأديب للمسلمين السنّة. ثمّ إنّهم يتوقون إلى القائد البطل الذي كانه صدّام وصاره بشّار. وهم يريدون أن يرفلوا بالعلمانيّة تحت حذاء بشّار وجنود بوتين من تلامذة جيرينوفسكي. وهذا هو «الشرق الجديد» الموعود.

الحياة

 

 

 

 

روسيا بوتين عند الممانعين وأشباههم/ زيـاد مـاجد

ثمة أسباب كثيرة، سياسية وغير سياسية، تفسّر انبهار الممانعين العرب واليمينيين المتطرفين ومثلهم بعض الشيوعيين واليساريّين في أوروبا الغربية بروسيا ورئيسها فلاديمير بوتين.

من الأسباب السياسية، توافقهم على كراهية الولايات المتحدة الأميركية، بعضهم لدعم واشنطن إسرائيل أو لتدخّلاتها العسكرية العديدة في المنطقة والعالم، أو لمجرّد قوّتها وأحادية تسيّدها المسرح الدولي لعقود، وبعضهم لشوفينية (في حالة أقصى اليمين الأوروبي) تبحث عن الصفاء العرقي وترى في أميركا (الأوبامية تحديداً) ما يرمز الى التعدّد والعولمة التي تمقتها.

لذلك، يتحوّل متحدّي حصريّة التدخّل الأميركي دولياً ونقيض التعددية المجتمعية الأميركية ثقافياً الى بطلٍ بالنسبة الى هؤلاء، ولَو فاقت وحشية تدخّلاته كل وحشيةٍ أخرى.

من الأسباب السياسية أيضاً، كراهيتهم للديمقراطية بما هي “تجربة غربيّة” يرونها مُزوّرة أو منافقة. وهذا يؤكّد أن إعجابهم بالأنظمة الشمولية أو بالأفراد القادة وبالسلطة المطلقة أساسيّ في “ثقافتهم”. فليست صدفة أن كلّ الأنظمة التي دعمها الممانعون كانت على تناقضاتها قمعية استبدادية، من عراق صدّام الى سوريا الأسد فإيران أحمدي نجاد، وصولاً الى التجارب البائسة للمعسكر “الاشتراكي” وانتهاءً بكوريا الشمالية. ولا يختلف اليمين المتطرّف في أوروبا كثيراً عنهم، لميوله الفاشية في خطابه وسلوك زعمائه ونقمتهم على المؤسسات الديمقراطية التي تقيّد حركتهم.

وروسيا بالطبع هي اليوم بالنسبة لهؤلاء جميعاً القوة “المواجهة” للديمقراطيّات الغربية والساخرة من قيمها السياسية ومؤسّساتها.

ويمكن إضافة سبب أخر، طائفي عنصري، يجمع قسماً من الممانعين العرب بأخوانهم الغربيّين. فالعداء للمسلمين السنّة مشترك بينهم، والتذرّع بأنظمة الخليج ليس إلا قناعاً لتمويهه، ولروسيا القيصرية في حروبها مع السلطنة العثمانية، ثم لروسيا البوتينية في مذابحها ضد الشيشان باع طويل فيه.

وليس من قبيل المصادفة أن الحوارات الدينية الإيرانية – الروسية مستمرّة منذ سنوات وفحواها مواجهة “التطرف والإرهاب”، وأن تمييز إيران في مخيال كثرٍ في الغرب ينطلق من “حضارتها الفارسية” السابقة للإسلام ومن تشيّعها اللاحق المخالف لـ”تسنّن” أكثرية المسلمين، بمن فيهم أكثرية المسلمين الأوروبيين.

لهذه الأسباب ولغيرها، ولافتتانٍ بنموذج “الأزعر” أو الفتوّة وما يمثّل من تجسيد للقوة المتحرّرة من القوانين والضوابط، يبدو الإعجاب ببوتين وبدوره في الشغب على “النظام الدولي” وتوازناته التي كرّستها نهاية الحرب الباردة قبل ربع قرن سائداً هذه الأيام في الأوساط التي ذكرنا.

وهذا بالطبع يُسهّل على موسكو سياساتها العدوانية في محيطها الجغرافي وتدخّلاتها العسكرية في غير موقع في العالم. فكيف إذا كان التدخّل القائم لإنقاذ نظام البراميل والكيماوي في سوريا الذي اجتمع الممانعون العرب والفاشيون وبعض الشيوعيّين واليساريّين الغربيّين إياهم على موالاته؟

موقع لبنان ناو

 

 

 

 

الدب الروسي في سورية.. ماذا يريد الآن؟/ حسن بن سالم

روسيا -وبعد أربع سنوات من الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري والذي كان له دور كبير في منع انهيار النظام السوري الحاكم، اليوم- ترى أن ذلك كل ذلك التدخل والدعم لم يعد كافياً، من أجل منع انهيار نظام الأسد بشكل مفاجئ أو حدوث انهيار دراماتيكي، بعد أن بلغ مرحلة متقدمة من الضعف والإنهاك على يد فصائل المعارضة المسلحة، ولاسيما بعد أن أدركت فشل وعجز إيران و«حزب الله» وجميع المليشيات الطائفية التي تعمل لحسابها في إبقاء النظام السوري على قيد الحياة، فلم يعد أمامها سوى دخول أرض المعركة، وهو ما جعل خيار الحل السياسي يذهب في آفاق بعيدة المنال والحصول، روسيا بدأت عملياً وبشكل مباشر في إنقاذ ما تبقى من نظام الأسد، وأوجدت المسوغ والمبرر، وهو عجز التحالف، بعد عام على بدء ضرباته في سورية، في إضعاف «تنظيم داعش»، وحتى يكتمل مشروعها عرضت موسكو على واشنطن التنسيق في «الحرب على الإرهاب» في سورية، وهو عرض فتح شهية إدارة أوباما الفاشلة إلى القبول مباشرة بالعرض المقدم لهم بشأن مواجة «داعش»، وبالفعل بادر الروس، وبلا مقدمات، إلى كشف أوراقهم وبشكل علني أمام العالم أجمع بقصف ممنهج وواضح للمعارضة السورية المعتدلة، وفي أول ثلاثة أيام كانت خريطة الضربات العسكرية، 12 ضد المعارضة المعتدلة، 2 ضد «داعش»، فقد كانت أولى أهداف الطلعات الجوية الروسية، هو قصف تجمع العزة أحد تشكيلات الجيش الحر، الموجود في ريف حماه الشمالي، إضافة إلى قصفه مواقع مدنية، في الريف الشمالي لحمص، أدى -بحسب المركز الإعلامي في حمص- إلى وقوع أكثر من 20 قتيلاً مدنياً، وكذلك قصف الطيران الروسي أحد مقار لواء «صقور الجبل» التابع للجيش السوري الحر إدلب، ومقراً لـ«جيش الفتح»، في ريف إدلب. الروس في غاراتهم لم يخطئوا البوصلة، ولو كان «داعش» هدفاً مقصوداً للطائرات الروسية لم تكن لتذهب فوق سماء ريف حماة أو الريف الشمالي لحمص الخالي تماماً من أي عنصر أو مقر لتنظيم الدولة الإسلامية؛ لأن الثوار طردوا التنظيم من هناك نحو الريف الشرقي، منذ أشهر طويلة، وروسيا لن تتوقف عن استهداف المعارضة المسلحة، وهو أمر باتت تتبجح به علانية؛ من أجل تحقيق هدفين، أولهما: أن تخلو ساحة الصراع لطرفين رئيسين هما النظام و«داعش» ومن ثم تكسب من العالم شرعية بقاء بشار الأسد؛ كونه يحارب الإرهاب المتجسد في «داعش»، والآخر: من أجل إضعافها وتقوية بشار الأسد، وجعله قادراً على دخول أية مفاوضات سياسية، وهو صاحب الكلمة الأقوى، بحيث يتم استدخال المعارضة التي نعتها بوتين بالمعارضة المقبولة، أو ما سماها «الرشيدة» في عملية انتقالية يكون أساسها الأسد، وهذا لا يتنافى من حقيقة وجود قلق كبير لدى الدب الروسي من تنامي نفوذ الدولة الإسلامية، بعد تأسيسه ولاية القوقاز، وأخذه على محمل الجد، والتحاق أكثر من 2400 مقاتل منها بتنظيم الدولة.

واشنطن وضعت يدها مع الروس في سورية ضد «داعش»، لكنها لا تريد مباركة ضرب المعارضة السورية العسكرية أو المشاركة في إعادة تأهيل الأسد، ولا تريد أن تظهر لأصدقائها العرب وتركيا، بأنه ليس أمامهم خيار آخر غير التفاهمات الأميركية-الروسية، أي بتحويل المسار من ضرورة رحيل نظام بشار الأسد فوراً كشرط أساس لحل الأزمة السورية إلى بقائه في أي عملية انتقالية يتم الاتفاق عليها، وربما وجدت واشنطن في هذا التفاهم مخرجاً وانسحاباً لها من هذا المستنقع، فهناك من يتحدث عن إمكان وجود مخطط أميركي في توريط الروس وإغراقهم في المستنقع السوري، وجرهم إلى حرب تشابه حرب أفغانستان، وتحويل قبلة عداء التنظيمات الجهادية المسلحة إلى المشرق، وقد أكد الصحافي توماس فريدمان، في مقالته بصحيفة «واشنطن بوست» إمكان حدوث ذلك السيناريو بقوله: إنّ «بوتين ذهب بغباء إلى سورية، متطلعاً إلى حلوى رخيصة، ليظهر لشعبه أنّ روسيا لا تزال قوة عظمى. بوتين الآن يقف فوق الشجرة، ويجب على الرئيس الأميركي، باراك أوباما، ووزير خارجيته، جون كيري أن يتركاه هناك، شهراً، ليقاتل «داعش» وحده هو والأسد، ويتفرجان عليه، ليصبح العدو رقم واحد للعالم السنّي». ولاسيما مع همجية الآلة العسكرية الروسية التي سبق أن سجّلت جرائم في أفغانستان والشيشان ودول أخرى، في القرن الماضي، ولكن هذا السيناريو لا يمكن حصوله إلا في حال ذهب الروس بجنودهم إلى الوحول السوريّة، وهو أمر مستبعد في المنظور القريب، طالما أنّ إيران تستمرّ برفد نظام الأسد بمختلف المليشيات.

في المقابل كان موقف المملكة واضحاً من التدخل الروسي، فهي تدرك جيداً أن التدخل الروسي في سورية سيزيد من تعقيد الأزمة أكثر مما هي عليه، وأكدت موقفها بشكل أكثر حسماً في الآونة الأخيرة وذلك على لسان وزير الخارجية عادل الجبير بأن على الرئيس السوري بشار الأسد أن يرحل أو أن يواجه «خياراً عسكرياً»، على ضرورة أن لا تكون للأسد «أية صلاحيات» ابتداءً من تشكيل هيئة الحكم الانتقالية التي يجب أن تتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة، وكانت أول دولة أعربت عن قلقها البالغ جراء العمليات العسكرية التي قامت بها القوات الروسية في المدينتين السوريتين «حماة» و«حمص» أمس، وخلفت العديد من الضحايا الأبرياء، مطالبة بوقفها الفوري، وأن بشار الأسد ونظامه لا يمكن أن يكونا طرفاً في أي حرب ضد الإرهاب؛ لأنه يمثل الإرهاب بعينه، وهو ما يدعوها إلى عزل وإضعاف تأثير المحور الداعم لإبقاء الأسد. المملكة لن تعدم الخيارات المناسبة؛ ولا شك أن المهمة ستكون أصعب مما كانت. اتفاق الجسم السياسي والعسكري للمعارضة السورية في البيان الذي أصدره الائتلاف ومعظم فصائل المعارضة وتوحد جهودها أمران مهمان، ينبغي أن يمهدا ويفتحا الطريق للدول الإقليمية بالمنطقة في التحرك في اتخاذ موقف موحد، يؤسس لموقف دولي.

* كاتب سعودي.

الحياة

 

 

 

التدخل الروسي وسقوط ورقة التوت/ سلطان العامر

< الحدث واحد، لكن تأويلاته لا متناهية، ولا شيء يدل على ذلك مثل انضمام روسيا إلى قيادة التحالف العسكري الذي يعمل على الأرض منذ فترة بين إيران وحلفائها في العراق وسورية ولبنان. قوّة أي سرديّة تكمن في اتساقها، ووظيفة منظريها هي نفي التناقض الذي تحمله الأحداث الجديدة والسعي نحو الاستيلاء على الحدث وتحويله إلى عنصر إثبات لصحة السردية واتساقها، وذلك عبر وسائل متنوعة، مثل تسمية الأشياء بغير أسمائها، وإعادة التأطير، وإخفاء المعطيات…إلخ.

وهذا بالضبط ما شاهدناه عند منظري ما يسمى بـ«محور الممانعة»، فرئيس تحرير صحيفة الأخبار إبراهيم الأمين، استعار مصطلح (الشرق الأوسط الجديد) من جورج بوش وعنون به مقالته التي بشّر فيها بأن التدخل العسكري الروسي ما هو إلا فتح (صفحة جديدة في تاريخ العالم)، وإنه اختبار ميداني أول لـ(كسر أحادية القيادة الأميركية للعالم منذ ربع قرن)، وأن مثل هذا الحدث يعتبر (الفرصة الأكبر لإدخال سورية في مسار حل حقيقي).

إن أوّل ما يصدمنا في مثل هذا الكلام هو الانتقال السلس لمفاهيم ولغة الإمبريالية الأميركية إلى السردية التي تدعي أنها تقاومها. فأية دولة في العالم، مهما كانت قوتها، لا تستطيع ممارسة العنف من دون محاولة لشرعنة هذا العنف، وتختلف طرق الشرعنة من فضاء إلى آخر. فمنذ تفكك الاتحاد السوفياتي، وهناك سرديتان تشرعن من خلالهما الولايات المتحدة تدخلاتها في أي مكان في العالم: التدخل العسكري الإنساني، ومحاربة الإرهاب.

منذ بداية الثورة السورية، لم يرتكب بشار الأسد الغلطة نفسها التي ارتكبها القذافي الذي حاول تبرير استخدام العنف ضد المدنيين من منطلق حق الدولة المطلق في احتكار ممارسة العنف وفرض النظام بالقوّة، بل استعار من الأميركيين والصهاينة وغيرهم خطاب محاربة الإرهاب، فهو في قتاله إنما يحارب العدو نفسه الذي تحاربه إمبراطورية هذا الزمان، وبالتالي يشرعن لنفسه بأنه يقدم خدمات لها. ومحاربة (الإرهابيين) و(التكفيريين) هو أحد المبررات الرئيسة التي استخدمها حزب الله في دخوله سورية وتوفيره الدعم للنظام السوري، وهو المبرر نفسه الذي تستخدمه إيران وحلفاؤها العراقيون في حربهم ضد «داعش» هناك.

وعندما قامت الولايات المتحدة بتشكيل تحالفها الدولي ضد «داعش» من أجل حماية مصالحها في العراق والخليج، لم يعجب هذا الأمر إيران وحلفاؤها. ذلك أن اعتراضهم الرئيس على أميركا ليس في أنها تتدخل في بلدان العرب باسم محاربة (الإرهاب) بل في أنها تتبنى مفهوماً ضيقاً للإرهاب. يقول إبراهيم الأمين (الإرهاب كل متكامل، وأن ميليشيات الجيش الحر لا تختلف عن جبهة النصرة ولا عن تنظيم داعش). فمحور الممانعة لم يكتف بتبني سردية الحرب على الإرهاب، بل تطرف فيها إلى درجة السعي إلى توسيع أكبر لمعنى الإرهاب، وليس هذا فقط، بل بتنا نراهم يستخدمون خطاب (الشرق الأوسط الجديد) أيضاً.

لننتقل الآن إلى الأسطورة الكبيرة التي يحاول الأمين تأطير التدخل الروسي من خلالها، أي باعتبارها تحد للهيمنة الأميركية، ومبشرة بنهاية عصر القطب الواحد. منذ هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وروسيا في تراجع مستمر أمام التقدم والتوسع الأميركي والأوروبي. أول علامات هذا التراجع هي تفكك الاتحاد السوفياتي نفسه، والعلامة الثانية، هي انتقال عدد من الدول التابعة للاتحاد السوفياتي إلى حلف الناتو أو انضمت للاتحاد الأوروبي.

إن الناتو والاتحاد الأوروبي وصل إلى تخوم روسيا الاتحادية، إلى أوكرانيا وجورجيا، وروسيا بالكاد تستطيع تأمين هذه التخوم. فإذا نظرنا إلى الأمر من التسعينات إلى اليوم، فإننا نجد توسعاً وتنامياً لكل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي وتوسع للرأسمالية (سقوط الغالبية الساحقة للاقتصادات الشيوعية من يوغسلافيا السابقة مروراً بالصين إلى روسيا نفسها)، ونجد في المقابل تراجعاً وتدهوراً لروسيا. فكل هذه الأحاديث عن بداية انهيار عصر القطب الواحد وما إلى ذلك لا معنى لها أبداً.

آخر الملاحظات، وأهمها، هي الازدواجية في تناول هذه الأحداث، فالتدخل الروسي في نهاية الأمر هو تدخل أجنبي، إنه مواجهة هيمنة بالارتماء في أحضان هيمنة أخرى، وهو بهذا الشكل يجب أن يكون مرفوضاً لكل من لديه موقف مبدأي ضد التدخل الخارجي. كما أن التدخل الروسي دليل على عجز النظام وحزب الله على حسم المعركة، وهو العجز الذي لا تكف الآلة الإعلامية لهذين الطرفين على نفيها باستمرار.

ومن أهم مظاهر الازدواجية هذه هو أنهم في المناطق التي يكون فيها حلفاؤهم السياسيين في موضع قوة، ينظرون إلى المعارك والتحركات العسكرية نظرة سياسية بحتة، نظرة تتكلم بلغة المصالح وصراع القوى وعن الممكن والأفضل من دون أي التفات للضحايا المدنيين واستهدافهم ولا بالسيادة ولا بأي نوع من القيم، هم في هذه المناطق واقعيون سياسيون. لكن في مناطق أخرى، عندما تكون القوى السياسية التي يدافعون عنها هي الأضعف، تجدهم يتحولون فجأة إلى ثوّار، ويستخدمون لغة المستضعفين والثورة والمقاومة ومواجهة الهيمنة، ويركزون على إظهار استهداف الطرف الآخر للمدنيين والأطفال باعتبارها مبررات كافية لنفي الشرعية عنه.

والسؤال الموجه إلى الذين لا زالوا يؤمنون بصدقية مثل هذا المحور، هو: ماذا تبقى من الممانعة والمقاومة إذا كانت السردية الرئيسة، التي تشرعن سلوكيات هذا المحور، تقوم على تبنٍ كلي للسردية الأميركية الإمبريالية من جهة، وعلى مخالفة لأبسط المبادئ والقيم التي ينادي بها، وعلى الكيل بمكيالين والازدواجية؟

* كاتب سعودي.

الحياة

 

 

 

 

هل يُعجّل التدخل الروسي بالحلّ أم يعقّده؟ تنحّي الأسد بعد التسوية وليس قبلها/ اميل خوري

لسفير سابق مثّل لبنان في عدد من العواصم الكبرى رأي في التدخل العسكري الروسي يخالف رأي البعض اذ ينظر الى هذا التدخل بتفاؤل فيقول إن كل محاولات حلّ الأزمة في سوريا باءت بالفشل بسبب الخلاف على مصير الرئيس الأسد الذي صار مرتبطاً حتى بمصير سوريا. وروسيا التي لعبت في مجلس الأمن الدولي دور المعارض لتنحية الأسد واستخدمت “الفيتو” أكثر من مرة انقاذاً لنظامه أخذت الآن على عاتقها حلّ الأزمة السورية، وان الدول المعنية وعلى رأسها أميركا لا تمانع في ذلك ضمناً حتى اذا نجحت روسيا في مهمتها يكون ذلك نجاحاً للجميع، وأن هي فشلت تتحمل وحدها النتائج والمسؤولية.

وفي اعتقاد السفير نفسه أن روسيا ما كانت لتقدم على هذه الخطوة الخطيرة لو لم تكن تتوقع تعاوناً أميركياً وسعودياً وحتى اسرائيلياً وان غير معلن لأن الجميع يلتقون على وجوب القضاء على تنظيم “داعش” وعلى كل تنظيم ارهابي لأنه خطر يتهدد الجميع، ولا سيما روسيا، لكنهم يختلفون على تقرير مصير الأسد. فمنهم من يرى أن لا حلّ للأزمة السورية بوجوده ومن يرى ان لا حل الا بوجوده كونه يشكل جزءاً منه. لذلك فليس سوى روسيا من يستطيع ان يقول للأسد “كش” لأنها شكلت له المظلة الوحيدة التي تحميه لكنها لن تقول له ذلك إلا بعد إن تدمر مواقع الارهاب وخلاياه وتعمل في الوقت نفسه على تشكيل حكومة اتحاد وطني قادرة على حفظ الأمن والاستقرار في البلاد، وهذا لا يتحقق اذا تنحى الأسد قبل تشكيل هذه الحكومة، كما انه لا يتحقق اذا ظل السوريون منقسمين موالين ومعارضين لأن هذا الانقسام يساعد على خلق بيئات حاضنة للارهاب خصوصاً ان للانقسام هذا وجهاً مذهبياً أكثر منه سياسياً وهو الأخطر.

ان روسيا اذاً تعمل في سوريا على خطين: خط عسكري لضرب الارهاب وخط سياسي لتشكيل حكومة اتحاد وطني لفترة انتقالية يتم خلالها اجراء انتخابات نيابية، وانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة تنبثق من مجلس النواب الجديد، أي أن الحل الروسي لا يبدأ بتنحية الأسد بل ينتهي به. ويشبه السفير اللبناني التدخل العسكري الروسي في سوريا بقوة الردع العربية التي دخلت لبنان. ثم أصبحت قوّة سورية صافية وتولت حفظ الأمن فيه ودعم حكومة الوفاق الوطني التي تم تشكيلها بعد وقف الاقتتال ويمكن وضع هذا التدخل الروسي في خانة مباشرة تقاسم مناطق النفوذ في المنطقة. فلروسيا مصالح حيوية في سوريا تريد الحفاظ عليها وتريد أن تكون من حصتها، وللحفاظ على هذه المصالح يهمها أن تقيم فيها. حكماً قوياً قادراً على ذلك، ويصبح استقراره ثابتاً عندما يتم التخلص من التنظيمات الارهابية. وهو ما فعلته القوات السورية في لبنان عندما ساعدت على تشكيل حكومة وفاق وطني بعد وقف الاقتتال فيه. واذا كانت روسيا بدأت بأخذ حصتها بيدها وبالتراضي ضمنا ما يجعل سوريا في دائرة نفوذها، فسوف يكون ذلك بداية توزيع الحصص على الدول المعنية في المنطقة، وبما يشبه “سايكس – بيكو” جديدة تتولاها أميركا وروسيا كما تولتها في الماضي بريطانيا وفرنسا ولكن ليس بعد حرب لأن الحرب بوجود الأسلحة المتطورة كارثة للجميع. وقد لا يكون السلام الشامل في المنطقة الذي ينهي النزاع الطويل بين العرب والفلسطينيين من جهة واسرائيل من جهة أخرى خارج توزيع مناطق النفوذ، فيعود حل الدولتين اساس الاتفاق عندما تجمع الدول الكبرى على اعتماده، لان البديل من الخلاف على التقاسم هو التقسيم الذي لا اجماع عليه.

وبما ان روسيا اعلنت أنها مع رئيس توافقي في لبنان، ومع تحييده عن صراعات المحاور نظراً الى تركيبته الدقيقة وحرصاً على سلمه الأهلي وعيشه المشترك وعلى آخر موقع للمسيحيين في الشرق فان نجاحها في سوريا سوف يساعد على نجاحها في لبنان بالتعاون والتنسيق مع كل الدول المعنية، وعندها تقوم الدولة القوية التي لا سلاح غير سلاحها، وهو ما دعا اليه الرئيس تمام سلام في لقاءاته على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وما دعا اليه الرئيس ميشال سليمان في حديثه مع الرئيس الفرنسي هولاند الا وهو حفظ حقوق لبنان عند الاتفاق على حل سياسي لسوريا باقتراحه أربع نقاط هي انعكاس للوضع السوري على لبنان.

النهار

 

 

 

لماذا تمايزت مصر عن الدول الخليجية؟… القاهرة تعيد استيعاب النظام السوري عربيّاً/ روزانا بومنصف

تميز موقف الديبلوماسية المصرية عن سواه من مواقف الدول العربية ازاء التدخل الروسي الى جانب بشار الأسد في سوريا بالاعلان ان هذا التدخل “يحاصر الارهاب ويقضي عليه” وفق ما قال وزير الخارجية سامح شكري الذي كانت له مواقف سابقة ممهدة لهذا الموقف عبر قوله في مطلع أيلول الماضي “ان مصير بشار الأسد يقرره السوريون” داعيا الى العمل بورقة جنيف 1.

ليست مصر اليوم كمصر في السابق. وهي لم تستعد بعد القدرة والثقل اللذين يمكن ان يسمحا لها بالتمايز على نحو جذري عن مواقف دول خليجية لها ما لها على مصر راهنا بعد نجاح وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي الى الرئاسة المصرية. علما ان موقف المملكة العربية السعودية العلني الرافض كليا لبقاء بشار الأسد لأي مرحلة انتقالية يبدو سقفا مرتفعا جدا بحيث لا يبدو قابلا للمرونة. وبغض النظر عن ان المنطق الذي يقول به وزير الخارجية المصري اي ترك الشعب السوري يقرر مصير الأسد يدحضه واقع ان إيران ومن ثم روسيا هما من يقرران مصير الأسد وليس الشعب السوري على غير ما تدعي روسيا في هذا الاطار أيضاً، فان الموقف المصري يبدو لافتا من حيث مناقضته العلنية لموقف الدول الخليجية الداعمة له من جهة ورماديا من حيث محاولته امساك العصا من منتصفها على نحو يفسره البعض بالمخاوف التي تساور مصر من وصول قوى اسلامية الى السلطة في سوريا تعيد تهديد السلطة في مصر. الا ان مصادر ديبلوماسية واخرى سياسية مطلعة تنفي وجود تناقض فعلي بين مصر والدول العربية انطلاقا من ان مصر مكلفة بنتيجة الاتفاق مع روسيا من جهة ومع الدول الخليجية من جهة اخرى بالتمهيد أو العمل على اعادة النظام السوري الى حضن العرب متى نجح التدخل الروسي عبر عملياته العسكرية المباشرة في ابعاد النظام عن إيران. فهذا جزء من التغطية غير المباشرة التي يعتقد انه حصل عليها قبل مبادرته الى الانخراط عسكريا في سوريا على رغم الايحاء بان هذا الانخراط كان مفاجئا لدول عدة. وهذا مبني على معلومات متوافرة لدى هذه المصادر تفيد بان مصر هي التي سعت مع روسيا قبل اشهر الى تنظيم سفر المسؤول المخابراتي السوري علي المملوك الى المملكة السعودية وليست روسيا وحدها من تولت هذه المسألة، ما استفز إيران التي سربت الخبر عبر صحف لبنانية مؤيدة لـ”حزب الله” من اجل محاولة افشال المسعى المصري الروسي بابعاد النظام عن إيران واعادة استيعابه عربيا. وهذه الاعتبارات تشكل أبرز الأسباب لتمايز الموقف المصري من دون ان يثير ردود فعل منددة أو منزعجة من الدول العربية بغض النظر عما اذا كانت روسيا ستنجح في تنفيذ ذلك، اي ابعاد النظام السوري عن إيران ام لا، أو هل ستكون جدية بذلك نظرا الى ان إيران منخرطة بقوة وعمق في الامساك بشرايين النظام وارادة الرئيس السوري ما قد يصعّب من هذه المهمة. بل من غير المستبعد في هذا الاطار ان تتلاقى المصلحتان الروسية والإيرانية في سوريا كما في تلاقيهما على محاور عدة ما قد يؤدي الى تحقيق هدفهما المشترك في اعادة احياء النظام وتأهيل الأسد على حساب ما هدفت اليه روسيا اصلا من تدخلها الذي يفترض ان يبعد سوريا عن إيران، وذلك جنبا الى جنب مع تحقيق مصالحها الاستراتيجية المباشرة في الحفاظ على موقعها على البحر المتوسط واستعادة نفوذ قوي لها على حساب الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة.

هذه المهمة بالذات تؤدي الى هامش واسع من المعطيات التي تذهب في اتجاهين: احدهما يؤشر الى عدم معارضة جدية للتدخل الروسي لا أميركيا ولا غربيا ولا عربيا أيضاً. والدليل على ذلك محاولة تصويب الدول الغربية ما تقول انه استهداف من روسيا للمعارضة المعتدلة، وهو هامش واسع يتمتع بأفضليته سلاح الجو الروسي على سلاح الجو الأميركي الذي يحاذر استهداف المدنيين أو اي مجموعة خارج ما يسمى تنظيم الدولة الاسلامية في حين ان روسيا لا تأبه فعلا لهذا التصنيف ما دامت تتبنى توصيف الرئيس السوري حول وسم جميع معارضيه بالارهاب فضلا عن ان لروسيا مصلحة مباشرة في دفع المعارضة الجالسة في احضانها والممثلة في قدري جميل ومن مثله على حساب المعارضة الفعلية لبشار الأسد. فانبرت الدول الغربية الى الاعلان عن ضرورة تصويب روسيا على تنظيم الدولة الاسلامية فقط، ولم تحصل معارضة فعلية كبيرة للتدخل الروسي في حين ان تصريح الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا الذي تحدث عن “حرب مقدسة” ضد الارهاب يقودها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يثر على رغم الالتباس الذي احاط به ردود فعل كان يفترض ان يطلقها بالاضافة الى ما كان يفترض ان يطلقه التدخل الروسي من دعوات للجهاد ضد الروس مثلا قياسا بتجارب سابقة في افغانستان مثلا. وهذا يعني بالنسبة الى هذه المصادر ان التدخل الروسي لم يحصل على نحو قد يثير استفزاز الدول السنية اقله حتى الآن. اما الاتجاه الآخر فيؤكد مدى استمرار الصراع السعودي الإيراني في المنطقة والذي لا يبدو قابلا للردم على رغم اظهار إيران رغبة علنية قوية في الجلوس مع الدول الخليجية وحدها والتي لا تقابلها حماسة سعودية بالشروط التي تطرحها إيران.

النهار

 

 

 

 

ردّ إقليمي على العدوان الروسي؟/ علي حماده

من غير المفيد الاعتماد على “حكمة” القيادة الروسية لوقف عدوانها على سوريا. ومن غير المفيد الاتكال على الاتصالات لإقناع الرئيس فلاديمير بوتين بمواصلة تنفيذ خطته لدعم نظام بشار الأسد، وتغيير المعادلة بمحاولة القضاء على الفصائل السورية المعارضة التي تقاتل على جبهتي “داعش” وبشار مع الإيرانيين والروس. فلقد دخل بوتين ساحة القتال بعد فشل الإيرانيين وميليشياتهم وفي مقدمها “حزب الله” في منع بشار من الانهيار. وصل الروس الى الساحة فيما الثوار يقتربون من عقر داره في منطقة الساحل، وبعدما فشل الإيرانيون في الوسط والجنوب في إحداث اختراق عسكري. ومن الواضح أن بوتين يربط عدوانه بـ”كرامة” بلاده كقوة عظمى لا تستطيع أن تتراجع، وهي في بداية عملياتها العسكرية. ومن هنا سوف يتوسع التورط الروسي في كل اتجاه، في محاولة حثيثة لإلحاق الهزيمة بالفصائل المعارضة المنتشرة في مناطق بعيدة عن مناطق “داعش”، وسيرتفع عدد الجنود على الارض في القواعد العسكرية التي بدأ العمل على تأهيلها لاستقبال الآلاف من الجنود، بالتوازي مع بدء تدفق قوات إيرانية، وميليشيات مذهبية من لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان للتحضير لعمليات برية.

ما تقدم لم يعد سراً. موسكو لن تتراجع الآن، بل هي في طور توسيع عدوانها ورفع وتيرته. لذا ليس أمام الفصائل السورية المعارضة سوى الصمود في انتظار تطور جدي في الموقفين الاقليمي والدولي. والاشكالية هنا ان دول الاقليم الداعمة للثورة السورية كالسعودية وقطر منشغلة بحرب اليمن الكبيرة والحاسمة، اما تركيا فموقفها حساس نظرا الى تقاطع واقعها الاقليمي مع انتمائها الى “حلف الناتو”، وتماسها المباشر مع روسيا. وبالوصول الى مصر، فقد أكدت ان “مصر السيسي داعمة لبشار الأسد، وللخيارات الايرانية – الروسية في سوريا”. وهذا تحول خطير للغاية ينبغي مراقبته بدقة من دول مجلس التعاون الخليجي. اما الموقف الدولي فمشتت بفعل غياب أميركا – أوباما عن المسرح، وتفضيلها الجلوس في المقعد الخلفي والانكفاء. ان الرئيس الأميركي باراك أوباما غير راغب في الإقدام على أي تحرك في سوريا أو غيرها، ويرسل إشارات واضحة إلى الحلفاء بضرورة عدم الاعتماد على أميركا في عهد الإدارة الحالية. وعليه، فالأوروبيون منقسمون وعاجزون عن التحرك في غياب سياسة خارجية موحدة للاتحاد الأوروبي.

بناء عليه، يجب توقع توسع العدوان الروسي لأسابيع طويلة. ولكن من المهم بمكان لدول الإقليم ألا تجلس متفرجة، فيما يهم الروس والإيرانيون باقتحام المنطقة من البوابة السورية، ويحاولون إحداث تغييرات دائمة في طبيعة المشرق العربي (ديموغرافيا وطائفيا) بالقوة المسلحة. هذا الحدث الكبير يستدعي عملاً إقليمياً مشتركاً سعودياً – تركياً تنضم إليه قطر وغيرها من دول المنطقة الحليفة لمواجهة أكبر عدوان يشن على المنطقة منذ 1948 مع نشأة إسرائيل. إن ما يحصل على الأرض اليوم سيحدّد مصير المشرق العربي لمئة عام.

النهار

 

 

 

 

بوتين الخطّاف/ امين قمورية

قبل ان تبدأ مقاتلاته الجوية غاراتها في سوريا، تجاوزت شعبية بوتين بين الروس حاجز الـ 89 في المئة تبعا لاستطلاع للرأي أجرته منظمة “ليفادا – سنتر” غير الحكومية.. وهو على الارجح رقم لم يبلغه أي من القياصرة السابقين. ومن سوء حظ اوباما ان فترة ولايته الرئاسية تزامنت مع وجود “سارق قلوب وعقول” في الكرملين فخطف منه كل الألق والنجومية اللذين كانا متوقعين له بعد فوزه المدهش في انتخابات 2008، لا بل وضعته مجلات عالمية مرموقة ومراكز شهيرة مرات عدة في صدارة ترتيب رجال العالم الاكثر نفوذا.

بوتين يذهب الى الحرب حاميا ظهره في بلاده، ويبرر شنها بخطاب متماسك له اسبابه ورؤيته. فهو واضح تماما يعرف من هو حليفه في سوريا ومن هو خصمه، في حين أن أحدا لا يعرف من هو الصديق الحقيقي لاوباما في الشرق الاوسط ولا من هم خصومه. موسكو تربطها بسوريا معاهدة دفاع مشترك، ومع ذلك كانت آخر من تدخل عسكريا في سوريا وقد سبقها في التدخل الاميركي والفرنسي والتركي والخليجي والايراني والشيشاني والاويغوري وكل متطرفي الارض. وربما ما كانت لتتحمس للدخول لو لم تصبح طرطوس، قاعدتها البحرية اليتيمة خارج روسيا، في مرمى نيران “ابو الفتح الشيشاني” وامثاله الذين يهددونها في موسكو نفسها. روسيا خدعت مرتين في العراق وليبيا واذا تكررت الخديعة تخسر كل شيء في لعبة المقامات الدولية.

دخولها الحاسم يعطيها الكلمة الفصل في الجزء السوري الذي يسيطر عليه حليفها النظام، ومع ذلك تدخل محاطة بأصدقاء يرون مثلها ان خروجهم من سوريا يعني خروجهم من لعبة الامم، اولهم الايراني. كما تدخل وسط ترحيب من اقليات تنشد الحماية لاسباب مفهومة. لكن القصف الجوي وحده لايفيد الا باقامة منطقة خضراء في سوريا على غرار المنطقة الخضراء التي اقامتها واشنطن لحماية حلفائها العراقيين في بغداد، لا بل قد يشكل هذا القصف عنوانا للمتضررين لجذب كل عتاة التعصب السني على وجه الارض الى الجزء الاخر من سوريا لمحاربة الحلف الارثوذكسي- الشيعي – العلوي في الشام “أرض المحشر والمنشر”.

صحيح ان العسكرة الروسية محفوفة بالمخاطر. لكن روسيا التي لا تزال تئن تحت وطأة التجربة الافغانية المرة، لا بد وان تحسب الف حساب قبل التورط. خطوتها الجريئة غيرت بسرعة قواعد اللعبة في الشرق ومن شأنها ايضا ان تحقق توازنا مفقودا في العلاقات الدولية او حافزا للبحث عن حل سياسي للازمة السورية بعدما تحولت ازمة لاجئين وازمة انسانية. فأي تحول ميداني يحدثه الروسي قد يكون جاذبا للآخرين الى طاولة المفاوضات حتى لا يخطف بوتين سوريا او ربما الجوار ايضا.

النهار

 

 

“سوريا المفيدة” وتدعيش المعارضة!/ راجح الخوري

لن ينزل بوتين الى الأرض ولن يقاتل في الميدان السوري إنه يقصف من الجو ومن ارتفاعات عالية، لكن وحول المستنقع الدموي السوري تستطيع ان تحلّق عالياً ايضاً، لتلوّث صورته وتصنّف تدخله اذا استمر على وتيرته الحالية في استهداف مواقع المعارضة، كأنه يخدم “داعش”، وبما قد يفضي أو يفرض قيام الدولة العلوية التي باتت الآن قاعدة عسكرية روسية، يستشيط الإيرانيون غضباً حيالها!

هل من المعقول ان يكون العالم من أقصاه الى أقصاه كاذباً وبشار الأسد الصادق الوحيد، إضافة طبعاً الى بيانات موسكو عن عمليات القصف، الذي يقال إنه يستهدف “داعش” بينما تؤكد واشنطن ولندن وباريس وأنقرة وبون والتقارير الميدانية التي ترصد العمليات، انه يستهدف مواقع المعارضة، التي أعلنت أمس تنديدها باستهداف مناطق مدنية جنوب دمشق وشرق أدلب بهدف تهجير أهلها بما يتلاءم مع التطهير المذهبي المطلوب لقيام “دولة سوريا المفيدة” على ما قيل ان موسكو لمّحت إليه بمعنى قيام الدولة العلوية!

كان من الفاضح ان تعلن موسكو بعدما تعرضت للانتقادات في اليوم الثالث لبدء عملياتها الجوية، بسبب تركيز الضربات على مواقع المعارضة، انها تعتمد على الإحداثيات التي حددها النظام السوري، الذي ليس هناك في بنك اهدافه سوى مواقع المعارضة، أما “داعش” فقد كانت منذ البداية سلاحه السري الذي أطلق نواته من السجون ثم استعمله لتحويل مسار الحرب من صراع شعب ضد النظام الى قتال مزعوم للنظام ضد الإرهاب!

مسخرة المساخر ان لا تعرف القيادة الروسية مثلاً ان الجيش السوري نفّذ ٩٨٢ عملية عسكرية عام ٢٠١٤، ويتبيّن ان ستة في المئة منها فقط كانت ضد “داعش” ربما على سبيل التعمية، أما العمليات الأخرى فكانت ضد المعارضة، ومسخرة المساخر مثلاً ان تتحدث البيانات العسكرية الروسية عن تنفيذ ستين غارة في ثلاثة أيام وتتجاهل وقوع أكثر من ٤٠ قتيلاً من المدنيين السوريين!

ومهما بلغ الانزعاج الغربي المزعوم من الانزلاق الروسي الى القتال في سوريا ليس من المعقول ان ينخرط أوباما وديفيد كاميرون ومانويل فالس وأنغيلا ميركل، إضافة الى رجب طيب اردوغان، في بث الأكاذيب عن استهداف القصف الروسي المعارضة كما يقول الاسد، الذي يتهم دول “الائتلاف الدولي ضد الإرهاب بأنها هي التي صنعت الإرهاب وتدعمه!

في أي حال لن يؤدي القصف الجوي الى تغيير في المعادلات الميدانية، اللهم إلا المساعدة في تحسين وتدعيم عملية ترسيم حدود الدولة العلوية، واذا استمرت وتيرة القصف مستهدفة المعارضة وفق بنك الأهداف الذي حدده النظام، سيقدّم بوتين أكبر خدمة لتنظيم “داعش” لكنه سيكون قد انزلق الى وحول أفغانستان سورية بعينين مفتوحتين… وطبعاً بدفع خبيث من أوباما!

النهار

 

 

 

 

البدايات والنهايات/ راشد فايد

ينقص الوجود الروسي في سوريا ان يعلن بوتين انه “وجود شرعي وضروري وموقت”، تماما كما كان النظام الأسدي يعرّف دوره في لبنان، لكن من دون “شعب واحد في بلدين”، لعدم واقعيته.

هذا الوجود، أعلن، ضمنا، فشل ايران في تدعيم نظام الاسد المتهاوي، وأحلّ موسكو في منصب الوصي المباشرعليه، والقادر على منازعة واشنطن، في الاقليم، من دون ظلال التنازلات الايرانية الجدية في “الملف النووي” و”ضواحيه” السياسية.

أولى نتائج التدخل الروسي، اذا، عودة موسكو بقوة الى المسرح الدولي، وبفاعلية الى مياه المتوسط. ثانية النتائج، إنهاء حلم طهران باتخاذ دور القوة الاقليمية الرئيسية، وتحولها الى منفّذ وتابع للاستراتيجية الروسية في المنطقة، وهو ما ينطبق على “حزب الله” والفصائل الشيعية العراقية. ثالثة النتائج، وضع طهران ودمشق وبغداد في تنسيق ضمني مع تل أبيب، وفق “قواعد اشتباك” تحددها المصالح الروسية في الشرق الأوسط، وما يحيل على السخرية هو قول نائب رئيس المجلس التنفيذي للحزب الشيخ نبيل قاووق “إن الضربات الروسية تعزز محور المقاومة في وجه التكفيريين”، متجاهلا مواجهة اسرائيل.

من هنا، تبدو طموحات طهران الإقليمية، وشعاراتها الفلسطينية تحديدا، الضحية الأولى، وفي ذلك ما يفسر تصعيد متطرفي نظامها الهجومات على السعودية، في حادثة مشعر منى، برغم الأصوات الداعية إلى التعامل الهادئ، كحال هاشمي رفسنجاني، رئيس مجمع تشخيص النظام. فاستعداء الرأي العام الإيراني على الرياض، يبعد الأنظار عن إدعاء القوة السابق، وعن التنسيق الضمني مع اسرائيل. فـ”الشيطان الأكبر” انتهى بالإتفاق النووي، وحليفه “الأصغر” بات شريكا مقيما في “الخندق الروسي” المستجد.

لكن لماذا تحركت روسيا الآن؟ هل لأن النظام بات على الرمق الأخير، وأشهرت طهران عجزها عن تدعيمه؟ وهل التدخل هو فعلا ضد “داعش”، أم ضد المعارضة المعتدلة؟ وهل هو للحسم، أم لتعديل ميزان القوى ليتاح للنظام أن يكون طرفا في تسوية تفصلها روسيا بما يحفظ مصالحها في المنطقة؟ وأين تقع أهمية النفط السوري، والغاز المكتشف عند الشاطئ بين بانياس وطرطوس، والتنافس الروسي – التركي على تغذية أوروبا بالغاز، وكون دمشق الزبون الخامس على 88 شارياً للسلاح الروسي؟

إلى كل ذلك، ما حقيقة مخاوف موسكو من ارتدادات “داعشية” عليها، وزعمها، على طريقة “حزب الله”، أنها تذهب إلى محاربة “داعش” في سوريا قبل أن ينتشر “الفكر التكفيري” بين الـ20 مليون مسلم روسي وفي دول القوقاز التي منعت استقلالها بعيد انهيار الإتحاد السوفياتي، بسبب ثروتها النفطية؟

كل الإجابات صالحة، لكن المشهد الحالي ليس نهائيا، ولا تعكس الوقائع دائما ما هو مخطط. فمن فيتنام إلى أفغانستان، فالصومال، لم تستسلم المجريات اليومية لما رسم في الغرف المغلقة.

عادة، تسهل معرفة البدايات وليس النهايات.

النهار

 

 

 

هل علينا أن نخشى روسيا؟/ محمد صالح الفتيح

قد يبدو هذا سؤالاً غريباً للبعض، ولكن ما نطالعه ونسمعه من هنا وهناك، من الخصوم والأصدقاء على حد سواء، يدفعنا للتساؤل فعلاً عن أسباب هذا التشكيك في الوجود الروسي ودوافع البعض لشيطنته. هل علينا فعلاً أن نخشى روسيا، ولماذا؟ أقل السرديات تشاؤماً وتشكيكاً تكتفي بالتساؤل عن دوافع روسيا وتلمح إلى أن روسيا إنما تسعى إلى تحويل سوريا إلى «ورقة» لتستخدمها في مكان ما، يوماً ما، وأن روسيا الحالية لا تملك دوافع «عقائدية» للتواجد في هذه المنطقة من العالم. سيرد المدافعون عن روسيا على هذه الأسئلة بالقول إن روسيا لم تتصرف مع سوريا على أنها ورقة أو رصيد يمكن صرفه، وأن النظرة الروسية لسوريا وللغرب لا يمكن أن تكون كذلك.

ولكن لتقديم إجابة أكثر دقة، وأكثر عمقاً، لا بد من التعريف بروسيا الحالية وقيادتها بشكل عام، لكي نستطيع تشكيل تصور حول دوافعهم في سوريا اليوم. البداية ستكون مع فلاديمير بوتين نفسه. برغم أن الرجل أشهر من نار على علم في العالم العربي، ودائماً ما يذكر على أنه القائد الروسي المعجزة الذي أعاد لروسيا مكانتها في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن في هذا القول بعض المبالغة.

ليس المقصود التشكيك ببوتين أو بالصورة المرسومة له في عالمنا العربي. الهدف هو وضعها في السياق الصحيح. الحقيقة هي أن بوتين، إذا ما تمت مقارنته ببقية الرجال الأقوياء في الدولة الروسية، سيكون رجلاً معتدلاً للغاية، سواء في ما يتعلق بالنظرة إلى العلاقة الروسية الأميركية، أو بالنظرة إلى المكانة التي يجب أن تمتلكها روسيا في العالم، أو العلاقة مع حلفاء روسيا حول العالم. بقية الرجال الأقوياء في الدولة الروسية أكثر تشدداً وتطرفاً من بوتين، ومن سلفه دميتري ميدفيديف. ومن بين هؤلاء الرجال الأقوياء يمكننا أن نذكر، مثلاً، ميخائيل فرادكوف، الرئيس الحالي لجهاز المخابرات الروسي، ورئيس الوزراء السابق (2004-2007). فرادكوف كان برفقة لافروف في أول زيارة لمسؤولين روس إلى سوريا منذ بداية الأزمة السورية، وفي عهد فرادكوف، في رئاسة الحكومة الروسية، تم التوصل إلى الاتفاق الشهير لإلغاء الديون الروسية على سوريا والذي كان البداية الحقيقية لعودة العلاقات المتينة بين سوريا وروسيا. ومن بين الرجال الأقوياء أيضاً دميتري روغوزين، نائب رئيس الوزراء الروسي، والمسؤول عن مجمع الصناعات الحربية الروسية وتنفيذ الطلبيات الدفاعية وتطوير وتحديث قدرات الجيش الروسي. روغوزين يقود أيضاً حركات شعبية كبيرة تدعم الجيش والأسطول الروسيين وتدعو إلى تعزيز العلاقات مع الدول الحليفة السابقة للاتحاد السوفياتي. كان روغوزين آخر المسؤولين الروس الكبار الذين التقوا الرئيس السوري بشار الأسد، في العام 2014. وفي اليوم التالي لزيارته، أعلنت روسيا أنها ستزود سوريا بدزينة من طائرات ميغ 29. بالمناسبة، سوريا ليست الشيء الوحيد المشترك بين فرادكوف وروغوزين. فالرجلان وضعا على قائمة العقوبات الغربية بعد الأزمة الأوكرانية. ولمعرفة بقية الرجال الروس الأقوياء والمتصلبين يمكن مراجعة تلك القائمة وسنرى قائمة طويلة تشمل رجال الأمن والجيش والصناعات العسكرية، ولكننا لن نجد بوتين أو ميدفيديف.

بوتين ليس آية الله خامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية المتصلب والمتصارع مع إدارة ليبرالية تسعى إلى التقارب مع الولايات المتحدة. بوتين هو أكثر القياديين الروس اعتدالاً وإن كان يخوض صراعاً من نوع ما، فهو يخوضه، في الغالب، مع بقية القوى الروسية المتصلبة لكي لا يتفجر الصراع مع الولايات المتحدة و «الناتو». وفي ظل هذه العلاقات المتشابكة، يصبح الحديث عن عقد روسيا لصفقة ما تتخلى فيها عن سوريا ضرباً من المزاح.

ثانياً، ماذا لو لم يبقَ بوتين وحزبه ممسكين بحكم روسيا؟ ما هي التوليفة التي يمكن أن تتشكل؟ هل علينا أن نتخوف من احتمال وصول الليبراليين الروس إلى الحكم، كما يتخوف البعض أحياناً من وجود الليبراليين الإيرانيين في الحكم اليوم؟ في الانتخابات الرئاسية الروسية الأربعة الأخيرة، انتخابات ما بعد يلتسين، كان المنافسون الأقوى لفلاديمير بوتين، في 2000 و2004 و2012، ولدميتري ميدفيديف في 2008، هم المرشحون الشيوعيون، غينادي زيوغانوف ونيكولاي خاريتونوف، والذين احتلوا في كل مرة المرتبة الثانية في عدد الأصوات، متقدمين بأضعاف عدة عن منافسيهم في المراتب الأخرى. أما في الانتخابات البرلمانية، فإن أكبر منافسي حزب «روسيا الموحدة» الحاكم الذي يترأسه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي يملك 238 مقعداً في مجلس الدوما، هما «الحزب الشيوعي»، 92 مقعداً، وحزب «روسيا العادلة»، 64 مقعداً. وحزب «روسيا العادلة» نتج من اندماج عدد من الأحزاب من أقصى اليمين ويطالب بتطبيق الشيوعية المعاصرة، وإلى هذا الحزب ينتسب دميتري روغوزين. وقد تمكن هذان الحزبان من زيادة مقاعدهما في مجلس الدوما في الانتخابات البرلمانية في 2011 وخسر حزب روسيا الموحدة بعض المقاعد لصالحهما. إذاً يبقى الرأي العام في روسيا محصوراً بشكل رئيسي بين بوتين وتياره وبين التيارات الأكثر تطرفاً والأكثر ميلاً للتصادم مع الولايات المتحدة و «الناتو».

ثالثاً، إن علاقة روسيا بسوريا ليست بالعلاقة الشاذة عن نمط العلاقات الروسية الأخرى. ففي السنوات العشر الماضية حرصت روسيا على إعادة الحياة للعلاقات التي بناها الاتحاد السوفياتي في السابق. وظهر هذا الحرص عبر إلغاء روسيا لديون سوفياتية تزيد عن مئة مليار دولار موزعة على سوريا (11 مليارا)، الجزائر (4.7 مليارات)، العراق (8 مليارات)، كوريا الشمالية (11 مليارا)، منغوليا (11 مليارا)، كوبا (32 مليار دولار)، والعديد من الدول الأخرى. إذاً ما تقوم به روسيا تجاه سوريا هو جزء من خطة واسعة تشمل دولاً في جميع أرجاء العالم. وإن كانت هذه الخطة غير مبنية على قواعد إيديولوجية، إلا إنها، وبكل تأكيد، تعبر عن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

علاقة روسيا بسوريا، من المنظور الروسي، ليست بالعلاقة الطارئة أو المستجدة وليست علاقةً يمكن التخلي عنها مقابل صفقة ما من نوع ما. وبوتين هو أقل الرجال الروس الأقوياء تصلباً في هذا الصدد. وإن بقيت الإدارة الروسية الحالية فهذا شيء جيد، وإن انتقل الحكم إلى أفراد آخرين، مثل فرادكوف وروغوزين، فهذا سيكون جيد جداً. وإن خرج هؤلاء جميعاً ووصل الشيوعيون واليمينيون إلى الحكم، فهذا سيكون شيئاً ممتازاً. ينبغي ربما أن نغير السؤال ليصبح لماذا يريدون أن نخشى روسيا؟

السفير

 

 

 

روسيا وسوريا: الحسم العسكري يتقدّم الحل السياسي/ د. عصام نعمان

■ يحتدم السجال حول أهداف حملة روسيا الناشطة ضد تنظيمات الإرهاب في سوريا. أهداف متكاملة احياناً، متضاربة أحياناً اخرى، يقول مسؤولون رسميون ومحللون سياسيون ومعلّقون إعلاميون، إن روسيا بوتين تريد تحقيقها بغية العودة إلى مسارح العالم كقوة عظمى.

من بين هذه الأهداف، واحدٌ يتفق الجميع على توصيفه، وإن كانوا يختلفون حول تحديد نطاقه. إنه دحر الإرهاب متمثلاً بتنظيمات متعددة في أسمائها وارتباطاتها، لكنها موحدة في عقيدتها ووحشيتها. في مقدّم هذه التنظيمات، تأتي «الدولة الإسلامية في العراق والشام ـ داعش» تليها «جبهة النصرة». غير أن ثمة خلافاً بين الولايات المتحدة وروسيا حول تحديد هوية مجموعة كبيرة من التنظيمات الناشطة على الأرض وخطورتها، متحالف بعضها مع «داعش» وبعضها الآخر مع «النصرة» واخرى مع دول عربية وإقليمية.

روسيا، بلسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف، تعتبر كل هذه التنظيمات إرهابية وتقوم طائراتها الحربية بضربها. الولايات المتحدة، بلسان بعض مسؤوليها، ولاسيما رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس شيوخها السناتور جون ماكين، تتهم روسيا بأن غارات طائراتها «كانت ضد الأشخاص والمجموعات التي تموّلها وتدعمها وكالة الاستخبارات المركزية C.I.A». لافروف سارع في توضيحٍ لافت إلى استثناء إحداها بقوله إن موسكو «لا تعتبر الجيش السوري الحر تنظيماً إرهابياً، بل ترى أنه يجب أن يكون جزءاً من العملية السياسية، وهذا ضروري لتأمين مفاوضات ثابتة للتسوية السياسية». يصعب على «الجيش الحر» تكذيب واقعة تمويله ودعمه من وكالة الاستخبارات المركزية، لكن لن يصعب عليه الإعلان بأن طائرات روسيا لا تستثني مواقعه (القليلة) في شمال سوريا من غاراتها المدمرة. الأمر نفسه يصعب على واشنطن، لاسيما وأنها منشغلة في درس وتحليل واستشراف مرامي الحملة الروسية الواسعة النطاق في سوريا والمرشحة للتمدد إلى العراق.

كثيرة هي التكهنات الامريكية والإسرائيلية والأطلسية حول المرامي القريبة والبعيدة لحملة روسيا الناشطة ضد الإرهاب وتداعياتها في الحاضر والمستقبل المنظور. لعل رسم لوحة سريعة لخصائص الحملة الروسية وملابساتها يُسهم في تكوين فكرة عن مراميها على النحو الآتي:

اولاً، باغتت الحملة الجميع في توقيتها وحجمها ونطاقها، ذلك أن سلوكية موسكو، عشيةَ انتقال الرئيس بوتين إلى نيويورك وخطبته أمام الجميعة العامة للأمم المتحدة، لم تُوحِ بتحركٍ وشيك على هذا المستوى من الحجم والفعالية و… الجرأة.

ثانياً، لفتت الحملة الجميع بأنها تجري في إطار القانون الدولي، فقد استجابت موسكو في حملتها لطلبٍ من الرئيس السوري، ما يؤكد احترامها لسيادة سوريا، كما أكدت أن حملتها تتكامل في إطار قرار سابق لمجلس الأمن الدولي بمواجهة الإرهاب، وانها تستهدف جميع تنظيماته. كل ذلك في حين أن الولايات المتحدة لم تراعِ في حربها على الإرهاب ايّاً من هذه الشروط والاعتبارات.

ثالثاً، حرصت روسياً على التعاون بجديّة مع المجتمع الدولي في مواجهة الإرهاب، باقتراح قدّمته إلى مجلس الأمن يقضي بإقامة تحالف دولي لهذا الغرض في إطار الأمم المتحدة، يضم جميع الدول ذات الصلة، وفي مقدمها سوريا وايران، في حين أن الولايات المتحدة كانت ترفض دائماً التعاون مع هاتين الدولتين في هذا السبيل.

رابعاً، اختارت روسيا توقيتاً مناسباً لمباشرة حملتها، فالولايات المتحدة منقسمة على نفسها ازاء مسألة الاتفاق النووي مع ايران، والموقف من إيران وتحديات تنامي نفوذها في الشرق الاوسط، بعد استعادة أموالها المجمدة في دول الغرب الاطلسي، ومتطلبات مواجهة روسيا في اوكرانيا، وتضارب مواقف المرشحين ومصالحهم مع اندلاع معركة الرئاسة الامريكية، وانشغال تركيا بانتخاباتها من جهة وبحربها المتصاعدة مع اكرادها من جهة اخرى، وانشغال السعودية بحربها في اليمن، وانشغال اسرائيل بمقاومةٍ شديدة يشنها الفلسطينيون ضد محاولاتها المتمادية للاستيلاء على الاقصى. كل هذه الانشغالات تحول دون قيام تنسيق مجدٍ بين خصومها الدوليين والإقليميين لمجابهة حملتها ضد الإرهاب في سوريا.

خامساً، اسفرت، على ما يبدو، محادثاتُ روسيا مع ايران وسوريا وتعاونها معهما في مجالات عدّة (وضمناً مع العراق وحزب الله في لبنان) عن قيام «تفاهم استراتيجي» بين هذه الاطراف لتحقيق أهدافٍ محددة ابرزها: دحر تنظيمات الإرهاب (خصوصاً «داعش» و»النصرة») في سوريا والعراق؛ استعادة الوحدة الجغرافية والسياسية لهذين البلدين؛ مواجهة الدول الاقليمية التي تفتح حدودها للإرهابيين القادمين من شتى انحاء العالم، ولاسيما من روسيا ودول آسيا الوسطى والقفقاز؛ وملء الفراغ الناجم عن انحسار نفوذ الولايات المتحدة في دول الشرق الاوسط الكبير. تجلّى هذا التفاهم الإستراتيجي بتعزيز التنسيق والتعاون العسكريين بين سوريا وكلٍّ من روسيا وايران، وبالتالي نشر قوة جوية وبرية روسية، وقوة من الحرس الثوري الإيراني، ووحدات من حزب الله في غرب سوريا ووسطها، كما بإقامة غرفة عمليات وتبادل معلومات مشتركة بين روسيا وإيران والعراق وسوريا مقرها بغداد.

يمكن الاستنتاج من استقراء هذه التطورات السياسية وواقعات أخرى ميدانية أن اطراف «محور الممانعة والمقاومة «، بالتعاون مع روسيا، قد اتفقت على أولوية الحسم العسكري كخيار يتقدّم الحل السياسي، وأنها قررت دعم الجيش السوري في هجومه المرتقب على مختلف المجموعات الإرهابية في منطقة سوريا الوسطى، الممتدة من شمال محافظة حمص إلى محافظة ادلب مروراً بغرب محافظة حماة وصولاً إلى الأطراف الجنوبية لمحافظة حلب. ذلك أن إحكام السيطرة على وسط سوريا يحمي مصادر الإمداد اللوجستي وخطوطه على طول الساحل السوري (محافظتي اللاذقية وطرطوس) ويمنع تالياً اي محاولة لشطر سوريا إلى نصفين في وسطها، كما يعزز مواقع انطلاق الجيش السوري لاحقاً لتحرير محافظات الرقة والحسكة ودير الزور، ومن ثم شمال محافظة حلب من الجماعات الإرهابية.

هل تردّ أمريكا على روسيا بإجراء أقوى من تعزيز اسطولها الجوي في قاعدة ديار بكر التركية؟ أم بتزويد التنظيمات المموّلَة والمدعومة من استخباراتها المركزية بصواريخ دقيقة متطورة ضد الطائرات لاستنزافها وحلفائها؟ ام يمسّها جنون «تكفيري» فتحاول التخلص من بشار الاسد شخصياً؟ في هذه الحال، كيف ترد روسيا وحلفاؤها؟ سؤال مفتوح على شتى الاحتمالات.

٭ كاتب لبناني

القدس العربي

 

 

 

نزهة روسية في سوريا/ توفيق رباحي

إذا صدّق المرء الأخبار والصور الواردة من سوريا عن القصف الروسي والأمريكي لمواقع تنظيم الدولة الإسلامية، حقَّ له أن يستبشر خيراً ويحتفل بقرب سحق التنظيم من الوجود.

فلا يُعقل أن تشكل الولايات المتحدة الأمريكية تحالفا من أكثر من ستين دولة، تلتحق به تركيا مؤخراً، ثم تأتي روسيا بسلاحها الجوي وخبراتها الحربية واستخباراتها، فيلتقي كل هذا الجمع في قتال التنظيم ولا يقضي عليه.

بيد أن الواقع ليس بهذه الوردية والبساطة. لسوء الحظ، سيعيش العالم مع «داعش» شهوراً وسنوات أخرى عناوينها القتل والذبح وسفك الدماء إلى أن يفقد هذا التنظيم أسباب وجوده، أو يقتنع الذين اخترعوه وشجعوه بنهاية دوره التاريخي فيتخلصون منه.

بلا تردد يجوز الجزم بأن الحرب الروسية والأمريكية على «داعش» عبثية لا طائل من ورائها. الأمريكيون جاؤوا إليها مرغمين وبعد ضغوط من الحلفاء والأصدقاء، وهم لا يعرفون بالضبط ماذا يريدون منها. والروس دخلوها لأنهم يبحثون عن دور في اللعبة الكبرى، ولأنها (الحرب) بعيدة عن أراضيهم وقليلة الكلفة: إذا انتصروا فيها نالوا شرف ذلك، وإن انهزموا لن يكون ذلك الانهزام العسكري المدوي، ولن تكون أفغانستان أخرى.

ربما لهذا قال الروس إن الحملة الجوية التي تنفذها طائراتهم ستستمر ثلاثة إلى أربعة أشهر. كان حريًّا بهم القول: المهمة ـ النزهة ستستمر ثلاثة إلى أربعة اشهر! إذ لا يُعقل أن يقرر جيش دخول حرب غامضة ومعقدة بمثل هذا القدر ويحدد من البداية مدتها إلا إذا كان مستخفا بخصمه بلا حدود، أو كان هدفه خوضها لفترة معينة ثم تركها بغض النظر عن النتائج التي تكون قد تحققت.

هل استفاد الحكام الروس من الدرس الأمريكي في حرب أيقنوا ألاَّ نصر فيها؟

كان يجب أن يستفيدوا، وهذا قد يغفر لهم تحديد مدة «النزهة» في ثلاثة اشهر أو أربعة. فهذه حرب مسرحها واحد وظروفها واحدة والعدو واحد والجغرافيا واحدة. فلماذا ينجز الروس في ثلاثة أشهر ما أخفق فيه الأمريكيون والتحالف الدولي في قرابة السنة ونصف السنة؟

الأشهر الثلاثة أو الأربعة التي حددها الكرملين لا يبدو أنها ستكون فترة الانتهاء من «داعش»، بل ستكون هي فترة تأكد الروس من تثبيت موطئ قدم سياسي واستراتيجي وعسكري لهم داخل سوريا. ذلك أن سلاح الجو الروسي دخل هذه الحرب بعد أن توقف «داعش» عن التقدم وكسب المزيد من الأرض في سوريا، وبعد ان وفَّق نظام بشار الاسد في الابتعاد مسافة معتبرة، سياسية وعسكرية، عن خطر الانهيار. واقع الحال في وسوريا اليوم أن «داعش» والنظام اقتسماها جغرافية ونفوذا، لا أحد يستطيع القضاء على الآخر، ولا أحد يستطيع تخيّل وجوده من دون الآخر. والأرض التي انهزم فيها الجيش السوري النظامي أمام «داعش» أو هرب منها جنوده لصالح مقاتلي التنظيم، لن يستعيدها نظام الأسد ربما بسهولة، حتى لو دعمته أقوى جيوش الكرة الأرضية.

إضافة إلى أن «داعش» لم يهدد وجود نظام الحكم في سوريا من البداية. كان هدفه بسط سيطرته على مساحة معينة من الأرض ليحكمها ويجرِّب في سكانها فهمه المجنون للشريعة الإسلامية، فتحقق له ذلك.

إذن، ليس من الخطأ تصديق التحليلات التي تذهب في اتجاه أن الروس أرسلوا طائراتهم الحربية إلى سوريا لأهداف لا صلة مباشرة لها بتنظيم الدولة الإسلامية ومخاطره. بل ذهبوا، متأخرين أكثر من سنة، لمقارعة الولايات المتحدة ودول الغرب التقليدي في منازلة جديدة هي تكملة لأخرى بدأت في أوكرانيا رافقتها عقوبات دولية ومضايقات أتعبت روسيا على الرغم مما يبدو ظاهريا كنجاحات حققتها الأخيرة هناك.

الذهاب إلى سوريا، بالنسبة للروس، يرمي إلى تحقيق أهداف أخرى إلى جانب استكمال منازلة أوكرانيا، أبسطها الحضور العسكري والاستراتيجي بعد فترة قد تطول وقد تقصر، أيًّا كانت نتائج ما يدور في سوريا اليوم.

ذهبوا أيضاً لكي لا تتكرر خيبتهم في ليبيا التي أسعفتهم الأقدار فجعلوا منها، بسبب ما آلت إليه، درسا يشهرونه في وجه العالم: أنظروا ماذا فعلتم بليبيا.. لن نترككم تعيدونه في سوريا!

ما «يشفع» للروس أنهم، ولو متأخرين جداً، يذهبون عسكريًّا إلى سوريا متسلحين بما لم يُتح لأحد أن يتسلح به: ترحيب نظام الحكم السوري، والفشل الأمريكي ـ الغربي الذريع هناك.

التلكؤ الأمريكي والارتباك وغموض الأهداف كلها عوامل منحت الروس شرعية القول والفعل حتى لو كانت الحرب التي يخوضها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد «داعش» من نوع الحروب التي لا انتصار فيها.. أقصى ما فيها أن تدمر عدوك لكنك لا تنتصر عليه.

ذهب الروس إلى سوريا وهم عكس الأمريكيين تماما: مركزون والأمريكيون مشتتون. واضحون والأمريكيون غامضون. سريعون والأمريكيون بطيؤون. حازمون والأمريكيون مرتبكون.

سيقول الروس اليوم أو لاحقا: جرّبنا. وإذا عيَّرهم أحد بالفشل، سيردون: لسنا وحدنا، الأمريكيون أيضا فشلوا، ولكلينا تاريخ حافل بالحروب الفاشلة.

٭ كاتب صحافي جزائري

القدس العربي

 

 

 

هل شرعية الحاكم العربي شعبية أم أجنبية؟ بشار الأسد نموذجا/ د. مثنى عبدالله

أثار التدخل العسكري الروسي في الأزمة السورية، بالثقل الكبير الذي رأيناه مؤخرا، سؤالا جوهريا حول المصادر التي يستمد منها الحاكم العربي شرعيته.

قد يمس هذا التساؤل بشار الأسد بصورة مباشرة، نظرا للحالة السورية الراهنة، لكنه في الحقيقة يلقي الضوء على أزمة الشرعية لكل الحكام العرب، لأن هدوء الوضع السياسي والأمني في أي من الأقطار العربية لا يعني بالضرورة أن شرعية الحاكم متوفرة. يُرجع علم السياسة شرعية الحاكم إلى عدة مصادر، مثل الهوية الوطنية، وسيادة القانون، والإنجاز، وشخصية الحاكم نفسه. ولو جعلنا موضوع الهوية الوطنية مقياسا لشرعية حكامنا، لوجدنا أن أغلبهم يفخر بهويته الصغرى ويدعو لها، ويعتمد عليها اعتمادا مباشرا عند تطبيقه المشروع السياسي الذي يسير عليه، إلى الحد الذي أيقظ كل الهويات الصغرى في المجتمع، وكان سببا مباشرا في إعادة النسيج الاجتماعي وفق صيغة النشأة الأولى التي نشأت عليها مجتمعات ما قبل الحضارة.

فعندما يقف المسؤول التنفيذي الأول في الدولة معرفا نفسه بأنه شيعي أولا، كما قال رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، أو حين قسّم المجتمع إلى فريق يزيد وفريق معاوية، يصبح من الطبيعي أن يُعرّف الآخرون أنفسهم بطوائفهم أيضا، وبالتالي لا يفقد المسؤول شرعيته فحسب، بل أن السلطة في إطارها السياسي تفقد التأثير الجمعي وتصبح غير قادرة على صناعة الحدث، لأن الانقسام المجتمعي يحول دون التوصل إلى إجماع بين الحاكم والمحكوم، على أرضية مشتركة يقوم عليها النظام السياسي، مما يؤدي إلى إرباك في كل مناحي الحياة. هذا الاهتمام غير الشرعي بالهويات الصغرى للحاكم العربي على حساب الهوية الوطنية، جعلهم يهتمون بجغرافيات هذه الهويات، قابلها قلة وانعدام اهتمام بالمؤسسات الوطنية. وعندما تخلق مؤسسات أصيلة قادرة على حماية المواطن ينسى الجميع الجغرافية الطائفية، لأن المؤسسات توحد المجتمعات، بينما الجغرافية وسيلة دفاع، وعندما تهبط المؤسسات تنفجر الجغرافية وتندلع الحروب وينعدم التفاهم على كل شيء، وهذا هو الحاصل اليوم في مجتمعاتنا العربية.

ولو استنطقنا بالبحث والتحليل كل مصادر الشرعية الأخرى التي تُشرعن وجود الحاكم العربي، لوجدناها ترفض منحه ثقتها، فالقانون على سبيل المثال في عالمنا العربي صُمم خصيصا كي يمنح الحقوق ويقلص الواجبات، لفئة تحمل هوية الحاكم الطائفية أو العشائرية أو العائلية أو الحزبية نفسها، بينما كان ومازال سوطا مسلطا على فئات اجتماعية أخرى، هي ليست من دائرة الحاكم، ما خلق نظام حكم جديدا قائما على صفتي الانتفاع والتسلط في الوقت نفسه، وهي مرحلة جديدة لم يشهدها العالم العربي، حيث كان نظام الحكم السائد يعتمد السلطة كأداة للسيطرة، لكنه لم يكن مصدر إثراء للحلقات الأقرب، لكننا نجد اليوم أن 20 بالمئة من الثروة لحساب الاولاد والحاشية. وعندما حصل الاعتراض الشعبي كان العنف هو الوسيلة الوحيدة التي واجه الحاكم بها شعبه، بعد أن استنفدت الاساليب الاخرى جدواها مثل تخويف الناس بالفوضى، أو الخلافات العشائرية والقبلية أو رش الاموال عليهم.

إن البنى السياسية القائمة في منطقتنا العربية منذ عشرات السنين نفذ ذخائرها واستنفدت ذاتها. لقد تأخرت انظمة الحكم السياسي القائمة لدينا في الموضوع الديمقراطي حتى عن الموجة الديمقراطية الثالثة، التي بدأت في جنوب أوروبا ثم انتقلت إلى أمريكا اللاتينية وبعدها إلى أوروبا الشرقية، ما جعل أنظمتنا السياسية خارج السياق الديمقراطي تماما. نعم اليوم لدينا برلمانات لكنها شكلية، ولو نظرنا إلى السلطات نجدها قد تراجعت إلى جمهوريات وراثية. بشار الاسد أبرز مثال على ذلك، والبرلمان العراقي والليبي والمصري والسوري وغيرها شهود على المهزلة البرلمانية. وفي موضوع الإنجازات التي هي مصدر شرعية الحاكم كذلك نجدها قد دخلت في نفق التأجيل بحجة الظروف الخارجية. كانت القضية الفلسطينية أبرز حجة للتأجيل باعتبار أن كل شيء من أجل المعركة، لكن لا فلسطين حُررت ولا الإنجازات تحققت، بينما انتُخب البرلمان البريطاني تحت وابل الصواريخ الالمانية، واجتمع هذا البرلمان تحت الظروف نفسها وأقر نظام الحماية الاجتماعية، الذي يعتبر أفضل نظام حماية في العالم.

أمام كل هذا الوضع الذي يشير إلى سقوط شرعية الحكام العرب، لم يجد هؤلاء الا الاستعانة بالخارج لاكتساب شرعية الحكم، فأقنعوا الغرب بأنهم حماة المجتمع، وكان الخيار بين الاستبداد أو الفوضى العارمة ففضلوا بقاء الاستبداد ولم يسمحوا بزواله، فأصبح تخلفنا داخليا بسبب حكامنا وخارجيا لأن القوى العظمى لا تسمح بأن تنتاب الدول النفطية وغير النفطية العربية الانتفاضات والثورات، وهي تفضل بقاء مجتمعاتنا على حالها، كي لا تتضرر اقتصاداتها. فعلى سبيل المثال، أشاع حسني مبارك رئيس مصر الاسبق ثقافة التخويف بين شعبه، وحول مصر من دولة عربية محورية إلى خطوط خلفية لمصالح وسياسات أمريكية. واشترى الرئيس الليبي الاسبق معمر القذافي شرعية حكم بضع سنين لنفسه، مقابل بيع مشروع السلاح النووي، الذي كان قد أنشأه، إلى الامريكان. واشترى آخرون شرعياتهم بعد أن حولوا بلدانهم إلى سجون تعذيب لما يسمى بالارهاب، ومراكز خلفية للاعتقال والتحقيق خدمة للمخابرات المركزية الامريكية والبريطانية والغربية عموما. وأخيرا وليس آخرا ها هو بشار الاسد يشتري شرعية وجوده من الرئيس الروسي بوتين، بعد أن حاول جاهدا شراءها من المرشد الاعلى الايراني. وإذا كانت إيران قد وطدت نفوذها في سوريا جغرافيا وديموغرافيا واقتصاديا وأمنيا واستراتيجيا، فإن بوتين لن يكون أقل حرصا على مصالح بلاده من الإيرانيين، وسوف لن يقبل بثمن اقل. هذا الانحدار الاخلاقي السابق والحالي في الاوساط الحاكمة رفع حال اليأس الشعبي العربي إلى مستويات غير مسبوقة، فذهب البعض للبحث عن زعامات ورموز من خارج الوطن العربي، ورأينا كيف ارتفعت صور أردوغان في بلداننا العربية، بعد أن انتفض لفلسطين بوجه الرئيس الاسرائيلي في مؤتمر دافوس، بينما بقي أمين عام الجامعة العربية جالسا في كرسيه. ورأينا كيف أصبحت المستشارة الالمانية ميركل زعيمة قلب غالبية الشباب العربي، المهاجرين واللاجئين في المخيمات، الذين لم يجدوا أي تسهيلات عربية لهم للعيش بكرامة.

إن الحاكم، أي حاكم كان، عليه واجب الدفع السلمي للأمور بما لا يسمح لها أن تتجاوزه، بمعنى أن يدفع الأحداث عبر الاقناع والتفاوض إلى ضفة الحل السلمي، وهذه تعتمد اعتمادا كليا على صفاته الشخصية، ومقاربته لعمله، ومستوى اتصاله بشعبه، وتسلحه بالهوية الوطنية. واهم بشار الاسد إن كان يعتقد بأن كرسيه سيكون بمواصفاته السابقة نفسها إن بقي في الحكم، أو أن سوريا ستعود كما كانت من قبل، فروسيا وإيران وكل الدول الخارجية ليست منظمات إغاثة.

٭ باحث سياسي عراقي

القدس العربي

 

 

 

 

الطريق إلى دمشق/ باسل أبو حمدة

ينشغل المحللون، هذه الأيام، بطبيعة التدخل العسكري الروسي المباشر في الصراع الدائر على سوريا وأهدافه.

وتتدحرج التوصيفات، في هذا السياق تباعا وفق خلفيات مهما تباينت أبعادها وتنوعت ألوانها، إلا أنها جميعا تدور حول محور واحد يشي بانعطافة جيوسياسية في السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط، لم يعد كافيا إدراجها ضمن محاولات بسط النفوذ أو توسعته والمنازلة بين القوى العظمى الاقليمية والدولية، في إطار ما بات يسمى بالحرب الباردة الجديدة، التي لا تشكل حروب الشرق الأوسط سوى رأس الجبل الجليدي فيها، بعد أن انفلت الدب الأبيض من عقاله، وأصبحت مخالبه مغروسة في عمق الجسد السوري الجريح، ما يجعل من توصيف» الاحتلال» الصيغة الأقرب إلى الواقع في هذه الحالة.

المحللون السوريون ليسوا استثناء، فهم منهمكون كذلك في قياس سقف العدوان الروسي على البلاد، وكثيرون منهم يدرجونه في إطار الإسطوانة المشروخة التي تتحدث عن مؤامرة كونية على سوريا، سواء كانوا في صفوف الموالاة، أم في طوابير المعارضة، كل حسب ضرورات التوظيف العابر للحظة سياسية سيكون لها ما بعدها وما قبلها في مآلات القضية السورية، المستعصية ظاهريا على الحلول، لا لشيء إلا لأن أصحاب تلك التحليلات الاستراتيجية يظهرون بمظهر القادم من كوكب آخر، أو بلاد أخرى، وكأنهم ليسوا أول المعنيين في شأنهم الوطني، مغفلين، بذلك، بداهة حضور العامل الخارجي الدائم في أي صراع حول العالم عموما، وحضور هذا العامل بشقيه الإقليمي والدولي في الصراع على سوريا على وجه الخصوص.

في هذا السياق من اللامبالاة والتيه، وفي محاولة لرد الصراع في سوريا إلى جذوره الحقيقة المتمثلة في الصراع السياسي على سلطة مغتصبة منذ عقود من الزمن، لا بد من التذكير بتلك المحطات المفصلية في التاريخ السياسي لسوريا الأسد، التي مرت، على خطورتها، مرور الكرام في تاريخ سوريا الحديث تحت عنوان عريض لطالما شكل السمة الأبرز، وربما الوحيدة، في السياسة الخارجية للنظام السوري، وهي سمة التنازل عند كل منعطف، والمساومة والمتاجرة بالجغرافيا والديموغرافيا السوريتين، وبيع كل ما يمكن بيعه من مقدراتهم وامكانياتهم وتطلعاتهم، في سبيل الحفاظ على تلك السلطة بين أيدي حفنة من المارقين والمرتزقة، الذين حكموا البلاد بقوة الحديد والنار وساوموا على كل شيء ما عدا سلطتهم.

لكن يبدو أن المتاجرة الجزئية أو تجارة التجزئة بتلك المقدرات الوطنية للشعب السوري لم تعد كافية لانقاذ النظام، وأن الأثمان فاضت عن مكيال التنازل عن قطعة أرض سورية هنا أو هناك، أو عن سياسة بيع المواقف السياسية، وتقديم الخدمات الأمنية والعسكرية لكل من هب ودب حتى لو جاءت على حساب السوريين، وأقرب حلفاء النظام في مرحلة سياسية ما، كالأكراد والفلسطينيين واللبنانيين، فقد أصبحت تلك الأثمان تطال الوطن برمته، وتمتد على كامل ترابه، من خلال استقدام قوى خارجية لا يمكن وصفها إلا بقوى الاحتلال، ومحاولة إضفاء صبغة شرعية عليها، اتكاء على اتفاقيات وبروتوكولات ثنائية تفتقر إلى الشرعية القانونية والمنطق السياسي، بعد أن وضع الشعب السوري بانتفاضته التاريخية شرعية نظام الاستبداد الذي يحكمه على المحك، ونزع عنه صفة تمثيله على المستويين الداخلي والخارجي، وبعد أن امتلك ناصية الشرعية الثورية ودفع في سبيلها أثمانا باهظة غير مسبوقة من الغريب والمعيب أن تذهب أدراج الرياح.

لن تغير تلك التحليلات من واقع الجرح السوري شيئا، طالما أن التركيز فيها ينصب على العوامل الخارجية ويغفل العامل الوطني، ذلك أن طبيعة الاحتلال لن تبدله الاستنتاجات التي يمكن أن تتوصل إليها تلك التحليلات، بينما لن تتبدل، كذلك، طبيعة الارتهان إلى الخارج، معضلة الثورة السورية، ونقطة القوة الوحيدة التي يمتلكها النظام السوري، فلا فرق هنا بين احتلال ايراني لدمشق، أو احتلال روسي لمنطقة الساحل، مثلما لا يهم اتهام الغرب بالسعي إلى إعادة تأهيل النظام، أو الحديث عن تواطؤ أمريكي روسي في الشأن السوري، أو عن تعاون روسي اسرائيلي ايراني في سوريا، أو التشهير بمن يرفع شعار وقف تمدد الربيع العربي عند أسوار دمشق، طالما أن العنوان العريض لكل هذه السياسات المعادية لمصالح الشعب السوري الوطنية يندرج تحت شعار محاربة تطرف تنظيم الدولة الاسلامية، الذي يعد عاملا خارجيا آخر من شأنه تقويض تطلعات السوريين نحو الديمقراطية، بعد التخلص من نظام الاستبداد، حاله في ذلك حال التدخلات الاقليمية والدولية الأخرى في الشأن السوري.

بعيدا عن وهم التنظير وإغواء التحليلات الجيوسياسية وإغراء لغة السيناريوهات المحتملة، يمكن القول إن سوريا لن تقوم لها قائمة طالما ظل السوريون، جماعات وأفرادا، يتدثرون بعباءة الخارج، ويبتلعون طعومه السامة الواحد تلو الآخر، ويجيزون تقزيم قضيتهم وحشرها في مربع تيه اللاجئين من جهة، وفزاعة ما يسمى بالارهاب من الجهة الأخرى، عليهم انتزاع قضيتهم من براثن الغريب واحتضانها بأنفسهم وإعادتها إلى مسارها الصحيح وتقليع شوكهم بأيديهم، على حد تعبير الزميل ماجد كيالي، فالجميع يعلم علم اليقين أن هاتين القضيتين تحديدا، جاءتا لاحقتين لإنجازهم التاريخي المتمثل في كسر حاجز الصمت الطويل عندما صدحت حناجرهم مطالبين بالحرية والكرامة، وذلك لن يتأتى إلا من خلال إعادة تشكيل أنفسهم أينما كانوا وعلى المستويات كافة، ولا سيما في الداخل السوري وفي تجمعات اللاجئين الكبرى في دول الجوار. بكلام آخر، يتعين على الشعب السوري وحلفائه الحقيقيين حول العالم تصحيح وضعية وقوف الجسد السوري، وجعله يقف على قدميه بعد أن ظل واقفا على رأسه طوال السنوات السابقة، من خلال الحاق العمل الخارجي بنظيره الداخلي، فضلا عن الحاق الجانب الانساني من التغريبة السورية بجوهرها السياسي وليس العكس، الأمر الذي جعل كل الأصوات تعلو على صوت المعنيين في الأمر، مثلما جعل قضية اللاجئين السوريين في أوروبا، على سبيل المثال، تبدو وكأنها تتموضع في مقدمة الصراع وليس في طرف ذيله، وذلك على قاعدة وحدة الأرض والشعب ووحدة الانتماء والمصير والنأي بالنفس عن الانتماءات الضيقة والأجندات الغريبة والمصالح الفئوية، التي لن ترى النور إلا في بوتقة وطنية ديمقراطية جامعة، غير ذلك من شأنه إبقاء مستقبل سوريا طي المجهول، تتلقفه أيادي قادة من خارج الحدود، مثلما من شأنه أيضا صب الزيت على النار السورية المتقدة.

في الوهلة الأولى، يبدو هذا الخطاب طوباويا بعض الشيء، لكن مع قليل من التمحيص، تتجلى واقعيته رويدا رويدا، ويصبح التعويل عليه، وعلى ما يمكن أن تبتكره العقلية السورية الفذة من رؤى ووسائل وتشكيلات قادرة على الخروج بالشعب السوري مما يبدو طريقا مسدودا، أمرا لا غنى عنه في نهاية المطاف، ومعولا ينبش الدمامل ويزيل العوالق التي تراكمت على جدران الجسد السوري من الخارج ولم تتمكن بعد من المساس بفطرته السليمة.

٭ كاتب فلسطيني

القدس العربي

 

 

 

التواطؤ المصري في سورية/ خليل العناني

كما هو متوقع، أيدت مصر الرسمية الضربات الروسية على مواقع المعارضة السورية. وجاءت تصريحات وزير الخارجية، سامح شكري، معبرة عن موقف القاهرة من نظام بشار الأسد منذ انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013، والذي يقوم علي عدم السماح بسقوط الأسد أو انهيار نظامه. وحقيقة الأمر، يتجاوز الموقف المصري الراهن مجرد الموافقة الضمنية على التدخل الروسي في سورية، كي يصل إلى حد التواطؤ، وربما المشاركة المباشرة في الحرب ضد المعارضة السورية. فحسب تقارير كثيرة، ثمة أسلحة وذخيرة مصرية تم توريدها إلى نظام الأسد، ليستخدمها ضد المعارضة، وهو ما وضح من صور تم تبادلها في الفترة الماضية، تظهر صواريخ غراد ورصاصاً تم تصنيعهما في المصانع الحربية المصرية. بل واعترف بشار الأسد نفسه بوجود دعم مصري وترتيبات أمنية بين القاهرة ودمشق، وهو ما لم يعد سراً.

الموقف المصري من بشار الأسد ونظامه، وبالتالي من الضربات الروسية أخيراً، يمكن تفسيره في عدة نقاط. أولها، أننا إزاء تحالف المستبدين، فما يجمع القاهرة وموسكو ودمشق هو وجود أنظمة سلطوية قمعية في السلطة، تخشى على نفسها من السقوط، وهي لا تتورع عن استخدام القوة والإقصاء ضد معارضيها، تحت شعارات فارغة، مثل هيبة الدولة ووحدتها وتماسكها. ولا تختلف عقلية عبد الفتاح السيسي عن بشار الأسد وفلاديمير بوتين، فجميعهم على استعداد لفعل المستحيل، من أجل البقاء في السلطة، حتى وإن كان التخلص ممن يهددون عرشهم. ومن الملفت أن هذه الأنظمة تحتقر شعوبها، وتعتقد أنها شعوب غير ناضجة، وبالتالي، لا تستحق الحرية أو الديمقراطية. فمثلما قال السيسي مرة إن “الديمقراطية في مصر تحتاج إلى جيل أو جيلين كي تولد”، فإن بوتين وصف الشعب الروسي بأنه “متخلف، وأمامه وقت كثير كي يتعلم الديمقراطية”؛ وذلك حسب ما تشير أستاذة العلوم السياسية، ماري ميندراس، في كتابها “السياسة الروسية: مفارقة دولة ضعيفة”.

“ما يجمع القاهرة وموسكو ودمشق هو وجود أنظمة سلطوية قمعية في السلطة، تخشى على نفسها من السقوط، وهي لا تتورع عن استخدام القوة والإقصاء ضد معارضيها، تحت شعارات فارغة، مثل هيبة الدولة”

ثانياً، ثمة محور إقليمي/دولي جرى تدشينه قبل فترة، هدفه الرئيسي ليس فقط وقف حالة التغيير التي اجتاحت المنطقة العربية خلال السنوات الأربع الماضية، ووأد كل آمالها، وإنما أيضا إيجاد معادلة إقليمية جديدة، هدفها الرئيسي تثبيت الأوضاع الراهنة، من أجل تحقيق مصالح هذا المحور. قاعدة هذا المحور في مصر، ورأسه في موسكو، بينما جناحاه في طهران ودمشق. يدافع بشراسة عن بقاء نظام الأسد، ليس فقط لأنه قادر على ضمان تحقيق مصالح أطرافه، من خلال فتح امتدادات إقليمية لها عبر الأراضي السورية، وإنما أيضا لأنه يتبع استراتيجية “التوحش” ضد أية محاور أخرى، تحاول السيطرة على المنطقة. من هنا، يمكن فهم حالة التناغم في المواقف بين أطراف هذا المحور، فنظام السيسي كان حريصاً، منذ جاء إلى السلطة، على توطيد علاقته بنظام بوتين بشكل كبير، ليس فقط في إطار مناورات السيسي مع واشنطن، وإنما لوجود تماهٍ في الأهداف بين النظامين السلطويين. كما أن ثمة تقارير عن تقارب وغزل مصري-إيراني، ولعل ذلك أحد أسباب فتور العلاقات بين القاهرة والرياض.

ثالثاً، لا يمكن فهم الموقف المصري من الضربات الروسية من دون فهم علاقته بإسرائيل. فالأخيرة ترى ضرورة بقاء نظام الأسد، وذلك كما لخصته عناوين الصحف الإسرائيلية ومانشيتاتها في الشهور الماضية. ولعل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لروسيا قبل أسبوعين، والتي جاءت بعد أسابيع قليلة من زيارة السيسي له، تؤكد أن ثمة تناغماً وتفاهماً واضحاً بين القاهرة وموسكو وتل أبيب. يأتي ذلك في وقت يحاول فيه السيسي تقديم نفسه باعتباره “عرّاباً” للسلام مع إسرائيل، مثلما قال في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أسبوع، دعا فيه إلى توسيع معاهدة السلام مع إسرائيل لتضم بقية البلدان العربية. وليس مستبعداً وجود تل أبيب في المحور الذي تحدثنا عنه في النقطة السابقة، ولكن من دون الإفصاح عن ذلك.

على الرغم من ذلك، قد تؤدي تناقضات العلاقة بين أطراف هذا المحور إلى فشله وسقوطه. فمن جهةٍ، تغامر بعض دول هذا المحور بعلاقاتها الإقليمية، وقد تدفع ثمناً لمغامراته بالدخول في تحالفات جديدة على حساب علاقاتها القديمة. فعلى سبيل المثال، يغامر نظام السيسي بعلاقته بالرياض، وهي التي دعمته مالياً وسياسياً منذ انقلابه فى 3 يوليو/تموز 2013. خصوصاً في ظل رفض الرياض التام بشار الأسد ونظامه، وهو ما عكسته تصريحات وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، الذي حذر، وبلهجة غير مسبوقة، الأسد وخيّره بين “الرحيل أو الحل العسكري”. كما أن السيسي يغامر أيضاً بعلاقته بواشنطن، ليس لأنها تريد إسقاط بشار الأسد. ولكن، بسبب انصياع السيسي لمطالب موسكو، ودعمها الكبير حربها الحالية بسورية، والتي تستهدف بعض فصائل المعارضة التي دربتها، ولا تزال، واشنطن من أجل محاربة بشار الأسد. كما أنه لا يتصور عاقل أن تتغير العلاقة بين طهران وتل أبيب لمجرد رغبتهما في الحفاظ على نظام بشار الأسد.

نحن، إذاً، إزاء لحظة نادرة في الصراع الإقليمي في المنطقة، تتداخل فيها الأوراق.

العربي الجديد

 

 

 

اللعب الروسي بإدارة أميركية/ إياد الدليمي

منذ انطلقت الغارات الروسية في سورية، والتأويل والتحليل الطاغي على هذه الخطوة التي لم تكن متوقعة، ينصب، في أغلبه، على نقطة محورية، تتلخص بخلاف روسي أميركي على آلية معالجة الأزمة السورية، وهو الأمر الذي كان واضحاً منذ اندلعت الثورة السورية، وتطورت إلى صدام مسلح، دُفع إليه الشعب السوري دفعاً، عبر أساليب القمع والإرهاب والقتل التي استخدمها رأس النظام.

الخلاف الروسي الأميركي حيال الأزمة السورية، بالتالي، ليس نتاج اليوم. ولكن، ما الذي تغير حتى دفع الروس بطائراتهم إلى الملعب السوري، بهذه السرعة والمفاجأة، ربما، حتى صار شكل الأزمة المعقدة أصلا، أكثر تعقيداً، وما كان خلافاً كلامياً، وعبر وسائل الإعلام بين موسكو وواشنطن، تحول إلى مواجهة على الأرض، فبعد أن نقل اللاعب الأميركي سلاحه الجوي إلى الأراضي السورية، لدك معاقل تنظيم الدولة الإسلامية، وليس معاقل الأسد، جاء الدور على اللاعب الروسي، لينقل، هو الآخر، طائراته ودباباته ومدافعه إلى الملعب السوري أيضاً.

نعم، هناك خلاف في وجهات النظر بين موسكو وواشنطن حيال الأزمة السورية، وهو نابع ربما من طبيعة تحالفات كل دولة ومصالحها، لكن الأهم من هذا وذاك، هل كان التدخل الروسي ليتم، لولا وجود ضوء أخضر أميركي؟ لا بد من التأكيد على أن روسيا، وإن سعت إلى استعادة شيء من ماضيها، فإنها تدرك جيداً حدودها التي يمكن أن تلعب فيها، فليس صحيحاً أن موسكو فاجأت واشنطن بتدخلها في سورية، فالمعلوم أن السماء السورية كانت بالكامل تحت الخيمة الجوية الأميركية، منذ انطلقت عمليات القصف الجوي على مواقع تنظيم الدولة الإسلامية قبل عام. كما أن موسكو تدرك جيداً أن أصول اللعب على الساحة الدولية، ومنها سورية، بحاجة إلى تنسيق، ليس مع الولايات المتحدة وحسب، وإنما حتى مع لاعبين آخرين في المنطقة، وهو ما أعلنت عنه موسكو أنها أبلغت واشنطن وتل أبيب بالضربات الجوية، قبل ساعة من موعدها، وربما تكون موسكو قد أبلغت لاعبين آخرين، قبل موعد الضربات الجوية.

ما يجب التأكيد عليه أنه بتنسيق أو ربما بطلب أو إيعاز أميركي، وليس صحيحاً ما نسمعه ونشاهده من سجال إعلامي بين موسكو وواشنطن حيال هذا التدخل، فالولايات المتحدة الأميركية تملك الخبرة الكافية في ترويض الدب الروسي، ولا يتوهم متوهم أن موسكو اليوم أفضل حالاً من الاتحاد السوفييتي السابق، يوم أن دخلت المستنقع الأفغاني، وخرجت منه متفككة، بالإضافة إلى أسباب أخرى.

“لا يمكن التسليم بأن أميركا ورّطت روسيا في سورية على شاكلة ما جرى في أفغانستان، فالحال والواقع مختلف، والدول تتعلم من تجاربها”

وعلى ذكر أفغانستان، لا يمكن التسليم بأن أميركا ورّطت روسيا في سورية على شاكلة ما جرى في أفغانستان، فالحال والواقع مختلف، والدول تتعلم من تجاربها. لن ترسل روسيا قوات برية إلى سورية، ولبعد المسافة أهمية في هذا الإطار، بخلاف أفغانستان المجاورة، وحتى لو أرسلت لن تكون لديها القدرة على إرسال قوات كبيرة، ناهيك عن أن موسكو ليست بهذا الغباء الاستراتيجي ولا تلدغ مرة أخرى من الجحر نفسه. وإذا سلمنا بأن واشنطن اتفقت مع موسكو، أو رتبت لها التدخل في سورية، فما الفائدة المرجوة من ذلك؟ وكيف سينعكس الأمر على خارطة الصراع في الشرق الأوسط عموماً، وسورية خصوصاً؟

بعد أربعة أعوام من انطلاق الثورة السورية وتعقيداتها التي أعقبت هذا الانطلاق، أدركت واشنطن أن سقوط الأسد بات حتمياً، وهذا لم يكن وليد اللحظة، وإنما مبكراً، غير أن العائق أمام تقدم واشنطن خطوة باتجاه إسقاط الأسد كان دوماً في السؤال عن البديل، وما يعنيه هذا الأمر لطفلة أميركا المدللة، إسرائيل. هذا بالإضافة إلى الإصرار الروسي، ومعه الإيراني طبعا، على بقاء الأسد، وعلى الأقل حفظ مصالحهما، حتى بعد رحيله.

أميركا، وبعد عام من انطلاق تحالفها الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وجدت نفسها محكومة بعمليات نوعية جوية، سواء في العراق أو سورية، لم تؤثر كثيراً على هذا التنظيم، كما أن برنامجها السري لتدريب المعارضة السورية لمجابهة تنظيم الدولة فشل. ومن هنا، كانت هناك حاجة للسماح بالتدخل الروسي، لضرب كل أطراف المعارضة، وتحديدا تلك التي لا علاقة بها بتنظيم الدولة، كونها أضعف قدرة وتنظيماً، ومن ثم، بعد إضعاف تلك الأذرع المسلحة، تبدأ المرحلة الثانية من الخطة، والتي تشمل البدء بالدعوة، عبر المبعوث الأممي، ستيفان دي مستورا، لمؤتمر تحضره كل الأطراف، المعارضة والنظام، برعاية أممية، ينتهي بتشكيل حكومة انتقالية، بوجود الأسد أو عدم وجوده، وهذا تفصيل ستجري مناقشته حينها.

تستخدم أميركا، اليوم، الذراع الروسية العسكرية، لضرب كل أطراف المعارضة وإضعافها، حتى تجبرها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، فواشنطن لا تقوى على القيام بهذا الدور، فهناك رأي عام أميركي يراقب، وهناك كونغرس، وهناك هيئات قانونية، ستكون بالمرصاد لكل خطأ أميركي، في حين يغيب ذلك كله عن الداخل الروسي، فلا برلمان ولا إعلام أو رأيا عاما يمكن أن يحاسب فلاديمير بوتين على ما سيرتكبه من فظائع في سورية.

في العراق، ربما الحال يختلف، فهناك حكومة متعاونة مع واشنطن فيما يتعلق بداعش، وأيضا عشائر سنية انخرط آلاف من أبنائها في معسكرات أميركية في الأنبار لتحرير المناطق من سيطرة داعش، وبالتوازي مع هذه الجهود العسكرية، فإن جهداً دبلوماسياً ظهر، في الفترة الماضية، يسمح بزج السنة، وإشراكهم أكثر في العملية السياسية.

العربي الجديد

 

 

خبراء: موسكو تنظر لـ«الأسد» كـ«حليف مؤقت» وتبحث عن خليفة «عسكري» له/ بهاء العوفي

قال 3 خبراء روس، وخبيرة أمريكية، إن موسكو تدرك أن بقاء رئيس النظام السوري «بشار الأسد» في الحكم شيء «مؤقت»، وأنه سينتهي بالنسبة لها بمجرد ضمان مصالحها، وأنه سيكون هناك حل سياسي للأزمة في نهاية المطاف.

غير أن أحد الخبراء الروس الذين يعدون من المقربين من حكومة بلادهم، توقع أن يكون البديل الذي تبحث عنه موسكو لـ«الأسد»، جنرال من داخل جيش النظام السوري يجري البحث عنه من جانب موسكو لكي يتم تصعيده الفترة المقبلة بما يضمن مصالحها مستقبلا، فيما شككت الخبيرة الأمريكية في وضوح الرؤية الروسية لمرحلة ما بعد «الأسد»، مشيرة إلى إمكانية سقوط روسيا في «المستنقع» السوري على غرار ما حدث لها من قبل في أفغانستان.

ونقلت وكالة «الأناضول» عن «نيكولاي سوركوف»، أستاذ مشارك بمعهد موسكو للعلاقات الدولية (حكومي روسي)، قوله، إن «خطوة رحيل الأسد متوقعة من جانب الكرملين، والسيناريو المتوقع هنا إما أن يكون هناك حكومة انتقالية أو انتخابات رئاسية جديدة فورية، لكن تخميني هو أن بديل الأسد سيتم اختياره من بين الجيش».

ولم يحدد «سوركوف» دائرة الأسماء السورية المرشحة من موسكو لقيادة مرحلة ما بعد «الأسد»، لكنه تابع: «سيكون أحد هؤلاء الرتب العسكرية الذي سيذاع صيته خلال الفترة المقبلة عبر العمليات العسكرية على الأرض، وفي هذه الحال سيتم حماية مصالح روسيا مستقبلا في سوريا»، مستطردا: «لكن هذا التصور لا يعني تنحي الأسد فورا فهذا يستغرق على الأقل سنة».

ومشيرا إلى ضرورة قبول القطبين الأمريكي والروسي لخليفة «الأسد»، قال «سوركوف»: «خليفة الأسد في مستقبل سوريا سيكون منتخبا، والأمريكان والروس حريصان على حد سواء على إيجاد حل للأزمة يقبلان به، لأنه حينها سيحفظ ماء وجه الطرفين، ومصالحهما أيضا».

«سوركوف» اعتبر أن «موسكو لديها تأثير على العلويين (الطائفة التي ينتمي إليها بشار الأسد)، بما يسمح لها بالمساهمة في التوصل إلى سلام من خلال تفاهمات بين جميع الأطراف، لكن الأهم التوافق حول مرحلة ما بعد رحيل الأسد، قبل رحيله، بما يضمن المصالح الاستراتيجة لموسكو في سوريا والمنطقة».

تفكك سوريا

«دميتري أوفيتسيروف»، المحلل السياسي، ومحاضر في المدرسة العليا للاقتصاد بموسكو (من أكبر مراكز الأبحاث الروسية المستقلة)، في نفس الاتجاه تقريبا قال: «موسكو تدرك أنه لا مكان لسوريا بشكلها القديم في المستقبل، ونحن لا نستبعد احتمالية تفكيك سوريا إلى ثلاث دول، فهذا يحدث بالفعل»، مضيفا: «رحيل الأسد فورا ليس أمرا حتميا، ولست متشائما بشأن مستقبل سوريا لكن لا يوجد من هو علي استعداد لتمثيل العلوين حاليا، وهذا يبرر وجود الأسد على طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق»، بحسب تقديره.

وأشار «أوفيتسيروف» في حديثه إلى «تمسك روسيا بالأسد لحين إيجاد ما تعتبره من وجهة نظرها البديل الشرعي له»، غير أنه شدد في الوقت على تمسك روسيا بـ«الأسد» في المرحلة الراهنة لحماية مصالحها، قائلا: «أي خليفة للأسد سيكون أقل شرعية منه، حيث ترى موسكو أن وجود الأسد على طاولة المفاوضات مهم لأنه يمثل رسميا سوريا لذا إذا تنحى الأسد أو حدث معه أي أمر، فسيكون ذلك مشكلة، وفي هذه المرحلة ستمنع روسيا من أداء دورها بشكل أكبر».

وتابع مدافعا عن الرؤية الروسية الرسمية: «من المهم أن يمثل الأسد العلويين لفترة لكننا في روسيا أيضا لا نستبعد السيناريوهات الأخرى حيث يجب أن نكون على استعداد لها جميعا».

وفاتحا الباب حول إمكانية سيناريو التفاوض حول بديل لـ«الأسد»، قال «أوفيتسيروف»: «ليس لدى الأسد بديل واضح يحكم سوريا في الوقت الراهن، لكن حل الأزمة يعتمد على متى وكيف يتنحى الأسد، وهي مسألة وقت، ونحن ندرك ذلك، لكن هذا لن يكون قبل المفاوضات».

غموض الرؤية الروسية

أما «فلاديمير أفانكوف» الخبير السياسي الروسي في الأكاديمية الدبلوماسية التابعة لوزارة الشؤون الخارجية في الاتحاد الروسي والمحاضر في معهد موسكو للعلاقات الدولية (حكومي)، رأى بدوره، أنه «بالنسبة لروسيا، الأزمة الراهنة ليست في بقاء الأسد أو رحيله، بقدر ما تتلخص فيما يمثله تنظيم داعش من تهديدات لروسيا»، كما تدعي موسكو، وأن أي تغيير مستقبلي لصالح كفة التنظيم قد يهدد تواجد موسكو في البحر المتوسط (من خلال قاعدتها في ميناء طرطوس السوري)، وهي المسألة الأهم من وجهة نظر روسيا للحفاظ على مصالحها.

 

وأضاف «أفانكوف»: «من الصعب ضمان هذه المصالح (الروسية) في حال سقوط نظام بشار الأسد، لكن إذا حدث، فسيكون لكل حادث حديث».

بدورها، تحدثت «مارينا أوتاواي»، الباحثة الأمريكية في مركز «ودرو ويلسون الدولي»، عن «غموض» الرؤية الروسية بشأن مرحلة ما بعد «الأسد» وقالت: «لا أستطيع فعليا معرفة رؤية روسيا في مرحلة ما بعد الأسد، فهي عير واضحة وموسكو لم تعط أي إشارة متكاملة حول رؤيتها للحل النهائي».

وحول ما ستؤول إليه الغارات الجوية الروسية الحالية في سوريا، رأت «أوتاواي» أن «روسيا تقوم حاليا باستراتيجية عالية المخاطر والتي يمكن أن تتحول بسهولة إلى مستنقع»، مضيفة: «قد يستغرق الأمر أكثر من عمليات قصف لمساعدة الأسد على استعادة السيطرة على الأراضي السورية بأكملها، فقد يتطلب الأمر قوات برية أيضا وهذا يعني أن روسيا قد تتورط على غرار تدخل الاتحاد السوفيتي في أفغانستان في الثمانينيات من القرن الماضي».

وتجمع تصريحات لقادة المعارضة السورية ومسؤولين غربيين وحقوقيين دوليين، فضلا عن إفادات شهود عيان على الأرض، على أن الغارات التي بدأت روسيا في شنها على سوريا بدعوى محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية»، أسفرت بشكل رئيسي عن مقتل بضع عشرات من المدنيين، ولم تستهدف بشكل رئيسي معافل التنظيم.

 

 

 

 

 

السعودية و“روسيا الأسد”؟/ نديم قطيش

الفارق شاسع بين موقف الممكلة العربية السعودية من التدخل الايراني في سوريا والتدخل العسكري الروسي في الازمة نفسها.

صحيح ان التصريحات الصادرة من الرياض غير متحمسة، بل تنحو نحو السلبية في تقييمها للتدخل الروسي الذي وصفه وزير الخارجية عادل الجبير بأنه “تصعيد”، لكن الصحيح ايضاً أن ليس هناك إستنفار سياسي وإعلامي سعودي حيال المستجد السوري.

لماذا؟

ينطلق العقل السعودي في مقاربته لهذه التطورات من مرتكزات الأمن القومي السعودي وموجبات الجغرافيا السياسية.

على الرغم من النجاح الذي حققته زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز الى واشنطن والحفاوة الاستثنائية التي لاقاها، والإنجاز المتمثل بإعلان شراكة إستراتيجية للقرن الحادي والعشرين، تتصرف المملكة على إعتبار أن أميركا باتت خارج الشرق الاوسط، أو على الاقل أن الشرق الأوسط بات يحتل مرتبة متدنية على سلم اولويات الاهتمام الاميركي اليومي! وبالتالي فالرياض معنية بتنويع تحالفاتها وتعزيزها وإستثمار تقاطعات المصالح مع آخرين فاعلين في المنطقة كروسيا، والإنفتاح على تعاطٍ أقل حدة مع من تختلف معهم من هولاء الفاعلين … كروسيا مجدداً.

وفق هذه الرؤية كانت الزيارة الإستراتيجية لولي ولي العهد السعودي، وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان الى موسكو في حزيران الفائت وتوقيع السعودية وروسيا ست اتفاقيات استراتيجية، أبرزها اتفاقية تعاون في مجال الطاقة النووية، بالاضافة الى تفعيل اللجنة المشتركة للتعاون العسكري والتعاون في مجال الفضاء.

عليه، فإن أولويات الأمن القومي السعودي تفيد بأن اليمن دولة حدودية فيما سوريا ليست كذلك، وهي ستحكم على الموقف الروسي إنطلاقاً من قربه أو بعده عن المصلحة السعودية في اليمن قبل سوريا. ينبغي التنبه في هذا السياق الى أن موقف موسكو كان ولا يزال موقفاً إيجابياً حيال المصالح السعودية في اليمن، بل في أحيانٍ، موقفاً داعماً حتى في وجه المناورات الإيرانية.

حين تبنى مجلس الأمن الدولي، في نيسان الماضي، استنادا إلى مشروع عربي، القرار رقم 2216 الذي يحظر توريد الأسلحة للحوثيين ويؤكد دعم المجلس للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي ولجهود مجلس التعاون الخليجي، إمتنعت موسكو عن إستخدام الفيتو ما سمح بتمرير القرار تحت البند السابع بأصوات 14 من أعضاء المجلس الـ15 ، وإمتناع روسيا عن التصويت.

كان هذا قبل التدخل الروسي في سوريا. أما بعده، فكانت لافتة المساهمة الروسية، في الكواليس الخلفية، في دفع مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة خلال اجتماعه في جنيف يوم الجمعة الفائت لتبني القرار العربي المقدم من مجموعة الدول العربية برئاسة السعودية، حول الدعم التقني وبناء القدرات في حقوق الإنسان في اليمن. كما تبنى المجلس بالإجماع القرار العربي في شأن لجنة التحقيق الوطنية المستقلة في اليمن، وقرار الرئيس اليمني، الخاص بتعيين أعضاء اللجنة للتحقيق في جميع حالات الانتهاكات في السابق ومنذ أيلول 2014.

لم يكن هذا التبني ممكناً لولا ضغوط روسية وتنسيق روسي سعودي أدى الى سحب هولندا مشروع قرار دولي اعدته بشكل رئيسي مع المانيا وكانت تقدمت به أمام مجلس حقوق الإنسان، للتحقيق فيما اسمته “جرائم الحرب المرتكبة في اليمن”.

وكشفت مصادر مطلعة على مداولات الاسبوعين الماضيين عن أن تنسيقاً، ألمانياً هولندياً إيرانياً يقف وراء هذه الخطوة في سياق الحرب التي يخوضها اللوبي الايراني ضد الرياض في كل زاوية متاحة. ولفت المصدر الى أن إيران افرجت عن ناشط هولندي ايراني في مجال حقوق الانسان في شهر آب الفائت قبل إنتهاء فترة حكمه وبشكل مفاجىء ما يعزز الشكوك بخدمات متبادلة بين ايران وبعض الاوروبيين. وفي هذا السياق يشير المصدر الى تندر ديبلوماسيين اوروبيين على وزير خارجية المانيا فرانك شتاينماير خلال المفاوضات النووية مع إيران أن مجموعة الخمسة زائد واحد كانت تفاوض “وزيري” خارجية إيران، محمد جواد ظريف وشتاينماير!!

اذاً تقييم السعودية موقفها من موسكو وفق اولوياتها ووفق حاجتها الى الموقف الروسي لخدمة هذه الاولويات.

الى ذلك لا ترى الرياض أي حاجة للذعر والتوتر من المغامرة الروسية المحكومة هي الاخرى بأولويات الأمن القومي الروسي الذي تحتله أوكرانيا وملف العقوبات الاوروبية الاميركية المرتبط بها! ينطلق الموقف السعودي من تقديرات ثلاثة: الأول أنه لا توجد قوة في العالم قادرة على فرض بشار الاسد على مستقبل سوريا مهما أطالت مدة رحيله. ثانياً أن روسيا ليست قوة احتلال استراتيجي في سوريا أو قوة إعتداء على الأمن القومي للمنطقة كما هو حال الإنقلاب الايراني بقناع حوثي في اليمن.  بل دخلت مدفوعة بحسابات تتعلق باللحظة المتاحة للدخول في الأزمة ثم محاولة استثمارها لخدمة اولويات روسية أقرب الى الجغرافيا السياسية الروسية الأوروبية منها الى الشرق الاوسط.

وبالفعل حقق فلاديمير بوتين أهدافاً عديدة في خدمة اولوياته. فمن جهة كسر الحصار الديبلوماسي المفروض على بلاده من خلال الاجتماع الثنائي مع الرئيس الاميركي باراك أوباما على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة مبدياً للرأي العام الروسي فشل السياسات العقابية الغربية بحق بلاده بعد مغامرته الاوكرانية وما كبدته من خسائر. ومن جهة ثانية أعطى الاعلام الروسي قصة درامية جديدة تغذي الوطنية الروسية الحادة، بدل التركيز على الترويج الصعب لتغطية إخفاقات سياسته في أوكرانيا.

ثالثاً لا يعتقد صانع القرار السعودي أن فلاديمير بوتين يمتلك حقيقة الرؤية الاستراتيجية التي تنسب اليه في بعض التحليلات ووسائل الاعلام. فهو يمتلك عقلاً تكتيكياً إنتهازياً وسيكون بعد اسابيع قليلة في موقع يجبره على تنسيق التحرك والاهداف وتشكيل ملامح المرحلة المقبلة مع آخرين منهم الرياض.

هنا يقول سعوديون إن موسكو التي لا تمتلك كلفة ما ينسب اليها من طموحات امبراطورية، بفعل العقوبات وتدني اسعار النفط ودخول الاقتصاد الروسي حقبة صعبة من الانكماش والتباطؤ، والنزيف الحاد في إحتياطها النقدي، تبقى قوة كبيرة اذا ما قورنت بإمكانات إيران وميليشياتها. ما يعني أن الدور الروسي في سوريا هو حكماً دور يتحقق على حساب النفوذ الايراني، ويتيح أمام الرياض فرصة للتفاوض مع موسكو بدل طهران حين تدنو فرص التسوية.

ما لا يقوله أحد مباشرة حول هذه التسوية تعبر عنه همسات هنا وهناك. فما تسرب عن اللقاء بين الأمير محمد بن سلمان وعلي المملوك، وكانت موسكو في أجوائه، يفيد أن بين البنود السبعة بند رئيسي ينص على خروج كافة المقاتلين الأجانب من سوريا وترك أمر التسوية للسوريين!

هذا البند الشارط من الناحية العملية للتسوية يتحقق الآن بفعل العملية العسكرية الروسية في سوريا. فقد الغت القوة النارية الروسية كل أدوار اللاعبين “من أهل معسكرها” وهي تلغي الأجانب الآخرين رويداً رويداً. لهذا كان لافتاً أن يؤكد وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف علناً على أن الجيش السوري الحر جزء من الحل، خلافاً للدعاية الاسدية التي تعتبره فصيلاً ارهابياً وتمييزه عن المقاتلين الاجانب الذين تشترك الرياض وموسكو في عداوتهم وفي تقدير خطرهم على الأمنين القوميين السعودي والروسي.

المدن

 

 

 

 

“الشيطان الأكبر” الروسي/ غسان شربل

الذهاب إلى الحرب أسهل بكثير من العودة منها. هكذا يقول التاريخ. ومن عادته ألا يكذب. تحتاج الطلقة الأولى إلى شجاعة أو تهور. تحتاج الطلقة الأخيرة إلى واقعية تساعد على تجرع الخيبات ومرارات التسويات. وفي الحروب التي يمكن أن ترتدي ولو زوراً نكهة دينية أو مذهبية تتقدم الخسائر على الأرباح حتى لدى المنتصر. ففي هذا النوع من الحروب لا مكان لضربة قاضية أو أخيرة.

على الذين يستعدون للاحتفال بتورط الجيش الروسي في أفغانستان جديدة أو فيتنام عربية أن يتمهلوا قليلاً. المسرح مختلف بتركيبته وموقعه فضلاً عن تغير المشهد الدولي. ثم أننا لا نزال في بدايات هذا التدخل. ومن المبكر الخروج باستنتاجات من هذا النوع. وإذا كان يمكن وصف فلاديمير بوتين بالمغامر لتدخله عسكرياً في نزاع بهذا التعقيد فإن من التسرع اعتباره حتى الآن مقامراً ألقى ببلاده في حرب بلا حدود. لا بد من الانتظار فهو أفضل مستشار.

على الذين يستعدون للاحتفال بقلب المعادلة في سورية وطرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط الرهيب أن يتمهلوا قليلاً. لا يعلن النصر في مطلع الحرب وقبل اتضاح مجرياتها وخواتيمها. الوضع السوري شديد التعقيد ولا يسمح بانتصارات مدوية. ويصعب الاعتقاد أن بوتين يخطط لإعادة الوضع السوري إلى ما كان عليه قبل أربعة أعوام لأن ذلك متعذر. ويصعب تصور أنه يخطط لطحن المعارضة السورية بمجملها ولو كلفه ذلك انهيار علاقات بلاده بالعالم السني. ثم أن معركة بهذا الحجم تلقي على روسيا مسؤولية إعادة إعمار ما دمرته الحرب ولا شيء يوحي بأن اقتصادها قادر على النهوض بمثل هذه الأعباء. هنا أيضاً الانتظار أفضل مستشار.

على الذين يعتقدون أننا في الطريق إلى أزمة تشبه أزمة الصواريخ الكوبية أن يتمهلوا قليلاً. سورية ليست قبالة السواحل الأميركية. إنها بعيدة. ولم تكن أصلاً في المعسكر الأميركي. ثم أن هذه المقتلة الواسعة تدور على أرض بلد تبدو حكومته مرشحة حالياً للعيش تحت قبعتين روسية وإيرانية أو الوقوع تحت انتدابين. سورية ليست كوبا. وبوتين ليس خروتشوف. وأوباما ليس جون كينيدي. تحمل الأزمات ملامح مكانها وزمانها على رغم عبر الماضي أو مراراته.

لا بد من الانتظار لمعرفة أهداف التدخل العسكري الروسي وحدوده. هل جاء الجيش الروسي لمحاربة «داعش» أم لقصم ظهر المعارضة السورية؟ هل جاء لضمان حدود «سورية المفيدة» وإجراء تعديلات طفيفة عليها أم لدفع المنطقة غير المفيدة نحو المزيد من التشرذم والانهيار والأفغنة والصوملة؟ هل جاء للمرابطة في مناطق النظام لحجز مقعد في الحل حين تنضج ظروفه أم أنه دخل الحرب وفي جيبه حل سيقدمه؟ هل يراهن على إعادة إنتاج النظام نفسه مع عمليات تجميل محدودة أم أنه يخطط للحصول من النظام الذي أنقذه وطمأن قاعدته الصلبة على تنازلات جدية تسمح بعملية سياسية يمكن تسويقها عربياً ودولياً؟

أسئلة أخرى لا بد منها. هل سيدفع النظام ثمن المظلة الروسية تنازلات تفتح باب الحل أم سيستنتج عكس ذلك؟ وهل تقبل إيران حلاً تحت قبعة الجنرال الروسي بعدما كانت تراهن على انتصار النظام تحت قبعة الجنرال سليماني؟ ليس هناك حل في سورية يمكن أن يعطي إيران ما كانت تتمتع به قبل اندلاع الأحداث. وليس هناك حل يوفر لـ»حزب الله» ما كان متوافراً له عشية الأحداث.

بكلام أوضح. الحل القابل للعيش لا بد أن يتضمن شراكة فعلية بين المكونات. هذه المشاركة تدخل بالتأكيد تعديلاً في سياسات سورية الداخلية وفي علاقاتها العربية والإسلامية والدولية. تستطيع موسكو التعايش مع حل من هذا النوع لكن السؤال هو عن طهران. ثم إذا كان الحل في سورية يقوم بالضرورة على تعديلات في الشراكة فان حلفاء إيران في بغداد سيجدون أنفسهم مطالبين بجعل مشاركة السنة في السلطة فعلية وحقيقية على رغم اختلاف النسب السكانية بين البلدين. لا انتصار على «داعش» من دون معالجة قلق السنة في «الهلال».

وجه التدخل العسكري الروسي في سورية صفعة جديدة إلى صورة أميركا وصدقيتها. تردد أوباما متعب لحلفاء بلاده وأصدقائها. لكن بوتين لا يملك ترف إخفاء نواياه طويلاً. يقدم خلال أسابيع مشروعاً مقنعاً للحل أو ينزلق إلى حرب يصعب حسمها أو الخروج منها. طريقة دعم الكنيسة الروسية لحربه لم تكن حصيفة. أي دخول له في مواجهة طويلة مع مشاعر العالم السني ستجعل بلاده تفوز بلقب «الشيطان الأكبر». لتفادي اللقب يحتاج إلى تنازلات جدية من النظام الذي جاء لإنقاذه. لغرقه في حرب طويلة على أرض سورية أثمان على أرض روسيا نفسها وفي الحزام الإسلامي على حدودها.

التاريخ شيخ وقور علمته الأيام. على من يرتكب الطلقة الأولى أن يمتلك تصوراً فعلياً لتقريب موعد الطلقة الأخيرة. اندفع القيصر في مجازفة كبرى. يخرج بكأس صانع الحل أو يرجع بلقب «الشيطان الأكبر».

الحياة

 

 

 

 

سوريا الأسوأ، مستنقع لمن؟/ علي بردى

إسقاطه عسكرياً. يدرك المراقبون على الضفة الأخرى ان “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. يخشون أن تؤول الحال الى الأسوأ في سوريا. هذا مستنقع لا يتمناه أحد لروسيا.

عقدت آمال عريضة على إحداث اختراق ايجابي لتسوية الأزمة السورية خلال الاجتماعات الرفيعة المستوى في الدورة السنوية السبعين للجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك. أتى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بهدف واضح: انخراط عسكري مباشر في مكافحة الجماعات الارهابية، بالتعاون الوثيق مع القوات المسلحة التي يقودها الأسد. أما نظيره الأميركي باراك أوباما فلم يبد حاسماً وثابتاً: في كيفية مواصلة الحرب الدولية ضد “الدولة الاسلامية – داعش”، في موازاة عملية سياسية و”انتقال منظم” يقود الى بديل من الأسد. لم تنجح جهود وزيري الخارجية سيرغي لافروف وجون كيري كثيراً في التغلب على “الخلافات العميقة” أو اخفائها بين زعيمي الكرملين والبيت الابيض. ظهرت التباينات مجدداً في اجتماع رفيع المستوى لم يجر الحديث عنه كثيراً برئاسة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون مع وزراء خارجية الدول الخامسة الدائمة العضوية في مجلس الامن في اطار البحث عن صيغة لـ”تفعيل” بيان جنيف. انعكست الخيبة سريعاً على برنامج المبعوث الدولي الخاص الى سوريا ستيفان دو ميستورا الذي ألغى كل مقابلاته الصحافية.

كثيرون يتحدثون علناً عن تردد أوباما والزعماء الغربيين عموماً حيال المناورات الروسية سياسياً وديبلوماسياً وعسكرياً على الساحة الدولية. غير أن الواضح هو أن بوتين اقتنص فرصة جديدة في سوريا. لم يواجه رداً جوهرياً من الولايات المتحدة والدول الحليفة لها حتى بعدما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا. تبدو موسكو مستعدة لملء أي فراغ تتركه العواصم الغربية وغيرها.

جاء هذا التدخل الروسي في سوريا ايضاً بعدما أعاد الاتفاق الذي عقدته الدول الكبرى مع ايران في شأن برنامجها النووي خلط التوازنات وغيّر قواعد اللعبة في الشرق الأوسط. كان بعض المعلومات يفيد أن الوحدات النظامية في الجيش السوري انهكت وصارت في وضع حرج. لم يعد يكفيها الدعم الذي تقدمه لها طهران مباشرة عبر الحرس الثوري الايراني و”حزب الله” اللبناني. يتوقع أن تبدأ نتائج التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا بالظهور خلال الاسابيع المقبلة.

بصرف النظر عن السجال المهم الدائر حالياً حول مشاركة روسيا الفعلية في الحرب على الجماعات الارهابية، وحول حماية بشار الأسد باعتباره نظاماً موالياً لها، يرتب هذا التدخل ونتائجه مسؤوليات جديدة على موسكو للمساهمة فعلاً في ايجاد مخرج من الحرب الطاحنة التي تشهدها سوريا منذ أربع سنوات ونصف سنة.

بغير ذلك تغرق روسيا في المستنقع طويلاً. لا شك في أن الإرهابيين يريدون معركة كهذه معها.

النهار

 

 

 

 

 

بوتين وأوباما والأسد بينهما؟/ نصري الصايغ

المناوشات الديبلوماسية بعد الاندفاعة الروسية في سماء سوريا، لا تعكّر صفو الحرب على «داعش». الكل يريد هذه الحرب وعلى طريقته ولغاياته. الحروب لا تؤمن بالأسود والأبيض فقط. ما بينهما، مروحة من الألوان المتناسبة مع الرغبات والأهداف. إذاً، هي حرب واحدة بأهداف متعدّدة، ولعسكر واحد، بتناقضات ظاهرة، ومعارك سياسية متباعدة. التوحّد ضد «داعش»، يقف عند عتبة «النظام السوري». واضح أن الأزمة، قبل الحرب وإبانها وما بعدها. السؤال عنه مطروح منذ البداية، والجواب لم يُكتب بعد. قد تكتبه هذه الحرب بعد فوات السوريين وقد باتوا في العراء.

الروس واضحون: لا مفرّ من دعم الجيش السوري والحفاظ على السلطة وضمان وحدة الدولة. طموح فوق الطاقة؟ ربما! الحاجة القتالية تفرض في المواجهة نقل المعركة من الجوّ إلى البر. لا نيّة لأي جيش أجنبي، شرقي أم غربي، بخوض مغامرة محسوبة بكثرة أفخاخها ومستنقعاتها. لدى الروس تجربة سوفياتية في أفغانستان. لقبها العسكري آنذاك كان: مقبرة الدبابات ومصيدة الطائرات. خرجت روسيا السوفياتية مهزومة، وخسرت امبراطوريتها العقائدية. لدى الأميركيين تجربة مماثلة في أفغانستان والعراق: أثمان بشرية ومالية فوق طاقة مجتمعات «تحبّ الحياة» على طريقتها، وتحاسب على استنزاف الأرواح. أما فرنسا فلا تُحتسب لأنها عصبية في الأقوال ورخوة في القتال. لا يُعوَّل عليها.

الروس واضحون وأصحاب حسم في الخيارات هذه المرّة. ناوروا كثيراً من الخطوط الخلفية. لم يقطعوا «شعرة معاوية» مع أحد. أوكرانيا شوكة صغيرة. علاجها بالصدمات. وأوروبا الغاضبة تنتصر لما تقوله المصالح. أوكرانيا تمّت تنحيتها إلى أجل. طريق بوتين مفتوحة إلى قلب العالم في الأمم المتحدة وإلى عواصم الغرب، وإلى أكثرها عداء له: باريس. وحدها روسيا تملك رصيد الانفتاح والمقبولية من الأطراف المشاركة في الحرب السورية. تتحدّث مع طهران ويزور الملك السعودي قريباً موسكو، تتشاور مع النظام وتستقبل المعارضة المرفوضة من النظام. تقيم علاقات تفهّم وتفاهم مع أردوغان من دون أن يشعر الأسد في دمشق بالإساءة. تطمئن إسرائيل على أمنها وتقنع نتنياهو بعدم السلبية… ليس من دولة، في أوروبا وفي أميركا وفي الإقليم، تملك هذه الحيثية، المدعومة بقرار سياسي واضح، والمستندة إلى ترسانة عسكرية، تعتبر الحرب قتالاً، وليس نزهة جوية، تصيب أطراف «داعش»، وتسامح أطرافاً أخرى تهدّد النظام السوري.

لدى الروس قناعة بأن البديل عن النظام، إذا استمرّ الحال على المنوال السابق، هو «الدولة الإسلامية». وهذا خطر شبّهه بوتين بصعود النازية في أوروبا، وما أسفرت عنه حروبها من عشرات ملايين الضحايا. سوريا أمام خيارين، وعلى العالم أن ينحاز، إما مع «داعش» و «القاعدة» وإما مع «نظام» عليه ما عليه. البدائل الأخرى بأسماء معارضة هي بلا قوة. حضورها ضئيل، تملأ المقاعد الوتيرة في العواصم، وخفيفة الوطء في الميادين.

المناوشات الغربية مع الروس خجولة جداً ولا ترقى إلى الاتهام، بما في ذلك استهداف قوات الجو الروسية في طلعاتها، لـ «داعش» قليلاً، ولمعارضي النظام كثيراً. مناوشات أميركا وفرنسا وبريطانيا هي مجرد تشويش محسوب وضروري. أولاً: الرأي العام الغربي أشبع إقناعاً بأن الأسد هو المشكلة، وأن لا حلّ إلا بإسقاطه. ولكنه لم يسقط، وبات حاجة لمحاربة «عدو العالم»، «داعش». ثانياً، المعركة الجوية لا يعوّل عليها وحدها. تجارب أفغانستان والعراق وليبيا واليمن تثبت ذلك. التحالف المزمع إنشاؤه، برغم تناقضاته، مقتنع بأن الحرب الشاملة على «داعش» تتطلّب قوات عسكرية ميدانية، وهذه قد تكون متوفرة نسبياً لدى الجيش السوري ومَن معه من «حشد شعبي» و «دعم حزبي». ثالثاً، لأن الدول الغربية ليست مستعدة لأن تخوض بجيوشها معارك بعيدة عن حدودها وفي أراضٍ نائية عن بلادها. لذلك تتعامل مع بقاء الأسد كضرورة، من دون تبنّيه إعلامياً.

لكن، بعد هذا الوضوح، ثمّة غموض كبير.

تجربة التحالف الدولي في أجواء العراق فاشلة. ومهما قيل عن القصف الأميركي والشكوك التي أثيرت حول صدقيته أولاً، وحول جدواه ثانياً، فقد برهن على أنه غير حاسم، لفقدان النصير الأرضي. فالعراق بلا جيش. ولقد قيل، بعد هروبه أمام «داعش»، أن الجيش سقط، لأن العراق كان قد سقط، بسبب أدوات حكمه وأجهزة سلطته. ولم تنجح «الحشود الشعبية» إلا في المناطق الحاضنة لها طائفياً، فيما أثارت حساسيات في البيئات السنية، التي راودتها أسئلة الخيارات، ما بين «داعش» السنية و «الحشود» الشيعية، بكل أسف طبعاً.

مَن يؤكد أن التجربة في سوريا ستكون مختلفة؟ القول بأن القصف الروسي ليس دعابة، بل هو «شيشان» جديدة في الشرق الأوسط، غير مقنع كثيراً. السؤال المقلق: هل ما زال الجيش السوري، أو ما تبقى منه، قادراً على خوض معارك خارج «المناطق المفيدة»؟ فهو خسر كثيراً. انسحب مراراً. وما خسره وانسحب منه لم يسترجعه، وبات يشكو قلة العديد والفرار من صفوفه.

الغموض الكبير ليس في أجوبة الحرب، بل في أسئلة السياسة: أيّ سوريا بعد الحرب؟ ما مصير بشار الأسد؟ ماذا يبقى من النظام؟ أي سلطة بديلة أو انتقالية؟

أسئلة تحتاج إلى زمن… والحرب ما تزال في بدايتها، بعد أربع سنوات ونيّف، والعرب في هذا الوقت، يعيشون خارج الزمن.

السفير

 

 

 

 

روسيا وأميركا: غموض ديبلوماسي لا يحجب حقائق الجيو ـ سياسة/ مصطفى اللباد

أحجمت واشنطن حتى الآن عن الرضوخ لخطة بوتين في جرجرتها إلى مائدة تفاوض تشمل سوريا وأوكرانيا والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا. وإذ أكثر باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري ووزير دفاعه أشتون كارتر من تصريحاتهم الديبلوماسية متضاربة الإشارات، بقي الغموض حيال الخطة الأميركية المقابلة سيد الموقف. في المقابل، تبدو حقائق الجيو ـ سياسة أكثر قدرة على تفسير الخطوة الروسية وأبعادها المحتملة، والإطار الذي يحكم التنافس الروسي ـ الأميركي، والذي أصبحت سوريا أحد محاوره وساحاته. وفي كل الأحوال، يدفع الشعب السوري راهناً ثمن حريته ثلاث مرات: واحدة مقابل نظامه الباطش، وثانية مقابل القوى الإقليمية التي تصفي حساباتها بدمه وعلى أرضه بأهداف لا علاقة لها بتطلعاته وحقوقه غير القابلة للتصرف، وثالثة مقابل واشنطن وموسكو وصراعاتهما الكونية على رقعة الشطرنج السورية.

روسيا وأميركا: النظام الدولي إطاراً

استمرت الولايات المتحدة الأميركية قطباً وحيداً للنظام الدولي منذ سقوط الاتحاد السوفياتي السابق في العام 1991. وفي المقابل، انكفأت روسيا على نفسها ومشاكلها الداخلية. وبمرور الوقت تبدلت التوازنات الدولية، حيث أن استمرار الولايات المتحدة قطباً أوحداً حتى مع التراجع النسبي في قدراتها الشاملة عاد بالأساس إلى عجز الدول العظمى المنافسة عن إزاحتها كقطب أوحد، وليس إلى قدرات أميركا المتعاظمة التي تمكّنها من فرض رؤاها على اللاعبين الكبار على المسرح الدولي. وسمحت التحولات الجارية في بنية النظام الدولي الراهن لروسيا التي استجمعت قواها الدولتية بمرور السنوات، أن تتحدى ـ في حدود ـ القطبية الواحدة لهذا النظام الدولي، مستغلة مساحات التأثير في النظام الدولي التي تركتها واشنطن خلفها. وتبلغ هذه الحقيقة ذروة كفايتها التفسيرية عند ملاحظة أن الاعتراض الروسي على الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 اقتصر على استخدام حق «الفيتو» في مجلس الأمن، وأن روسيا امتنعت عن التصويت على قرار مجلس الأمن الرقم 1973 الذي سمح لحلف «الناتو» بإقامة منطقة حظر جوي بالقوة وتوجيه ضربات عسكرية للنظام الليبي، وصولاً إلى إسقاطه في العام 2011. بمعنى أن روسيا بوتين لم تعترف يوماً واحداً بهيمنة الولايات المتحدة الأميركية على النظام الدولي، إلا أن موازين القوى الدولية لم تسمح لها وقتذاك بالتدخل في الصراعات الشرق أوسطية، على العكس من الموازين الراهنة المواتية التي تمثل الواقعة المُنشئة لتدخلها الآن في سوريا. من هنا، يتجاوز التدخل الروسي في سوريا مجرد محاربة تنظيم «داعش» الإرهابي أو إسناد النظام السوري أو «الانخراط في المحور الإيراني»، إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

التدخل الروسي وخطة أوباما للشرق الأوسط

وبخلاف التوازنات الدولية المواتية، يقف الشرق الأوسط اليوم على أعتاب نظام إقليمي جديد تتعاظم فيه أدوار القوى الإقليمية غير العربية. وبعد إبرام الاتفاق النووي بين إيران والغرب، انتعشت آمال إدارة أوباما في ضم إيران إلى رصيدها الاستراتيجي في المنطقة بالتطبيع السياسي والاختراق الاقتصادي، إلى جانب تحالفاتها مع كل القوى الإقليمية (تركيا وإسرائيل والسعودية ومصر) من دون استثناء. وفي حال تحقق رهان أوباما، يمكن لأميركا أن تمسك بخيوط الحراكات الإقليمية من وراء المحيط، بحيث تتفرغ واشنطن إلى مقارعة الصين في جوارها الجغرافي عبر تثبيت حائط صد إقليمي من اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية وربما فيتنام. ولأجل تلك الغاية، فقد عمد أوباما إلى تشكيل تحالف دولي تحت غطاء محاربة «داعش»، لم يكن هدفه في الواقع القضاء على التنظيم الإرهابي، وإنما دفع القوى المحلية في سوريا والعراق ومن خلفهم القوى الإقليمية المتنافسة في همروجة الحرب على «داعش» لتثبيت النظام الإقليمي المرتجى أميركياً، أي ذلك النظام الذي تحجّم فيه القوى الإقليمية الشرق أوسطية بعضها بعضاً تحت المظلة الأميركية من دون أن يقضي أحدها على الآخر (مصطفى اللباد ـ السفير: الحرب على «داعش» وبناؤها الصراعي 15/9/2014). وتجلى ذلك واضحاً تمام الوضوح فيما بدا مفارقة ـ وهي ليست كذلك ـ تمثلت في القصف الجوي المتقطع بالتعاون مع القوى العربية وتركيا، وفي الوقت ذاته تسهيل العمليات البرية ضد التنظيم الإرهابي على الأرض العراقية عبر المجموعات المحلية التابعة للمحور الذي تقوده إيران.

من المنظور الروسي، سيعني قيام مثل هذا النظام الإقليمي الجديد كارثة على طموحات موسكو الدولية، لأنها ستكون المرة الأولى في تاريخ الشرق الأوسط الحديث الذي تهيمن فيه قوة دولية واحدة عليه من دون منافس، ناهيك أن تكون هذه القوة هي الولايات المتحدة الأميركية. وللحيلولة دون تحقق النظام الإقليمي الجديد المُرتجى أميركياً، فقد عمدت موسكو إلى التأثير على خيارات طهران الدولية والإقليمية بتدخلها العسكري الأخير على الساحل السوري، عبر تحويل قضبان القطار الإيراني إلى طريق مؤات أكثر لموسكو ومصالحها. بالأساس، تكمن مصلحة روسيا الاستراتيجية حيال إيران بين حدين متناقضين، الحد الأول يتمثل في الحيلولة دون تدهور التوتر بين واشنطن وطهران إلى درجة المواجهة العسكرية، لأن إيران هي حليف روسيا الأساسي في الخليج والمشرق العربيين. ولكن، وفي الوقت نفسه، تكمن مصلحتها أيضاً في الحيلولة دون تحسن العلاقات الإيرانية ـ الأميركية إلى حد التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وطهران، كما كان الحال في عصر الشاه المخلوع، فتخسر روسيا مصالحها في إيران لمصلحة واشنطن. ومن المعلوم أن قيام تحالف أميركي ـ إيراني سيغلق طريق روسيا إلى المياه الدافئة عبر الخليج ـ كما حدث في ما يطلق عليه «اللعبة الكبرى» بين بريطانيا وروسيا القيصرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومن بعدها بين أميركا والاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة ـ وهي حسابات روسية انطلاقية في السياق الجيو ـ سياسي العالمي (مصطفى اللباد ـ «السفير»: حسابات روسيا في المفاوضات النووية مع إيران 9/7/2015).

رطانات إعلامية وحقائق جيو ـ سياسية

في حين أخذ المؤيدون لإيران يعلنون «انتصار محورهم بانضمام روسيا إليه بقيادة أبو علي بوتين»، فقد راح المؤيدون للسعودية ينددون بما أسموه «انصياع موسكو لخطة قاسم سليماني»، أو أن «التدخل الروسي في سوريا يأتي ضد مصالح أهل السنة»، وكأن موسكو تعمل تحت إمرة طهران ووفقاً لخططها، أو بالمقابل أن قصف أميركا لتنظيم «داعش» يعني الانتصار «لأهل السنة» في حين يكون القصف الروسي للتنظيم ذاته يستهدف «أهل السنة». وبين صيحات الاستحسان والاستهجان الإعلامية والخطابية الغارقة في مصطلحاتها الطائفية، نسي الخصمان الإقليميان ووسائل إعلامهما أن روسيا قوة عظمى تفوق بمراحل في تراتبيتها بالنظام الدولي مكانة إيران الإقليمية. ويترتب على ذلك أن القوة العظمى أقدر منطقياً وعملياً على التأثير في خيارات القوة الإقليمية، وأن التدخل الروسي في سوريا لا يأتي استجابة لحاجة إيرانية بقدر ما هو تلبية لخطة روسية في إطار توازنات النظام الدولي ومتغيرات الشرق الأوسط المشار إليهما. ولعل النتائج السلبية الفورية الأبرز لإيران من جراء التدخل الروسي على الساحل السوري الآن، أن الطرف الذي سيفاوض باسم النظام السوري ويمتلك ورقته في المقايضات ـ إن حدثت في المقبل من الأسابيع ـ سيكون موسكو قبل طهران، إن لم يكن حتى موسكو وليس طهران. أما النتيجة السلبية الثانية، فهي أن التوازنات انقلبت في سوريا، بحيث لم تعد القوى الإقليمية تحتكر إدارة الصراعات المحلية في المنطقة، بل تقدمت عليها القوى الكبرى. ولعل النتيجة السلبية الثالثة التي يمكن استنباطها تتمثل في أن الرئيس السوري بشار الأسد لم يعد هدفاً بحد ذاته في الصراع الدائر في سوريا وعليها، وإنما مجرد هدف بالوكالة. لا يعني ذلك أن إيران ستخرج خاسرة بالضرورة من الكباش الدولي الراهن، لكن التحديات التي تواجهها ليست هينة على أي حال، وحصيلة مكاسب وخسائر القوى الإقليمية غير معلومة حتى الآن.

الخلاصة

ما زال الوقت مبكراً لاستشراف مآلات التدخل الروسي العسكري في سوريا، بعد تمنع أوباما عن الرضوخ إلى المقايضة الروسية، واقتصار التفاهم الأميركي ـ الروسي حتى الآن على التنسيق العسكري الميداني في سوريا للحيلولة دون احتكاك عسكري بين طائرات الطرفين، ومن دون امتداده إلى ملفات أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا. ومرد ذلك أن موضوع روسيا ليس موضوعاً حزبياً في الولايات المتحدة الأميركية يتعلق بميول وسياسات أوباما، وإنما موضوع مؤسساتي بامتياز يتعلق بإدارة واشنطن لصراعاتها الكونية. مع التسليم بأن اعتبار انتخاب رئيس ديموقراطي العام المقبل أمر يهم أوباما، وبالتالي فمن مصلحته عدم الظهور بمظهر الضعيف حيال روسيا أمام الرأي العام الأميركي حتى لا يؤثر ذلك على فرص المرشح الديموقراطي في الانتخابات المقبلة. لا تنسى أميركا ـ وتنسى القوى الإقليمية أحياناً ـ أن روسيا أكبر بكثير من مجرد مستجد دولي أو إقليمي، كما تعي واشنطن أن النظام الدولي الذي هيمنت عليه وحدها لأكثر من عقدين أصبح جزءاً لا يتجزأ من الماضي. إنها بالفعل أسابيع مثيرة مقبلة على سوريا والمنطقة والنظام الدولي.

السفير

 

 

 

 

أين الله من كل هذا؟

رأي القدس

قيام الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بمباركة التدخل العسكري الروسي في سوريا ووصفه بـ «المعركة المقدسة» إعلان مخيف، فبعد الشقّ الكبير الذي صنعه تدخل إيران و»حزب الله» اللبناني والميليشيات الشيعية في سوريا بين المذهبين الشيعيّ والسنّي، يأتي التصريح الكنسيّ لإضفاء طابع حرب صليبية على التدخّل.

ولا يخفّف من وطأة هذا الاتجاه المدعوم من الدولة الروسية تحالف موسكو الرباعي المستجدّ مع إيران ونظامي العراق وسوريا، فهذا التحالف لا يفعل غير أن يضيف إلى جرح حروب الطوائف الإسلامية جرحاً فاغراً كبيراً آخر، كما أنّه يعمّق إحساساً متعاظماً بالمظلومية السنّية، وهذا الإحساس أحد خزانات التحشيد الطائفيّ لصالح تنظيم «الدولة الإسلامية» وأخواته.

يعيد التصريح الكنسيّ الروسي التذكير بالتبريرات الطائفية التي قدمها «حزب الله» اللبناني لجمهور محازبيه مع بداية تدخّله العسكري لدعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد عن «حماية مقام السيدة زينب»، وما تبع ذلك من تفعيل طائفي متعاظم لآليات الصراع من خلال رفع الرايات الشيعية وتهجير مدن وقرى وصولاً إلى خطط إعادة تركيب الديمغرافيا السورية طائفياً داخل دمشق وفي الخط الواصل إلى لبنان عبر الزبداني ومضايا وصولاً إلى مناطق شيعية في إدلب.

تصريحات رئيس قسم الشؤون العامة في الكنيسة الروسية، فسيفولود تشابلن، استدعت ردوداً من جهات دينية وسياسية، بينها جمعية علماء المسلمين في لبنان، وجماعة «الإخوان المسلمين» السورية التي اعتبرت الجهاد ضد الاحتلال الروسي لسوريا واجباً شرعيّاً، كما أنها استدعت ردوداً من نشطاء مسيحيين معادين للنظام السوري رفضوا توظيف المسيحية لتبرير قرار سياسيّ نتجت وستنتج عنه جرائم حرب وقتل وتوسيع للكارثة السورية، كما أنها أثارت جدلاً حول تهافت دعاوى أخرى كانت ضمن حقيبة الشغل الدبلوماسي الروسي من قبيل «حماية الأقليات» و»دعم نظام علماني»، إضافة إلى أسطوانة أن «السوريين هم من يقررون مصيرهم وليس الخارج»، وكلّها دعاوى تساقطت كأوراق الخريف مع صعود القوة العارية الروسية في سوريا والتبرير الديني لها.

تقوم هذه المزاوجة بين التوسع الامبريالي الروسي والكنيسة الأرثوذكسية على تراث من الاستخدام الدنيويّ للدين في روسيا (وغيرها) يعود لمئات السنين، ويقع في صلبه تاريخ من الانتهاكات الهائلة التي تعرّضت لها الشعوب المحيطة بروسيا (من المسلمين وغير المسلمين فالاستبداد لا يوفر أحداً)، ولكنّ المثالين الأكثر حضوراً يعودان إلى أفغانستان والشيشان، وهما يرتبطان في الذاكرة الروسية الحديثة بانهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان فلاديمير بوتين شاهداً عليه أيام خدمته ضابطاً صغيراً في ألمانيا الشرقية، والواضح أن نتائج دعوات الإصلاح والشفافية والدمقرطة أيام بيريسترويكا غورباتشيف قد ارتبطت في ذهن بوتين الشاب بتقلّص نفوذ روسيا وتراجع قبضة موسكو على محيطها، وبالتالي فإن الاستبداد الروسيّ القديم (ونماذجه الشبيهة في العالم كسوريا) كان هو الحل الناجع لعودة روسيا إلى الساحة العالمية.

باستخدامه الكنيسة الأرثوذكسية لا يفعل بوتين إذن غير توظيف المقدّس لتبرير «المدنّس» (على حد تعبير باحث الأديان الشهير مرسيا إلياد)، وصبّ هذه النار الحارقة في منطقة تعجّ بالصراعات المحمولة، قسراً، على أسس دينية، سيعزّز من دون أي شك في تحويلها إلى مفاعل كبير لتعميم المذابح والإبادات والهجرات الجماعية.

بدعوى «مكافحة الإرهاب» وتنظيم «الدولة الإسلامية» يتشكّل حلف جديد عجيب تقع في قلبه الجمهورية «الإسلامية» الإيرانية، وتغطيها روسيا الأرثوذكسية، التي تنسّق، في الوقت نفسه، مع إسرائيل الساعية إلى «دولة يهودية».

ما ستفهمه شعوب المنطقة (دعك من حكامها) هو أن مكافحة «الدولة الإسلامية» ليست إلا فزّاعة هدفها توسيع مجال الاستبداد الروسي، عالميا، والسوري، محليا، وتغطية السيطرة الإيرانية على المنطقة، مع حفظ «حقوق» إسرائيل بضرب ما تعتبره خطراً عليها، أما إضافة الخلطة الأرثوذكسية الشيعية على الأهداف المذكورة فهي لحرف البوصلة عن الاستبداد وتركيزه على خرط المسلمين السنّة في الحالة الانتحارية «الداعشية».

بهذا المعنى فرفع رايات المسيح والحسين مطلوب منها الردّ برفع رايات «الدولة الإسلامية» وإخواتها وليس التركيز على الاستبداد الروسي والسوري.

السؤال المؤرّق هنا: أين الله من كل هذا؟

القدس العربي

 

 

 

 

 

الانتصار السوفييتي الضائع في أفغانستان… وسرابه في سوريا/ وسام سعادة

يكفي أن يرافق نشيدا الجمهورية العربية السورية وحزب البعث العربي الاشتراكي، باللحن والكلمة، صور النشرة الاخبارية بشأن مجريات الحرب السورية، وبشكل نافر أكثر بعد التدخل الروسي، لإيضاح هزلية النظام الذي يقوده بشّار الأسد، رغم نجاحه في البقاء كآلة احتضار دموي مزمن، وصولاً إلى لحظة الإنجاد الروسي له.

«حماة الديار» و»عرين العروبة بيت حرام» و»من جذور الأرض جئنا».. «أو يقال الظلم زال»، كلمات يكفي نثرها على فظائع الحرب السورية، وحروب التدخل المتوازية الجارية حالياً في سوريا، لتبيان حجم «النكتة المقبرية».

هذه «النكتة المقبرية» هي في وجه منها، تحوّل النظام الذي كان القطر العربي السوري بالكاد يكفيه قبل سنين قليلة، ولا يقبل بأقل من مصادرة قرار اللبنانيين والفلسطينيين وأيضاً العراقيين، إلى أحد الكيانات السياسية المرتبطة مباشرة بالانعاش العسكري والاستخباري الروسي والتي لا تعترف بها إلا موسكو، كأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا في جيورجيا، ودونتسك ولوهانسك شرق اوكرانيا، وجمهورية ما وراء الدنيستر.

الوجه الآخر لـ»نكتة المقابر» هذه، أنّه وبدل «البعث العربي»، والذي، بدلالة الاصطلاح، من نهوض الشعوب العربية وتحررها والتضامن في ما بينها – قد نكون الأحوج اليه، صار «البعث الأسدي» أداة قتل مئات آلاف السوريين تتقاذفها أهواء «بَعثات» ما كانت على الخاطر والبال، فوق الأرض السورية، قبل عقود خلت. «بعث الساسانيين»، «بعث الصفويين»، «بعث آل رومانوف»، «بعث الاتحاد السوفييتي»، هذا بالاضافة طبعاً إلى «بعث الخلافة الراشدة»، و»البعث البيزنطي».

التدخل الروسي يكبّل النظام السوري بإدراجه في خانة «الجمهوريات المعلنة من جانب واحد» والتي لا تعترف بها إلا موسكو. هل يعني ذلك ان النظام انتقل من عهدة ولاية الفقيه الإيرانية وحراسها إلى عهدة القوة الأوراسية الأرثوذكسية الجريحة والمستأسدة؟ ليس بهذه السهولة. انما بحكم المؤكد انّ أغراض موسكو ليست مطابقة تماماً لسياسات إيران، وانّ التدخل الروسي في صيغته الحالية، كضربات جوية، هو قاعدة تفاوضية مع التدخل الغربي، الذي يمارس هو الآخر كضربات جوية، ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». التنسيق الروسي الفرنسي اختبار مهم في هذا المجال. المسعى الفرنسي فيه الزام روسيا بحصر ضرباتها بتنظيم الدولة، وتجنب استهداف المدنيين، وربط العمل العسكري بالسياسي. التجاوب الروسي مع هذا محدود طالما ان موسكو تربط الحل السياسي ببقاء الأسد. وبقاء الأخير ليس مسألة أخلاقية أو ذوقية: لا يمكن تخيل هدنة يوم واحد في سوريا طالما هو حيث هو. لن تتوقف الحرب فوراً برحيله، انما رحيله هو المدخل الجدي الوحيد للسيطرة، داخلياً وخارجياً، على محرّكات الحرب السورية، باتجاه جعلها متقطعة، ومتراجعة الوتيرة، على خطى بناء بيئة السلم الأهلي والعدالة الانتقالية وصون التعددية وما يمكن حفظه من مؤسسات الدولة والمكافحة الناجعة للإرهاب.

يضاف العمل الروسي الراهن إلى التدخل الإيراني واللبناني – الإيراني لصالح النظام، والتدخل الاسرائيلي ضد أهداف للنظام و»حزب الله»، والتدخل الأمريكي الاطلسي العربي ضد تنظيم الدولة، والتسليح الغربي والعربي لبعض الفصائل السورية المعارضة، والتسليح الروسي الذي لم ينقطع يوماً للنظام، بل تسارع وتضاعف، والتدخل التركي ضد تنظيم الدولة و»حزب العمال الكردستاني».

بهذا المعنى، نحن أمام مشهد مختلف إلى حد بعيد عن افغانستان الثمانينيات، تلك التجربة التي تبخسها حقها المقارنات التبسيطية وثقافة «التوعد» التي لا تخدم التحليل في شيء.

المفارقة اليوم هي في مشهد الحروب المتوازية والمتداخلة في سوريا. كلّ يريد استهداف «داعش وشيء آخر». هذا الشيء الآخر قد يكون النظام، أو جبهة النصرة، أو المعارضة السورية، أو العمال الكردستاني. كلّ يريد الاستعانة في مواجهة داعش بأحد هؤلاء في المقابل. وهذا التخبط يتيح المزيد من الاقتدار لرجال تنظيم «الدولة». إذا كانت الحرب الجوية المتواصلة التي يقودها باراك اوباما ضد مواقعهم فشلت بشكل ذريع منذ عام، فان الحرب الجوية الروسية ضد فصائل منافسة لداعش لن تعطيها إلا مزيداً من المكنة والتمدد، خصوصاً بعد التوسّع الروسي في تحديد ماهية «داعش» بشكل صوّر الأخيرة كما لو أنها حالة وطنية تواجه بتعاقب هجمات استعمارية ضدها، ولا يقوى عليها أحد.

افغانستان جديدة؟ شتان! لم يحصل للجيش السوفييتي في أفغانستان ما حصل للأمريكيين في فييتنام. سلاح الدبابات بالذات أثبت براعة منقطعة النظير في أفغانستان.

الانسحاب السوفييتي من افغانستان أتى بعد مرور عام وأربعة أشهر على تحقيق انتصار عسكري كبير تمثل بعملية ماجيسترال عام 1988 بقيادة الفريق اول بوريس غروموف. وحتى صواريخ ستينجر المضادة للطائرات والتي سلمها الأمريكيون للمجاهدين الأفغان لم يكن تأثيرها بالشكل الاستراتيجي الخرافي الذي يجري تسويقه. بخلاف «عقدة فيتنام» عند الأمريكيين، عقدة الجيش الروسي من الانسحاب أنّه شوّه الانتصار العسكري في «ماجيسترال»، وأن «ماجيسترال» هي مدرسة لمكافحة الإرهاب الإسلاموي مستقبلاً. كان هذا طبعاً قبل ان يتراجع نموذج غروموف ودباباته لصالح نموذج سحق الانتفاضة الشيشانية بتدمير مدينة غرورني على من فيها.

بشار الأسد وجيشه والإيرانيون تكفلوا بتطبيق نموذج تدمير غروزني في سوريا، وهم لا يحتاجون لإسهام روسي اضافي في هذا الباب. النجدة للنظام لا يمكن سترها بكل التسويغات الرسمية الروسية للضربات الجوية بداعي مواجهة تنظيم الدولة والجهاديين، وهذه الضربات اما ان تركز على «داعش» فتستفيد «النصرة»، واما على النصرة فتستفيد «داعش»، واما على «النصرة وداعش» فيستفيد عندها التنظيمان الجهاديان. ليس هناك شيء يشبه «عملية ماجيسترال» 1988 في كل هذا: الروس يجربون بدورهم كل ما حاوله الآخرون من الاكتفاء بتدخل جوي، في بلد يشهد حرباً اهلية المستوى الجوي فيها محدود.

يبقى، في كل الاحوال، ان وضع النظام في عهدة الجيش الروسي هو مسألة ينبغي تظهيرها بشكل واضح، وبالمتسع الاستفادة منها لجعل عمر بشار الأسد المتبقي في رئاسة سوريا هو مدة التدخل الروسي نفسها، ينقضي بانتهاء التدخل.

اذا بقي التدخل جوياً فهذا لن يعطيه مدى زمنياً يتجاوز بضعة أشهر، وسيضطر تدريجياً للتنسيق مع الجانب الغربي في حربه على «داعش»، وستصبح مشكلة توفيقه بين ذلك، وبين دعمه للنظام، مشكلته هو لا مشكلة الآخرين.

الحفاظ على المقاربة السياسية بدلاً من «المواجهة الحضارية» مع موسكو يبقى اذاً مصلحة قومية للشعب السوري. ولتترك «المواجهة الحضارية بين الارثوذكسية والدين الحنيف» إلى داخل المجتمع الروسي نفسه، الذي يخوض على طريقته، حرباً أهلية روسية روسية في سوريا، بين الاف المقاتلين الروس، من شيشان وغيرهم، في صفوف داعش والنصرة، وبين طلائع سلاح الجو الروسي، الذي يمتاز عن الطائرات السوفييتية القديمة للنظام البعثي بحداثة طيرانه، ويتخلف عن هذه الطائرات بأنه لا يمكن، رغم كل شيء، أن يحملها براميل متفجرات، تستهدف التجمعات السكانية بنفس القدر، رغم كل الرعونة والفظاظة الروسيتين في القصف. هو في آخر المطاف تدخل محدود سلفاً، رغم كل صخبه، وضحايا صواريخه. «ماجيسترال» عام 1988 كانت انتصاراً سوفياتياً ضاع سدى، وتضييعه ساهم في تضييع الاتحاد السوفييتي. ماجيسترال الجديدة في سوريا قزمة قياساً بالأولى، وأكثرها سراب، سراب سيسفك دماء مزيدة، لكنه يبدّل كثيراً مسار الأمور. أكثر: أيام ولا يعود الروس يعرفون ما الذي يريدونه بالتحديد؟ «بشار الأسد»؟ فهمناها. وماذا بعد؟ «بشار الأسد من أجل بشار الأسد»؟ حتى السيد حسن نصر الله لا يقولها!

٭ كاتب لبناني

القدس العربي

 

 

 

 

روسيا وسوريا: الحسم العسكري يتقدّم الحل السياسي/ د. عصام نعمان

■ يحتدم السجال حول أهداف حملة روسيا الناشطة ضد تنظيمات الإرهاب في سوريا. أهداف متكاملة احياناً، متضاربة أحياناً اخرى، يقول مسؤولون رسميون ومحللون سياسيون ومعلّقون إعلاميون، إن روسيا بوتين تريد تحقيقها بغية العودة إلى مسارح العالم كقوة عظمى.

من بين هذه الأهداف، واحدٌ يتفق الجميع على توصيفه، وإن كانوا يختلفون حول تحديد نطاقه. إنه دحر الإرهاب متمثلاً بتنظيمات متعددة في أسمائها وارتباطاتها، لكنها موحدة في عقيدتها ووحشيتها. في مقدّم هذه التنظيمات، تأتي «الدولة الإسلامية في العراق والشام ـ داعش» تليها «جبهة النصرة». غير أن ثمة خلافاً بين الولايات المتحدة وروسيا حول تحديد هوية مجموعة كبيرة من التنظيمات الناشطة على الأرض وخطورتها، متحالف بعضها مع «داعش» وبعضها الآخر مع «النصرة» واخرى مع دول عربية وإقليمية.

روسيا، بلسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف، تعتبر كل هذه التنظيمات إرهابية وتقوم طائراتها الحربية بضربها. الولايات المتحدة، بلسان بعض مسؤوليها، ولاسيما رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس شيوخها السناتور جون ماكين، تتهم روسيا بأن غارات طائراتها «كانت ضد الأشخاص والمجموعات التي تموّلها وتدعمها وكالة الاستخبارات المركزية C.I.A». لافروف سارع في توضيحٍ لافت إلى استثناء إحداها بقوله إن موسكو «لا تعتبر الجيش السوري الحر تنظيماً إرهابياً، بل ترى أنه يجب أن يكون جزءاً من العملية السياسية، وهذا ضروري لتأمين مفاوضات ثابتة للتسوية السياسية». يصعب على «الجيش الحر» تكذيب واقعة تمويله ودعمه من وكالة الاستخبارات المركزية، لكن لن يصعب عليه الإعلان بأن طائرات روسيا لا تستثني مواقعه (القليلة) في شمال سوريا من غاراتها المدمرة. الأمر نفسه يصعب على واشنطن، لاسيما وأنها منشغلة في درس وتحليل واستشراف مرامي الحملة الروسية الواسعة النطاق في سوريا والمرشحة للتمدد إلى العراق.

كثيرة هي التكهنات الامريكية والإسرائيلية والأطلسية حول المرامي القريبة والبعيدة لحملة روسيا الناشطة ضد الإرهاب وتداعياتها في الحاضر والمستقبل المنظور. لعل رسم لوحة سريعة لخصائص الحملة الروسية وملابساتها يُسهم في تكوين فكرة عن مراميها على النحو الآتي:

اولاً، باغتت الحملة الجميع في توقيتها وحجمها ونطاقها، ذلك أن سلوكية موسكو، عشيةَ انتقال الرئيس بوتين إلى نيويورك وخطبته أمام الجميعة العامة للأمم المتحدة، لم تُوحِ بتحركٍ وشيك على هذا المستوى من الحجم والفعالية و… الجرأة.

ثانياً، لفتت الحملة الجميع بأنها تجري في إطار القانون الدولي، فقد استجابت موسكو في حملتها لطلبٍ من الرئيس السوري، ما يؤكد احترامها لسيادة سوريا، كما أكدت أن حملتها تتكامل في إطار قرار سابق لمجلس الأمن الدولي بمواجهة الإرهاب، وانها تستهدف جميع تنظيماته. كل ذلك في حين أن الولايات المتحدة لم تراعِ في حربها على الإرهاب ايّاً من هذه الشروط والاعتبارات.

ثالثاً، حرصت روسياً على التعاون بجديّة مع المجتمع الدولي في مواجهة الإرهاب، باقتراح قدّمته إلى مجلس الأمن يقضي بإقامة تحالف دولي لهذا الغرض في إطار الأمم المتحدة، يضم جميع الدول ذات الصلة، وفي مقدمها سوريا وايران، في حين أن الولايات المتحدة كانت ترفض دائماً التعاون مع هاتين الدولتين في هذا السبيل.

رابعاً، اختارت روسيا توقيتاً مناسباً لمباشرة حملتها، فالولايات المتحدة منقسمة على نفسها ازاء مسألة الاتفاق النووي مع ايران، والموقف من إيران وتحديات تنامي نفوذها في الشرق الاوسط، بعد استعادة أموالها المجمدة في دول الغرب الاطلسي، ومتطلبات مواجهة روسيا في اوكرانيا، وتضارب مواقف المرشحين ومصالحهم مع اندلاع معركة الرئاسة الامريكية، وانشغال تركيا بانتخاباتها من جهة وبحربها المتصاعدة مع اكرادها من جهة اخرى، وانشغال السعودية بحربها في اليمن، وانشغال اسرائيل بمقاومةٍ شديدة يشنها الفلسطينيون ضد محاولاتها المتمادية للاستيلاء على الاقصى. كل هذه الانشغالات تحول دون قيام تنسيق مجدٍ بين خصومها الدوليين والإقليميين لمجابهة حملتها ضد الإرهاب في سوريا.

خامساً، اسفرت، على ما يبدو، محادثاتُ روسيا مع ايران وسوريا وتعاونها معهما في مجالات عدّة (وضمناً مع العراق وحزب الله في لبنان) عن قيام «تفاهم استراتيجي» بين هذه الاطراف لتحقيق أهدافٍ محددة ابرزها: دحر تنظيمات الإرهاب (خصوصاً «داعش» و»النصرة») في سوريا والعراق؛ استعادة الوحدة الجغرافية والسياسية لهذين البلدين؛ مواجهة الدول الاقليمية التي تفتح حدودها للإرهابيين القادمين من شتى انحاء العالم، ولاسيما من روسيا ودول آسيا الوسطى والقفقاز؛ وملء الفراغ الناجم عن انحسار نفوذ الولايات المتحدة في دول الشرق الاوسط الكبير. تجلّى هذا التفاهم الإستراتيجي بتعزيز التنسيق والتعاون العسكريين بين سوريا وكلٍّ من روسيا وايران، وبالتالي نشر قوة جوية وبرية روسية، وقوة من الحرس الثوري الإيراني، ووحدات من حزب الله في غرب سوريا ووسطها، كما بإقامة غرفة عمليات وتبادل معلومات مشتركة بين روسيا وإيران والعراق وسوريا مقرها بغداد.

يمكن الاستنتاج من استقراء هذه التطورات السياسية وواقعات أخرى ميدانية أن اطراف «محور الممانعة والمقاومة «، بالتعاون مع روسيا، قد اتفقت على أولوية الحسم العسكري كخيار يتقدّم الحل السياسي، وأنها قررت دعم الجيش السوري في هجومه المرتقب على مختلف المجموعات الإرهابية في منطقة سوريا الوسطى، الممتدة من شمال محافظة حمص إلى محافظة ادلب مروراً بغرب محافظة حماة وصولاً إلى الأطراف الجنوبية لمحافظة حلب. ذلك أن إحكام السيطرة على وسط سوريا يحمي مصادر الإمداد اللوجستي وخطوطه على طول الساحل السوري (محافظتي اللاذقية وطرطوس) ويمنع تالياً اي محاولة لشطر سوريا إلى نصفين في وسطها، كما يعزز مواقع انطلاق الجيش السوري لاحقاً لتحرير محافظات الرقة والحسكة ودير الزور، ومن ثم شمال محافظة حلب من الجماعات الإرهابية.

هل تردّ أمريكا على روسيا بإجراء أقوى من تعزيز اسطولها الجوي في قاعدة ديار بكر التركية؟ أم بتزويد التنظيمات المموّلَة والمدعومة من استخباراتها المركزية بصواريخ دقيقة متطورة ضد الطائرات لاستنزافها وحلفائها؟ ام يمسّها جنون «تكفيري» فتحاول التخلص من بشار الاسد شخصياً؟ في هذه الحال، كيف ترد روسيا وحلفاؤها؟ سؤال مفتوح على شتى الاحتمالات.

٭ كاتب لبناني

القدس العربي

 

 

 

 

روسيا تؤسس مرحلة الاستعمار الثالث للدول المستضعفة/ مطاع صفدي

إنها واحدة من أكبر أزمات الدبلوماسية، تلك التي تجري ما بين سواحل سورية وصحاريها الداخلية، ومع ذلك يبدو أن التعامل السياسي مع تطوراتها منخفض التوتر، عادياً تقريباً كأنما اللامبالاة الظاهرة يُراد لها قطع الطريق على كل ردود الفعل السلبية أو المفترضة. ما يجري في سورية لن يكتفي بتقرير مستقبل المنطقة ككل، بل ربما تناول مشروعَ الأَمْبرطة المأخوذ بها أوباما وبوتين. فهذه القوة الهائلة، علقت رقبتها بشبكية أعقد علاقات صراعية يشاهدها العصر كما هي جارية بعنف ذاتي مستقل بدون أن تعبأ بالتدخلات الفوقية من هذا الطرف أو ذاك. ذلك أن بعض القضايا الدولية الكبرى قد تتملك من قواها الذاتية الخاصة بصورة لن تكون معها قابلة لانصياع المتدخلين في شأنها، حتى من قبل القادة أنفسهم.

ربما كانت معضلة محافظات الساحل السوري سائرة هي نفسها على نفس الطريق، أي أنها قد تتمكن تدريجياً من أن تعمل عملها حتى بدون تصميم أو رقابة عليها من قبل الأنظمة نفسها التي أثارتها ونفذتها موفرة لها بعض شروط النمو الذاتي. فلا غُلوّ إذن في التعليل إن كانت الأزمة الساحلية هي على هذا الطريق الوعر نحو بلوغ تحديات ستكون ربما أفعل من أصحابها الأوائل.

الإمبراطوريتان تُمسكان معاً بمفاتيح تقسيم سورية اعتباراً من تطورات المسألة الساحلية، لكنهما ترتدعان في ذات الموقف عن اطلاق خطة الإجهاز على الدولة، بل هما لهما ادّعاء مشترك في أنهما حارسان مدافعان عن استمرارية بنية الدولة، فالديكتاتوريان يملكان القدرة على التقسيم، لكنهما يعفّان عن هذه الجريمة النكراء إلى حين ما. إنه نوع من مرض الازدواجية النفسية، إذ أن القطبين قادران تماماً على فعل الشر، لكنهما عاجزان عنه أو عن إنتاج كامل له، على الأقل. فما زال سؤال وراثة الحكم هي الشاغل لعقول قادة الغرب، هذا ما قدم لأنصار الأسد ثمة دعما إضافيا إذ تعجز عبقرية الغرب حتى الآن عن انتاج الخليفة المنتظر ليملأ كرسي الرئاسة بعد فراغها. وهو أمر لا يكاد يُصدّق؛ إذ كيف يطلق للوحش حرية القتل إلى ما لانهاية ما دام ليس هناك من يقتله. والعقل الغربي هل يتقبل مثل هذا التناقض العجيب بدون أن يبذل جهداً آخر مختلفاً هو قادر عليه من أجل قلب الصورة القائمة كلياً على وقائعها الأولى، هذا إن شاء، لكنه لا يريد أن يتورط في الخط الآخر الذي يمكن أن تنشأ منه مؤسسة عقائدية جديدة ربما سوف تقف على طرف مضاد من مسلمات / توافه العقل الغربي الهرم.

غير أن الذي حدث أخيراً مع الغارات الروسية على كل الوسط السوري الحر هو أن بوتين لكي ينجو من مأزق الإشكالية الأسدية قرر فجأة أن يقفز منها إلى القرار الأخطر في مثل هذه الأوقات، وهو إعلان حربه الخاصة. هذا هو بوتين رجل القرارات المصيرية، يفتتح حقاً ميدان حرب لحسابه الخاص. لا يبدو أنه أصاخ السمع أو أبدى الطاعة لآراء الآخرين الذين طالما انشغلوا ليلاً ونهاراً بالاجتماعات واللقاءات، خلالها كان يبدو أن بوتين إنما يعمل مع الجماعة الدبلوماسية لعالم اليوم، وأنه تحول إلى عنصر نظامي مشارك معها في فهم وتحليل المشكلات الدولية الطارئة، لكن الرجل هو من طينة أخرى حقاً، فهو يتظاهر بقابليته الاجتماعية لكنه في الوقت عينه حريص كل الحرص على تنفيذ ما ينتويه.

وما يؤمن به بوتين لن يعرفه أحد قبل أن يتحول إلى أفعال منجزة على الأرض، هذه الحرب الروسية الجديدة تشكل عقدة المآزق الخطيرة المتفجرة حالياً، فإذا كان اعلانها متوقفاً على ارادة قائدها، لكن سيرها أو إنهاءها لن تكون نتاجاً فردياً، لذلك لن يكون سهلاً على أصحاب الحرب أن يجيبوا بعد عدة معارك، عن سؤال حول الجدوى الحقيقية للحدث المخيف. فهل يمكن لـ بوتين أن يبرر حقاً مشروعه الجذري برد مشكلة سورية كلياً إلى الحل العسكري الذي تبرأ منه الجميع ومنهم الروس أنفسهم الذين كانوامن الأوائل في دعوتهم الثوار وسواهم إلى الاقلاع عن القتل والعودة إلى التزام قواعد الحوار. فما الذي جعل الأمور تنقلب رأساً على عقب بإعلان حرب فعلية وصريحة على الجمهور السوري، من خلال ضرب مختلف منظماته العقلانية أو الفوضوية. هل كان السبب حقاً هو الدفاع عن رئاسة الأسد. هل أصبح وجود الأسد أو زواله معادلة توازن مع إشعال الحرب الأهلية بل العالمية. هل حقاً يمكن استخدام الحرب الجديدة كحافظ أمين لاستمراريةالرئاسة، حتى وإن تمخضت عن مشروع استعماري متميز بالطريقة الروسية واخلاقيتها الممهورة بالعنف المطلق.. والبداية هي في حكم الاستئصال لما يوصف بالعدو. فالبداية هي في حذف شامل لعناصر المعارضة أساسياً، وبصرف النظر عن اختلافاتها العقائدية وسلوكياتها المتباينة؛ لكن لن يتحقق القمع الجديد بكبت الأصوات المعارضة فحسب، بل بسحق ألسنتها ورؤوسها معها. فالروسي يريد إقامة مستعمرة كاملة، لن يتوفر لها حظ الانقيام الزائف إلا بعد إزالة الموجود الأصيل. إنها إرادة الاستحواذ الكلي على سورية من سواحلها ومن صحاراها في وقت واحد.

هل يبدو ان التاريخ يريد إعادة عصر الاستعمار إلى دورة وجود جديدة بدءاً من تفجير أحوال الإضطراب اليومي والكلي في حياة «الشرق الأوسط». هذه الاضطرابات لن تنتهي إلا مع ما حدث من تغييرات أساسية كبرى في مجمل حياة المنطقة، وتكون قائمة على محاور تلفتها الحروب الصغيرة اليومية. هذه الحروب تولد، وتموت وتظل باطلة في معناها وتوقيتها، لكنها لن تنقضي بدون أن تقلب كل شيْ في طريقها. فما يقال عن الآمال في العودة إلى الحياة الطبيعية، لن يكون إلا ضرباً من التنجيم الطفولي. أحداث الحاضر الرهيب لن تترك شيئاً على حاله الطبيعية.

فنحن العرب مقبلون شئنا أو أبينا على معاودة العيش في ظل الاستعمار الجديد الآتي. لن يكون شبيهاً للاستعمار القديم إلا في بعض ظواهره الخارجية، لكنه سيأتي باختلافات لا يمكن التنبؤ بها منذ الآن. سيكون جوهرها قائماً على وحدانية القمع، هذا لا شك فيه. فالروس يحيون في بلادهم من دون ديمقراطية حقيقية. فهم كأحرار شكلياً متآلفون مع الانضباط بصورة شبه تلقائية إلى درجة نسيان الحرية من حياتهم كأفراد وكجماعات معاً. وحين سيشرف بعضهم على عمليات استعمار سورية لن يكونوا واعين لأبسط شروط هذه التجربة الجديدة إلا كونها استمراراً لمقموعية شعبهم ذاته كما هو في وطنه فالروس مقموعون أصلاً في ديارهم، وربما سيمارسونه سورياً كتحصيل حاصل.

والأعجب في هذه القصة الفريدة أن الروس ينتزعون إرادتهم الخاصة في الاستحواذ على سورية من تحت أنف أمريكا وأوروبا معاً، ومن دون أن يتوقعوا من هؤلاء أية بادرة احتجاج فعال على الأقل. روسيا تستعمر ما كان ملكاً شرعياً أو سواه لأمريكا. روسيا ترث أمريكا وهي ما تزال حية فاعلة. هل يقال إذن أنه هو الضعف الحقيقي الذي يهد الجيل الأمريكي يفتته ويحوله إلى هضاب من رمل وحصى..

حتى يتم عنصر العجب صار من الممكن القول إن المرحلة الجديدة للاستعمار قد تجعله يتحقق بطريق التكافل والتضامن مع خصومه، بتعبير آخر إنه الاستعمار بتضامن أبطاله وخصومه معاً في الارتباطات الواحدة، ولو كانت احتلالاً لبلاد الناس، وتطويقاً لئيماً لشعوبها، ومع ذلك لا يمكن لأمريكا أن تظل صماء بكماء أمام مشاهد احتلال سورية من قبل عدوها التقليدي الروسي الأبيض.ولا شك سترفض التحرك الروسي ولو لفظياً. وقد أعلنت عن عدم موافقتها على نوعية الهدف الذي يضربه الطيران الروسي فكان أكثره موجهاً إلى كتائب المعارضة ولم يكن له علاقة بداعش إلا رمزياً. أي أن الروس يضربون بالأحرى أعداء حركة داعش. إنهم حلفاؤها الموضوعيون فكل هذه التظاهرات الدبلوماسية لمقاتلة داعش هي خداع للبلد المكشوف. فالروس يكذبون علناً. إنهم وكل زملائهم من مجاميع إيران وحزب الله وحشود العراق، هم في الواقع نوع من التعبئة العسكرية والسياسية التي هدفها المعلن يخفي حقيقة مخططها الواقعي. إنها تعبئة غير مسبوقة في تاريخ المظالم الكبرى؛ تريد تأسيس قلعة قوة هائلة مركزية في المنطقة لفرض سيطرة أحادية على شعوبها من البحر إلى عمق الصحراء الآسيوية. روسيا تؤسس وتقود أكبر حركة قمعية للاستحواذ على عشرات الاقاليم من بلاد العرب والإسلام. فإيران لم تعد تصبر حتى تحقق ثورات شعبوية قد تنشئ حكومات (ملالية) رديفة لمركزية طهران. لكن بوتين يجازف بارتكاب اعلى درجات الاخطار، يفاجئ الجميع بما عجزت عنه الدول والاحزاب حتى اليوم في البلاد (الحرة).

بوتين ينفذ صيغة الضربة القاضية. ينهي مرحلة كبرى من التكاذب الدبلوماسي بين الأقطاب الدوليين حول سورية وقضايا (الربيع العربي). بوتين يتسلم قيادة المرحلة لينهي سابقتها كلياً يخلف حتى إيران وراءه في الصف الثاني. إنه غير عابئ مطلقاً بأية إرادة لأية بنية شعبية، لا يريد تغييرات إرادياً، بل انصياعاً آلياً لأوامره وحدها. وهو له الأمر اليومي كأنه بادئ من التي أطلقت الغارة الجوية الأولى. فكل أفعاله القادمة سيكون لها طابع فعلها الافتتاحي الأول.

ما ينتظره السوريون والعرب والعالم منذ الليلة الماضية، ليلة الغارة، لن يتجاوز حدود الغضب المكتوم الذي ستعانيه جماهير لا حدود لها بدون أن يسمعها أحد بأكثر من بعض التظاهرات الإعلامية العابرة، بينما بوتين ماض في فعله المؤسس لكيانه الإنساني أولاً وليس العقائدي فحسب. فالرجل فاشي الفكر والفعل وهو ربما كان على وعي من فاشيته التي يبدو أنه فخور بها، وبإنجازاتها بالرغم من فشل وعقم معظمها.

ما يجمعه بالأسد وأعوانه الذين زالت بعض رؤوسهم الكبيرة، ليس حباً أو وداً شخصياً يتداوله معهم مجاناً. إنه مؤمن بأن حكم الشعوب يتطلب بروز نوع من طغاة القادة على النمط الستاليني. فما يربطه مثلاً بالأسد هو الوحشية النادرة التي ميزت هذا الإنسان، وجعلته ليس مجرد قاتل لأعدائه أو لشعبه، بل حتى لأقرب أعوانه، وقرابته الدموية. وهو حتى الآن لم ينفذ من القهر ما يحميه من المرتدين عليه؛ إنه الواعد بتحقيق أرقام قياسية أخرى من الضحايا البريئة في المشاركة القادمة التي سيكون لها طابع الآخذين بالثأر. فالأسد يمكنه أن يقضي على الملايين لو أُعطي الفرصة. لن يبقى شعار تدمير البلاد غائباً عن التنفيذ. بل سوف يخلق حظوظه الكبرى يوماً ما. وهو رهان بوتين على الأسد. إنه السبب الأعمق للحفاظ على هذا الطاغية، حتى يمكنه أن يقلب كل شيء، ويبيد شعوباً كاملة من أجل إبدالها بشراذم بشرية ونفايات حضارية. فالفاشية هي الضيفة المختارة، الموعودة إلى المشاركة في كل وليمة سلطانية حاكمة، خاصة عبر تقلبات السلطة الروسية من عهود القياصرة الإقطاعيين إلى قياصرة السلطة الاشتراكية العرجاء خلال الاتحاد السوفييتي. وهاهي الضيفة المفضلة الآتية من جديد كما لو كانت هي الثمرة الذهبية..

والحقيقة أن المأساة السورية تصطبغ كلياً بالمؤثرات الروسية منذ اندحار سلام المظاهرات أمام عنف السلطة وتحوله إلى عنف آخر مقاوم من دون غلبة واضحة في أية معركة تفرض عليه. فلن يكون أمراً غريباً إن انتهت هذه المؤثرات إلى تعليل وتسويغ إقامة كيانية استعمارية جديدة كخاتمة للمأساة، وإنه بمصدر أكبر للمآسي كلها.

إنه الاستعمار تحت تسميته الجديدة المباشرة مستعيداً كل رموزه القاهرة مضافاً إليها هذه المرة ما لم تشهده تجارب الاستعمار التقليدي السابقة، وهي كونه استعماراً متحدياً العالم كله إن أراد مقاومة. فالزمن القادم سيكون ولا شك حافلاً بذرى من القمع المطلق ضد شعوب الأرض جميعاً. والأمة العربية التي تعرضت لمختلف كوارث المراحل الاستعمارية ستكون هي الرائدة في المقاومة الجديدة. فذلك ليس مصيراً من اختيارها. لكنه من أهم مشاريع التاريخ المعبأة بإرادة الحرية والاستقلال وبفطرتها وغريزتها.. ومن ثم لن يكون عليها إلا أن تعيد إنتاجاها بشكلها النظامي والعلمي.

ذلك أنها هي حرية الغد ستصاحب عنف الاستعمار الجديد… ستقوى به وإن كان هو الأشد هولاً وضرراً.

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

القدس العربي

 

 

 

 

 

عن الأيديولوجيا والأخلاق في التدخل الروسي/ محمد أبو رمان

يعشّش في عقول شريحة واسعة من التيار اليساري العربي الحنين إلى الاتحاد السوفييتي وأيام الحرب الباردة، وتشاركهم، اليوم، نخبة القوميين المتبقية في هذا الوهم، وهم يهللون ويرحّبون بالتدخل الروسي في سورية، بوصفه استعادة لدور الاتحاد السوفييتي (سابقاً) في وجه ما يعتبرونه (أي الرفاق اليساريون) مؤامرة إمبريالية أميركية- عربية ضد “نظام الممانعة” المتبقي!

إلى الآن، لا أفهم التبرير الأيديولوجي (بعيداً عن أي معنى أخلاقي غائب) في هذا التغني اليساري بالغارات الروسية، ولا أعرف ما الفرق بين الدورين، الأميركي (المفترض) والروسي، بعد أن انسلخ الروس من الأيديولوجيا الشيوعية، وأصبحوا أبناء السوق الحرة، فذلك لا يهم (لدى الرفاق). إذاً، لماذا لا نعتبر الغارات الروسية والقاعدة الجوية التي أنشئت في اللاذقية بمثابة احتلال أو مؤامرة أو تدخل عسكري خارجي ضد إرادة الشعب السوري، أو على الأقل في صراع داخلي.

أي اعتبار أيديولوجي يقف وراء هذا الموقف اليساري العربي؟ هل هو الموقف من الإمبريالية الأميركية؟ ذلك، كما يدرك المراقبون غير صحيح، فالأميركيون يشتركون اليوم مع الروس في مواجهة عدو مشترك يعطونه، جميعاً، الأولوية على إسقاط بشار الأسد، هو تنظيم داعش، والطرفان، الروسي والإمبريالي الغربي، ينسقان معاً، مباشرةً وغير مباشرة، في شنّ الهجمات على التنظيم، ومعه، أحياناً أخرى، تنظيمات مثل جبهة النصرة وحركة أحرار الشام، فيما يتوسع الروس لضرب أي طرف من المعارضة، تحت يافطة “الحرب على الإرهاب”.

لا تنعكس الخلافات بين الروس والأميركيين على الميدان العسكري، فهي دبلوماسية وسياسية حول الموقف من دور بشار الأسد في المرحلة الانتقالية، أما عسكرياً فهما في خندق واحد في مواجهة أهداف مشتركة، بل أكثر من ذلك، فإنّ الطرفين يتفقان، تماماً، على حماية النظام السوري، وعلى الخشية من الفوضى مما يسمى “اليوم التالي للأسد”، وعلى عدم القبول بسيطرة الفصائل الإسلامية (معتدلة أو متطرفة) على النظام السوري.

“لو أعلن الأميركيون تأييدهم الأسد لوجدنا الرفاق قفزوا عن نظرية المؤامرة ومفاهيم الإمبريالية والهيمنة ورحبوا بالموقف الأميركي؛ وهذا ما حدث ضمنياً وجزئياً عندما أيّدوا جميعاً الغارات الغربية ضد تنظيم داعش”

عدم الاتفاق بين الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والأميركي باراك أوباما، فقط على الأسد. ما دون ذلك من ترتيبات حول مستقبل سورية والموقف من الإسلاميين، مساحة الاتفاق والاشتراك واسعة فيه، فلماذا إذاً يميّز الرفاق اليساريون والقوميون بين الدورين، الروسي والأميركي، فقط لأنّ هناك من لا يقبل بالأسد ومن يقبل به؟ في الواقع، نعم هذا هو الجواب الصحيح، ولو أعلن الأميركيون تأييدهم الأسد لوجدنا الرفاق قفزوا عن نظرية المؤامرة ومفاهيم الإمبريالية والهيمنة ورحبوا بالموقف الأميركي؛ وهذا ما حدث ضمنياً وجزئياً عندما أيّدوا جميعاً الغارات الغربية ضد تنظيم داعش، من دون طرح أي سؤال حول دعوى التدخل الخارجي، أو ما يحمله ذلك الموقف الغربي من نقد بنيوي عميق لادعائهم بأنّ هذا التنظيم أداة أميركية، وجزء من مؤامرة تستهدف وحدة الأراضي السورية.

لست هنا في صدد نقد مواقف التيار العريض من اليساريين والقوميين العرب، لكنها محاولة لطرح تساؤلات منطقية وأيديولوجية وأخلاقية في تفسير هذه المواقف؟ فمن مدخل الإمبريالية والمؤامرة، لا أجد تفسيراً لهذه المواقف المتناقضة؟ ومن مدخل وحدة الأراضي السورية، لا يمكن تبرير ذلك في ظل المؤشرات الصارخة على خطة (ب)، أو ما يطلق عليه “سورية المفيدة” (عملياً تعني التقسيم الجغرافي، الطائفي والسياسي)؟ ومن مدخل قومي، تم الترحيب بالهيمنة الإيرانية والتدخل الروسي، في حين لم يبق من النظام إلّا الأسد (على الورق فقط!)، لكنه بلا مضمون أو سلطة حقيقية، حتى في المفاوضات مع المعارضة، الأمر الذي أصبحت تقوم به إيران، بينما يقوم الروس بالمفاوضة مع الأميركيين.

تتجاوز أهمية هذه التساؤلات الموقف من النظام السوري، أو بشار الأسد، إلى فحص جوهر الأيديولوجيا المتناقضة المخادعة التي تحكم مواقف تيارات عريضة، تدّعي أنّها تؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة، وتتحدّث عنها صباح مساء، ثم هي مستعدة للتضحية بها، وبما هو أكثر منها، أي بالحقوق الأساسية والإنسانية البسيطة، مثل حق الحياة وتقرير المصير مقابل ماذا؟.. بقاء الأسد!

ليست تلك الشريحة من النخبة السياسية العربية والمثقفين معنية بمعاناة ملايين السوريين اللاجئين، بل صرّح أحد أولياء النظام السوري بما يتجاوز أي خطاب فاشي ممكن تجاه اللاجئين! كما لا تهتم، أي هذه الشريحة، فيما إذا كان الروس، اليوم، رأسماليين (مثل الأميركيين) والإيرانيون حكماً ثيوقراطياً دينياً (مثل الدول التي ينتقدونها)، فالمهم في نهاية اليوم بقاء الأسد.

لماذا؟ لوحدة الأراضي السورية ولإسقاط المؤامرة الغربية والعربية ومكافحة الإرهاب؟ أما وحدة الأراضي السورية، فلا يمكن لعاقل أن يتصوّر أن يقبل ملايين السوريين بمن قتلهم وشرّدهم وهدم البيوت فوق رؤوسهم؟ وأما إسقاط المؤامرة الغربية؟ فالغرب بشرقه وغربه يقف معه اليوم؟ وأمّا مكافحة الإرهاب؟ فليقدموا لنا تعريفاً لإرهاب الدولة والتنظيمات العابرة للحدود، لنتفق معاً على تعريف محدد لهذه الفزّاعة الغربية.

عمق التناقض وغياب الإدراك في قراءة اليساريين والقوميين الدور الروسي، اليوم، يتبدّى في مقارنتهم بين المستنقع الأفغاني والمشهد السوري، إذ نقرأ لنخبة منهم مقارنة الشروط والفروق الكبيرة في الموقف الغربي والشرقي بين الحالتين، وهي فروق صحيحة، لكنهم ينسون أمراً أساسياً، هو وجود الحاضنة الاجتماعية للمقاومة أو المعارضة السورية المسلحة التي تجعل من أي تدخل خارجي روسي أو أميركي أو آخر محكوماً بالفشل، طالما أنّه يأتي لدعم نظام مرفوض اجتماعياً وداخلياً، ولفرضه على الجميع.

العربي الجديد

 

 

 

سورية تحت الاحتلال المزدوج/ محمد صالح المسفر

أخذ الطوق العربي الذي كان يحمي بلاد العرب وثرواتهم وسيادتهم ومقدسات الإسلام في التفكك، واحداً تلو الآخر، المثلث الذي تبدأ أضلاعه من بغداد مروراً برأسه دمشق ومنها يمتد ضلعه الثاني إلى مصر التي تصلها قاعدة الضلع الثالث ببغداد، وهو الضلع الذي يتماسّ مع الأردن. العراق تم احتلاله، وفرض الهيمنة الإيرانية عليه، ولا نفوذ عربياً فيه بعد اليوم. تجري على أرض سورية معارك عسكرية رهيبة، تقودها روسيا الاتحادية جواً وبحراً والزحف البري تنفذه جحافل الحرس الثوري الإيراني والجيش وقوات الباسيج، إلى جانب مليشيات الحشد الشعبي الشيعي في العراق وحزب الله اللبناني. ومصر تحت نظام العسكر تعيش حرباً ضروساً ضد إرادة الشعب المصري. والأردن ليس بعيداً عن تطلعات إيران وروسيا، إذ تريد الأولى الهيمنة على المراقد المنتشرة فيه، والتي يقدسها الشيعة، إلى جانب تمديد نفوذها العسكري والروحي، والروس سيتحججون بوجود جالية شركسية كبيرة معادية تعيش في الأردن، ولا بد من تحجيم دورها وإضعاف الأردن.

 

(2)

تحالف غربي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وتعاون بعض الدول العربية، احتل العراق، بذريعة حماية شعبه من بطش نظام صدام حسين، وتجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل، ومحاربة القاعدة، وإقامة الديمقراطية نموذجاً يُحتذى به في الشرق الأوسط. انتهى الحال بالعراق إلى الاحتلال المزدوج الأميركي الإيراني، ومن ثم انسحاب أميركا لصالح إيران، وأصبحت الأخيرة الدولة المهيمنة على أرض العراق وما في باطنها، وكل ثرواته المنظورة وغير المنظورة، وقام في العراق حكم طائفي انتقامي شرير، بقيادة حزب الدعوة ومناصريه من الأحزاب الطائفية الشيعية الحاقدة. وثبت بالدليل القاطع أن العراق، في عهد الحكم الوطني بقيادة صدام حسين، لم يكن يملك أسلحة دمار شامل، ولا وجود لتنظيم القاعدة فيه.

في عهد الحكم الطائفي، بقيادة حزب الدعوة ومليشيات الحشد الشعبي الشيعي، دُمر العراق وشرد أبناؤه في كل أصقاع الأرض، أي ما يزيد عن ستة ملايين من الشعب عبر قارات العالم، ومن لم يستطع المغادرة، أصبح يعيش في مخيمات وملاجئ في العراق نفسه، ومنع الشعب العراقي من دخول العاصمة بغداد، إلا بكفالة من أفراد ينتمون إلى الحزب الحاكم، أو زبانيته، فهل هذه الديمقراطية التي أرادوها للشعب العراقي العظيم، وهل جاء الاحتلال الأميركي البريطاني بنظام بديل عن نظام صدام حسين أحسن منه أو في مستواه؟ الجواب: كلا، ثم كلا، بل انتشر الفساد والرذيلة، وزاد قمع الشعب العراقي وانتشرت المخدرات، وعمّت الفوضى العراق ودول الجوار العربي.

“الوطن العربي لاذ بالصمت تجاه الاحتلال الروسي الإيراني لسورية، إلا همسات احتجاجية على استحياء، صادرة من هنا أو هناك”

(3)

اليوم، يأتي الدور على الدولة العربية السورية، أصبحت تحت الاحتلال الروسي، بموجب دعوة من نظام بشار الأسد الآيل للسقوط، والذريعة الروسية محاربة الإرهاب وداعش، وحماية النظام السوري القائم. يقول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: ذهبنا إلى سورية للحفاظ على نظام بشار الأسد ومحاربة الإرهاب، وليس هناك وسيلة أخرى إلا تقوية نظام الأسد. ويقول: على الدول التي تريد إسقاط بشار الأسد أن تأخذ رأي الشعب السوري في ذلك، لأنه الوحيد الذي يقرر من يحكمه، وكيف يحكمه. كلامٌ لا جدال فيه، لكن الشعب السوري أعطى رأيه في الأسد وحكمه، عندما قام بثورته السلمية عام 2011، وطالب بإسقاط النظام، لأنه استعصى على القيام بأي إصلاحات سياسية وإدارية في سورية. أعطى رأيه، عندما رفض الخضوع والخنوع لإرادة النظام الحاكم، وحمل بعض هذا الشعب السلاح في مواجهة النظام، وآثر آخرون الهجرة. قتل الأسد من الشعب السوري نحو نصف مليون مواطن، ودمّر البنية التحتية للدولة السورية، وهجّر أكثر من ستة ملايين.

السؤال إلى الرئيس بوتين: هل أخذت رأي الشعب السوري، عندما بعثت طائراتك المقاتلة الهجومية، لتكون على الأرض السورية، وأساطيلك البحرية لتكون على السواحل السورية، بما في ذلك حاملة الطائرات الروسية؟ هل أخذت رأي الشعب في قصف المدن والقرى والأرياف السورية، بمن فيها من السكان المدنيون في إدلب وحلب وحماة وحمص، من دون تمييز؟ طبعاً، لم تتم استشارة الشعب السوري أبداً.

(4)

يقول بعضهم إن الروس سيقعون في الوحل السوري، كما وقعوا في الوحل الأفغاني، والرأي عندي خلاف ذلك، وحجتي أن هؤلاء سيستخدمون الجو والبحر في ملاحقة الشعب السوري، أينما كان على أراضيه، بغرض تدميره وتدمير ممتلكاته، أينما كان هناك معارض لحكم بشار الأسد. أما القوة على الأرض، فستكون من الحرس الثوري والجيش الإيرانيين، ومن المليشيات الطائفية المتكونة والمدربة إيرانياً في العراق. سيكون هؤلاء على الأرض، وليس الجيش الروسي. تهدف روسيا من هذه الحرب، إلى جانب ما أعلنت، إلى تجريب أسلحتها المتطورة على الأراضي السورية، وتستعرض قوتها أمام التخاذل الأميركي الذي لم يشد أزر صديق، ولم يردع عنه عدواً. ستكون سورية تحت الاحتلال الإيراني الروسي المزدوج، وليس من السهل إخراجهم من سورية، بعد أن يتمكنوا من السيطرة الكاملة.

الغريب أن الوطن العربي لاذ بالصمت تجاه الاحتلال الروسي الإيراني لسورية، إلا همسات احتجاجية على استحياء، صادرة من هنا أو هناك. أمين عام جامعة الدول العربية منشغل بحضور الحفلات في نيويورك، ولم يقل كلمة بعد. كنت أتوقع أن يدعو إلى اجتماع قمة عربية طارئة لمناقشة الاحتلال الروسي الإيراني لسورية، ولم يفعل. وتوقعت من منظمة التعاون الإسلامي أن تدعو إلى مؤتمر قمة إسلامية طارئة لمناقشة العدوان الروسي الإيراني على سورية. وكنت أتوقع من المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) طرد روسيا العضو المراقب فيها. كنت أتوقع من مجلس التعاون الخليجي أن ينعقد في دورة طارئة، لمناقشة التدخل الروسي الإيراني في سورية، وتهديدات الدول العربية الخليجية، لقناعتي أنها مستهدفة، بعد انتصار الروس في سورية.

آخر القول: سارعوا، يا عرب التحالف، بإنجاز المهمة في اليمن وتحريرها من البغاة على السلطة والسيادة وتثبيت الشرعية، قبل أن يلتفت الروس إلى مضائق البحر الأحمر، ويأتوا بحجة حماية المنطقة من سيطرة الإرهاب عليها.

العربي الجديد

 

 

 

 

الحلبة السورية.. الضربة القاضية ما زالت في الجنوب/ فادي الداهوك

اعترف الاتحاد السوفياتي بقيام الكيان السوري قبل عامين من اعتراف المجتمع الدولي به سنة 1946. ومنذ ذلك الحين، شكّلت سوريا حاجة كبرى له، ولروسيا لاحقاً، وزاد من أهمية هذا الكيان الحديث واستفراده بالعلاقة مع الروس ارتماءة مصر في تحالف مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، إلا أن تلك الحاجة لم تشهد لحظات يمكن الاستفادة منها مثل هذه الفترة.

على عكس كل الحيرة الدولية المدعية بعدم معرفة ما تريده روسيا من سوريا، يبدو هدف موسكو واضحاً جداً، ويستمد وضوحه من ثبات العلاقة مع النظام وعدم تعرضها إلى أي انزياح مفصلي خلال السنوات الماضية. فعلاقة الاثنين تشهد حالياً أقصى استفادة في تاريخها، وتبعية النظام السوري لروسيا أصبحت متينة إلى أبعد حد، وأصبح ضامن بقاء النظام وتحسين موقعه في أي مفاوضات هو بقاء الثقل الروسي في منطقة الشرق الأوسط من خلال حماية وتعزيز مصالح موسكو على البحر الأبيض المتوسط، ومن أجل ذلك يبدو أن نظام الأسد مستعد لإبداء أقصى درجات التبعية، وتعبيد مزيد من الطرق أمام الروس في سوريا، مستغلاً في ذلك أنه الجهة الوحيدة في البلاد التي تحظى بشرعية دولية، تسمح له بإلقاء الخطب في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وبالتالي التوقيع على معاهدات واتفاقات ليس من السهل أن تشطبها أي حكومة مقبلة بعد الأسد.

البطش الروسي يقابله ضعفٌ في أداء الدول الإقليمية الداعمة للمعارضة، وخصوصاً تركيا، إذ إنه في الوقت الذي بثّت فيه مقابلة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على قناة “الجزيرة” وإعلانه أنه بصدد الطلب من بوتين أن يراجع خطواته الأخيرة في سوريا، قصفت المقاتلات الروسية مناطق الأقلية التركمانية في ريف اللاذقية، وتلك الكتلة البشرية هي التركة العثمانية الحيّة في سوريا، التي كان من المفترض أن لا تسمح تركيا بالمساس بها.

يدرك بوتين جيداً أن اللحظة الآن هي لحظة حقيقة؛ أوباما منكفىء وصورة أميركا الحازمة منهارة لدى أنظمة وشعوب المشرق العربي. جرّب جولة في أوكرانيا وكسبها، واليوم هو يضرب ضربته القاضية في الحلبة السورية لواشنطن، بعدما كسب الأتراك والسعوديين والمصريين، حيث وقع اتفاقيات تعاون نووي واقتصادي قبل شهرين مع السعودية بلغت قرابة 10 مليارات دولار، واتفاقيات اقتصادية تسعى لحجم تبادل تجاري مع تركيا يصل إلى 100 مليار دولار حتى العام 2023، كما وافق بوتين على طلب أردوغان جعل اللغة التركية لغة رسمية في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا وتنحدر نسبة كبيرة من سكانها من أصول تركية، بالإضافة إلى تخفيض أسعار الغاز إلى تركيا بنسبة 6 في المئة. فضلاً عن أن السيسي وبوتين وقّعا على جملة من الاتفاقيات بين البلدين في آب/أغسطس الماضي، من بينها إنشاء أول محطة نووية بتقنية روسية لتوليد الكهرباء في مصر. وهذا تفسير كافٍ للترحيب المصري بالعمليات العسكرية الروسية في سوريا على لسان وزير الخارجية سامح شكري.

تستغل روسيا في تحركها الأخيرة جملة من المعطيات، في مقدمتها أن الفترة الحالية تشهد أوان انهيار التحالفات داخل قوى المعارضة العسكرية. فالجبهة الجنوبية تتآكل في الجنوب السوري أمام تغليظ الخطوط الحمراء التي رسمتها الولايات المتحدة لتحركاتها وما مسموح لها أن تحققه في معاركها، كما أن “جيش الفتح” الذي حقق تقدمات واعدة في محافظة إدلب يشهد هو الآخر حالة جمود، أو انتهاء منفعة، تقترب كثيراً من تفكيك التحالف الذي شكّلته حركة “أحرار الشام الإسلامية”، و”جبهة النصرة” مع تنظيمات سلفية جهادية أخرى.

حتى الآن، اقتصرت الغارات الروسية على النصف الأعلى من الخريطة السورية، ويظهر أن أهدافها ضرب إمكانات المعارضة من التقدم نحو الساحل ورسم حزامٍ آمن حول الحاضنة الشعبية للأسد والمصالح الروسية في الساحل السوري، لكنها على الرغم من ذلك ليس من الضروري أن تكون حاسمة، فشمال سوريا، وشرقها، منطقة لا قانون فيها، مسموح أن تكون حيّز نشاط للجميع: الأكراد، وتركيا، وتنظيم “الدولة الإسلامية”، و”جبهة النصرة”، وروسيا، والتحالف الدولي، بعكس الجنوب، الذي يحكمه قانون صارم يسمح لطيران الأسد والطيران الإسرائيلي فقط بشنّ الغارات، وهذا غالباً كان فحوى التفاهم الإسرائيلي-الروسي وما تم تثبيته خلال لقاء بوتين ونتنياهو مؤخراً؛ ما يجري في الشمال لا معنى واسعاً له، أو تأثير طويل الأمد. الضربة القاضية في سوريا هي في الجنوب، وحتى الآن ما تزال بيد إسرائيل، الطرف الوحيد الذي يضرب النظام كلما حاد عن قواعد الاشتباك.

المدن

 

 

 

سيادة دمشق المنقوصة/ نذير رضا

تتحوّل سوريا، منذ اسبوع، الى العصر الروسي. لم يقتصر التمدد على الشؤون العسكرية، التي باتت في رأس المهام في سوريا. تواكبه الآن حملة دعائية، تتولاها وسائل إعلام روسية، وأخرى سورية نظامية، باتت تابعة لغرفة العمليات العسكرية الروسية، وخاضعة لسلطتها.

فوكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا)، الناطقة باسم نظام الرئيس السوري بشار الاسد، باتت ناطقة باسم القوات العسكرية الروسية. إختفت أخبار “الاعلام الحربي” التي صعدت إثر معركة القلمون. احتلت الصور التي تظهر نتائج الضربات العسكرية، أنباء الوكالة، كذلك الصور الجوية للقصف. لم تبقَ، يومي الاربعاء والخميس، أي مساحة لعمليات القوات الحكومية، قبل أن تتغير المعادلة، الجمعة والسبت، لتكون التغطية “تشاركية” بين الاعمال العسكرية السورية، والروسية على حد سواء.

تشير تلك الوقائع، الى أن الأنباء الروسية، تسيطر على الاعلام النظامي. وإذا كان وصف الائتلاف السوري للتدخل الروسي بأنه “احتلال لسوريا”، مناسباً لتوصيف الواقع، فإن الأمر ينسحب على الاعلام. الخبر الروسي، يحتل وسائل اعلام النظام، ليس على سبيل التغطية، بل بمعنى التمدد الجغرافي في المساحة الافتراضية. وعليه، تصبح سيادة دمشق منقوصة، ليس في الميدان فحسب، بل كذلك في الخبر الإعلامي (ولو كان في الأصل موجهاً).

الإعلام السوري الرسمي، لا يقفز دوره فوق طبيعته كذراع دعائي للنظام. تخضع الانباء لعملية “فلترة” متواصلة. استناداً الى هذا الدور المعروف، بات الإعلام الرسمي الآن، ذراعاً دعائية لروسيا، يتوجه الى الجمهور المحلي، ويتكامل مع وسائل الاعلام الروسية الناطقة بالعربية، التي ما انفكّت تتحدث عن “إنجازات” عسكرية روسية في سوريا، تمر بينها رسائل عسكرية تفيد بـ”تفوق” روسي على السلاح الأميركي.

تضخ قناة “روسيا اليوم” الناطقة بالعربية، الى جانب “سبونتيك”، مساحة كبيرة من الانباء والتحليلات العسكرية. الهدف منها، مخاطبة الجمهور العربي، في حين تمارس منصاتها الناطقة بالانكليزية والروسية، الدور الدعائي الموجه الى العالم. تتوالى الانباء العسكرية، وتحتل “اهم الاخبار”، فيما تساهم التقارير في الاضاءة على الصراع العسكري الخفي بين موسكو وواشنطن، بدليل تقرير تحدث عن أن “واشنطن تخشى أن تكشف المقاتلات الروسية في سوريا أسرار إف 22 الأميركية”.

ثمانية أخبار من أصل تسعة، في زاوية “أهم الأخبار” في “روسيا اليوم”، وهي أخبار حدثية ومفصلة، تواكب التدخل في سوريا وتداعياته السياسية والعسكرية العالمية. أما “سبونتيك”، فخصصت الواجهة الأولى لموقع أخبارها لرصد العمليات السورية وانعكاساتها، بينما أدرجت الاخبار العسكرية من الميدان السوري في خانة “رصد عسكري”.

الحرب بلا دعاية، لا تؤدي أغراضها. هذا ما يُستنتج من الضخّ الاعلامي الروسي المتواصل، الذي يواكب العمليات، من وجهة نظر واحدة، وسط استبعاد لأي نبأ يتحدث عن اصابة مدنيين، بعد تلاشي فرصة الاضاءة على قصف اهداف عائدة للمعتدلين. أما الإعلام الرسمي السوري، فيفقد خصوصيته كمتحدث باسم النظام. فقد بات اعلاماً تابعاً، ما يقرّب فرصة مقارنته بوسائل اعلام رسمية خضعت في السابق لسلطات الانتداب.

المدن

 

 

 

الإعلام الروسي: “سوريا أرضنا المقدسة

بعد 17 شهراً من التغطية الشاملة للصراع في أوكرانيا، والذي راح ضحيته آلاف الأرواح وهُجّر حوالي مليون شخص، اختفت الأنباء والتقارير عن أوكرانيا تماماً من أجندة الإعلام الروسي، بعدما حوّلت موسكو آلتها الدعائية صوب الشرق الأوسط، لتبرير غزوها الأخير لسوريا وشنها الغارات على مواقع تابعة لتنظيم “داعش”، على ما تزعم.

وعلى غرار تغطيتها السابقة من أوكرانيا، تعمل القنوات الإخبارية الروسية على مناشدة الحسّ القومي والتاريخي لدى الروس. ففي أوكرانيا كان التدخل الروسي من أجل “إخواننا ممن يتكلمون بالروسية والذين وقفوا إلى جانب روسيا”. أما في سوريا فالأمريتعلق بـ”أرضنا المقدسة”، على ما تروّج إحدى القنوات الروسية، بعد بثها حلقة حوارية، يقول مقدمها إنه ” لولا سوريا لما وجدت الحضارة الروسية، بالتالي فإن سوريا هي أرضنا المقدسة”.

وكان موقع “ماشّبل” قد وثّق ضمن تقرير نشره أمس السبت، أبرز الأساليب الدعائية التي يتبعها الإعلام الروسي، في ما يتعلق بشنّ الضربات الجوية على سوريا. فكما كانت الحال مع أوكرانيا، نفت روسيا التدخل العسكري المباشر في سوريا، حيث تدّعي موسكو أنها تقوم بتدخل محدود، لا يستهدف الإ المتطرفين من تنظيم “الدولة الإسلامية”، وهو ما دأبت وسائل الإعلام الروسية على تكراره في أكثر من مرة، رغم وجود أدلة تظهر عكس ذلك. فبعد فترة وجيزة من بدء موسكو أول غاراتها الجوية، الأربعاء الماضي، أظهرت مقاطع فيديو من نشطاء محليين، تم تداولها في مواقع التواصل أن الهجمات استهدفت المناطق التي تسيطر عليها جماعات متمردة أكثر اعتدالاً، تقاتل ضد الرئيس السوري بشار الأسد، فيما قتلت الغارات، وفقاً للفيديوهات، العشرات من المدنيين.

وكما فعلوا في أوكرانيا، سارع المسؤولون الروس لمواجهة هذا السرد الإعلامي الذي يشكّل تهديداً لمهتمهم، حيث قامت وسائل الإعلام الرسمية بنشر وبث تصريحاتهم وردودهم على ما أسموها “الشائعات والأكاذيب”. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية في تصريح للصحافيين، الأربعاء الماضي، إنّ “المزاعم الغربية التي تقول إن الغارات الجوية الروسية استهدفت مدنيين، ما هي إلا تقارير منحازة وخاطئة، وهذه الاتهامات لا أساس لها”، مضيفة إن “هذه المزاعم هي جزء من الحرب الإعلامية التي شهدناها سابقاً خلال وجودنا في أوكرانيا”. من جهته، قال ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، إنّ “هناك الكثير من المعلومات المشبوهية والكاذبة في وسائل الإعلام الأجنبية، في ما يتعلق بالأهداف التي أصابتها الغارات الجوية الروسية”.

وفي “تويتر” لم يختلف الأمر عن ما تبثه الشاشات، حيث تعمد وزارة الدفاع الروسية، من خلال حسابها الرسمي، إلى التأكيد مراراً على أن “بعض وسائل الإعلام الأجنبية تنشر الشائعات والأكاذيب، وأن ما تبثه هو هراء مطلق ليس له أي أساس واقعي”. وفي تغريدة أخرى، قالت الوزارة إنّ “المواد الإعلامية التي تستند إليها وسائل الإعلام الأجنبية، تم تجهيزها قبل بدء الغارات الجوية، ما يعني أنها ملفقة وليس لها أساس من الصحة”. وعليه أعلنت الوزارة أنها “ستقوم مرتين خلال اليوم، بتقديم معلومات شاملة ودقيقةعن العمليات الجوية الروسية في سوريا، وتدعمها بالحقائق”.

وفي مواقع التواصل أيضاً، تعمل الدعاية الروسية على أكثر من صعيد، حيث يقوم المراسلون الحربيون العاملون في القنوات التلفزيونية الموالية للكرملين والمملوكة من الدولة، ممن غطوا الحرب في شرق أوكرانيا، بنشر صورهم في “تويتر” و”انستغرام” من على الأرض في سوريا، حيث قاموا، الإثنين الماضي، بالوقوف أمام الدبابات والتقاط الصور ونشرها في مواقع التواصل، تزامناً مع بث الشاشات خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الأمم المتحدة.

ويأتي ذلك في سياق الجهد الإعلامي والدعائي التي تبذله وسائل الإعلام الروسية لحشد وتعزيز التأييد الشعبي للتدخل العسكري في سوريا، منها قناة “روسيا اليوم” التي بثت تقريراً حصرياً، الجمعة الماضي، حول القاعدة الجوية الروسية في اللاذقية، يقدم استعراضاً “متوهجاً” للاجراءات العسكرية الروسية هناك.

وتنشط الدعاية الروسية في هذا الإطار، بعدما خفتت حماسة الجمهور الروسي للحرب في أوكرانيا، كما يظهر من خلال استطلاعات الرأي الأخيرة، فيما كان الدعم الشعبي لشنّ الهجمات الجوية على روسيا أقل من ذلك بكثير، وفقاً لمسح أجراه مركز “ليفادا” المستقل الشهر الماضي، وجد أن 50% من أفراد العينة كانوا إما غير معنيين بساسية روسيا تجاه سوريا أو ليس لديهم رأي بهذا الشأن، فيما قال 14% فقط إنهم سيدعمون التدخل العسكري في سوريا.

ويفسر محللون نتائج هذا الاستطلاع، بما يعود إلى الحرب الأوكرانية، إذ يجمع كثيرون على أنه لم يكن يفترض أن تتحول إلى حرب دامية، وأن الصراع هناك طال أمده ولم يسير وفقاً للخطة. كما أدت العقوبات الغربية على تصرفات موسكو في أوكرانيا إلى العزلة والمتاعب الاقتصادية وانخفاض الدخل في روسيا. ويقول أليكس  كوكشاروف، المحلل المتخصص بالشؤون الروسية الأوكرانية، إن السبب الأوضح لتحول بوتين نحو روسيا، هو عدم تحقيقه أهدافه في أوكرانيا، إذ إن إجراءات بوتين في روسيا يمكن أن تستخدم محلياً لتحويل الأنظار عن الأزمة الاقتصادية وانخفاض الدخل والاضطرابات المدنية التي تشهدها روسيا. وهو ما تشير إليه إيضاً تقارير تتحدث عن التعتيم الذي تعتمده وسائل الإعلام الروسية، بشأن نفقات التدخل العسكري في سوريا، وعدد العسكريين والجنود والمستشارين، الذين تواجهوا إلى سوريا، وذلك إلى جانب إخفاءها الآثار السلبية المترتبة سابقاً جراء تدخلها في أوكرانيا.

من جانب آخر، اشتعلت الحرب الإعلامية بين روسيا والولايات المتحدة، على خلفية موقف البيت الأبيض من الضربات الجوية الروسية، إذ عبرت الإدارة الأميركية عن قلقها  العميق إزاء استهداف المقاتلات الروسية لقوى المعارضة، التي خضعت لبرنامج تدريب أميركي، بهدف تحسين قدراتها لمواجهة تنظيم “داعش” في سوريا. وتطالب واشنطن بوقف ما تقول إنها “هجمات ضد المعارضة والمدنيين السوريين”، معتبرة أن “الغارات الروسية لم تستهدف داعش حتى الآن”، واصفة الوضع بأنه يأتي ضمن “اجراءات عسكرية تشكل تصعيداً إضافياً وتتسبب بزيادة التطرف”. وهو الأمر الذي ردت عليه وسائل الإعلام الروسية بقولها إن “الغرب يشعر بالغيرة من نجاح روسيا في سوريا”.

وضمن مقال نشر في موقع “روسيا اليوم”، تحت عنوان “لماذا يصف الغرب بوتين بالشرير ووسائل الإعلام الروسية بعبدة الشر؟”، يفنّد الموقع أسباب الخطاب الإعلامي المعادي لروسيا، من وجهة نظر موالية ومؤيدة للكرملين. ويخلص المال بعدها إلى أن وسائل الإعلام الغربية طالما تعودت على بث الأكاذيب والشائعات وتقديم المعلومات بدون دعمها بحقائق مثبة، سواء في ما يتعلق بالحرب في أوكرانيا أو سوريا أو العراق، وهي برغم انكشاف أمرها، لم تقدم الاعتذار من جمهورها بتاتاً، ولم تتم معاقبة أو محاسبة الجهات المسؤولة عن بث الأكاذيب، ما ينطبق وفقاً للمقال، على ما يجري اليوم بشأن الضربات الروسية في سوريا.

المدن

 

 

 

التدخل الروسي ومناخ التطرف/ مشاري الذايدي

كثر حذروا من مغبة التدخل الروسي في سوريا، وأنه سيزيد المشكلة ولن يحلها، مشكلة الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها «داعش»، ذريعة التدخل الروسي أصلاً.

وكثر حذروا من أن هذا التدخل الروسي لسوريا ربما سيوفر مناخًا متفاعلاً للتطرف والإرهاب، وتفشي الفكر «المتطرف» بأكثر نسخه تطرفًا، حتى الرئيس «المنظر» باراك أوباما قال ذلك.

لذلك لم يكن غريبًا صدور بيانات التجييش والتعبئة من قبل بعض الجماعات والأسماء الأصولية، والدعوة لمواجهة التدخل الروسي في سوريا. قبل أيام حرض 52 ممن يسمون بالدعاة في السعودية على «النفير» في سوريا لقتال القوات الروسية، ودعوة – حسب نص البيان – «القادرين جميعًا من خارج السعودية إلى تلبية نداء الجهاد» في سوريا والقتال إلى جانب الفصائل المتطرفة في سوريا لمواجهة القوات الروسية.

ومثل ذلك فعل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي يتزعمه فقيه جماعة الإخوان يوسف القرضاوي. هذا بالضبط هو المتوقع من طريقة وأسلوب وخطاب التدخل الروسي في سوريا، فهو بطبيعته مستفز ومهيج.

لماذا؟ لأنه ليس لمحاربة «داعش» فقط، فـ«داعش» ثمة تحالف دولي يحاربها بالفعل، ولو كان لدى الروس نقد لفعالية هذا التحالف، فلتدخل فيه وتقويه، كما قال رئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون.

تدخل الروس هو لنصرة بشار الأسد، وكل «محور الممانعة»، هكذا يفهم الناس الأمور في منطقتنا تجاه التدخل الروسي.

بعض ساسة الغرب يدرك ذلك، ولكن ما جدوى ذلك؟

قال روبرت فورد، السفير الأميركي السابق في سوريا في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الأميركية: «روسيا مهتمة بتعزيز جهود نظام بشار الأسد، أكثر من محاولة ضربها لـ(داعش)».

أما رئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون فاعتبر في مقابلة مع «بي بي سي» أن الروس «يدعمون الجزار الأسد.. ذلك سيجعل المنطقة أكثر اضطرابًا، وسيقود إلى مزيد من التطرف وتصاعد الإرهاب».

وسائل الإعلام المناصرة لإيران وعملاء إيران في المنطقة، صارت تطلق على الرئيس الروسي بوتين لقب أبو علي، تحببًا، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ذكرت وكالة «سحام نيوز» الإيرانية، أن القوات الإيرانية وعناصر حزب الله اللبناني يحضّرون لتنفيذ عمليات برية تحت إمرة القيادة الروسية. شئنا أم أبينا، نخشى أن يكون التدخل الروسي في سوريا بوابة لفصل دام من الحروب، وإنعاش كل الثقافة المتصلة بهذه الحروب.

هل تفجير هذه الحروب من مصلحة السلم العالمي؟

قدرنا مواجهة هذا، في ظل غيبوبة أميركا، قائدة العالم.

 

 

 

 

ما يجب قوله لـ “موسكو”/ صالح القلاب

ألا يعني تحالف روسيا وإيران مع نظام بشار الأسد والنظام العراقي، المتأرجح بين السيد علي السيستاني وتوجهاته الإيجابية وبين ذوي الرؤوس الحامية في طهران وأيضاً مع “حزب الله” اللبناني، أن هناك استقطاباً واضحاً ضد الأكثرية الإسلامية والعربية؟ وهذا في حقيقة الأمر قد يبدو مستغرباً من دولة الاتحاد الروسي، لكنه غير مستغرب من الذين يتنفسون مذهبية وطائفية، والذين بتصرفاتهم الطائشة، خصوصاً في سورية والعراق، قد أدخلوا هذه المنطقة في هذا النفق المظلم، وأشغلوها عما يجري في فلسطين، حيث وجد بنيامين نتنياهو أن الفرصة غدت سانحة ليستفرد بالشعب الفلسطيني على هذا النحو، وبطريقة تشكل نسخة القرن الحادي والعشرين من الأفعال النازية.

في العادة هناك توافق بين العرب، على مختلف مشاربهم ورغم بعض تعارضاتهم السياسية، على أن روسيا دولة صديقة تقف باستمرار إلى جانب القضايا العربية، لاسيما قضية فلسطين، وكان هذا هو واقع الحال في عهد الاتحاد السوفياتي، حيث كان هناك صراع المعسكرات، وكانت الحرب الباردة، وكانت بعض الدول العربية تقف مع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، في حين أن دولاً عربية أخرى كانت تساند المعسكر الشرقي، وتقف معه بتأييد ودعم تيارٍ شعبي عامٍ متلائم مع التوجهات اليسارية والقومية، التي شهدت نهوضاً كبيراً في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

هذه حقائق مستمرة رغم مشكلة الغزو السوفياتي لأفغانستان، ورغم تقلبات السنوات الأخيرة قبل انهيار الإمبراطورية السوفياتية، وبعد ذلك، وفي مقدمة هذه الحقائق أن الوجدان العربي انتقل من مساندة وتأييد موسكو الشيوعية إلى تأييد روسيا الجديدة، والسبب أن العرب كانوا وما زالوا يعتبرون، وهو اعتبار صادق وصحيح، أن المشكلة تكْمُن في “سايكس – بيكو”، وفي تأييد الغرب المتفوق لإقامة إسرائيل في فلسطين، وفي انحيازه المستمر، دائماً وأبداً، ضد القضايا العربية سابقاً ولاحقاً حتى الآن… حتى هذه اللحظة!

لكن ما يجب قوله للأصدقاء الروس، ونحن نلمس كل هذه المتغيرات الخطيرة الأخيرة في المواقف الرسمية لدولتهم تجاه الأزمة أو المشكلة أو المأساة السورية، التي تؤرق العرب كلهم، وتؤرق معهم غالبية إسلامية يشمل مجالها الحيوي العالم بأسره، ومن ضمنه، بالتأكيد، روسيا الاتحادية، هو أنه لا مصلحة لروسيا (الصديقة)، على الإطلاق، في أن تشارك في حلف تقوده إيران، وتغلب عليه السمة المذهبية “الفاقعة”، وأحد أهم أهدافه المعلنة على رؤوس الأشهاد الحفاظ على بشار الأسد ونظامه، خلافاً لإرادة الشعب السوري، رغم كل التضحيات التي قدمها هذا الشعب سابقاً… ولاحقاً خلال السنوات الخمس الأخيرة.

إنه لا اعتراض إطلاقاً على أن يكون لروسيا حضور فاعل في كل قضايا الشرق الأوسط وفي مقدمتها، بعد القضية الفلسطينية، هذه الأزمة السورية التي غدت بمثابة قنبلة موقوتة تهدد هذه المنطقة والشرق الأوسط كله، فروسيا دولة متاخمة لهذه المنطقة تؤثر فيها وتتأثر بكل ما يجري بها سلباً وإيجاباً… وروسيا، بناءً على هذا العامل وعوامل أخرى كثيرة، أولى بالتعاطي مع أوضاع الشرق الأوسط من كل الذين يمدون أيديهم من وراء بحور الظلمات… والمقصود هنا، بالتحديد، الولايات المتحدة الأميركية.

إننا نعرف كل هذه الحقائق وندركها، لكننا، في الوقت ذاته، نعرف أنه ليس من مصلحة روسيا والشعب الروسي، ولا من مصلحتنا في هذه المنطقة والشرق الأوسط، أن تتكرر المأساة الأفغانية في “الجمهورية العربية السورية”، وأنْ يشعر العرب والمسلمون بأن هذه الدولة الصديقة تدعم حاكماً ظالماً ومستبداً ضد شعبه، وأنها تضع نفسها في تحالف بسمة مذهبية وطائفية معادية للأغلبية “السنية” في سورية والأمتين العربية والإسلامية… وهنا فإن الخوف كل الخوف أن ينعكس هذا كله على الأوضاع الداخلية الروسية.

من حق روسيا أن تستهدف “داعش”، لأنه سيستهدفها لاحقاً لا محالة، إن عاجلاً أو آجلاً، لكن ما يجب أخذه بعين الاعتبار هو أن إضعاف المعارضة السورية (المعتدلة) سيقوي هذا التنظيم الإرهابي، والإبقاء على بشار الأسد ونظامه سيحول سورية إلى مستنقع للعنف والاقتتال والتذابح، إضافة إلى أن الاصطفاف إلى جانب إيران وأتباعها في حلف بغداد الجديد سيعمق الصدام المذهبي والطائفي في هذه المنطقة، وسيدفع الأغلبية “السنية” دفعاً إلى استقطاب مضادٍ لهذا الاستقطاب الذي تقوده طهران.

 

 

 

 

 

مصر تؤيد روسيا في سوريا!/ طارق الحميد

من المثير أن تعلن مصر عن تأييدها للتدخل الروسي في سوريا، ومهما كان الموقف المصري أصلا! مصر، وعلى لسان وزير خارجيتها سامح شكري، تقول

إن «المعلومات المتاحة لدينا خلال اتصالاتنا المباشرة مع الجانب الروسي تؤشر إلى اهتمام روسيا بمقاومة الإرهاب والعمل على محاصرة انتشار الإرهاب».

مضيفًا أن «دخول روسيا بما لديها من إمكانات وقدرات في هذا الجهد، هو أمر نرى أنه سوف يكون له أثر في محاصرة الإرهاب في سوريا والقضاء عليه»!

هذا التصريح يعني أن هناك نقاًطا خلافية جادة مع مصر. هناك إشكالية حقيقية إذا كانت مصر تصدق أن الروس جادون بمكافحة الإرهاب، وهم، أي الروس،

يقصفون المعارضة السورية، ولم يستهدفوا «داعش» بضرباتهم إلا خمسة في المائة فقط! والإشكالية الأخرى، أن هذه التصريحات المصرية تظهر تهاونًا، ولا

أقول تعاطفًا، مع المجرم بشار الأسد، ولا ترى أن جرائمه هي السبب فيما وصلت إليه سوريا، وأن الأسد هو الراعي الرسمي للإرهاب، وسبب ظهور

«داعش» هناك.

والموقف المصري هذا يظهر إشكالية توحي بأن القاهرة لا تكترث بالتنسيق الروسي ­ الإيراني الداعم للأسد، خصوًصا وأن دمشق تحت الحماية الإيرانية، فهل

ترى مصر بذلك ضمانًا كافيًا لمحاربة الإرهاب؟ أو حفاًظا على وحدة دولة عربية؟ ما يجب أن يقال، وإن تأخر كثيًرا، إن هناك خللاً حقيقيًا في فهم الأزمة

السورية بمصر، نخبويًا وسياسيًا. مصر ليست سوريا، وتونس ليست ليبيا، ولا اليمن، ولا توجد وصفة واحدة لكل أزمات ما عرف بالربيع العربي، وبالتالي لا

يوجد اتساق بالمواقف، إلا من ناحية حقن الدماء، والحفاظ على الدولة، وليس رأس النظام، وخصوًصا في حال كان مجرًما مثل الأسد.

ما لا يعيه البعض بمصر أن جيش الأسد طائفي، وأبدل الآن بالميليشيات الشيعية، والإيرانية، والقوات الروسية، وليس كالجيش المصري. وأن الأسد يستعين

بإيران، وعملائها، للتنكيل بالسوريين، وليس كالمؤسسة العسكرية المصرية التي ساندت شعبها، وتحركت تحت غطائه، وبالتالي نالت دعًما عربيًا. وما لا يعيه

البعض بمصر أيًضا أن الأسد، الذي قتل بسببه ربع مليون سوري، وشرد ملايين آخرين، هو أول نظام عربي يستعين بدولة خارجية لضرب شعبه بعد أن

استعان بميليشيات طائفية، وهذا ليس كالحالة المصرية. وما لا يعيه البعض بمصر أيًضا هو أن التدخل العسكري الأجنبي بالمنطقة لم ينفع دولة قط، ونحن هنا

نتحدث عن احتلال، وليس تحريًرا كالحالة الكويتية، وكان وقتها تحالفًا دوليًا. فلا نفع الاحتلال الأميركي العراق، ولا أفغانستان، ولن ينفع التدخل الروسي

سوريا، ولا حتى الأسد، كما لم ينفع العدوان الإيراني أحًدا بالمنطقة.

ولذا فإن الموقف المصري مستغرب، ومقلق للمؤملين بمصر، ولا بد من القول إن السياسة ليست مناكفة، ولا هي محكومة بلون أبيض أو أسود، في السياسة

كثير من اللون الرمادي، وبالحالة السورية اللون أحمر بحمرة الدم!

الشرق الأوسط

 

 

 

 

 

مواجهة روسيا بمناطق آمنة/ سلمان الدوسري

عقّدت روسيا المشهد السوري تماًما أكثر من كل تعقيداته السابقة، تدّخلت بريًا صراحة وعلانية، وبلا مبرر منطقي. طوال أربع سنوات ونصف، ظلت موسكو

تقول إن وجودها على الأراضي السورية، هو فقط في صورة خبراء عسكريين، ثم تحولت إلى إمداده عسكريًا، وخلال هذه الفترة كان حليفها نظام بشار الأسد

يخسر على الأرض أكثر مما يكسبه، حتى أصبح ما يسيطر عليه حقيقة، أقل من ربع مساحة الدولة، فكان القرار الروسي بالدخول صراحة في حرب لصالح

نظام بشار، وليس فقط ضد «داعش» والجماعات المتطرفة، بل، وهنا المفاجأة الكبرى، الحرب طالت المعارضة المعتدلة والمدنيين، في مواجهة مكشوفة أمام

العالم أجمع.

هل تم التدخل الروسي بهذه الطريقة السينمائية بإخراج أميركي؟ لا يمكن الجزم بإجابة قاطعة، ربما الأيام القادمة كفيلة بمعرفة ما إذا كان الرد الأميركي يوازي

موقفها المعلن، أم سيكون على الطريقة الأوكرانية، التي سمعنا فيها جعجعة أميركية وصل صداها للعالم بأسره، ولم نَر من جرائهاِطحنًا. الأهم في ظني هنا: ما

هو موقف الدول العربية الكبرى؟ على اعتبار أنه لا يمكن التعويل على الجامعة العربية، التي لا تمتلك الأدوات التي تواجه بها المواقف المعقدة دوليًا. بالنسبة

لدولة مثل مصر فهي لا تخفي ترحيبها بالتدخل الروسي الذي تعتبره جزءا متوافقًا مع سياستها في سوريا التي كانت ضد النظام، ثم تحولت محايدة ثم مالت

لصالح النظام تحت ذريعة الحفاظ على مؤسسات الدولة، ولا شك أن هذا الموقف يسجل كنقطة سوداء في السياسة الخارجية المصرية التي لا يناسبها مثل هذا

الدور أبًدا. أما السعودية فمع تصدرها للدول الداعمة للشعب السوري ضد نظام بشار الأسد، ومع سعيها لدعم المعارضة السورية المعتدلة واستمرارها في ذلك،

فإن موقفها لم يتغير منذ اندلاع الأزمة السورية، بالحفاظ على وحدة سوريا الوطنية والإقليمية، والحفاظ على مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وتشكيل مجلس

انتقالي للحكم، لا مكان فيه لبشار الأسد أو من تلطخت أيديهم بدماء الشعب السوري، في حين أن تركيا ومع توفر ميزة لا تملكها كل من مصر والسعودية، وهي

حدودها الجغرافية البرية المتاخمة لسوريا والتي تساعدها في حال رغبت بتحرك عسكري، وكذلك كونها عضًوا في الناتو، فإن مجرد التفكير في مواجهة روسيا

عسكريًا على الأراضي السورية، سيكون نوًعا من الانتحار السياسي، للأسف الحقيقة المرة أنه لا أميركا ولا دول الغرب «فكرت» في المواجهة العسكرية

المباشرة، فكيف تفعلها دولة مثل تركيا وهي لا تقارن أبًدا لا سياسيًا ولا عسكريا، لا بأميركا ولا ببريطانيا أو فرنسا.

هل هذا يعني أن يتفرج العالم على التدخل الروسي؟ بالطبع لا، مواجهة هذا التدخل الذي صّب المزيد من الزيت على النار، يجب أن لا يعقّد المشهد أكثر مما هو

عليه، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن الساحة السورية أصبحت قنبلة موقوتة لما يمكن تسميته الحرب الدولية التي لا تبقي ولا تذر، بغض النظر عن اجتماع

وزيري الخارجية الروسي والأميركي مؤخًرا، والذي ضمن أن لا يكون هناك تصادم عسكري بين البلدين. الحل الوحيد في تصوري لمواجهة التصعيد الروسي،

يكمن في التحرك نحو إنشاء مناطق آمنة خالية من القصف في المناطق المحررة أصلاً، تحمي السوريين من إرهاب نظام بشار الأسد من جهة، وإرهاب

«داعش» من جهة أخرى، وفي نفس الوقت توقف موجات الهجرة التي ستزداد بفعل التدخل الروسي الإيراني، هذه المناطق ستكون على الأقل حلاً مؤقتًا يحمي

السوريين من ضربات روسية محتملة في ظل الاختلاف الدولي البائس بشأن تعريف المنظمات الإرهابية على الأرض في سوريا، كما ستمكن هذه المناطق

الآمنة من عودة 7 ملايين لاجئ ومهاجر سوري، وستوفر فعلاً البيئة الآمنة للسوريين على الأرض.

الكرة في ملعب واشنطن وحلفائها لاتخاذ خطوة عملية تساهم في التقليل من أثر التدخل الروسي بإنشاء المناطق الآمنة، هذا هو الحد الأدنى الذي يمكن أن تقوم

به الولايات المتحدة لحفظ القلة القليلة الباقية من ماء وجه من كانت أقوى دولة في العالم.

الشرق الأوسط

 

 

 

هل تخطط دول الخليج لرد عسكري على التدخل الروسي في سوريا؟

ترجمة وتحرير فتحي التريكي – الخليج الجديد

يبدو أن المقاتلات الجوية الروسية التي انطلقت من قاعدة جوية جديدة في سوريا قد أقنعت النقاد الغربيين بكتم مطالبهم من أجل إزالة الرئيس السوري «بشار الأسد»، ولكن مجموعة أخرى من خصومه ترى تدخل موسكو على كونه استفزازيا أكثر من كونه حاسما.

تقوم القوى الإقليمية بهدوء، ولكن على نحو فعال، بتوجيه الأموال والأسلحة وغيرها من أشكال الدعم للجماعات المتمردة صانعة نجاحات كبيرة ضد قوات الحكومة في دمشق. وبذلك، فهي تستثمر بكثافة في الصراع الذي يعتبرونه جزءا من صراع إقليمي أوسع على النفوذ مع خصم لدود هو إيران.

في الأسبوع الماضي، حين أقدمت روسيا على تنفيذ عشرات الغازات أوضحت هذه الدول بوضوح أنها ملتزمة بالإطاحة بـ«الأسد» بنفس درجة التزام موسكو بالحفاظ عليه.

«لا يوجد مستقبل للأسد في سوريا»، هكذا حذر وزير الخارجية السعودي «عادل الجبير» قبل ساعات قليلة من بدأ أول طلعة للقصف الروسي. إذا لم يكن هذا واضحا بما فيه الكفاية فقد استأنف كلامه موضحا أنه «إذا لم يتنح الأسد كجزء من عملية للانتقال السياسي فإن بلاده سوف تدعم الخيار العسكري والذي سوف ينتهي أيضا بإزاحة الأسد عن السلطة». مع مقتل 39 مدنيا على الأقل خلال الغارات الأولى، فإن احتمال حدوث تصعيد بين مؤيدي «الأسد» ومعارضيه من المرجح أن يكون مصدرا إضافيا للبؤس بين عموم السوريين.

«ويعد التدخل لروسي انتكاسة كبرى لتلك الدول التي تدعم المعارضة، ولاسيما في قطر والسعودية وتركيا، ومن المرجح أن يستدعي الأمر تصعيدا مضادا»، وفقا لـ«جوليان بارنز-داسي»، وهو زميل سياسي بارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

وكما كشفت الحرب الأهلية السورية، فإن المملكة العربية السعودية كانت واضحة في مواقفها منذ البداية كما يقول محللون. «منذ بداية الانتفاضة في سوريا، أكدت الرياض على وجوب رحيل بشار الأسد»، وقال «محمد اليحيى»، زميل مشارك في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض أنه لا توجد أي إشارة أن الرياض سوف تغير هذا الموقف.

«ما هو واضح بالنسبة للرياض وحلفائها في المنطقة هو أن التصعيد الروسي والإيراني في الآونة الأخيرة سيخلق فقط منطقة أكثر اضطرابا وسوف يوسع بحور الدم»، وفقا لقوله.

وقد ركزت الرياض على دعم المتمردين في الجنوب، وفق ما يقول المحللون، في حين أن حلفاءها في تركيا وقطر يدعمون المتمردين في الشمال. بما في ذلك الميليشيات الإسلامية المحافظة مثل أحرار الشام.

ترتبط هذه المجموعة الأخيرة بتحالف قوي مع جبهة النصرة، فرع تنظيم القاعدة في سوريا، والتي توصلت مؤخرا إلى وقف لإطلاق النار مع قوات «الأسد» في الشمال. ويعتقد أن نجاحها في هزيمة القوات الحكومية كانت أحد العوامل وراء حملة القصف الروسية ووضعها بين الأهداف الأولى للطائرات.

«على الأرجح، سوف تركز الجهود المقبلة على تعزيز فعالية الائتلافات الكبرى، والتنسيق والتعاون بين المجموعات الأكثر تأثيرا وفعالية في سوريا»، وفقا للمحلل الإقليمي «علي بكير».

المخاوف من أن تنهار حكومة «الأسد» تاركة فراغا كبيرا في السلطة قد أقنعت الحلفاء بدعم عملية الانتقال السياسي وكذا دعم المعارضين، ولكن أتت حملة القصف الروسية لتربك جميع الحسابات.

«هناك تعاون وتنسيق رفيع المستوى بين حكومات قطر وتركيا والمملكة العربية السعودية هم تقريبا على نفس الخط في سوريا».

وقد أعاقت الاضطرابات الداخلية الدعم التركي، في الوقت الذي تستعد فيه البلاد في الواقع لدخول انتخابات مثيرة للجدل بعد انهيار وقف إطلاق النار مع الجماعات الكردية. ومع ذلك، لا تزال قطر والسعودية تملكان التمويل والصلات والإرادة السياسية للرد على تصعيد موسكو.

أكثر حزما

وتخوض المملكة العربية السعودية وقطر بالفعل حربا مكلفة ودموية في اليمن، والتي قد تحد من مواردهما العسكرية والمالية. ويقول «بارنز داسي» أن «السؤال غير المؤكد اليوم يتعلق بدرجة القوة والكفاءة التي يجب أن تتحلى بها القوى الإقليمية لدفع الأمور إلى طاولة المفاوضات». ويضيف: «هل يحاول السعوديون الآن الإمساك بزمام الأمور في أيديهم بما يشمل توفير الأسلحة المتطورة للمتمردين الموالين لهم؟».

«وقد أظهر الملك الجديد للبلاد، الملك سلمان، الرغبة في أن يكون أكثر حزما بكثير وأن يضع كافة التدابير في أيدي المملكة. السعوديون يرون أن الأمور تفلت من بين أيديهم وهناك شعور حقيقي بأن الإيرانيين يعززون موقفهم في سوريا، لذا من المرجح أننا سوى نرى استجابة أكثر قوة».

ومن غير المرجح أن ترسل السعودية قوات على الأرض لأسباب عديدة، أقلها أن العديد من هذه الأصول منتشر بالفعل الآن على أرض المعركة في اليمن.

يقول المحلل «حسن حسن» مؤلف كتاب «الدولة الإسلامية: داخل جيش الإرهاب» أن «التدخل العسكري السعودي سوف يكون تصعيدا كبيرا»، ويضيف: «الوضع مختلف في سوريا، حيث لا ينظر إليها على أنها تشكل تهديدا أمنيا مباشرا. في اليمن، قبل الناس الهيمنة السعودية لسنوات لى عكس سوريا، حيث ينظر لإيران على أنها المهيمنة هناك».

«إن أفضل طريقة للرد على التدخل الروسي هو إشراك المتمردين أكثر وتكثيف الدعم حتى يتمكنوا من مواجهة التصعيد وخلق توازن على الأرض». ويضيف بالقول: «سيدرك الروس ساعتها أن هناك حدودا لما يمكن تحقيقه في سوريا، وسوف يقومون بتعديل نهجهم». ولكن الصراع الإقليمي على نطاق أوسع على النفوذ بين السعودية وإيران سوف يجعل من المستحيل بالنسبة للرياض تجاهل الأمر مهما كان الثمن.

المسؤولون السعوديون قلقون بشكل خاص أن الأمريكيين قد يتراجعون عن استراتيجياتهم لاحتواء إيران في أعقاب اتفاق تاريخي تم التوصل إليه في يوليو/ تموز لكبح برنامج طهران النووي في مقابل رفع العقوبات الدولية.

ارتياح خفي

«التوتر يتصاعد بشكل ملحوظ في أعقاب الاتفاق النووي»، وفقا لـ«جين كينينمونت»، وهو باحث كبير في مركز أبحاث «تشاتام هاوس الدولي». يشعر السعوديون أن الولايات المتحدة وبقية المجتمع الدولي لا تفعل شيئا حول هذا الموضوع، لذا فإنها تحاول أن تكون في طليعة الجهود الرامية إلى احتواء إيران. في هذا السياق، قد يكون هناك بعض الارتياح الخفي للتواجد الروسي، فقد يسهم تخفيف موسكو لنفوذها في قدر من التحجيم للنفوذ الإيراني.

«هل هناك مفاضلة هنا؟ الأمور ستكون في صالح روسيا أكثر مما ستكون في صالح إيران، أعتقد أن الروس يحاولون ترويج هذه الفكرة للسعوديين ودفعهم ألا ينظروا إلى الأمر من وجهة نظر سلبية»، وفقا لـ«دانييل ليفي» مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

وبشكل عام، فإن مخاطر التصعيد تتجاوز سوريا، «درجة المواجهة الآن بين طهران والرياض في عدد من البؤر الإقليمية الساخنة تبعث على القلق»، وفقا لليفي الذي تساءل: «من يقدر الآن على لعب دور الوسيط لتهدئة هذا التصعيد»؟

«الأمريكيون ليسوا في وضع يسمح لهم أن تفعل ذلك، ولا الروس. وإيران والمملكة العربية السعودية لا يتحدثان بما فيه الكفاية لبعضها البعض. لا يوجد مستوى علوي الآن يحظى باحترام الجانبين والذي يمكن أن تدفعهما إلى التعامل مع بعضهما البعض. هذا سيجعل الأمور أكثر خطورة».

المصدر | الجارديان

 

 

 

إزاء استعراض القوة الروسي والايراني: خيارات محدودة أمام أمريكا وحلفائها في سوريا

يتابع حلفاء الولايات المتحدة التقليديون في مختلف أنحاء الشرق الأوسط غير مصدقين استعراضا للقوة من جانب روسيا وايران في سوريا ويتساءلون كيف سينتهي الأمر.

فقد فوجئ التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة للتصدي لتهديد الجهاديين المتمثل في تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق بالمقاتلات الروسية تقصف مقاتلي المعارضة الذين يحاربون الرئيس بشار الأسد وبتدفق قوات إيرانية.

والسؤال الذي يدور في أذهان الجميع هو: هل ستتدخل الولايات المتحدة وحلفاؤها من الدول الأوروبية والسنية بالمنطقة لمنع الرئيس فلاديمير بوتين من إفساد المكاسب التي حققتها جماعات المعارضة السورية غير الجهادية بعد أكثر من أربع سنوات من بدء الحرب؟

ولا أحد تقريبا يحبس أنفاسه.

في كثير من الأحيان يأخذ الحماس البعض وهم يؤكدون أن الوضع الحالي هو نتيجة تقاعس الغرب وتقهقر الولايات المتحدة في لحظات حرجة في صراع لا يمكن السيطرة عليه تتحول أبعاده بسرعة من الاقليمية إلى العالمية.

وليس هناك في الشرق الأوسط من يعول على الرئيس الأمريكي باراك أوباما. إذ تخيم على الغالبية توقعات قاتمة بأن الحرب التي أودت بحياة ربع مليون شخص على الأقل وشردت نصف الشعب السوري على وشك أن تزداد تدهورا.

واتخذ الصراع مسارا مدمرا في كل مراحله. بدأ بانتفاضة شعبية على حكم الأسد ضمن موجة انتفاضات “الربيع العربي” ثم تحول الى حرب طائفية لها رعاة إقليميون مثل ايران والسعودية اللتين تدعم كل منهما فصائل محلية.

ودفع التدخل العسكري لروسيا وايران الحرب إلى شفا صراع دولي شامل.

واستدعى فيصل اليافعي كبير المعلقين بصحيفة (ذا ناشونال) الإماراتية كلمات ديفيد بترايوس الجنرال الأمريكي الذي قاد “زيادة” التعزيزات العسكرية الأمريكية في العراق بين عامي 2007 و2008 وقال “أخبروني كيف سينتهي هذا الأمر.”

وأضاف أن بعد “زيادة” الحشد العسكري الروسي في سوريا “تبدو أمريكا وحلفاؤها الآن وكأنهم المجموعة الوحيدة التي ليست لديها خطة.”

وهو يعتقد أن التحالف العسكري الصاعد بين روسيا والداعمين الرئيسيين الآخرين للأسد وهما ايران وحزب الله اللبناني لديه تصور عن “كيفية انتهاء هذا الأمر”. ويقول إن هذا ينطبق ايضا على تنظيم الدولة الإسلامية.

فهو يرى أن النهاية بالنسبة لعائلة الأسد هي بقاؤها.

أما بالنسبة للدولة الإسلامية فإن النهاية المرجوة هي تعزيز دولة الخلافة التي أعلنت قيامها في أجزاء كبيرة سيطرت عليها من سوريا والعراق العام الماضي. لكن بالنسبة لروسيا وايران “فلا أقل من استبدال محورهما الخاص بالمحور الأمريكي الإسرائيلي.”

محــور جـديــد

بعد أن أنشأ الكرملين في بغداد مركزا لتبادل المعلومات بين سوريا والعراق وايران وروسيا أصبحت هناك الآن شبكة تدعمها موسكو وتربط بين طهران وبغداد وتمتد إلى دمشق ثم لبنان عن طريق حزب الله.

جاء ذلك بعد أن سحبت الولايات المتحدة قواتها البرية من العراق وبدأت تقلص وجودها العسكري في أفغانستان.

ورغم استمرار مراقبة الممرات المائية في الخليج من قاعدة في البحرين والاحتفاظ بقوة جوية في قطر وتركيا يبدو أن واشنطن عازمة على تجنب التورط العسكري على نحو أعمق في الشرق الأوسط.

ويقول محللون ودبلوماسيون إن نقطة التحول في سوريا حدثت قبل عامين عندما تراجع أوباما وحلفاؤه الأوروبيون عن الرد على ما تردد حينذاك عن استخدام الجيش السوري غاز الاعصاب في مهاجمة مدنيين في جيوب المعارضة شرقي دمشق وذلك رغم أن الرئيس الأمريكي نفسه أعلن مرارا أن ذلك يمثل خطا أحمر.

وقال اليافعي “عند هذه النقطة أدرك نظام الأسد والايرانيون في الأساس أن الأمريكيين ليسوا جادين وليسوا مهتمين بدرجة كافية.”

ولهذا السبب فهو يشك أن التدخل الروسي سيؤدي إلى حرب بالوكالة مع روسيا في الشرق الأوسط.

وقال اليافعي “عليك أن تسأل السؤال بطريقة مختلفة.”

وأضاف “ما هو الأمر الذي سيجعل الأمريكيين يتدخلون؟ هل هو ذبح الأطفال والنساء؟ هذا الأمر قد حدث. هل هو تشريد ملايين الناس؟ وهذا قد حدث. هل هو مقتل مئات الالاف من المدنيين؟ هذا أيضا قد حدث.

“أمريكا لم تكن مستعدة في أي مرحلة للتدخل فلماذا تتدخل فجأة الآن؟ المجال مفتوح أمام بوتين والروس.”

يضاف إلى هذا التمنع الأمريكي أن المشهد على المستوى الاقليمي لا يمكن أن يكون في وضع أفضل لصالح تدخل ايران وروسيا.

فالسعودية وحلفاؤها في الخليج الذين يمثلون الداعمين الرئيسيين للمعارضة السورية مستغرقون في حرب في اليمن ضد الحوثيين المدعومين من ايران في حين أن تركيا مشغولة بالتمرد الكردي.

وعلى الأرجح سيتمثل الرد التركي والخليجي على الحشد العسكري الروسي والايراني في زيادة الدعم العسكري لقوى المعارضة الرئيسية في سوريا بدلا من المجازفة بالتدخل المباشر.

دون فهــم

لكن بعض المحللين يقولون إن روسيا ربما كانت تتدخل عن غير فهم وإنها تدخل بذلك مستنقعا غادرا في سوريا قبل أن تتمكن من إحكام سيطرتها على الصراع الذي بدأته في أوكرانيا في وقت يعاني فيه اقتصادها من وطأة العقوبات الغربية وانخفاض أسعار النفط.

وقال مسؤول سابق في الأمم المتحدة له خبرة طويلة كمبعوث في المنطقة “هذه انتهازية محضة. فقد نظروا إلى مدى (سوء) وضعنا ورأوا فرصة.”

وأضاف المبعوث السابق الذي طلب عدم نشر اسمه “هي مقامرة حقيقية فهي أول مرة يرسلون فيها قوة الى الخارج بعيدا عن دائرة الدول المجاورة منذ (الغزو السوفيتي عام 1979 لأراضي) أفغانستان. بل إن ذلك حدث على حدودهم … بوتين يحاول استعادة النفوذ الروسي المفقود في الشرق الأوسط.”

وحتى اليافعي يقول إن فكرة إمكانية أن تحل روسيا محل الولايات المتحدة في المنطقة فكرة خيالية.

ويضيف “ليس لديهم القدرة المالية. وهم ليسوا بحاجة للتورط لأن الأمريكيين راحلون لذلك فإن مجرد الوجود المحدود سيكفي لإحداث أثر كبير.”

حـرب مفتوحــة

ويقول مراقبون للوضع في سوريا إن حكومة الأسد محظوظة بأعدائها مثلما هي محظوظة بحلفائها.

ويقول بعض المحللين ان ما قد يغير هذه الحسابات هو ما إذا تحرك الروس وايران لاستعادة مناطق في شمال غرب سوريا سيطرت عليها المعارضة في وقت سابق من العام الجاري.

ففي تلك المنطقة لم تستهدف الطائرات الروسية تنظيم الدولة الاسلامية بل فصائل اسلامية أخرى تقاتل الجيش السوري وتنظيم الدولة الاسلامية بدعم من تركيا والسعودية وقطر وفي بعض الحالات من الولايات المتحدة.

وكما ذكرت رويترز هذا الأسبوع تعتزم قوات ايرانية ومقاتلون من حزب الله اللبناني استخدام الغطاء الجوي الروسي في شن هجوم بري في إدلب وحماة حيث لا وجود يذكر للدولة الاسلامية.

وهذه مجازفة بقلب كل الفصائل السنية على روسيا في الوقت الذي مازال بوتين يشعر فيه بالقلق لوجود أعداد كبيرة من الشيشان تشارك في القتال في سوريا ولطموحات الدولة الاسلامية في إقامة وجود لها في شمال القوقاز.

وقال المعلق اللبناني البارز سركيس نعوم إنه إذا قررت روسيا شن عملية واسعة النطاق في الشمال فإن هذا قد يؤدي إلى “حرب على نطاق دولي”.

أما إذا قصرت ايران دورها العسكري على دعم المنطقة الساحلية في الشمال الغربي الخاضعة لسيطرة الأسد والعاصمة دمشق وتجنبت المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة الرئيسية القريبة من الحدود الأردنية والتركية فمن المحتمل ألا يتصاعد الصراع على نطاق أوسع.

وقال نعوم عن مهاجمة المعارضة في الشمال “هذه الخطوة تفتح الباب على حرب مفتوحة في المنطقة وحرب مذهبية علنية ممكن أن تتحول على المدى الطويل إلى فيتنام ثانية أو أفغانستان الثانية للروس لن يكونوا قادرين على كسبها.”

ويقول منتقدون لموسكو وقوى معارضة في سوريا غير تنظيم الدولة الاسلامية إن التدخل الروسي والايراني سيؤدي إلى جذب المزيد من المقاتلين السنة والجهاديين من الخارج إلى سوريا.

وقال نعوم “ماذا سيفعل بوتين؟ هذه الحرب بين الجيوش النظامية والجهاديين لا تنتهي تماما كما حصل في العراق وأفغانستان. لو حصلت هذه المعركة سيكون بوتين قد أدخل نفسه والعالم في مأزق بدايته معروفة لكن لن تعرف نهايته.”

المصدر | سامية نخول، رويترز

 

لماذا الدولة الإسلامية باقية؟/ أنّـا ماريـا لوكـا

التدخل الروسي في سوريا

تنفّذ القوات الجوية الروسية ضرباتها الجوّية في سوريا عملاً بأوامر الرئيس فلاديمير بوتين المباشرة. وقد أعلن إيغور كوناشينكوف، المتحدّث باسم وزارة الدفاع الروسية، أنّ “طائرات القوات الجوية الروسية بدأت العملية الجوّية، التي تشمل ضربات محدّدة ودقيقة لأهداف أرضية لإرهابيي الدولة الاسلامية في سوريا”.

وقالت قناة “روسيا 24” إنّ الضربات الجوية الأولى نفذتها طائرتا هجوم من طراز Sukhoi Su-24 على بعد 213 كلم شمال العاصمة السورية دمشق بالقرب من مدينة حماه.

غير أنّ المرصد السوري لحقوق الإنسان قال إنّ 27 مدنياً على الأقل قُتلوا بالإضافة الى جرح العشرات في ضربات جوية نفذتها طائرات على بلدات ومدن شمال حمص، وليس حماه، وشكّكت مصادر أميركية رسمية بأن تكون الضربات استهدفت أراضٍ يسيطر عليها داعش.

وكانت وكالة “إيتار تاس” الروسية قد نقلت خبر موافقة المجلس الفيدرالي الروسي على طلب تقدّم به بوتين من أجل استخدام الجيش في سوريا، لكنّها أضافت أنّ روسيا سوف تكتفي باستخدام قوتها الجوية في سوريا ولن ترسل أي جيوش لها على الأرض.

بدورهم يرى محللون أنّ هذه التطورات تُظهِر بوضوح أنّ وجود روسيا العسكري في سوريا بعيد كل البعد عن المساعدة في القتال ضد داعش، وبأنّه لا يساهم إلاّ في تعقيد صراع زعزع أصلاً الاستقرار في المنطقة.

“وجود روسيا في سوريا يخلق أيضاً إئتلافا بديلاً ضد داعش قائمًا على التحالف الشيعي بين كل من إيران، والعراق، وحزب الله اللبناني والميليشيات العلوية السورية”، وفق ما قال لـNOW رئيس مركز تحليل النزاعات والإنذار المبكر، أيوليان شيفو، وأضاف: “هذا يهدّد بالاصطدام مباشرة مع مصالح القوى الغربية، ودول الخليج وتركيا. نحن نقوم فقط بالمساهمة في المزيد من الاستقطاب في نزاع إقليمي نما إلى درجة أنّه بات يشكّل خطراً على المستوى الدولي”.

وقال شيفو أيضاً إنّ روسيا لن تنشر جيوشها على الأرض لقتال داعش لأنّ بنيتها العسكرية، وأنظمة دفاعها المضادة للصواريخ وقدراتها البحرية لن تجدي نفعاً مع المجموعة الإرهابية هذه، “الأمر يتعلّق بتعزيز روسيا من وجودها العسكري شرقي البحر المتوسط”.

لماذا تواجد روسيا في سوريا؟

من الواضح بأنّ روسيا عزّزت من وجودها على الأراضي السورية خلال الأسابيع القليلة الماضية، لكن وفقاً للمرصد السوري قد يكون هناك الكثير من التعاون بين الجيش الروسي والحكومة السورية.

ونقلت قنوات المعارضة السورية عن ديبلوماسيين أوروبيين ذكرهم لمعلومات مسرّبة تشير الى أنّ روسيا قد حدّت من تواصلها مع النظام السوري فيما يتعلّق بمواقع المعارضة السورية أو مقاتلي داعش، على الرغم من أنّ النظام طلب الحصول على مثل هذه المعلومات في مناسبات عدة. وقيل كذلك إنّ الجيش الروسي قرّر طرد كافة موظفي الجيش السوري من مطار اللاذقية.

ويقول شيفو إنّ الوجود الروسي في سوريا هو نتيجة طموح بوتين لإعادة التـأكيد على الاتحاد الروسي كقوة عالمية، وأضاف: “الاتحاد الروسي يدير طموحاته المتعلّقة بالقوة العظمى. يقوم الاتحاد الروسي ببناء قوته في المجال الأوروبي- الأطلسي من خلال معارضة أي خيار يتّخذه الغرب. ما وضعه الاتحاد الأوروبي في غرب سوريا هو قوة عسكرية إقليمية تعيق أي مصالح غربية في المنطقة وسوف تخلق مشاكل للدول المجاورة، بما فيها تركيا، وقبرص، وحتى إسرائيل”.

مقاربة غربية ضعيفة للإرهاب

على الرغم من مزاعمها، فإنّ روسيا تحارب داعش بشكل خجول مثلها مثل الولايات المتحدة. في جلسة أمام اللجنة البرلمانية للشؤون الخارجية، قال طوماس جوسلين، المسؤول الكبير في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إنّه “على الرغم من بعض النكسات التي لاقتها على يد الإئتلاف الجوي بقيادة الولايات المتحدة والقوات الكردية البرية في وقت سابق من هذا العام في شمال سوريا، لم تعانِ منظمة أبو بكر البغدادي من أي ضربة كبيرة لها حتى الآن”، مضيفاً: “قد أعتبر بأنّه لا يوجد حالياً أي استراتيجية شاملة معتمدة. إنّ تدخّل الغرب خاص، تكتيكي، ويدل على ردة فعل”.

يقول جوسلين إنّ قتل قادة كبار وضرب أهداف هامة أخرى ليس كافياً لهزيمة الدولة الإسلامية أو القاعدة. العالم الغربي لم يتعلّم حقاً من دروس قتال القاعدة في العراق من خلال القضاء على قادتها، وقد قُتل العديد من قادة القاعدة في العراق، بينهم مؤسسها أبو مصعب الزرقاوي في ضربات بين عامي 2006 و2010، لنرى لاحقاً البغدادي يستلم القيادة ويعمل على تنمية داعش ليصبح ما هو عليه اليوم، ويتابع: “هذه المنظمات ليست مبنيّة بشكل هرمي، بحيث تتخذ بعض الشخصيات الهامة كافة القرارات المهمة بشكل يومي، لقد قاموا لدواعٍ عملية بتطوير بنى قيادية أكثر فعالية، أعطيت فيها المسؤوليات الكبرى الى الصفين الثاني والثالث من كوادرهم القيادية”.

ليست مجموعة إرهابية عادية

تنبع خطورة الدولة الإسلامية من كونها تعمل كما يدل عليها اسمها- كدولة. فهي ليست مجموعة مسلّحة، ولكنّها المنظمة المسلحة الأولى التي تحوّلت الى دولة، وهي بذلك تستخدم الإرهاب بشكل مختلف عن أي منظمة مسلحة أخرى. “إنّها تفهم طريقة عمل النظام السياسي العالمي وتقتنص الفرص التي تبرز أمامها”، قالت لوريتا نابوليوني، كاتبة The Islamist Phoenix، وهو كتاب عن كيفية تمكّن داعش من تحقيق نجاح باهر على الصعيد الاقتصادي.

وتقول نابوليوني إنّ لدى مقاتلي داعش استراتيجية جيدة لتوفير خدمات لأهالي المناطق التي يقوم بغزوها- فهو يقوم بإصلاح الماء، والكهرباء، والأسواق، وحتى ينظم دفع حسنات للفقراء، من خلال نظام ضريبي معيّن.

“الجميع يدفع ضرائب للدولة الإسلامية، على غرار أي دولة حديثة أخرى”، قالت نابوليوني لـNOW، وأضافت: “المهرّبون يدفعون ضرائب، أصحاب الأعمال المحلّيون يدفعون ضرائب. وحتى الأشخاص الذين يقطعون الحدود ويتركون سوريا عليهم أن يدفعوا ضريبة على الحدود. هكذا يحصلون على الكثير من الأموال”، مشيرة إلى أنّ “الطريقة الوحيدة للحد من الاكتفاء الذاتي الذي تتمتع به المجموعة هو حملة عسكرية برية عليها”.

لكن لا الإئتلاف الغربي ولا روسيا يرغبان في المشاركة في مثل هذه المغامرة العسكرية الواسعة. “في حال تمّت الحملة العسكرية، لن تتمكن الدولة الإسلامية من الاستمرار”، كما قالت، “لكنهم يعلمون بأن أي حملة لن تتم. يعلمون كيفية عمل العالم الغربي. أعتقد بأنّ الدولة الإسلامية جاءت لكي تبقى وبأنها ستزعزع استقرار المنطقة بأكملها، ليس بالضرورة من خلال غزو مناطق جديدة وتوسيع بقعة وجودها، ولكن من خلال مجرّد وجودها”.

هذا المقال ترجمة للنص الأصلي بالإنكليزية

(ترجمة زينة أبو فاعور)

موقع لبنان ناو

 

 

 

 

 

روسيا وتركيا.. صراع النفوذ وتحييد الخلافات السياسية/ عامر راشد

البراغماتية الروسية والتركية نجحت في تحييد التأثيرات السلبية للخلافات السياسية على علاقات البلدين، خدمة للتعاون بينهما في قطاع الطاقة، لكن هل يكفي التحييد مرحلياً لبناء علاقات اقتصادية إستراتيجية متطورة.

الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأنقرة مؤخراً توجت شراكة اقتصادية تجعل تركيا -على حد وصف رئيس شركة “غازبروم” الروسية ألكسي ميلر- بمثابة “حنفية للغاز” الروسي المصدر إلى بلدان جنوب ووسط أوروبا، بعد إيقاف مشروع بناء “السيل الجنوبي” الناقل الغاز، لرفض بلغاريا مد الأنابيب عبر أراضيها، وكذلك نتيجة للعقوبات الاقتصادية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا.

كما تعتزم روسيا التسريع بإخراج أوكرانيا من معادلة نقل الغاز الروسي كدولة ترانزيت لما يقارب 50% من صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا، وكان من شأن استكمال تنفيذ خط “السيل الجنوبي” أن يصل إلى النتيجة ذاتها عام 2018 تدريجياً بعد البدء في تشغيله الذي كان مقرراً عام 2015، قبل أن يعلن الرئيس بوتين إلغاء المشروع.

ضربة مزدوجة حققتها روسيا من اتفاق الشراكة الجديد مع تركيا، فهي -من جانب- تخفف من الخسائر المالية التي لحقت بها جراء إلغاء مشروع “السيل الجنوبي”، وباستطاعتها أن توظف مراحل التنفيذ المنجزة لنقل الغاز عبر تركيا بدل بلغاريا. ومن جانب آخر، تلوّح بتوجيه ضربة قوية لمناوئيها في العاصمة الأوكرانية كييف بحرمان أوكرانيا من عوائد ترانزيت نقل الغاز، ومن الأسعار التفضيلية الضرورية لاقتصادها المتدهور، ومنع تحكمها في معادلة تصدير الغاز الروسي.

وهذا قد يشجع روسيا في المستقبل على اتخاذ مواقف سياسية عقابية أشد ضد كييف، ربطاً بتطورات الأوضاع في مناطق شرق أوكرانيا التي تنحدر أغلبية سكانها من أصول روسية، وتشهد حركة تمرد واسعة ضد الحكومة المركزية. دون إغفال أن مسار العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يلعب دوراً محورياً في تصعيد أو تخفيف الإجراءات السياسية تجاه الحكومة الأوكرانية، مع ملاحظة أن الكرملين يتصرف إزاء الأزمة الأوكرانية باعتبارها صراعا جيوسياسياً مع الغرب يقع في صلب المصالح الروسية العليا، ويفرض موازنات دقيقة لتجنب الوصول إلى قطيعة تامة مع كييف.

ولا يخلو التوجه الروسي نحو شراكة اقتصادية مع تركيا (في قطاع الغاز) من منغصات سياسية، وربما يبرز في المستقبل المنظور تضارب جزئي في المصالح الاقتصادية -على هذا الصعيد- تفرضه لعبة أوسع نطاقاً من العلاقات الثنائية الاقتصادية المتطورة بين البلدين.

فزيارة بوتين لأنقرة لم تخفف من حدة الخلافات بخصوص الملف السوري، وثمة حذر روسي من النشاط السياسي التركي في منطقتيْ القوقاز وآسيا الوسطى، رغم ما تبديه تركيا في خطابها وتحركاتها من حرص على التعاون والشراكة مع روسيا في هاتين المنطقتين الحيويتين، واللتين تعتبرهما موسكو قاعدة الارتكاز الأهم لمجالها الحيوي ونفوذها جغرافياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، بحكم العلاقات معها في عهد الاتحاد السوفياتي السابق، ولكونها تمثل خاصرة الأمن القومي الروسي.

في تقديرات خبراء ومحللين اقتصاديين روس وأتراك، سيتأثر التعاون المشترك بين البلدين في مجال تصدير واستيراد وتوزيع الغاز -في المدى المتوسط- بالعديد من العوامل السلبية نوعاً ما، ومنها سعي تركيا منذ سنوات لتنويع مصادر استيراد الغاز للاستهلاك المحلي، وميل دول الاتحاد الأوروبي للتقليل من الاعتماد على إمدادات الغاز الروسي، ورصدها استثمارات في البنية التحتية لنقل الغاز عبر البحر المتوسط، من المتوقع أن تتضاعف إثر اكتشاف احتياطي ضخم من الغاز الأحفوري في أعماق مياه شرق المتوسط.

ولذلك؛ فإن تعميق دور تركيا كموزع للطاقة يحتاج للاعتماد على أكثر من شريك مُصدّر -إلى جانب الشريك الروسي- مثل إيران وأذربيجان، وقد دخلت إسرائيل في قائمة الشركاء المحتملين لتركيا بعد تحول الأولى من مستورد إلى مصدّر للغاز، بفضل الاكتشافات الكبيرة في حقليْ “ليفياثان” و”تمار”.

وهو ما سيضغط على روسيا في سوق الغاز من البوابة التركية، إلا أن حجم العلاقات التجارية والاقتصادية بين روسيا وتركيا -التي تقدر حالياً بأكثر من 33 مليار دولار، ويتوقع لها أن تصل إلى 100 مليار دولار سنوياً عام 2020- يجعل من روسيا شريكاً اقتصادياً إستراتيجياً هاماً لتركيا لا يمكنها الاستغناء عنه، وبالتالي قد تعطيه أنقرة امتيازات تفضيلية.

نقطة أخرى لم تغب عن حسابات أنقرة وموسكو في ترتيبات ونتائج الزيارة التي قام بها الرئيس بوتين لأنقرة، وتتمثل في ثقة الطرفين بأن كلاً منهما يمتلك ما يكفي من براغماتية للتغلب على العُقد التي تعترض العلاقات السياسية بين البلدين، مثل الموقف من الصراع في سوريا، وعضوية تركيا في حلف “الناتو”، وتعاطيها مع قوى “الإسلام السياسي” العربية وخاصة “الإخوان المسلمين”.

الرئيس بوتين لم يجد حرجاً في إعادة تأكيد موقف بلاده من الصراع في سوريا خلال مؤتمر مشترك مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، وردَّ الأخير بالتشكيك في شرعية الرئيس بشار الأسد، غير أن التأكيد أو التشكيك لم يبتعد عن سياق تنحية الخلافات جانباً، كمعطى لشبكة مصالح أوسع تمنع تحويل هذا الخلاف إلى عقدة منشار تعوق السير في طريق العلاقات بين البلدين.

وقد جُرِّبت البراغماتية التركية في عدم تأثر التعاون التجاري والاقتصادي مع إسرائيل رغم اتساع رقعة الخلافات السياسية بين حكومة أردوغان وحكومة بنيامين نتنياهو. ولم تمنع عضوية تركيا في حلف “الناتو” أنقرة من اتخاذ مواقف تتعارض مع سياسات دول الحلف، وآخرها الموقف من الحرب على “تنظيم الدولة الإسلامية”، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

إلا أن تباين المصالح التركية والروسية في آسيا الوسطى ومنطقة الشرق الأوسط، والافتقار إلى أجندة سياسية مشتركة، يضفي على العلاقة بينهما حتى الآن طابعاً تكتيكياً أكثر منه إستراتيجياً، وليس هناك ما يضمن استمرار نجاح الطرفين في عزل العلاقات الاقتصادية عن التناقضات السياسية، فروسيا ستظل تتعامل بعين الشك مع أي ثقل نوعي تركي بمنطقتيْ القوقاز وآسيا الوسطى في المناحي الدينية والثقافية والتعليمية، على خلفية التوجهات الإسلامية لحكومة “حزب العدالة والتنمية”. وفي المقابل، تخشى تركيا من ممارسة روسيا لسياسة أكثر حزماً في آسيا الوسطى على غرار تعاملها مع أوكرانيا.

ويرى المراقبون والمحللون السياسيون في العاصمة الروسية موسكو أنه من غير المستبعد -مع مرور الوقت- بروز التنافس التاريخي الروسي/التركي مرة أخرى (إلى جانب لاعب ثالث مؤثر في المنطقة هو إيران) بمستوى قد لا تنفع معه البراغماتية، لكن ليس في المدى المنظور. ولا شك في أنه تتوقف أشياء كثيرة على حل النزاعات الإقليمية العالقة، وتطور شبكة المصالح الاقتصادية المتبادلة.

الجزيرة نت

 

 

 

 

 

بوتين والطريق المعوج إلى دمشق/ أندري كوليسنيكوف

عندما خاطب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجمعية العامة للأمم المتحدة في 28 سبتمبر/أيلول، كان يعلم أنه سوف يلفت انتباه العالم ويتفوق على رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما عندما يدعو إلى تشكيل جبهة موحدة في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

ولكن بوتين كان يخاطب الروس أيضا، وهو يعلم تمام العِلم ضرورة صرف انتباههم عن المشاكل الاقتصادية المتزايدة الوضوح التي تواجه بلادهم.

في العام الماضي، كان الإلهاء متمثلا في ضم شبه جزيرة القرم، الذي أعقبه تشجيع الانفصاليين الموالين لروسيا في شرق أوكرانيا. وكان إرسال الطائرات والصواريخ الروسية وبضعة آلاف من الجنود إلى سوريا مؤخرا بمثابة بديل دعائي لمشروع “نوفوروسيا” الفاشل.

ويرى منتقدو بوتين، وهم محقون في ذلك، أن مغامرته في سوريا مجرد استحضار آخر لمشاعر الحنين إلى الماضي السوفياتي، فالاتحاد السوفياتي كان مقتدرا جبارا ويزعم بوتين أن روسيا قادرة على امتلاك نفس القوة، وأنها تمتلكها بالفعل.

ولكن ما الغاية وراء كل هذا؟ ربما يكون إرباك ومفاجأة الولايات المتحدة والغرب تكتيكا جيدا في الأمد القريب، ولكن يبدو أن الأمر برمته يخلو من رؤية طويلة الأمد للأغراض التي يفترض أن تخدمها القوة الروسية، ربما باستثناء الحفاظ على قوة النخبة في روسيا. ونتيجة لهذا فإن النظام يحاكي أشكال الديمقراطية في حين يستخدم آلته الدعائية لتحفيز شكل عدواني من أشكال القومية.

في السنوات الأولى من هذا القرن كان اقتران أسعار النفط المرتفعة بالنمو الاقتصادي سببا في تقليص رغبة النخبة في التفكير الاستراتيجي، والسماح لهم بتجاهل التراجع اللاحق في إصلاحات الرعاية الصحية والتعليم والضمان الاجتماعي. والآن ينظر النظام وعامة الناس إلى الموقف الحالي باعتباره طبيعيا على نحو أو آخر أو “أزمة بلا أزمة”.

ولأن التصورات تشكل الواقع، فإن كل شيء طبيعي، ولا يجب القيام بأي شيء، وبوسع بوتين -الذي يفترض أنه استعاد كرامة روسيا- أن يتمتع بمستويات من الشعبية تتجاوز 80%.

يرى بوتين أن استعادة كرامة روسيا تعادل إحياء “مكانة القوة العظمى” في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي و”هزيمته” المذلة على يد الغرب في الحرب الباردة. ومن الواضح أن ممارسة القوة في الخارج تعوض عن حقيقة مفادها أن الكرامة داخل البلاد لم تسترد بعد، فالمواطن الروسي اليوم يظل أعزل عاجزا عن الدفاع عن نفسه في مواجهة رؤسائه، وشركات المرافق العامة، والمحاكم، والشرطة، ورغم الصعوبات التي يواجهها أيا كانت فإنه يظل فخورا بأمته وزعيمها.

هناك بطبيعة الحال تفسير آخر لاستمرار شعبية بوتين في النمو في مواجهة الاقتصاد المتدهور، ذلك أن العاجزين عن إعالة أنفسهم من الطبيعي أن يتطلعوا إلى الدولة لمساعدتهم، ومن غير المحتمل أن يعضوا اليد التي تطعمهم. وما ينتقده الغربيون باعتباره انتهاكات لحقوق الإنسان من المرجح أن يمتدحه الروس باعتباره سياسات ضرورية لتخليص البلاد من الممارسات “الغريبة” وحماية الأغلبية من الأقلية “المخربة”. وقد يثير عداء النظام تجاه المثليين جنسيا استياء الغرب، ولكنه يضرب وترا حساسا لدى أغلب الروس.

ولأن نفس الروس يرون الحرب في أوكرانيا حربا دفاعية وعادلة، فإنها تصبح مبررة، وتعاد كتابة صفحات التاريخ السوداء، وتصبح اللغة العدائية هي القاعدة.

قبل وقت ليس ببعيد، كان الروس العاديون يتحدثون صراحة عن عدد الوفيات والإصابات التي تلحق بقواتهم في العمليات العسكرية التي تقوم بها بلادهم، ولكنهم الآن، بعد المرسوم الرئاسي الذي أصدره بوتين بشأن “الخسائر السرية”، يلتزمون الصمت. وحتى رغم أن المرسوم ربما يتعارض تماما مع الدستور الروسي والقانون بشأن أسرار الدولة، فإن قائمة المعلومات السرية الآن تتضمن الخسائر العسكرية الروسية أثناء العمليات في وقت السلم.

والنتيجة هي بلد منقسم بين موالين وخونة، وطنيين وغير وطنيين أو بين أولئك الذين يتبعون خط الحزب وأولئك الذين يرفضونه. وإذا كانت استطلاعات الرأي دقيقة، فإن الموالين والمطيعين يشكلون أغلبية واضحة على الأقل حتى الآن. وهذا يفسر دعم الانفصاليين في منطقة دونباس شرق أوكرانيا وتأييد تدخل بوتين في سوريا. وإذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن تقبل هذه الحقيقة، فإنها بهذا تثبت إصرارها على فرض هيمنتها، سواء في أوروبا، من خلال حلف شمال الأطلسي، أو في الشرق الأوسط.

ويتعزز هذا المنطق بفِعل تفسير بوتين الذاتي للتاريخ، والذي يبرر حرب الشتاء في العام 1939 ضد فنلندا، وميثاق مولوتوف-ريبينتروب في العام 1939، والغزو السوفياتي لأفغانستان في العام 1979. حتى إن مكتب النائب العام كان مشغولا بتحليل سخيف بأثر رجعي للقرار الصادر عام 1954 بنقل شبه جزيرة القرم من ولاية الجمهورية الاشتراكية السوفياتية الاتحادية الروسية إلى الجمهورية الاشتراكية السوفياتية الأوكرانية. وما يثير القلق والانزعاج هو أن نفس التحليل يجري تطبيقه الآن على شرعية استقلال دول البلطيق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

ولكن إلى أين يقودنا كل هذا؟ تماما كما كانت الحال في الحقبة السوفياتية، يساوي حكام اليوم أنفسهم بالدولة. ثم تختزل الدولة في الدائرة الداخلية للزعيم وأصحاب المراتب العليا من النخبة المالية والسياسية، التي ينعم أفرادها بالأمن والاطمئنان إلى قوتهم لأن المواطنين العاديين دُفِعوا دفعا بالتضليل والخداع إلى شكل متطرف وضعيف التمييز من أشكال القومية.

بوسع معارضي بوتين المحاصرين أن يتوقعوا عن يقين فترة طويلة من الركود السياسي والاقتصادي والفكري، حتى الانتخابات البرلمانية القادمة والانتخابات الرئاسية بعد عامين بكل تأكيد.

وربما يمتد الركود إلى الدورة السياسية التالية أيضا، ولكنه من غير الممكن أن يستمر إلى الأبد، فـعند نقطة ما، سوف يتطلب بقاء النظام تقديم شيء لعامة الناس غير القومية والحنين إلى الماضي. والسؤال هو ما إذا كان بوتين، الذي يعمل الآن على تعميق تورط روسيا في مغامرة عسكرية أخرى، يدرك هذه الحقيقة.

الجزيرة نت

 

 

 

 

التدخل الروسي بسوريا واستراتيجية أوباما الأوسطية/ فراس أبو هلال

مواقف متباينة

استراتيجية أوباما

التدخل الروسي

دشنت روسيا مرحلة جديدة من الأزمة السورية بقصفها لأهداف تابعة للمعارضة السورية، ومع هذا القصف يثور جدل كبير حول تأثيرات هذه المرحلة على الميزان الاستراتيجي للقوى العالمية في الإقليم، وعن موقع روسيا الجديدة في هذا الميزان.

فكيف يمكن قراءة التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا؟ وهل هو انتصار لموسكو ودليل على هزيمة أوباما واستراتيجيته في الشرق الأوسط كما يروج الكثيرون؟ وما دلالات ذلك على مستقبل المنطقة؟

مواقف متباينة

تباينت المواقف تجاه التدخل الروسي العسكري في سوريا تبعا للموقف من الأزمة السورية بعمومها، فمن يؤيد الثورة رأى فيه استمرارا للدعم القوي الذي يحصل عليه النظام من حلفائه للقضاء على الثوار وعلى آمال الشعب السوري بالتحرر والكرامة، مقابل “خذلان” هذا الشعب وثورته من قبل حلفائه أو ممن أطلقوا على أنفسهم وصف “أصدقاء سوريا”، وقد أعلن هذا الفريق المؤيد للثورة إدانته ورفضه للتدخل الروسي العسكري بوضوح.

وفي مقابل هذه الإدانة والرفض، كان موقف حلفاء ومؤيدي نظام الأسد ومحور إيران واضحا لجهة الترحيب بالتدخل الروسي، نظرا لأنه سيساهم بكل تأكيد بتعزيز الموقف العسكري والميداني للنظام. ورأى هذا الفريق أيضا في تدخل موسكو الأخير عودة مظفرة “للدب الروسي”، الذي “سينهي تفرد الولايات المتحدة في المنطقة”، من وجهة نظره، و”سيعيد التوازن الدولي في الشرق الأوسط، بعد أن أثبت بوتين “شجاعته” مقابل “تردد” أوباما”.

وبعيدا عن الإدانة أو الترحيب، فإن مدار البحث في هذا المقال هو عن معنى التدخل الروسي في الميزان الاستراتيجي، وإن كان يمثل فعلا، كما يرى الفريق المؤيد للنظام السوري، انتصارا لبوتين وموسكو، وهزيمة لواشنطن وسياسة أوباما، وهو ما يتطلب ابتداء قراءة سريعة في استراتيجية أوباما الأوسطية.

استراتيجية أوباما

مثلت إستراتيجية أوباما تجاه الشرق الأوسط إحدى العقد لدارسي السياسة الخارجية الأميركية في عهده، وتنوعت الأسماء والتوصيفات المستخدمة في الدوائر الأكاديمية والبحثية لهذه الاستراتيجية أو ما يسميه بعض الأكاديميين “عقيدة” السياسة الخارجية لأوباما، إذ وصفها البعض “بالتردد”، وآخرون “بالسياسة المرنة” حسب التطورات، واعتبرها البعض “لا عقيدة”، أي أن سياسته لا يحكمها مبدأ معين كما حكم مبدأ “الحرب الاستباقية” عقيدة بوش الابن في السياسة الخارجية، وأطلق عليها البعض وصف “ضد البوشية”، بمعنى أن المحرك الرئيسي لأوباما في سياسته الخارجية هو أن يقوم “بضد” ما قام به بوش.

ولكن تتبع سياسة أوباما في الشرق الأوسط، خصوصا بعد عامين من دورته الرئاسية الأولى، يدفعنا للقول إن هناك عقيدة واضحة لأوباما في سياسته الخارجية، وإنه لم يكن “مترددا”، بل حافظ على عدة مبادئ رئيسية ثابتة حكمت استراتيجيته في المنطقة:

– الأول: إنهاء سياسة “الحرب الاستباقية” التي انتهجها بوش الابن وكلفت أميركا خسائر مالية وسياسية هائلة، ووعد أوباما في حملته الانتخابية الأولى بالتوقف عنها، والتحول بالإنفاق على دعم الاقتصاد ومشاريع البنية التحتية لفتح الملايين من فرص العمل الجديدة للأميركيين، بدلا من الإنفاق على الحروب.

– الثاني: تقليل الانخراط والتدخل في الشرق الأوسط، وهو مبدأ ترافق مع ظهور تيار أكاديمي وسياسي أميركي يدعو للعودة إلى سياسة واشنطن قبل الأربعينيات من القرن الماضي التي قامت على علاقات جيدة مع دول الإقليم دون التدخل بها، باعتبار أن هذا التدخل أساء لصورة أميركا وكلفها كثيرا من الخسائر المالية والبشرية والسياسية دون الحصول على أثمان مناسبة لهذه الخسائر.

– الثالث: انطلاقا من المبدأين السابقين، فإن التوجه العام لسياسة أوباما لم يكن الابتعاد عن الشرق الأوسط بمعنى خلق “فراغ” فيها، كما قد يفهم من مبدأ “تقليل الانخراط في المنطقة”، فهو أمر لا يمكن لواشنطن أن تتقبله في المرحلة الحالية أو في المستقبل القريب.

بل إن هذين المبدأين قادا إلى المبدأ الثالث والأهم في استراتيجية أوباما الأوسطية، وهو الاعتماد على “وكلاء إقليميين” أو محليين للتعامل مع تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، أو ترك “الحلفاء” و”الخصوم” يديرون صراعاتهم البينية بما يحقق مصالح الولايات المتحدة دون أن تتورط الأخيرة بحرب استباقية كانت أو غير استباقية، ودون أن تضطر إلى الانخراط في مشكلات الإقليم بما يمثله ذلك من تكاليف سياسية وأمنية واقتصادية على واشنطن.

لقد صبغت هذه المبادئ الثلاثة سياسة أوباما في كل الملفات الساخنة في المنطقة، حيث رفض استخدام “الحرب الاستباقية” للتعامل مع ملف إيران النووي، واعتمد على شركائه الأوروبيين في إسقاط نظام القذافي بعد إصدار قرار مجلس الأمن رقم 1973، كما تراجع اهتمامه بالصراع العربي الإسرائيلي، واستخدم حلفاءه و”وكلاءه” الإقليميين لإدارة الصراع بسوريا، خصوصا بعد عسكرة الثورة التي سببتها دموية النظام، وترك خصوم وأعداء الولايات المتحدة يدخلون في صراع دموي في البلاد، بما يؤدي إلى إضعاف جميع هؤلاء الخصوم والأعداء دون أن تصرف واشنطن دولارا واحدا، أو ترسل جنديا واحدا إلى منطقة الصراع.

التدخل الروسي

بالنظر إلى المبادئ الثلاثة المذكورة آنفا في استراتيجية أوباما الأوسطية، يمكن القول، وخلافا لما هو سائد، إن التغاضي الأميركي عن “التوغل” الروسي العسكري بهذا الشكل الفج في الصراع بسوريا ليس مجرد دلالة على تراجع الولايات المتحدة أمام طموحات بوتين في المنطقة، وليس دليلا جديدا على “تردد” أوباما، بل على العكس من ذلك، هو دلالة جديدة على تمسك الرئيس الأميركي باستراتيجيته القائمة على تحقيق أهداف بلاده دون توريط جيشه بحروب جديدة، ودون انخراط مباشر في صراعات الشرق الأوسط، وبالاعتماد على “الوكلاء” الإقليميين في إدارة الصراعات وضرب الأعداء والخصوم بعضهم ببعض.

ومن المتوقع أن يحقق أوباما من الانغماس الروسي المندفع في سوريا أربعة أهداف استراتيجية:

الأول هو محاربة تنظيم الدولة وغيره من المنظمات التي صنفتها الولايات المتحدة جماعات إرهابية، ولكن هذه المرة بأموال وطائرات روسية، دون أن تكلف هذه المعركة واشنطن أية خسائر اقتصادية أو بشرية، والأهم من ذلك خسائر “أخلاقية”، حيث سيتكفل الجانب الروسي بهذه الحرب نيابة عن الولايات المتحدة، بوعي أو من دون وعي، وسيدفع أثمانها الباهظة “أخلاقيا”، حيث ستتحول موسكو إلى “عدو” لغالبية الشعوب العربية، خصوصا أن الجيش الروسي معروف بعقيدته القتالية التي لا تقيم للأبعاد الأخلاقية أي حساب في الحروب.

أما الهدف الثاني الذي سيحققه أوباما من التدخل الروسي فهو وجود دولة “عاقلة” إلى حد ما، تتفاوض مع الغرب وحلفائه نيابة عن نظام الأسد الذي فقد شرعيته ووجوده كنظام سياسي يمكن التفاوض معه، بعد أن تسبب بما حل في بلاده من تقسيم، وفي شعبه من قتل وانقسام وتهجير.

لقد أصبح نظام الأسد بعد التدخل الروسي، شاء أم أبى، رهينة لموسكو ولخيارات الكرملين السياسية، وليس غريبا من الشواهد التاريخية للسياسة الروسية أن يقرر بوتين في لحظة ما أن يبيع “الأسد” مقابل الحفاظ على ما تبقى من نظامه والحصول على نفوذ روسي في سوريا، مع بعض الحوافز السياسية في المسألة الأوكرانية، والامتيازات الاقتصادية في ظل أزمة تراجع أسعار الطاقة عالميا.

أما الهدف الثالث فهو التخفيف من نفوذ إيران في سوريا، إذ يمثل التدخل الروسي العسكري تنصيبا صريحا لروسيا فاعلا أساسيا في الصراع، وحليفا أول للنظام، إذ أصبح الدعم الروسي لدمشق يتعدى مثيله الإيراني، وبات يجمع بين قوة “الفيتو” وقدرة الطيران الحربي اللذين لا تملكهما طهران، مما سيؤدي إلى تضخم النفوذ الروسي على حساب إيران. وقد أشارت تقارير إعلامية دولية إلى أن إيران ليست مرتاحة في واقع الأمر للتطورات الأخيرة، وإن كانت أعلنت تأييدها للقصف الروسي في العلن.

ويبقى الهدف الرابع الذي يمكن لواشنطن أن تحققه على المدى البعيد من التدخل الروسي رهينا لتطورات الأوضاع على الأرض، إذ يعتمد على مدى تورط روسيا بالحرب وإمكانية تجاوز القصف الجوي إلى عمليات برية، ونعني بهذا الهدف استنزاف روسيا في حرب طويلة قد تؤدي إلى خسائر كبيرة على الصعيد العسكري والسياسي، في حالة شبيهة لتورط الاتحاد السوفياتي السابق في أفغانستان.

وبالطبع ليس هناك أهداف مضمونة التحقيق في السياسة والحرب، خصوصا في ساحة ملتهبة كما هو الحال في سوريا، ولكن القراءة الأولية في الأحداث بالاستناد إلى استراتيجية أوباما الأوسطية، تقودنا إلى الاعتقاد بأن مآلات التدخل الروسي ستصب في صالح تلك الاستراتيجية، التي تحقق أهداف الولايات المتحدة من دون التورط في حروب لا تريد واشنطن تحمل تكاليفها وتبعاتها بعد تجربة احتلال العراق.

قد يستمر الجدل طويلا حول الخاسر أو المنتصر من التدخل الروسي العسكري في سوريا حتى تضع الحرب أوزارها، ولكن أحدا ليس بحاجة لانتظار انتهاء الحرب ليدرك أن الخاسر الأكبر في المرحلة الحالية وفي المستقبل القريب غالبا هو الشعب السوري الذي حولت دموية النظام وفشل المنظومة العربية والدولية ثورته المجيدة إلى حرب استنزاف يدفع ثمنها هذا الشعب يوميا.

الجزيرة نت

 

 

 

 

حسابات القاهرة في تأييد الغارات الروسية بسوريا/ دعاء عبد اللطيف-القاهرة

على الرغم من الانتقادات الغربية للتدخل الروسي في سوريا والرفض الخليجي له، فإن مصر أبدت تأييدها الغارات الجوية التي تشنها روسيا هناك، وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري إن هدف موسكو هو توجيه ضربة قاصمة لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، و”نرى أن هذا سيكون له أثر في القضاء على الإرهاب”، فاتحا بتصريحه باب التكهنات بشأن تداعيات هذا التأييد، والعلاقة بين القاهرة ودول الخليج التي ترفض تدخل موسكو.

ورغم أن هذا التصريح يغرد خارج السرب العربي الرافض التدخل الروسي بالمنطقة، فإنه ليس مفاجئا لمتابعي سعي مصر لاسترضاء روسيا عبر الكثير من تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي الت تؤكد توطيد العلاقات، فضلا عن شراكة الطرفين في مشاريع اقتصادية.

وقال المحلل السياسي أسامة الهتيمي إن العلاقات المصرية الخليجية “تشهد حالة من التوتر نتيجة تباين المواقف الخاصة ببعض الملفات، ومنها اليمني والسوري، والخلاف بات واضحا رغم حرص كل من مصر والخليج على عدم توسيع الفجوة للحفاظ على المصالح المشتركة”.

مستجدات

ويرى الهتيمي أنه “لا يمكن تجاهل المستجدات التي شهدتها المنطقة والتي دفعت دولا خليجية إلى الضغط على النظام المصري لاحتواء الإسلاميين لتحقيق تهدئة تساعد على التفرغ لمواجهة التمدد الإيراني”.

وأضاف أن الضغط الخليجي “قوبل باستياء مصري ومحاولات لامتلاك أوراق ضغط مضادة، لعل أهمها هو التأييد المصري للتدخل العسكري بسوريا، والذي يستهدف إنقاذ بشار الأسد بما يتعارض مع الموقف الخليجي، وليس مستبعدا ازدياد توتر العلاقات المصرية-الخليجية ولو سريا، حيث سيواصل الطرفان حرصهما على بقاء العلاقات الظاهرية بشكل جيد”.

ومن جانبه، قال الكاتب الصحفي أحمد القاعود إن الموقف المصري “مرتبط بمساومة مصر للخليج ليدفع مزيدا من الأموال لتأييده في مواقفه، كما حدث في اليمن”. مشيرا إلى وجود خلافات بين دول الخليج و”نظام السيسي، لكنه غير ظاهر بسبب حاجة الخليج له أحيانا، رغم تأكدهم من خيانته كافة الأطراف وعدم قدرته على الخروج عن الخط الإسرائيلي”.

وبشأن تأثر شعبية النظام المصري بتأييده الغارات الروسية، أشار القاعود إلى “انعدام شعبيته في الوقت الراهن مقارنة ببدايات الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013 والمؤيدون فقط هم أصحاب المصالح والقطاع الذي اعتاد على تأييد صاحب القوة”.

بين التفاهم والتشكيك

وفي المقابل، قال يسري العزباوي الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية إن الدور الروسي “يتماشى مع نظيره المصري في السعي للحفاظ على الدولة السورية ولو كان الأسد جزءا من مرحلة انتقالية، والضربات الروسية موجهة ضد تنظيمات إرهابية مما سيسرع حل الأزمة السورية”.

ورجح العزباوي “تفهم دول الخليج الموقف المصري من الضربة الروسية”، متوقعا حدوث توافق على تسوية سياسية بين موسكو والخليج.

وكان الكاتب السعودي جمال خاشقجي كتب مقالا -أمس الأول السبت- أبرز فيه التشكك من الموقف المصري تجاه التدخل الروسي، لافتا إلى تحرك دبلوماسي سعودي لتشكيل موقف عربي رافض للتدخل الروسي.

وقال “تشكيل موقف عربي سيختبر صدق بعض من تحالفات كانت تتمنى لو لم تضطر إلى اختبارها، مصر مثلا متحمسة للعدوان الروسي، إعلامها لا يخفي ذلك، ولكن لا يمكن صدور قرار من الجامعة العربية دون مصر، ولن تقبل السعودية أن تقف حليفتها بدعم غير مسبوق مع الخصم الروسي”.

الجزيرة نت

 

 

 

 

لتعاون موسكو مع واشنطن في سورية/ زبيغنيو بريجنسكي

لا يخفى على أحد كيف اندلعت الحرب العالمية الأولى: تراكم أعمال عنف فردية أدى الى عمليات عسكرية لا عودة عنها. وافتقرت هذه العمليات الى وجهة استراتيجية شاملة واهداف واضحة. وانتهت الامور الى أربع سنوات من مذابح ارتكبت باسم اهداف طموحة اعلنتها القوى المنتصرة بمفعول رجعي. والوقت لم ينفد بعد للحؤول دون تكرار لمثل هذه الحوادث الاليمة في الشرق الاوسط المشتعل، وفي سورية على وجه التحديد.

وأيدتُ موقف الرئيس أوباما الامتناع عن استخدام القوة في المأساة السورية. وكان اللجوء الى القوة الاميركية في اطاحة بشار الاسد يجافي المنطق في غياب إجماع محلي في سورية وأميركا، على حد سواء.

وتقدمت عجلة المفاوضات النووية العسيرة مع ايران، وفيها تعاونت الولايات المتحدة وروسيا وغيرهما من القوى الرائدة لتذليل العقبات. وإثر هذا الانفراج، حسِب المرء أن المرحلة المقبلة في التعامل مع المشكلة السورية قد تؤدي الى مساعي حل بالتعاون مع قوى وازنة مثل الصين وروسيا. ولكن موسكو اختارت التدخل العسكري من غير تعاون سياسي أو تكتيكي مع أميركا. فشنت هجمات جوية على عناصر سورية رعتها أميركا ودربتها وسلحتها. وهذه الضربات هي عرض لانعدام الكفاءة العسكرية الروسية، وفي أفدح الاحوال، هي مرآة رغبة خطيرة في تسليط الضوء على العجز السياسي الاميركي. وفي الحالين، مستقبل المنطقة وصدقية الاميركيين في أوساط دول الشرق الاوسط، على المحك. وإذ تتسارع وتيرة الحوادث، لا تملك الولايات المتحدة غير خيار واحد: دعم مصالحها في المنطقة ودعوة موسكو الى وقف الاعمال العسكرية التي تؤثر مباشرة في المصالح الاميركية. ولا يطعن أحد في حق روسيا في دعم بشار الاسد. ولكن أي تكرار لما حصل للتو يستدعي رداً أميركياً. والمرابطة البحرية والجوية الروسية في سورية هشة، وبعيدة جغرافياً عن روسيا. وفي الامكان «نزع سلاح» هذه (القوات البحرية والجوية) إذا واصلت استفزاز أميركا. ولكن الخيار الامثل هو اقناع موسكو بالتعامل مع واشنطن في التوصل الى حل واسع لمشكلة اقليمية تتجاوز مصالح دولة واحدة.

وتعاون أميركي – روسي سياسي وعسكري في الشرق الاوسط، ولو كان محدوداً، قد يؤدي الى تطورات جغرافية سياسية ايجابية: اشتراك الصين في احتواء مخاطر توسع انفجار الشرق الاوسط. وتقتضي مصالح بكين الاقتصادية الحؤول دون توسع النزاع في الشرق الاوسط وانتشار الفوضى، وتقتضي كذلك زيادة نفوذها الاقليمي. ولا يسع فرنسا او بريطانيا اداء دور حاسم في الشرق الاوسط بعد اليوم. وعسير على الولايات المتحدة أن تؤدي مثل هذا الدور وحدها. والمنطقة منقسمة سياسياً واتثنياً ومناطقياً، وهي تنزلق الى قاع العنف المتفشي. وهذه الحال تقتضي مساعدة خارجية وليس هيمنة كولونيالية جديدة. وتمس الحاجة الى توسل القوة الاميركية في السعي الى صيغة جديدة للاستقرار الاقليمي.

ولا شك في ان الصين تفضل البقاء على الهامش أي عدم أداء دور بارز. وقد تحسِب ان الدور الثانوي يخدم مصالحها. ولكن الفوضى الاقليمية قد تنتشر الى الشمال الشرقي، وتتفشى عدواها في آسيا الوسطى وشمال شرق آسيا. ولن تنجو كل من الصين وروسيا من ارتدادات تفشي العنف والفوضى. وهذا يلحق الضرر بمصالح أميركا وأصدقائها، ويقوض الاستقرار الاقليمي. لذا، آن أوان التحلي بجرأة استراتيجية.

* مستشار الأمن القومي الأميركي في عهد الرئيس جيمي كارتر، عن «فايننشل تايمز» البريطانية، 5/10/2015، إعداد منال نحاس

الحياة

 

 

 

توتر روسي – «أطلسي» على الحدود التركية – السورية/ مراد يتكن

روسيا هي جارة تركيا الشمالية، واندلعت بينهما مواجهات تحدٍ لا يستخف بها على الحدود التركية الجنوبية مع سورية. ووزير الخارجية التركية أكد الحادثة صباح الخامس من تشرين الأول (أكتوبر). وقال إن السفير الروسي استدعي إلى الوزارة إثر انتهاك طائرة روسية من طراز «أس يو-30» الأجواء التركية في الثالث من الجاري. واعترضت طائرتان تركيتان «أف – 16» الطائرة الروسية، وأعادتها على اعقابها. واتصل وزير الخارجية التركي بنظرائه الروس والأميركيين والبريطانيين والفرنسيين والإيطاليين، وسيتصل بنظيره الألماني وأمين عام التحالف العسكري الغربي، الناتو. وانضم مولود تشاووش أوغلو الى الرئيس التركي في بروكسيل، وهذا كان في طريق العودة من نيويورك حيث شارك في جلسات مجلس الأمن.

وأصدر رئيس الوزراء التركي، احمد داود أوغلو، بياناً صارم النبرة يندد بالانتهاك الروسي، ويذكر بقواعد الاشتباك التركية التي تقضي بالرد على تقدم عسكري من سورية. وقال البيان «سنوجه تحذيراً الى من ينتهك حدودنا ومجالنا الجوي مثلما يحذر الأصدقاء. فلا توتر بين تركيا وروسيا. وسورية ليست مدار أزمة تركية – روسية، على قول داود أوغلو. وتلى بيان رئاسة الوزراء، بيان صادر في انقرة عن قيادة الأركان العامة التركية. ودار هذا البيان على مضايقة طائرة «ميغ-29» في الرابع من تشرين الأول، طائرات تركية طوال خمس دقائق و40 ثانية، كما لو انها كانت تستفزها لتوجه ضربة اليها. والحادثة وقعت في اليوم التالي على الانتهاك الجوي الروسي. وأعلن الجيش التركي ان «جنسية الطائرة» لم تحدد. وهذا الإعلان غريب. فثمة دولتان في العالم تستخدامان مقاتلات «ميغ -29» الروسية داخل الأراضي السورية، وهما سورية وروسيا. والقوات الجوية التركية قادرة على تحديد المقاتلات الصديقة والعدوة في ثوان. وثمة احتمالان، إما ان المقاتلة كانت سورية (والقوات الجوية التركية لم تلتزم قواعد الاشتباك على رغم ان طائرة ميغ -29 دخلت منطقة الاشتباك التركية)؛ أو روسية تمتحن صبر تركيا «الأطلسية».

وأصدر أمين عام الناتو بياناً يدعم تركيا ويحذر روسيا من ان انتهاك الأجواء التركية هو انتهاك للأجواء «الأطلسية». وهذا بيان شجاع في وقت تملأ الدائرة الجوية السورية مقاتلات اميركية وفرنسية وتركية وغيرها من مقاتلات التحالف ضد «داعش»، ومقاتلات روسية.

وأعلن الأميركيون، ولا يخفى وسع قدراتهم الاستخباراتية وقدرات اقمارهم الاصطناعية، انهم لا يصدقون زعم الروس ان الانتهاك كان على سبيل الخطأ. ولا يستخف بأن الأميركيين هم اول من سرّب خبر الانتهاكات الجوية الى الإعلام، في وقت تجنبت الحكومة التركية تأجيج التوتر مع روسية. ففي عهد أردوغان وداود أوغلو ارتفع عدد اتفاقات الطاقة مع روسية، وتكللت هذه الاتفاقات بمشروع مفاعل نووي روسي في تركيا واتفاقات مد انابيب غاز طبيعي. ولكن منذ تفعيل روسيا مشاركتها في الحرب الأهلية السورية وقصفها المجموعات المعادية للأسد غير التابعة لـ «داعش»، تغيّرت نبرة الرئيس اردوغان. فمن ستراسبورغ في الرابع من تشرين الأول، انتقد الأعمال الروسية في سورية، من غير ان يذكر الانتهاكات الجوية.

وإلى اليوم، لم تؤثر الأزمة الأوكرانية المتناسلة الفصول في شمال تركيا المطل على البحر الأسود، في العلاقات بين انقرة وموسكو. ولكن يبدو ان الأزمة السورية قد تتجاوز أزمة تركية – روسية الى أزمة «أطلسية»، إذا لم يلتزم الحذر.

* كاتب، عن «حرييت ديلي نيوز» التركية، 6/10/2015، إعداد منال نحاس.

الحياة

 

 

 

 

بوتين.. قلبُ الأسد!/ محمد الساعد

< يخطئ الكثيرون إذا قارنوا بين الوجود الروسي في سورية بتدخلها في أفغانستان واحتلالها له، فقد كان التدخل الروسي في نهاية السبعينات الميلادية لدعم حكومة كابل الشيوعية، التي مثلت -حينها- للاتحاد السوفياتي رأس جسر يقربها من مياه الخليج العربي الدافئة.

اليوم، الوضع الاستراتيجي في العالم مختلف تماماً، فروسيا أصبحت دولة نفطية عملاقة، وأكبر بلد مورد للغاز في العالم، وهي لذلك لم يعد يستهويها الاقتراب كثيراً من منطقة «المياه الدافئة»، بل إن هدفها الاستراتيجي -الحالي- يتعلق بمسألة حياة أو موت، ولكن من نوع آخر هذه المرة، هو «الاقتصاد» بلا شك.

ولذلك يفطن بعض المحللين إلى أن أهم أسباب إشعال «الخريف العربي»، لم تكن دعم الحراك والاحتجاجات الشعبية، بل كانت مؤامرة كبرى من أجل الاقتصاد، ذلك الاقتصاد العالمي الذي وجد نفسه أسيراً لانهيارات عام 2008، ولم يتعاف منه أبداً، على رغم كل المحاولات التي بذلها المتضررون في أوروبا وأميركا.

فأوروبا منهكة تماماً، وتكاد اليونان والبرتغال تشهران إفلاسهما، وستلحقهما -حتماً- إيطاليا وفرنسا، أما أميركا فعلى رغم كل ما فعلته الإدارة الديموقراطية من انكفاء على نفسها، والانسحاب من كل المشكلات في العالم، إلا أن وضعها الاقتصادي لا يزال مهزوزاً، وستظل لفترة طويلة مخنوقة داخل تلك الدائرة الاقتصادية المتعثرة.

إذاً، ما العلاقة بين ما يحدث في سورية وأوكرانيا والخريف العربي؟

يبدو أنه في صبيحة يوم «ما» في إحدى الضواحي اللندنية في عام 2008، قررت مجموعة «ما» لها تأثيرها القوي، وارتباطها الاستخباراتي بمجموعات وتنظيمات مشبوهة في العالم العربي، أن تصنع (مدماكاً) كبيراً يهدم الجار «الشرق الأوسطي»، بحجره وبشره، وإعادة بنائه من جديد، ليتم على آثاره بناء اقتصاد غربي مفعم بالحيوية والشباب.

أما سورية -تحديداً- في هذا الخريف، فقد كان الهدف الاستراتيجي أعمق، من أجل التخلص من الارتهان للغاز الروسي للأبد، الذي أضنى أوروبا سياسياً، فأوروبا ترى نفسها أسيرة الغاز الروسي، وأن ذلك الغاز الملقم لاقتصادها هو من يُوقع في نهاية الأمر على قراراتها السياسية.

وفي الوقت نفسه تأكد للروس من أن تكرار تجربة «الخريف العربي» في أوكرانيا، والانقلاب على الحكومة الشرعية هناك كان هدفه قتل الاقتصاد الروسي وتجويع الإمبراطورية الناشئة، وأنها ليست أكثر من محاولات للسيطرة على طريق الحرير، أو لنقل طريق «الغاز الروسي» الواصل عبر أوكرانيا باتجاه أوروبا.

ولنكن أكثر وضوحاً، فإن معركة الصراع الحقيقية لم تكن أوكرانيا، بل كانت سورية.

والسبب.. أنه، وفي سبيل التخلص من الهيمنة الروسية على تزويد أوروبا بالغاز، كان لابد للغرب من أن يجد مزوداً آمناً يكون بديلاً نهائياً، ومن دون أي كلفة سياسية، إضافة إلى تأمين طرق الإمداد، وهو ما عثر عليه فعلياً في طريق الغاز «القطري-السوري»، الذي يقف في وجهه الجغرافيا والسياسة والآيديولوجيا.

ولحل تلك العوائق، كان لابد من تدمير الثورة السورية في مهدها، ووضع حكومة موالية -غالباً حكومة تتبع الإخوان المسلمون- تسمح بمد خط أنابيب قطري من حقول الغاز بالخليج العربي، مروراً بالعراق، ثم سورية، ومنها باتجاه اليونان فأوروبا.

ولذلك جاء التدخل الروسي المباشر العاجل خوفاً من تداعي النظام في دمشق وانهياره، بعدما دعمه طوال أربع سنوات؛ على أمل تصديه لأحلام شركات الغاز الأوروبية.

اليوم، تتمركز القوات الروسية بين البحر الأبيض المتوسط، وبين حقول الغاز في الخليج العربي، وفي الوقت نفسه ترضخ أوروبا للحل الروسي، القاضي بإبقاء بنية النظام السوري عسكرياً وبنيوياً، مع التفاوض على رحيل بشار، ورحيل أنبوب غاز الخليج العربي إلى غير رجعة.

نعم، لم يكن ذلك حباً في «بشار الأسد»، بل كان حباً وما يزال في الغاز الروسي، وإبقائه سلعة إستراتيجية روسية في الأسواق الأوروبية، ومن ثم بقاء الروس أحد سادة العالم الكبار.

الحياة

 

 

 

 

“السوخوي” لن تصنع سلام سوريا/ موناليزا فريحة

خلافاً لتوقعات إيكاترينا غريغوروفا، سيدة الاحوال الجوية في التلفزيون الروسي، ليست سماء سوريا مطلع هذا الخريف، زرقاء صافية، ولا هي مؤاتية لحركة الطائرات والقصف. سماء سوريا كما كل البلاد، ملبّدة وخطرة جدا. مقاتلات وقاذفات متعددة الهوية تصول وتجول فيها وراء أهداف متضاربة حينا ودونما تنسيق بينها أحيانا. احتمالات حصول حوادث غير مقصودة صارت أكبر وزاد خطر انزلاق النزاع الى مستويات أدنى.

روسيا هي آخر الواصلين الى الحرب السورية. سبقتها الى هناك فرنسا وأوستراليا وبريطانيا بانضمامها اخيرا الى الائتلاف الدولي الذي تقوده واشنطن. وقبلها اعلنت تركيا بعد تردد الالتحاق بصفة كاملة بالائتلاف. سلاح الجو السوري يواصل منذ اربع سنوات رمي المدن والقرى بالبراميل، دونما تمييز بين “داعش” و”نصرة” و”جيش سوري حر” ومدنيين. بالنسبة اليه جميعهم ارهابيون، بمن فيهم الاطفال والنساء.

سماء سوريا زادت تلبدا الاثنين مع التحذير الذي وجهه حلف شمال الاطلسي الى موسكو، بعد انتهاك احدى مقاتلاتها المجال الجوي التركي. الاطلسي كان واضحا في انّ أي خرق مماثل سيُعدّ انتهاكاً لاجوائه. ومع تكرار الانتهاكات، تزداد احتمالات انضمام المنظمة العسكرية أيضاً الى “العرض” العسكري في السماء السورية.

وكما السماء تستعد أرض سوريا لوافدين جدد، هي التي تحولت في السنوات الاربع الاخيرة موئلاً للجهاد العالمي بكل مذاهبه. القائد السابق لاسطول البحر الاسود الروسي توقع انضمام متطوعين روس ومحاربين قدامى الى الجيش السوري. وكان وصل قبلهم خمسة آلاف مقاتل شيعي، استناداً الى الباحث في الميليشيات الشيعية فيليب سميث، الى سوريا بين تموز وآب الماضيين، للانضمام الى المجموعات الشيعية الحاضرة بقوة منذ بداية النزاع.

وفي الجبهة المقابلة، رفع دفق المقاتلين الاجانب الى سوريا عدد هؤلاء الى نحو 30 الفاً، نصفهم دخل في الاشهر الـ12 الاخيرة وينتمون الى نحو 80 دولة. ومع بدء التدخل الروسي العسكري في سوريا، أعلن “الاخوان المسلمون” أن جهاد الدفاع ضد ما وصفوه بـ”الاحتلال الروسي السافر لسوريا”، “فرض على كل قادر على حمل السلاح”. ومعهم استحضر 55 داعية سعودياً ذكرى الغزو السوفياتي لافغانستان للتعبئة ضد “الوريثة الصليبية الأرثوذكسية” التي تغزو سوريا، ملوحين لها بمصير شبيه بمصير سلفها البولشفي.

وسط هذا التصعيد، تتحدث موسكو عن انتقال سياسي في سوريا. انها تضغط عسكرياً لايصال النظام الى طاولة المفاوضات. لكنّ ذلك قد يضطرها الى ما هو أكثر من سرب مقاتلات. 7200 طلعة لمقاتلات الائتلاف الدولي لم تؤثر بتاتاً في الدفع نحو حل سياسي، ولا شيء يوحي بأن “السوخوي” ستستطيع ذلك. وحدهم مشاهدو التلفزيون الروسي قد يصدقون، ولكن ليس طويلاً، أن “الحرب المقدسة” في سوريا رحلة خاطفة و”مباركة” للقضاء على الارهاب.

النهار

 

 

 

عطس بوتين استفاق أوباما؟/ راجح الخوري

المثير للسخرية ان يبدو باراك اوباما كمن يلهث وراء فلاديمير بوتين في متاهة الأزمة السورية الدامية المفتوحة على مزيد من الاحتمالات الفاجعة، عندما يستفيق ليعلن الآن وسط الحشرة الروسية عزمه على فتح جبهة في شمال شرق سوريا لعزل “داعش” ومحاصرته في الرقة.

مضحك ان الإعلان يأتي وسط ضجيج المقاتلات الروسية التي تواصل قصف مواقع المعارضة وتصدر البيانات عن تدمير مقار “داعش” في الرقة وغيرها، ومن سوء الحظ أيضاً ان الإعلان عن فتح هذه الجبهة المحاذية للحدود التركية جاء في الوقت الذي شكّل انتهاك إحدى المقاتلات الروسية الاجواء التركية منطلقاً لكثير من التحذيرات والمخاوف.

ففي حين حذرت تركيا من تكرار الحادث قائلة إنها ستسقط أي طير يحلق في فضائها، ووصف حلف شمال الأطلسي الحادث بأنه بالغ الخطورة، لم تتردد واشنطن في التشكيك في النيات الروسية معتبرة ان الحادث ليس عرضياً وان المقاتلة واجهت خطر إسقاطها كما قال جون كيري.

من المؤكد ان الطيار الروسي لم يدخل الأجواء التركية عرضاً، بل كان يوجّه رسالة ردع جوي من بوتين الى الأميركيين والاتراك فحواها: أولاً ان روسيا التي تقاتل على خلفية فشل “الائتلاف الدولي لمحاربة الإرهاب” الذي تقوده أميركا، لا تقبل بفتح جبهة منافسة وخصوصاً عندما تتحدث في بياناتها اليومية تقريباً عن انها تقصف “داعش” في الرقة، وثانياً لانها رفضت وترفض إقامة منطقة آمنة في شمال شرق سوريا على الحدود التركية، وثالثاً لأنها سبق لها ان أبلغت واشنطن رسمياً بعد بدء عملياتها ضرورة إخلاء الأجواء التي تنشط فيها مقاتلاتها !

ويبقى السؤال: من الذي عطس ليستفيق أوباما من سباته السوري الطويل والمعيب ويطلق الآن ما يبدو كأنه كذبة سمجة، خصوصاً أن الإعلان عن فتح الجبهة الجديدة وعن تسليح خمسة آلاف مقاتل من المعارضة، ينضمون الى عشرين الفاً من المقاتلين الأكراد، وتدعمهم حملة جوية واسعة من مقاتلات الائتلاف الدولي، بدا للمراقبين في اميركا قبل غيرها مجرد محاولة لمسح عرق الخجل أمام التدخل الروسي!

الفاضح أن الإعلان يأتي في وقت تفيض تعليقات الجنرالات الأميركيين وتحليلات الصحف الأميركية بالحديث عن البرنامج المسخرة، الذي كان أوباما قد أعلنه قبل عام بهدف تدريب ٥٤٠٠ مقاتل من المعارضة في السنة ولمدة ثلاث سنوات وبتكلفة ٥٠٠ مليون دولار، ثم تبيّن ان الذين تدربوا لا يزيد عددهم عن ٧٠ وان رفاقهم من “الفرقة ٣٠” وقعوا في قبضة “جبهة النصرة” فور دخولهم سوريا!

السؤال الأهم: هل هذه حرب أوباما الاستلحاقية، أم أنها حربه التشويشية على بوتين، أم هي حرب الشريك المضارب في إطار مستلزمات الصفقة المتفق عليها ضمناً بين أميركا وروسيا؟

النهار

 

 

 

من نجيب الله إلى بشّار/ علي أنوزلا

لم يكن التدخل الروسي العسكري في سورية مفاجئاً لمراقبين كثيرين، فطوال سنوات الحرب الأربع الماضية في سورية، لم تخف موسكو اصطفافها خلف دكتاتور دمشق، بشار الأسد، ودعم نظامه الدموي بالسلاح والعتاد والخبرات. وكان متوقعاً أن يأتي اليوم الذي تتورط فيه روسيا بالتدخل العسكري، الذي سينتهي حتماً إلى احتلال. وقد بدأت، فعلاً، بعض فصائل المعارضة السورية السياسية تصنف هذا التدخل بأنه احتلال، على الرغم من أن موسكو تقول، إنه جاء بطلب من نظام الأسد “الشرعي”. لكن، ماذا تبقى من شرعية نظام قتل أكثر مئتي ألف من أبناء شعبه، وهجر ونفى 12 مليوناً، وفقد السيطرة على ثلتي بلاده التي حوّل مدنها إلى ركام من الخراب؟

التدخل الروسي المباشر في الحرب السورية، أملته المصلحة الروسية، وتحاول موسكو أن تبرّره بمسوّغاتٍ لن تصمد كثيراً قبل أن تنكشف الحقيقة وتسقط الأقنعة، وتسقط معها رؤوس، وربما قوة كبيرة، مثل القوة الروسية المتنامية.

تبرّر موسكو تدخلها اليوم بأنه جاء لحماية نظام الأسد من خطر التنظيم الإرهابي “داعش” الذي يتمدد مثل سرطانٍ يهدد المنطقة برمتها، لكن المسكوت عنه، في هذا التدخل، سعي موسكو إلى إيجاد موقع قدم لها على خريطة الشرق الأوسط المتحولة، منذ ضربه زلزال ثورات الربيع العربي. وهدفها من هذا الاستعمال المفرط في القوة إيجاد ورقة ضغط، وفي أقرب وقت، لمساومة الغرب، ودفعه إلى غض الطرف عن ابتلاع الدب الروسي جزيرة القرم، ورفع حصاره القاسي على الاقتصاد الروسي. وعندما تحاصر دبّاً وتجوعه، انتظر ردة فعله الهجومية. لكن، مثل كل حيوان هائج، لا يمكن توقع حدود بطشه، قبل أن يخرّ منهكاً بجراحه، وغارقاً في دماء ضحاياه وبين أكوام جثثها.

لا شك أن قادة الكرملين يعون دروس التاريخ القريب، لكن عنجهية القيصر بوتين وغطرسته هي التي دفعته إلى الغوص في المستنقع السوري. فروسيا بوتين تريد أن تستعيد مجد القوة السوفييتية المنهارة. ولذلك، نراه لا يتردد في اللجوء إلى استعمال القوة، وبإفراط، لإثبات وجوده وتأكيد تفوقه العسكري. إنه يعتقد أنه استطاع أن يفرض الأمر الواقع في أوكرانيا بقوة الحديد والنار، واليوم، يريد أن يجرّب اختبار استعراض القوة في سورية. لكن، لا شيء سيضمن أن تنجح التجربة هذه المرة. السيناريو القريب إلى الحالة السورية ليست أوكرانيا، وإنما هي أفغانستان تسعينات القرن الماضي. في ثمانينات القرن الماضي، تدخل الاتحاد السوفييتي في أفغانستان عسكرياً، لحماية نظام كابول القريب منه ضد ضربات المقاومات المسلحة من داخل بلاده. فقدم الروس، آنذاك، مساعدات عسکرية واقتصادية ضخمة لنظام حليفهم، محمد نجيب الله، ما عزّز من معنويات نظامه، وكبّد المقاومة الأفغانية التي كانت متصارعة فيما بينها خسائر فادحة.

لكن الاحتلال السوفييتي، آنذاك، لأفغانستان، نجح في شيء واحد مهم، هو توحيد صفوف

“الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، نجح في توحيد صفوف المقاومة التي وحّدتها الحرب ضد الاحتلال الذي جَر قِوى دولية أخرى إلى الانخراط في تلك الحرب” المقاومة التي وحّدتها الحرب ضد الاحتلال الذي جَر قِوى دولية أخرى إلى الانخراط في تلك الحرب، ولو بطريقة غير مباشرة. انتهت الحرب الأفغانية بالانسحاب المذلّ للاتحاد السوفييتي، ووصول المقاومة إلى أبواب العاصمة كابول، بعد أن فشلت كل محاولات التصدي والتفاوض معها، وتقديم تنازلاتٍ كثيرة لها، قوبلت بالرفض، فسقط نظام نجيب الله، وسقط هو نفسه أسيراً في أيدي مقاتلي “طالبان” عام 1992، لينتهي أمره مشنوقاً ومعلقاً في شوارع كابول.

جاء التدخل السوفييتي في أفغانستان عام 1979 لدعم حليفهم، نجيب الله، ضد هجمات الثوار المعارضين للنظام في كابول، لكن التدخل سرعان ما تحول إلى احتلال دام عشر سنوات من الحروب الطاحنة، تمكّنت فيها المقاومة التي كانت مدعومة من أميركا والسعودية وباكستان والصين من دحر الاحتلال السوفييتي، وأجبرته على الانسحاب عام 1989. وكان من نتائج ذلك الاحتلال تكبيده موسكو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد والسمعة الدولية، وانتهى بالفشل الذريع والبحث عن مخرج من المأزق الأفغاني، فكان ذلك الخروج إيذاناً بنهاية الحرب الباردة التي استمرت أربعة عقود، وإعلاناً مبكراً عن انهيار الإمبراطورية السوفييتية وتفككها.

ما يريد أن يفعله، اليوم، بوتين هو إعادة إحياء مجد الإمبراطورية السوفييتية البائدة، لكنه، مع ذلك، يعيد تكرار الخطأ نفسه، غير آبه بالتعلم من درس التاريخ القريب. فما أشبه الليلة بالبارحة.

من شأن التدخل الروسي، اليوم، في سورية أن يوحّد صفوف المعارضات المسلحة على أرض الواقع التي ستجد نفسها أمام احتلال أجنبي مباشر. كما أن القوى الخارجية الكثيرة المتدخلة في الصراع في سورية ستكون مجبرة على دعم جبهة موحدة للتصدّي للأطماع الروسية في المنطقة، تماماً كما فعلت، أمس، مع الفصائل الأفغانية التي كانت متناحرة فيما بينها، فوحدها القتال ضد الاحتلال السوفييتي والدعم الخارجي لها الذي كان هدفه الإيقاع بالدب الروسي في المستنقع الأفغاني.

لكن، مثلما حصل في أفغانستان، قد يكون المنتصر من الحرب في سورية قوة هجينة، لا أحد يمكنه التنبؤ بها اليوم. تفرزها معطيات الواقع السوري الذي يزداد تعقيداً يوماً بعد آخر. تماماً كما حصل في أفغانستان، عندما خرجت حركة هجينة اسمها “طالبان” من رماد الحرب منتصراً وحيداً فيها، هذا إذا أمكن أن نسمي من سيغنم الرماد والخراب منتصراً.

العربي الجديد

 

 

 

التحريض على الصدام مع روسيا/ عبد الرحمن الراشد

لا شك أبدًا أن مشاعر الأكثرية في السعودية، والدول العربية عمومًا، غاضبة من تدخل الروس في سوريا، لأنه جاء لدعم نظام بشار الأسد، الذي ارتكب أبشع المجازر في تاريخ المنطقة. مع هذا فإن حث الشباب هنا على «الجهاد» لقتال الغزاة الروس تطور خطير، وتعدٍ على الدولة، وسيتسبب أولاً في خروج الشباب للقتال ضد الروس، ثم التحول لاحقًا لقتال لبلدانهم وحكوماتهم وأهاليهم. وعندما تقبض السلطات الأمنية على شاب يحاول التسلل أو العودة، فمن المسؤول؟ هل هو الداعي المحرض أم الشاب المغرر به؟ بكل أسف المسجونون اليوم هم المغرر بهم، أما الذين أرسلوهم، فإنهم ينامون في أسرتهم قريري العين!

والسؤال الأهم: هل الدعوة لـ«الجهاد» إعلان حرب أم اجتهاد من صاحبه أي مجرد رأي؟ الأكيد أنها تحريض، وفي كل الأنظمة الدعوة للقتل تعتبر عملاً خطيرًا. وأكثر من رأي فردي عابر بسبب صراحتها ولأنها عمل جماعي.

وأعادت الدعوة للقتال في سوريا للذاكرة، تاريخ «الجهاد» في أفغانستان، الذي غيّر السعودية فكريًا إلى الأسوأ. فقد رحل آلاف الشباب للقتال، نيابة عن الأميركيين. وانتهت الحرب بتأسيس عهد جديد من الفوضى بظهور جماعات إرهابية، لا يزال العالم يعاني منها إلى هذا اليوم. وفي داخل السعودية لم تتوقف المطاردات عن ملاحقة خلايا تنظيم داعش، و«القاعدة» التي هي من امتدادات «الجهاد» في حرب أفغانستان. أما لماذا غيرت للأسوأ، فلأنها زرعت فكر التطرف السياسي ومفاهيم استخدام القوة خارج إطار الدولة من أجل التغيير.

الحقيقة، كلنا غاضبون من التدخل الروسي في سوريا، لأنه جاء لمساندة نظام الأسد وإيران وميليشياتها في الحرب الظالمة على شعب تحت تسميات كاذبة مثل الحرب على الإرهاب. مع هذا يجب ألا يسمح بتكرار فصول التاريخ السيئة، التي افتتحت بالدعوة لـ«الجهاد» ضد السوفيات في أفغانستان، فمقاتلة الأميركيين في العراق، وبعدها محاربة الأسد في سوريا، ثم الآن ضد الروس في سوريا.

صاحب الحق في الدعوة إلى حرب، في العالم كله، هي الدولة، والأمر نفسه في الإسلام هو حق ولي الأمر. وبالتالي الدعوة إلى الحرب عبر البيانات لا تخرج عن كونها تحديًا لشرعية مؤسسات الدولة، واستعداء للعالم على السعودية، وتجاوزًا لقرارات دولية ضد التحريض على الإرهاب. السؤال لماذا يفعلها هؤلاء رغم النهي عن التحريض والتحذير؟ كنا نعتقد أنهم جهلة في علوم الصراع السياسي، لكنهم يكررون التحريض مرة بعد أخرى، حتى نجحوا في تأليب الرأي العام الدولي ضد السعودية والمسلمين بشكل عام.

الضرر كبير لأن دعواتهم صبّت في مصلحة تنظيمات قبيحة مثل «داعش» أجرمت باسم الإسلام والمسلمين، وأضرت بالسوريين وقضيتهم. فقد كانت أمنية النظام السوري عندما بدأ ارتكاب مذابحه ضد الشعب السوري في منتصف عام 2011، أن يلتحق المتطرفون بجيش المعارضة، حتى تصدق مزاعمه أنه يقاتل التكفيريين الإرهابيين. حينها، كانت غالبية السوريين المنتفضين مواطنين يدافعون عن بيوتهم وأحيائهم، ولم يخالطهم مقاتلون أجانب، بعد. ومن أجل إلصاق تهمة التطرّف بمعارضيه، أطلق نظام الأسد سراح المعتقلين في سجونه من الجماعات الإرهابية، وبدأ يبرر عملية القتل الواسعة بأن معارضيه من تنظيم القاعدة. وتحققت أمنيته بدخول دعاة «الجهاد»، الذين أرسلوا شبابًا لا يؤمنون أصلا بشيء من مبادئ الثورة السورية، ولا يهمهم شيء من مطالب الشعب السوري، هدفهم الوحيد إقامة دولة دينية متطرفة لا مكان فيها لمعظم السوريين، وملامح دولتهم الحلم تشبه في قسوتها وإقصائيتها نظام الأسد.

من جانب آخر، يتمنى، أيضًا، الأسد والإيرانيون أن تتسع المعركة، ويقع الصدام بين الروس وخصومهم في الخليج، وهؤلاء الذين كتبوا بياناتهم يحرضون الخليجيين على السفر وقتال الروس في سوريا، يخدمون النظام الإيراني. كعادتهم في كل أزمة، يفعلونها، إما بسبب جهلهم في السياسة أو بسبب رغبة البعض في توسيع دائرة الصدام وتقويض المجتمع الذي يعيش فيه. بالنسبة للروس في سوريا نحن نعلم أنهم سيخسرون، دون دعوات «الجهاد»، فقد سبقهم إلى سوريا ومساندة الأسد، حزب الله وعجز، ثم التحق به الإيرانيون وفشلوا، والآن الروس يحاولون ترميم نظام متآكل على وشك الانهيار.

الشرق الأوسط

 

 

 

 

التدخل الروسي الجديد/ عبد المنعم سعيد

وكأن خريطة الصراع في الشرق الأوسط لم يعد فيها ما يكفيها، وكأن ما سقط فيها من ضحايا وجرحى ولاجئين لم يعد كافيا، وكأن كأس الألم لم تطفح بما فيها من دماء، حتى جاءت روسيا بطائراتها وقواتها لكي تتدخل في جزء من الأراضي السورية تنطلق منه، لكي تضرب ذات اليمين وذات اليسار. الوجود الروسي في سوريا بأشكاله المختلفة، يأتي في وقت أصبحت فيه موسكو ليس تلك التي عرفناها بعد انتهاء الحرب الباردة من انسحاب وتنازل وتراجع، وإنما هي دولة تبحث عن الامتداد والتأكيد على أنها موجودة في خريطة القوى العظمى، سواء كانت شيوعية أو غير ذلك. البداية كانت في الجوار القريب، في جورجيا، ثم في القرم، ومؤخرا في أوكرانيا، واليوم جاءت الإضافة الجديدة عبر البحر الأبيض المتوسط في سوريا هذه المرة. الهدف المعلن هو المشاركة في الحرب ضد «داعش»، ولكن الطريق إلى الهدف يمر بهدفين آخرين: أولهما إنقاذ النظام السوري، وثانيهما تدمير كل قوى المعارضة الأخرى.

القرار الروسي كان مفاجئا، فلم يسبقه اقتراب من التحالف الدولي والإقليمي الذي يهاجم «داعش» بالفعل. الغريب أن التنسيق الوحيد الذي أجرته موسكو جرى مع إسرائيل عندما قام نتنياهو بزيارتها، بهدف وضع قواعد للعمل والاشتباك بحيث لا تتناقض العمليات الروسية على الأرض السورية مع تلك الإسرائيلية. إسرائيل أهدافها واضحة، فهي سعيدة لانهيار القوة العسكرية السورية، التي تراجعت قدراتها من 300 ألف مقاتل إلى ما بين 80 ومائة ألف. ولكنها من ناحية أخرى لا تريد، لقوات «داعش» أو حزب الله أن ترث القدرات العسكرية السورية. من هنا فإن إشارتها في موسكو كانت خلق آلية للاتصال والتنسيق، فإسرائيل لن تسمح لحزب الله بأن يحصل على صواريخ أو أسلحة كيماوية، وهي لا تريد لطلعاتها الجوية وصواريخها أن تتقاطع دون قصد مع تلك الروسية. روسيا من جانبها أيضا لا تريد هذا التقاطع، وهي تعرف أن نتيجة الحرب في سوريا أيا كانت لن تبقي كثيرا من القدرة العسكرية لبشار الأسد لكي يكون مصدر إزعاج لإسرائيل. وهي كذلك تريد أن تقدم لهذه الأخيرة بعضا من التقدير على موقفها في الأمم المتحدة، عندما امتنعت عن التصويت في القرار الخاص بأوكرانيا، الذي تحمست له الولايات المتحدة الحليف الكبير لإسرائيل.

هل تغامر موسكو بمثل هذا التحرك فتغرق في المستنقع السوري، كما غرقت منذ عقود في المستنقع الأفغاني؟ أم أن المسألة جد مختلفة هذه المرة، فهي ليست وحدها في مسرح العمليات العسكرية، بل هناك قوى مختلفة كلها مضادة لـ«داعش»، ولكن كثيرة منها مضادة لبشار الأسد وحكم البعث، الذي أخد سوريا كلها إلى هذا الجحيم الذي تعيش فيه. وهكذا فإن نظام بشار هو حجر الزاوية في الاستراتيجية الروسية، فالحرب ضد «داعش» جزء من عملية إنقاذ بشار، أما البقية الباقية فهي تدمير كل أنواع المعارضة الأخرى لحكمه. ولم تكن هناك صدفة أن أولى العمليات الجوية الروسية، جرت ضد المعارضة السورية غير الداعشية، ولكن ذلك يخلق معضلة كبرى هي أن القوات الروسية التي دخلت سوريا لا تستطيع أن تحارب المعارضة، و«داعش» في الوقت نفسه. صحيح أن هناك حلفاء مثل إيران وحزب الله، ولكن هناك تقاطعات كبيرة مع التحالف الدولي والإقليمي، وتركيا، لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن تفعله «النيران الصديقة» في الحرب. هل تطرق اجتماع أوباما وبوتين في نيويورك إلى تنسيق مشابه لذلك الذي حدث مع إسرائيل، أم أن الاجتماع اكتفى بتبادل الشكوى حول السلوك المنفرد الذي تقوم به موسكو وواشنطن؟!

هل يقلب الدخول الروسي إلى ميدان الحرب في سوريا، التوازن الاستراتيجي الحالي، بحيث يستعيد بشار الأسد المبادرة مرة أخرى؟ الحقيقة هي أن سوريا «البعثية» لم تعد موجودة، ليس فقط لأن سوريا فقدت 240 ألفا من القتلى، أو أنها فقدت أكثر من مليون من الجرحى، أو أن نصف عدد السكان صار ما بين نازح ولاجئ، وإنما لأن الصراعات المذهبية والطائفية استحكمت بشدة، وصارت في كل الأحوال متبلورة حول «هويات» سياسية متباينة. من الناحية العسكرية البحتة، فإن ما وضعته روسيا على الأرض السورية لا يكفي التعامل مع كل الخصوم، كما أن إنقاذ بشار وجيشه، أو بقايا جيشه، يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك. ما يمكن قوله هو أن الأهداف الروسية المشار إليها، لا يمكن تحقيقها إلا بمزيد من القوات والطائرات وسفن الحماية البحرية، وهذا سلاح ذو حدين، فهي من ناحية قد تجعل بشار أكثر قسوة، ومن ناحية أخرى فإنها ستقدم أهدافا كثيرة لكل المعادين له.

لقد تغيرت سوريا ومن قبلها العراق ولبنان، ولم تعد إسرائيل وفلسطين كما كانا في ظل علاقات اتفاقيات أوسلو، باختصار انقلب الهلال الخصيب رأسا على عقب، ودخل مرحلة من الخسوف التي جعلت بعضنا يستعيد أيام «سايكس بيكو»، ولكن هذه المرة بإضافات روسية جديدة إلى كل الألوان الداعشية والقاعدية، ومن يصدق، البعثية أو بقاياها أيضا. الغائب من هذه اللوحة التعيسة أفكارا وأعمالا تواجه الفوضى الذائعة من داخل المنطقة وليس من خارجها. ما طرحه بوتين، وكأنه يقدم مبادرة لإنقاذ سوريا ومن ورائها الهلال الخصيب كله لا يبدو مقنعا، بينما روسيا نفسها تحت العقاب الغربي بسبب سلوكها في أوكرانيا، وعملتها انهارت بنسبة 44 في المائة خلال الفترة الماضية، وأسعار النفط التي تعتمد عليه موسكو أكثر من بقية الدول النفطية تراجعت بشدة، وحتى الاحتياطيات النقدية الروسية تتراجع بسرعة مخيفة. محاولة لعب دور المنقذ في مثل هذه الظروف لا يبدو مقنعا، خاصة مع العزلة الروسية في المجال الدولي ومع دول الإقليم أيضا التي لها وجود أو آخر على الساحة السورية.

ماذا سوف يكون عليه رد الفعل الدولي للتدخل الروسي لسوريا؟ البداية كانت بالاحتجاج ليس فقط لأن القرار الروسي لا يستند إلى قاعدة دولية ما، وإنما بدايته لم تكن انضماما إلى التحالف الدولي ضد «داعش»، وإنما كانت هجوما على المعارضة كلها، ومحاولة إنقاذ لنظام كان هو بداية الكارثة. الولايات المتحدة تبدو مضطربة، وغارقة في الحملات الانتخابية التي بدأت، بل وفي حوادث صغيرة مثل حادث «أوريغون» الذي يهز الولايات المتحدة كلها. ما تبقى كان محاولة تجهيز الجيش السوري الحر، ولكنها هي الأخرى فشلت أو أسفرت عن نتائج متواضعة. النتيجة هي أن «الطبيعة» سوف تأخذ مجراها، ومن الجائز بالطبع أن يخرج من جوف الجحيم نسر يكون سيفا لإنقاذ وطن تكالبت عليه كثير من القوى، ولم يبق لأهله إلا مصير معتم بين التدخل الأجنبي، والاحتلال الداخلي، وبينهما كثير من العنف والدخان والحرائق، وتاريخ ولى وراح.

الشرق الأوسط

 

 

 

روسيا وورطة الجيش الحر/ طارق الحميد

قبل عدة أيام صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وبمؤتمر صحافي في الأمم المتحدة، بأن بلاده «لا تعتبر الجيش السوري الحر جماعة إرهابية »،

ومضيفًا: «نعتقد أن الجيش السوري الحر يجب أن يكون جزءا من العملية السياسية مثل بعض الجماعات المسلحة الأخرى على الأرض المكونة من المعارضين الوطنيين السوريين».

وعلى أثر ذلك التصريح كتبنا هنا أن موقف لافروف هذا يعتبر بمثابة غلطة الشاطر، ويجب أن يستثمر المجتمع الدولي، وقبله العرب المعنيون بوقف جرائم الأسد، هذا التصريح، وذلك للتحرك الفوري بدعم الجيش الحر، وضمان ألا يستعيد بشار الأسد ما افتقده من أراض سورية نتيجة التدخل الروسي العسكري، إلا أن الواضح جيدا هو أن الوزير الروسي تنبه لهذه الغلطة، أي غلطة الشاطر، وخرج قبل أمس بتصريحات تناقض تصريحاته الأولى عن الجيش الحر، حيث حاول لافروف استدراك تصريحه الذي اعتبر فيه الجيش الحر ليس بجماعة إرهابية، من خلال تشكيكه بوجود الجيش الحر أصلا. وقال لافروف: «إن أحًدا لم يرد علينا، ولم يمدنا بأي تفاصيل عن هذا الجيش، أو أي وحدات أخرى لما يسمونها المعارضة المعتدلة»!

هذه الورطة الروسية، أو الغلطة، تؤكد ما ذكرناه سابقا بأن ليس لدى الروس خطة في سوريا، كما تظهر أن موسكو استشعرت خطورة تصريح لافروف الأول بعدم اعتبار الجيش الحر تنظيما إرهابيا، وأنه يجب أن يكون ضمن العملية السياسية، خصوصا أن تصريح لافروف الأول لم يكن نتيجة خطأ بالترجمة، ولم يخرج عن سياقه، بل كان في مؤتمر صحافي، ونقلته أيضا وكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية. ومن هنا فمن الواضح أن الروس في ورطة جراء التصريحات المتناقضة حول الجيش الحر، والمفروض أن يستغل العرب، والمجتمع الدولي، هذه الثغرة جيدا.

من المفروض أن يكون هناك دعم حقيقي للجيش الحر، تدريبا، وتسليحا، وتمويلا، وكذلك لا بد من الضغط على الروس بأنه أخيرا وجدنا ما نتفق معكم عليه بسوريا، وهو الجيش الحر، كما اتفقنا معكم من قبل على بيان «جنيف1». صحيح ألا أحد يقبل بدعم الجماعات الإرهابية بسوريا، إلا أن لا أحد يقبل أيضا بدعم الأسد، وبعد كل جرائمه بحق السوريين، ولذا فمن المصلحة إيجاد أرضية مشتركة بين الحلفاء ضد الأسد و«داعش»، وبين الروس، فليس المطلوب تأجيج الصراع، لكن يجب عدم القبول أيضا بإنقاذ المجرم الأسد.

ولذا فلا بد من السعي لدعم الجيش الحر المعتدل، والسعي لفرض مناطق آمنة يحظر الطيران فيها وذلك لمعالجة أزمة اللاجئين، وحماية للمدنيين، وعزل «داعش» على الأرض، وضمان ألا يستعيد الأسد ما فقده من الأراضي التي لن تصان إلا برحيله، وبناء على اتفاق «جنيف1»، وكل ذلك ممكن حدوثه في حال تم دعم الجيش السوري الحر دعما جديا، والآن، لأن ذلك هو مفتاح الحل، وضمان أن تصغي موسكو للمجتمع الدولي بسوريا.

الشرق الأوسط

 

 

 

 

تاجر الدوما في الحميدية/ إيلـي فــواز

يعيش الرئيس السوري بشار الأسد في عالم خيالي او موازٍ عندما يعلن للقناة الإيرانية ان مصير سوريا في يد الشعب السوري.

فالشعب السوري بالكاد له اليوم حصة بسيطة جداً في تقرير مصيره. الأسد نفسه أصبح رهينة إيران وروسيا ودول اخرى. إذ بمجرد ان يقطع داعموه التمويل عنه او يسحبوا جيوشهم وآلياتهم من سوريا حتى يصبح الرجل في حكم المنتهي.

سوريا أصبحت واقعاً ممزقاً طائفياً وعرقياً ومذهبياً، وبفعل هذا الواقع تقدمت مصالح الدول الاستراتيجية والاقتصادية فيها على مصلحة سوريا شعباً ونظاماً سياسيًا.

من هنا أي كلام عن انتصارات لجهة على جهة أخرى هو مجرد من أي منطق. وأي حسم للمعركة هو أيضاً مجرد أوهام. الانتصار الوحيد الممكن في سوريا ولو بعد حين هو سقوط الاسد ونظامه.

اما اللاعبون في سوريا كثر، ومعركتهم وما سيترتب عنها أصبحت أكبر من حجم سوريا نفسها.

وفي هذا المجال إيران ليست اللاعب الوحيد هناك. وربما هي اللاعب الأضعف الذي تدنت و تراجعت -مع دخول الحرب السورية عامها الخامس – كل طموحاته الاستراتيجية الكبرى في سوريا البعث، لتنحصر وتحاصر في رقعة جغرافية متواضعة تمتد من الساحل وصولاً الى الجبل العلوي.

فإسرائيل حاضرة بكل ثقلها، وهي تعتبر ان الأسد أصبح دمية بيد إيران والحرس الثوري، وهي تعلم أن أي انتشار سوري على مقربة من الجولان هو بالواقع انتشار لقوات قاسم سليماني، وهي سترفضه كما هو واضح من آخر استهداف قامت به طائراتها الحربية لقوات معادية في الجولان قبل أيام في رسالة واضحة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وتركيا الدولة العضو في الناتو، هي الأخرى لاعب أساسي أيضاً في المعمعة السورية، إذ لها التأثير الكبير في مجريات المعارك السورية من خلال الدعم الذي تقدمه لبعض الفصائل المعارضة. وتركيا تسعى ان يقوم نظاماً موالياً لها يساعدها على حل معضلة الاكراد، وهذا هاجس اي حاكم في تركيا، بالإضافة لرغبتها في الحفاظ بعد الحرب على المصالح الاقتصادية والتجارية المشتركة التي تجمع البلدين.

وهناك الأردن الذي كان له تأثير حاسم في معظم معارك الجنوب السوري، وهو قد يخضع في بعض الأحيان للضغوط الاميركية التي تجبره على قطع المساعدات للثوار، لكنه يعرف تماماً انه لا يريد ايران او حزب الله على حدوده مهما كلف الأمر.

هذا من دون إغفال دور المملكة العربية السعودية إنْ من خلال مد المعارضة بالمال، او في محاولاتها للم الشمل الاسلامي العربي حول هدف الإطاحة بالاسد من ناحية وكسر ايران من ناحية اخرى.

جل ما تستطيعه روسيا هو فرض نفسها كمحاور اساسي على مصير الاسد ومستقبل سوريا. فبمجرد تحويل المناطق العلوية الى ثكنة عسكرية روسية، يراهن بوتين ضمناً ان لا الولايات المتحدة ولا أوروبا ولا اسرائيل ستدخل في مواجهة عسكرية مباشرة معه.

اما هذا التدخل وتضخيمه اعلاميا  من خلال تضمينه نتائج خارقة هو مجرد همروجة “خريفية”. فما ينقص روسيا أولاً وآخراً لكسب معركة عسكرية كتلك السورية هي القدرة اللوجستية اساساً.

لكن بوتين يتجاهل تلك الاعاقة ويسقط من حساباته أنه بات أسير غايات وأهداف ثلاثة بلدان على الأقل، بالإضافة الى كونه اصبح هدفاً لضربات “المجاهدين” او “الارهابيين” الذين حتماً سيهاجمون روسيا ومصالحها في اكثر من مكان.

بوتين أصبح أسير إيران بطريقة او بأخرى، فجنوده وآلياته يعتمدون على طريق الامداد اللوجستي الوحيد المفتوح أمامه والذي يمر حتما وحصراً عبر طهران. وهو ايضاً أسير الغضب التركي من هذا التدخل والذي سينفجر من خلال الفصائل المعارضة التي تمولها. ثم هناك اسرائيل التي وإن تباهى نتنياهو بعلاقاته الجيدة مع الروس فهو مصرّ بالنهاية على منع نقل اي سلاح استراتيجي لحزب الله ولتمدده باتجاه حدوده الجولانية.

وحده الشعب السوري سيدفع اثمان تلك الحروب على ارضه، وسينتظر انتخاب رئيس أميركي قد يملك ارادة لوضع حد للعب الهواة في الحميدية.

موقع لبنان ناو

 

 

هل سنرى أبو عمر الشيشاني (خطاب) جديدا بمواجهة الروس في سوريا؟/ شمس الدين النقاز

وبدأ التدخل العسكري الروسي فعليا مع آخر يوم من شهر سبتمبر المنقضي بعد ساعات فقط من موافقة المجلس الفدرالي الروسي بالإجماع على طلب للرئيس فلاديمير بوتين تفويضه نشر قوات روسية في الخارج عندما قام سرب من الطائرات الروسية المقاتلة باستهداف مواقع عسكرية للمعارضة في ريفيْ حمص وحماة وسط سوريا.

ما من شك أن الهدف الأكبر للتدخل الروسي هو الحفاظ على مصالحه في المنطقة ومحاربة تنظيم الدولة الاسلامية بدرجة أولى لعدة أسباب واعتبارات يطول شرحها، من أبرزها العدد الكبير للروسيين والشيشانيين والقوقازيين الذين يشكلون نسبة لا بأس بها في تنظيم الدولة وغيره من الفصائل الجهادية الأخرى وهو ما يمكن أن يؤثر سلبا على الأمن القومي الروسي، اذا ما قرر هؤلاء الرجوع الى بلدانهم اما معتزلين للقتال أو متحفزين للقيام بعمليات داخل المدن الروسية، خاصة بعد أن دأبت تصريحات المسؤولين الروس على الإشارة إلى وجود «القوقازيين» في سوريا منذ شهور طويلة، والتي كان أحدثها ما جاء على لسان الرئيس فلاديمير بوتين خلال مقابلة أجرتها معه قناة «سي بي إس» التلفزيونية الأميركية في أواخر شهر سبتمبر الماضي وذلك خلال رده على سؤال وُجه اليه عما اذا كانت روسيا تبذل جهودا إضافية لتأخذ على عاتقها الدور الرئيس في الشرق الأوسط، فأجاب حينها بالنفي قائلا “لا، أكثر من 2000 مقاتل من دول الاتحاد السوفييتي متواجدون على الأراضي السورية، وهناك خطر من أنهم سيعودون إلينا، لذا الأفضل لنا أن نقدم المساعدة للأسد للقتال ضدهم هناك على الأراضي السورية وهذا هو الحافز الأساسي الذي يدفعنا لتقديم العون للأسد وبشكل عام نحن نريد بالطبع أن لا تتصومل الأوضاع في المنطقة”..

لن نستعجل الأحداث المستقبلية التي ستكون محور اهتمام معظم وسائل الاعلام الدولية ووكالات الأنباء العالمية في الأيام القادمة، ولكننا متأكدون أن الحرب لن تتوقف في سوريا في أشهر معدودة بل ربما لا نبالغ ان قلنا ان الحديث عن ثلاثة أشهر يمكن فيها للتحالف الجديد بالتعاون مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية من القضاء على كل الجماعات الجهادية في سوريا، ما هو إلا محاولة لكسب تعاطف الشعب الروسي ونوع من الحرب الاعلامية والنفسية التي تمثل دعاية مضادة ضد الجهاديين اللذين يعدون الروس بجحيم سوري أكبر بكثير من الجحيم الشيشاني.

من المفارقة أيضا أن الحرب الأفغانية الروسية والحرب الشيشانية الأولى والثانية كان أبرز قيادييها من العرب اللذين سموا لاحقا بالأفغان العرب، وقد كان من أشهرهم الفلسطيني عبد الله عزام في أفغانستان والسعودي ثامر صالح سويلم “خطاب” في الشيشان في حين أصبح من كبار قياديي الجماعات الجهادية في سوريا اليوم المقاتلون الشيشان والقوقاز وعلى رأسهم طرخان تيمورازوفيتش بايرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني والذي رصدت من أجله الخارجية الأمريكية في 5 من شهر مايو / أيار الماضي مبلغ 5 ملايين دولار أمريكي لمن يدلي بمعلومات عنه ضمن برنامج مكافآت من أجل العدالة، الذي تستخدمه وزارة الخارجية الأمريكية للقبض على الأشخاص الذين يهددون أمن الولايات المتحدة الأمريكية أو مواطنيها خارج البلاد.

ففي تقرير نشرته “الإندبندنت” عن حياة أبي عمر الشيشاني جاء فيه أن الشيشاني كان قد أبلغ والده في اتصال هاتفي أنه يقود الآلاف من المقاتلين، وسوف ينضم إلى هؤلاء المزيد من المقاتلين الذين سيتبعونه في قتاله ضد روسيا، ووفقًا لما جاء في الصحيفة البريطانية يبدو أن طرخان كان على أهبة الاستعداد رفقة مقاتليه لهذا التدخل الروسي وهذه الحرب المفتوحة معتمدا على ما يمتلكه من خبرة كبيرة في مجال قتال الروس فقد كان بين عامي 2006 و2010 من أفراد القوات الخاصة في الجيش الجورجي التي شاركت في القتال ضد الغزو الروسي لجورجيا ما يدفعه ربما للسجود شكرا لله مع جماعته اذا ما قرر الجيش الروسي التدخل بريا بعد الغارات الجوية.

من المؤكد أن الشيشاني القائد السابق  ل”جيش المهاجرين والأنصار” ذي الغالبية الشيشانية الذي بايع تنظيم الدولة الاسلامية في نوفمبر 2013 لم يمت كما ادعى الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف في شهر نوفمبر من العام الماضي، وسيكون ورقة كبيرة يعتمد عليها التنظيم من أجل ايجاد الحلول الكفيلة بالحفاظ على المدن والمقرات والأسلحة التي استولى عليها طيلة سنتين من القتال في سوريا والعراق، خاصة وأنه صاحب تجربة في قتال الروس كما سبق.

أضف الى خبرة أبي عمر الشيشاني العسكرية والقيادية في الحرب النظامية وحرب العصابات إعلان الضابط الكبير في الشرطة وقائد القوات الخاصة في طاجيكستان غولمرود حليموف، الذي يعد من أفضل الضباط تدريبا، في شهر مايو الماضي انضمامه إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا ما يعني بالضرورة امتلاك التنظيم لكتائب مقاتلة من القوات الخاصة شديدة التدريب والتسليح للمهمات الصعبة.

ان المقاتلين من الطاجيك والأوزبك والشيشانيين والقرغيز هم جزء كبير من قوات النخبة في تنظيم الدولة الإسلامية ويشكلون عددا لا بأس به من القوات المسماة بـ “الانغماسيين” أو “الاقتحاميين”، وبحسب تقرير أعده دانيل تيرفوسكي، نشرته صحيفة الغارديان، فان هنالك أكثر من أربعة آلاف مقاتل من أواسط آسيا في صفوف التنظيم، يشكل الشيشانيون جزءاً كبيراً من هذه القوة وربما لسان حالهم يقول الان لا حاجةَ لنا كي نذهب ونقاتلهم في القوقاز، فها هم اليوم قد أصبحوا عندنا.

لقد كان ثامر صالح السويلم الملقب بخطاب سببا في الحاق خسائر كبيرة في صفوف الجيش الروسي عدة وعتادا في الحرب الشيشانية الأولى الى جانب اجبارهم على الخروج من الشيشان في عامين بسبب حرب العصابات التي استنزفت القوات الروسية بأبسط الوسائل القتالية المتاحة، حتى قال أحدهم في تلك الفترة ان سلاحين أسهما في النصر الشيشاني بامتياز الأول هو السلاح المضاد للدروع آر.بي.جي7 الذي كانت وظيفته تدمير المدرعات والدبابات حتى سمي في ذلك الوقت السلاح الوطني الشيشاني، وأما الثاني فكان سلاح القناصات لتكبيد خسائر بشرية للروس والنيل من معنويات قواتهم التي لم تعد تنعم بالراحة ليلا ونهارا خاصة بعد أن استعمل المقاتلون الشيشان المناظير التي تتوفر عليها القناصات كوسيلة لتجميع المعلومات عن العدو، كما أن الحرب الاعلامية النفسية التي مارسها الشيشانيون في تلك الفترة مكنتهم من تدمير إرادة القتال ومساندة المجهود الحربي لدى الرأي العام الروسي وتوصلوا إلى ذلك عبر سلسلة إجراءات من بينها استعمال كل الإمكانيات التقنية المتاحة لإيصال صوتهم إلى الخارج والنيل من عزيمة الروس، واستعملوا في هذا الاتجاه الهواتف الخلوية والأجهزة اللاسلكية ومحطات إرسال تلفزيونية محمولة وكاميرات تصوير خفيفة والانترنت ليكون وقتها موضوع ضحايا الحرب الشيشانيين من المدنيين ومشكل اللاجئين رأس الحربة الدعائية للتأثير على الرأي العام الروسي وفقدانه الثقة في عدالة الحرب التي يقودها جيشه.

ستكون هذه الحرب طويلة الأمد ولن تنتهي بانتهاء”الدولة الإسلامية” أو بانتهاء جبهة النصرة أو الفصائل السورية المتشددة والمعتدلة في آن واحد، كما أنها لن تتوقف بعزل الأسد فالوضع أصبح خطيرا جدا وسيوجه التنظيم جهازه الاعلامي الآن من أجل ايقاظ خلاياه النائمة وتجنيد مزيد من الداعمين والمقاتلين وستشهد شبكات التواصل الاجتماعي حربا مشتعلة بين الموالين له والمناوئين لسياساته ومنهجه واعتقاداته.

الأحداث تبدو متسارعة ومخطئ من يظن أن التدخل الروسي الأخير لن يلقي بظلاله على العالم بأسره، كما أن ادعاء امتلاك الحقيقة ومعرفة ما يخفيه المستقبل من أيّ كان، ما هو إلا ضرب من الخيال ومقامرة خاسرة لأنها تنقصها الدقة والموضوعية. فالى أين يتجه العالم بعد هذا التدخل الروسي في المنطقة؟ وهل يلقي بظلاله على العالم بأسره؟ وهل نرى جحيم الروس في سوريا بعد أن شاهدناه وقرأنا عنه في أفغانستان والشيشان؟ وهل يكون أبو عمر الشيشاني “خطاب” جديدا؟

فلننتظر…

 

 

 

 

وداعاً للمعارضة “المعتدلة”… وداعاً لـ “الحل السياسي”/ عبدالوهاب بدرخان

كل ردود الفعل والتعليقات على التدخل الروسي وعملياته الجوية جاء في سياق «قبول مبدئي» بهذا التدخل ومجرد اعتراض جدلي على الأهداف التي ضربها، فهي أكدت مجيئه أولاً لتعويم نظام بشار الاسد ولذلك تركّزت الغارات على مواقع المعارضة التي أنزلت هزائم بهذا النظام، وثانياً لمنافسة الولايات المتحدة وتحالفها الدولي في الحرب على تنظيم «داعش» ما يفسّر انشاء روسيا «الحلف الرباعي» الذي يضمّها مع ايران والعراق ونظام دمشق. وحين راقب فلاديمير بوتين مواقف باراك اوباما بعدما عاين عن كثب مواقف الاوروبيين، لا بد أنه لاحظ رسوخها في الركون للأمر الواقع الذي فرضه، فخصومه لن يتدخلوا ضدّه في سورية. لكنه لم يقرر الذهاب الى سورية من أجل الاسد، ولا من أجل ايران، بل من أجل اوكرانيا. كان جانب مهم من لقاء نيويورك مع أوباما خُصّص لأوكرانيا ولم يسمع فيه بوتين ما يتمنّاه. لذلك قرّر خوض حربه في سورية… على طريقة الدبّ الروسي.

مع الطلعات الجويّة الأولى، وتكرارها، أكد الرئيس الروسي لكل من تحادث معه في الشهور الأخيرة أنه بلع تعهّداته التي تركّزت برمّتها على انهاء الأزمة السورية بـ «حل سياسي» تقوده روسيا وتكون ضماناً للأسد ولحسن سلوكه في فترة محدودة من المرحلة الانتقالية، وبالتزامن يجري تفعيل الحرب ضد «داعش». وعلى رغم أن هذا السيناريو مثالي وأجمل من أن يصدّق، إلا أن الحدّ من الارهاب، ومن موجات المهاجرين بالنسبة الى اوروبا، شجّع مختلف الأطراف على استشفاف بعض المعقولية فيه، كما شكّل هدفين يستحقان في نظرها «الثمن السياسي». لذا راحت العواصم الغربية تتحاذق بالصيغ والألفاظ لتغيير مواقفها السابقة واعلان استعدادها لقبول استمرار الأسد في موقعه. مع ذلك كان الجميع متيقّناً بأن الخيار الروسي المطروح يحتاج الى تفاوض واتفاق دوليين مسبقين، وبأن بوتين لن يحسم خياراته إلا بعد لقائه مع اوباما، إلا أن انكشاف ضخامة الإعداد للتدخل العسكري والاعلان عن «الحلف الرباعي وإقامة مركز استخباري تابع له في بغداد استبقت ذلك اللقاء، وأثارت كمّاً من التساؤلات عن نيات روسيا وأهدافها وخططها. بل ان بوتين استبق خطابه من على منبر اللأمم المتحدة مكرّراً أن محاربة «داعش» تمر بالضرورة عبر التنسيق من الاسد ونظامه.

طالما أن الاميركيين والأوروبيين يواصلون فرض عقوبات اقتصادية على روسيا وليسوا مستعدّين بعد للتفاوض على أوكرانيا والأمن الاوروبي، وطالما أن واشنطن تبدي ميلاً الى البحث مع ايران في تسوية سورية، لذلك لم يبق أمام بوتين سوى انتزاع «الورقة السورية» لتوسيع نطاق التفاوض والحؤول دون أي تخريب على المقايضات التي يسعى اليها. وهكذا تبيّن لواشنطن أن «الخطة ب» لما بعد الاتفاق النووي لم تكن ايرانية فحسب بل ايرانية – روسية، أقله في ما يتعلّق بسورية. كانت ايران حاولت الحصول على دور مشترك مع الولايات المتحدة في محاربة الارهاب في العراق، وكذلك في سورية، مقترحة اعتماداً على الميليشيات لم يلقَ قبولاً لدى الاميركيين، أما الروس فلا يمانعونه ولا يرون ضرورةً للنظر في الاعتبارات التي دعت اميركا وحلفاءها الى استبعاد ميليشيات شيعية وقوات أسدية عن القتال في مناطق سنّية حتى لو كان الهدف/ أو بالأخص لأن الهدف دحر تنظيم «داعش» واقتلاعه من بيئة سنّية يضطهدها ويفتك بأبنائها. ذاك أن سجل السوابق والارتكابات لـ «الجيش الأسدي» في سورية وميليشيات ايران العراقية يجعل التعاون معهما بمثابة «تشريع» دولي للاستباحة والمجازر والانتهاكات ضد السكان.

يوم الأربعاء الـ 30 من أيلول (سبتمبر) شنّت مقاتلات حربية روسية هجماتها الأولى على مناطق المعارضة السورية التي تقاتل ضد النظام، وقال الاعلام الروسي الذي استعاد فوراً «بروباغنديته» السوفياتية أن الضربات «دمّرت مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية الارهابي»، ولا يزال يكرّر هذه الصيغة. لا مجال لأن يعترف بسقوط بضع عشرات من المدنيين ولا بأنه لم يُصَب أي موقع «داعشي» لأن – ببساطة – لا وجود للتنظيم في تلك المناطق. تعرّف المواطنون السوريون لتوّهم الى قصف تنافس ضراوته براميل النظام والصواريخ البالستية والمقذوفات الكيماوية التي ظنوا أنها ذروة ما يمكن أن يتعرّضوا له. كادوا يترحّمون على وحشية النظام اذ جاءتهم وحشية أشدّ… وفي اليوم نفسه أعلن «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة أن طائراته قامت بغارات عدّة على مواقع محدّدة لـ «داعش»… ثم أعلن عن وصول مئات المقاتلين من «لواء الفاطميين» التابع لـ «الحرس الثوري» الايراني للمشاركة في هجوم بري ضد مناطق المعارضة.

في ذلك الوقت كان الأسد يتفرّج: أميركا تضرب «داعش» وروسيا تضرب المعارضة وهو يتفرّج، فالدولتان الكُبريان جاءتا الى مصيدة الإرهاب التي أعدّها والايرانيين لهما، ولا يهمه مَن يُقتل وما يُدمّر في سورية، المهم أن يبقى ونظامه في السلطة، ولو فوق ركام من الخراب. ثمة تغيير سياسي وعسكري في المعادلة جعل النظام يبدي علامات انفراج واستقواء، فإعلامه يوحي بأنه «يدير» المعركة، ووزير خارجيته يقول للمعارضة من نيويورك أنها لن تحقق على طاولة المفاوضات «ما فشلت في تحقيقه على الأرض»، مقتبساً عبارة «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة» الموجّهة سابقاً الى اسرائيل. ثم ها هو الأسد نفسه يخيّر العالم بين «انتصار الحلف الرباعي» و «إلا فنحن أمام تدمير المنطقة بأكملها، وليس دولة أو دولتين».

ليس مؤكّداً أن الأسد سيبقى طويلاً ليتمتّع بما يتوقّعه من «انتصار» أو «دمار» لكنه غير مخطئ في أن المعطى الروسي غيّر المسار لمصلحته وأجّج الصراع على النحو الذي يأمله، وإنْ كان حديثه عن النتائج مبكراً وغبياً. لا شك في أن الرهان الأكبر للاسد على أن بوتين يشبهه في الوحشية بل يتفوّق عليه، بدليل أنه باشر حملته السورية بمنطق ابادة لا بمنطق حرب، فلا تمييز بين مدني وغير مدني كما يفعل «التحالف الدولي» (الاميركي). فما المتوقع من نهج كهذا؟

لم يؤخذ الأميركيون وحلفاؤهم على حين غَرّة، فكل شيء كان أمامهم لكنهم بدوا كمن يُخدعون بإرادتهم، فهم كانوا واضحين منذ البداية في أنهم لن يتدخلوا عسكرياً في سورية، وكانوا واضحين أخيراً في تنازلهم لروسيا عن ورقة «تنحّي الاسد»، ولم يكن ذلك ليعني بالنسبة الى روسيا سوى أنهم مشوّشون يفتقدون أي استراتيجية وأي خيارات – يريدون رحيل الاسد ولا يريدون اسقاطه عسكرياً، ويقولون أنهم مع الشعب السوري ولا يثقون بالمعارضة – لذا كانت مواقفهم أشبه بدعوة الى بوتين للتدخل، ففعل. لكن، اذا لم يوضح سريعاً توجهاته نحو حل سياسي، فإن التطورات العسكرية ستقوّض هذا الحل وستحمل خصومه الدوليين والاقليميين على اعادة ترتيب أوراقهم وتفعيل دعمهم للمعارضة ومساعدتها على الصمود. في المقابل، اذا أصرّ على اخضاع الأزمة السورية للمقايضات الدولية واللعب على نغمة التقسيم الإيرانية – الأسدية فإنه سيستفز كل القوى الاقليمية وعليه أن يقرر اذا كان الاسد يستحق مثل هذه المجازفة ومن أجل ماذا.

والأهم أخيراً، اذا واظب على أسلوبه الأهوج الحالي فإن سحقه للمعارضة قد يرضيه بنتائج سريعة ستبقى غير نهائية، بل سيثبت دفعه الوضع السوري نحو «الأفغنة» وحرب طويلة الأمد لن تسهّل القضاء على «داعش» – هدفه المعلن، بل ستشعل عندئذ الحروب الدينية والمذهبية التي ظلّت تحت الاحتواء خلال الوجود السوفياتي في افغانستان، إلا أنها ستصبح علنية ومكشوفة مع الوجود الروسي في سورية.

* صحافي وكاتب لبناني

الحياة

 

 

 

 

تحرش بوتين بالأتراك «فرصة» لأوباما/ حسان حيدر

لا تحاول الولايات المتحدة إنقاذ ماء وجهها أو تغيير سياستها في سورية، مثلما قد يوحي به احتجاجها مع حلفائها الأطلسيين على الانتهاك الروسي للأجواء التركية أو معاودتها الحديث عن خطط لتدريب وتسليح معارضين سوريين، بل هدفها تحويل الأنظار عن مشكلة رئيسية بالتركيز على مشكلة «أكبر» منها. فالتحذير من احتمالات الصدام مع الروس والتهويل بخطر اندلاع اشتباك دولي في الأجواء السورية وتكثيف المساعي والدعوات إلى تجنب مواجهة قد تنجم عن خطأ أو سوء فهم، يدفع إلى الواجهة الخلفية واقع التدخل العسكري الروسي وأهدافه ويوفر غطاء لعدم رغبة واشنطن في مواجهته، بل على الأرجح اتفاقها غير المعلن مع مراميه.

أما الذين راهنوا على أن التدخل الروسي في سورية سيسهل التسوية السياسية ويجعل وقف النزيف البشري والمادي الهائل ممكناً، فخاب أملهم بعدما اعلنت موسكو انه ليس مطروحاً «ربط آفاق التسوية السياسية بمسار العملية العسكرية الروسية»، وإنها ماضية في خطتها لإنقاذ نظام الأسد وشخصه عبر إرسال المزيد من السفن الحربية إلى الساحل السوري وإرسال معدّات للقوات البرية تشمل بطاريات مدفعية وراجمات صواريخ، وتأكيدها ان «كل من يحارب الجيش النظامي السوري» هدف لطيرانها.

ومع اكتظاظ السماء السورية بطيران حوالى عشر دول، صار السوريون وقضيتهم مجرد تفاصيل في «الكباش» الدولي، او هذه هي الرسالة المراد توجيهها من الضجة المثارة ومن التشديد الأميركي والروسي على ضرورة التنسيق، حتى لو كان حصول مناوشة من طريق الخطأ أمراً وارداً. لكن نموذج الترتيبات التي اعتمدت بين روسيا وإسرائيل يكشف ان تلافي الصدام ممكن وسهل عملياً ولا يحتاج كل هذا الاستنفار الإعلامي.

فالتحرش الروسي المتكرر بتركيا ليس هدفه بالطبع الوصول الى مواجهة مع الحلف الأطلسي، بل تهيئة الأجواء امام اعتراف اميركي وغربي بأن موسكو باتت طرفاً مباشراً في سورية لا يمكن تجاوزه لا عسكرياً ولا سياسياً، ولا بد من مراعاة شروطها في اي تسوية، ولو بعيدة زمنياً، بدءاً من مشاركة الأسد في المرحلة الانتقالية وصولاً الى اضعاف اي معارضة لبقائه طالما استمرت الحرب على «داعش» واستمر «التهديد الإرهابي» للعالم.

وعندما اعلنت واشنطن وصول طلائع القوات الجوية الروسية الى الساحل السوري، الأمر الذي كانت تعلم به قبل اسابيع، أرفقت ذلك بعرض لموسكو بالانضمام الى الحلف الذي تقوده ضد «داعش»، لكن الروس رفضوا الدعوة بحجة ان هذا الحلف لا يتمتع بغطاء دولي مشروع وليس صادراً من الأمم المتحدة، بل هو قرار اتخذته اميركا وحلفاؤها ولم يحظ بموافقة دمشق، مثلما هو الحال في العراق الذي دعا الأميركيين الى التدخل ضد متطرفي «الدولة الإسلامية»، ومثلما فعلوا هم عندما حصلوا على «تفويض» من الأسد.

وحين عجز بوتين خلال اجتماعه مع أوباما عن إقناعه بالموافقة العلنية على استمرار نظام الأسد بعد المرحلة الانتقالية، لجأ الى لعبة التحرش بالأتراك، فاتحاً الباب امام قبول الأميركيين بطلبه مداورة، بحجة الرغبة في تلافي تصعيد دولي. وتلقفت واشنطن بسرعة خطوة موسكو التي اكدت انها ترغب في تنسيق اوسع في «الحرب على الإرهاب» وليس مجرد مناقشة آلية تلافي الاشتباك الجوي.

وبانتظار التوصل الى تفاهم علني يريح الطرفين، لا تبدو مهمة «تنظيم السير» في السماء السورية مستعصية على دولتين بهذا الحجم، ذلك ان كل هذا التهويل بخطر حصول اشتباك انما هدفه التغطية على اتفاقهما الضمني على بقاء الأسد.

الحياة

 

 

 

موسكو … حيث فشلت طهران/ الياس حرفوش

يشكل التدخل العسكري الروسي لإنقاذ نظام بشار الأسد مدخلاً إلى تغيرات مهمة في خريطة الحرب السورية وفي مستقبل الحل فيها. لم يكن فلاديمير بوتين بحاجة إلى هذه المغامرة لو أن اعتماد الأسد، على مدى السنوات الأربع الماضية، على الدعم الإيراني، حقق الغاية التي كانت مؤملة منه. سقوط نظام الأسد كان سيعني، بالنسبة إلى موسكو، خسارة كبرى لنظام حليف في المنطقة العربية، ألقت بثقلها إلى جانبه سياسياً، وأنقذته من ضغوط القرارات الدولية باستخدام الفيتو في مجلس الأمن أكثر من مرة لحمايته، وكانت تتوقع، كما توقع كثيرون، أن تكون أموال إيران وميليشياتها وأسلحتها، فضلاً عن دخول «حزب الله» مباشرة في الحرب، كافية لحمايته عسكرياً.

لم تنجح المهمة الإيرانية في حماية النظام في وجه معارضيه. وكان اعتراف بشار الأسد بذلك استثنائياً عندما أعلن أن جيشه بات عاجزاً عن حماية كل الأراضي السورية، وهو ما يعني من الناحية العملية، العجز عن استعادة المناطق التي خسرها بعد سيطرة التنظيمات المعارضة، على اختلاف اتجاهاتها، عليها، والتي أصبحت تمتد على مساحة ثلثي الأراضي السورية. دفع هذا الاعتراف بالأسد إلى الحديث عن «سورية المفيدة» التي سيضطر جيشه إلى جمع ما بقي من قواته للدفاع عنها ومحاولة الاحتفاظ بها، والتي تشمل العاصمة والمناطق المحيطة بها ومناطق الساحل السوري التي تشكل القاعدة المذهبية لحماية النظام.

كثيرون يتوقفون اليوم عند البحث في أسباب فشل إيران في حماية نظام الأسد وما سيرتبه ذلك على المستقبل السياسي للنظام السوري وللبلد. وتشمل هذه الأسباب العقبات المذهبية التي ظلت قائمة في وجه التدخل الإيراني، الذي بقي غريباً عن انتماء ومشاعر الأكثرية السورية، في الجيش كما في البلد، والحملة الإقليمية الواسعة على مسعى طهران لـ «احتلال» بلد هو في قلب المنطقة العربية ويشكل جزءاً أساسياً من تاريخها. وفي داخل سورية، كما في خارجها، ينظر كثيرون بإيجابية إلى الفشل الإيراني، الذي دفع النظام إلى الاستعانة بالدعم الروسي. وتسود قناعة في أجهزة الحكم السورية، بأن الاعتماد على الدعم الروسي أمر «طبيعي» في سياق الموقع الاستراتيجي للنظام وتحالفاته التقليدية وهوية سلاح الجيش السوري والخبرات والتدريبات التي يخضع لها ضباطه وجنوده. فبالمقارنة مع السطوة الإيرانية على عاصمة الأمويين، يبدو التدخل الروسي أهون الشرين والأقل ضرراً، خصوصاً أنه يأتي في السياق التقليدي للعلاقات التي أقامها نظام البعث مع موسكو، بدءاً من الأسد الأب إلى اليوم.

وليس من قبيل المصادفة أن يرتبط الحديث عن الدور الذي تلعبه موسكو في الأزمة السورية بحديث عن نظام «علماني» يمكن أن يقوم في سورية كمخرج للصراع الطائفي المتفشي فيها ووسيلة لإفراغ هذا الصراع من طبيعته المذهبية. فكلام كهذا، بصرف النظر عن واقعيته وقابليته للتحقيق، لا يمكن تصوره في ظل الحماية الإيرانية للنظام السوري، أو في حال بقيت طهران تمسك وحيدة بمفاتيح الحل، وهي التي يلتزم الحكم فيها بانتماء مذهبي واضح.

غير أن التدخل الروسي، بعيداً عمّا يمكن أن يقال فيه من «إيجابيات»، وخصوصاً من جانب المدافعين عنه من أهل النظام، يبقى هيمنة خارجية على القرار السوري، تذكّر بتجارب مريرة للاتحاد السوفياتي لدعم عملائه من الحكام الغابرين في دول أوروبا الشرقية. وغزو بودابست وما ارتكبته الدبابات السوفياتية ضد «ربيع براغ» كما في دول أخرى ضمن منظومتها آنذاك لا تزال في الذاكرة… كما لا تزال في الذاكرة النتائج التي انتهت إليها تلك الغزوات.

التدخل الروسي يبقى تدخلاً إلى جانب طرف في النزاع ضد أطراف أخرى تمثل أكثرية الشعب السوري. غير أنه يمكن أن يفتح الباب أمام مخارج ممكنة إذا استخدم أوراق الضغط التي يملكها على النظام للقبول بتسويات واقعية تنهي الصراع وتضع حداً للكارثة السورية.

الحياة

 

 

 

 

تداعيات التدخل الروسي في سورية على المشهد الإقليمي/ خالد بن نايف الهبَّاس

عُرف عن السياسة الخارجية الروسية عدم الحسم منذ عهد الاتحاد السوفياتي السابق وحتى قريباً، فلم تنقذ موسكو حلفاءها من الهزيمة عبر العقود، كما هي الحال مع العراق وليبيا ودول شرق أوروبا. لكن الاستثناء لذلك هو التدخل العسكري الروسي لضم جزيرة القرم وتدخلها العسكري أخيراً لدعم النظام السوري بعد أن أوشك على السقوط.

كذلك عُرف عن القوى العظمى أنها مهما تعارضت مصالحها فهي تبقي على مقدار معين من التنسيق في ما بينها كي لا تجد نفسها في صدام عسكري مع بعضها الآخر، بخاصة أن روسيا الآن بدأت تستعيد جزءاً لا بأس به من عافيتها الاقتصادية والعسكرية بعد نحو عقدين من التقهقر والضعف أمام التمدد الغربي الذي اقترب من المحيط الاستراتيجي لروسيا في وسط آسيا وشرق أوروبا. ومهما كان النظام الدولي المعاصر في حال تحول نحو تعدد الأقطاب، بما يستوجبه ذلك من حتمية تقاسم النفوذ الدولي، فإن هذا التحول البنيوي لم تكتمل فصوله حتى هذه اللحظة، حيث لا تزال السيطرة الغربية على مفاصل السياسة الدولية واضحة، والحضور الغربي في مناطق عدة من العالم هو الأبرز نظراً إلى التفوق الاقتصادي والعسكري والتقني الواضح لدى أميركا وحلفائها الغربيين. لكن، ما الذي تغير بالنسبة إلى سورية، ولماذا رأينا هذا التدخل العسكري الصريح والمفاجئ لموسكو لدعم النظام السوري ومحاربة داعش؟ وما هي تداعيات ذلك على الساحتين الدولية والإقليمية؟

لا يخفى على المتابع أن السياسة الخارجية الأميركية في السنوات القليلة الماضية أصابها مقدار كبير من التراجع، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط.

فبعد سنوات من التوسع غير المدروس في عهد الرئيس جورج بوش في أفغانستان والعراق وما ترتب عليه من تكاليف سياسية ومالية وعسكرية باهظة، والتي تزامنت مع الأزمة المالية العالمية أيضاً، كان لزاماً على واشنطن أن تعيد النظر في التزاماتها الخارجية، والتركيز على القضايا الجوهرية في محاولة واضحة لإعادة صوغ «الاستراتيجية الكبرى» لأميركا حول العالم، والذي أيضاً يتواكب مع ميل الرئيس أوباما إلى عدم استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأميركية، والاعتماد بدلاً من ذلك على «المشاركة» بدلاً من «التدخل». تُضاف إلى ذلك رغبة واشنطن في احتواء الصعود السريع للصين في مناطق عدة من العالم، لا سيما في الشرق الآسيوي الذي أصبح مركز الثقل للاقتصاد العالمي.

بالنسبة إلى روسيا، فإن التراجع الأميركي شكَّل فرصة سانحة لاستعادة جزء من دورها المفقود على الساحة الدولية، فكان البدء في أوكرانيا ومن ثم في سورية، لا سيما أن الأزمة السورية دخلت عامها الخامس من دون حل، حيث لم تستطع واشنطن وحلفاؤها الغربيون أو الإقليميون نزع فتيل الأزمة وأصبحت المحاولات السياسية تدور في حلقة مفرغة مع تباعد المواقف المؤيدة للنظام السوري وتلك المعارضة له. صانع القرار الروسي قرأ جيداً العزوف الأميركي عن فعل شيء تجاه سورية، الأمر الذي جعله يقرر التدخل للحفاظ على موطئ قدم له في الشرق الأوسط في ظل تقهقر النظام السوري في الأشهر الأخيرة وقرب سقوطه، حتى وإن تم التدخل الروسي تحت ذريعة مكافحة الإرهاب الذي يمثله «داعش». لكن الإعلان عن تعاون رباعي بين موسكو وطهران وبغداد ودمشق مؤشر واضح إلى أن الأمر له أبعاد استراتيجية ولا يتوقف عند تمدد «داعش». والحقيقة أن الإخفاق الأميركي في العراق تسري عليه الحسابات الاستراتيجية نفسها التي تسري على سلبية واشنطن تجاه الأزمة السورية.

الأمر الآخر الذي يتوجب ذكره هنا يتعلق برغبة موسكو في أن تصبح لاعباً مؤثراً في مستقبل سورية، سواء في ظل بقاء الأسد أو عدمه، وهذا لا يمكن أن يحصل من دون دور روسي فاعل في تطورات الأزمة السورية يتجاوز دورها «المعطل» منذ بدء الأزمة في آذار (مارس) 2011، والذي كان داعماً ومدافعاً عن النظام السوري، لكن لم يكن حاسماً في شكل أو آخر، فكل ما نتج من هذا «الدور المعطل» كان إطالة أمد الأزمة وزيادة كلفتها المادية والبشرية، لكن من دون حسمها.

إن التطور الأخطر في التدخل الروسي يتمثل في استباحة المنطقة العربية من جديد من جانب القوى العظمى، فلا نعلم حتى هذه اللحظة ما ستكون عليه حسابات واشنطن المستقبلية، وما إذا كانت ستقف موقف المتفرج من بعث الدور الروسي في المنطقة، أم ستتقاسم النفوذ معها، أو تترك موسكو تدخل في مستنقع أزمات الشرق الأوسط لإنهاكها. وما دور القوى الإقليمية غير العربية في حسابات القوى العظمى تجاه المنطقة العربية؟ هذا يقودنا إلى سؤال منطقي وهو: ما مصير المنطقة في ظل هذه التطورات؟ فالدول العربية تعاني من عدد كبير من المشاكل السياسية والأمنية، أصبح بموجبها النظام الإقليمي – العربي منهكاً وغير قادر على صون الأمن القومي العربي إزاء التحديات الإقليمية والدولية الجمة التي تجابهه. وفي ظل ظهور متغيرات جديدة على المشهد السياسي الإقليمي والمتمثلة بتداعيات الثورات العربية والإرهاب والتأزم المذهبي والطائفي والفراغ السياسي والأمني الواضح في مناطق عدة من الوطن العربي، فإن مستقبل المنطقة العربية يبدو على أحسن تقدير غامضاً وغير مطمئن.

* كاتب سعودي

الحياة

 

 

 

 

التدخل الروسي يزيد إشتعال الحرب السورية/ شفيق ناظم الغبرا

أعاد التدخل العسكري الروسي في سورية ثم توجيه ضربات جوية ضد عدد من مواقع المعارضة السورية إلى الحرب السورية شعلتها. لقد أصبحت هذه الحرب أكثر تعقيداً من خلال إلإضافة الروسية، وهذا يعني أن الحلول التي تتعلق بسورية لن تكون ممكنة في المدى المنظور، فالتدخل الروسي سيفرض أجندته السياسية والعسكرية، فهو من جهة سيقوي الرئيس بشار الأسد لكنه في الوقت نفسه سيضعفه ويضعف نسبياً النفوذ الإيراني، كما سيقوي الجيش السوري صاحب العلاقة التاريخية مع روسيا على حسابهما. في المرحلة القادمة سيسعى الطيران الروسي لدعم الجيش السوري وقوات «حزب الله» في محاولة لاستعادة مناطق فقدها النظام الذي يسيطر الآن على ٢٠ في المئة من الأراضي السورية، وسيسعى الروس في الوقت نفسه لامتحان قدراتهم على كل الأصعدة، وهذا سيفتح عليهم جبهات جديدة بخاصة ان التدخل الروسي يحصل وسط رفض شعبي عربي ووسط رفض سعودي و تركي. في سورية ولّدت الحرب منذ بداياتها سلسلة حروب، وكل توسع لهذه الحرب سيؤدي الى مزيد من الإشتعال.

ان الثمن الذي يدفعه الشعب السوري مخيف بكل المقاييس، ففي سورية تقع أكبر كارثة انسانية لشعب ولمجتمع، وهذا نتاج كارثة الإستبداد ودوره في منطقتنا، فسورية تدفع ثمن عدم قدرة نظامها السياسي على الخروج من الأزمة منذ بدايتها، بل تدفع ثمن مراهنة النظام على وأد الثورة السورية في مهدها. ومن يعتقد أن التدخل الروسي سيعيد عقارب الساعة الى الوراء سيصاب بخيبة أمل كبيرة، فروسيا معرضة لخسائر، حالها هي حال غيرها من القوى الدولية التي تتدخل في الاقليم.

وبالإمكان تقييم التدخل الروسي من أكثر من بعد، فروسيا تطمح لحماية مصالحها وقاعدتها ومينائها في سورية، كما أنها تسعى لملء بعض النفوذ الذي أخلته لها الولايات المتحدة، وروسيا لن تتردد في دعم هجمات النظام وحلفائه لاستعادة مواقع عدة. لكن روسيا في وسط هذا المستنقع سترتكب أخطاء، وستقتل مدنيين أبرياء، وستهاجم معارضين ليسوا من «داعش» كما فعلت في الايام الاخيرة. كل هذا سيدفع بقوات سورية معارضة عديدة لمواجهتها والتصدي لها. روسيا بين احتمالين: سياسة تثبيت ومنع انهيار نظام الأسد، وهذه هي سياسة الحد الأدنى المرتبطة بالسياسة الروسية، لكن روسيا ستنجرف نحو سياسة أكثر هجومية بهدف إستعادة بعض المناطق لصالح النظام السوري، وهذا سيضعها في مواجهة أكبر مع المعارضة السورية، التي قد تشهد تحولات جديدة.

وللروس وضع داخلي سيتأثر من جراء خسائر كبيرة أو متوسطة، ولديهم طيران سيتأثر من جراء خسائرعلى مدى متوسط، ولديهم إقتصاد متراجع سيتأثر بأي حرب مفتوحة. فسورية ليست على حدود روسيا، ولهذا ستكون الظروف الروسية أشد صعوبة. والأخطر على روسيا انها تدخلت في حرب لن تخرج منها منتصرة، هي الحرب نفسها التي خشيت منها الدولة الأقوى: الولايات المتحدة، بل حتى تركيا ترددت في دخول الدوامة السورية.

لو نظرنا الى المعارضة بتنوعها وصولاً الى «الدولة الإسلامية» (داعش) بتطرفها سنجد أن التدخل الروسي سيزيد من قوة الأطراف الجهادية وإصرارها على التصدي للتدخل الروسي، وستعود الذكريات القديمة التي أسست الجهادية الإسلامية في حرب أفغانستان. فالتصدي للقوات الروسية سيكون حافزاً للكثير من الجهاديين السوريين والإقليميين. هناك مصادر مختلفة تؤكد وجود بضعة آلاف من المقاتلين الجهاديين الشيشان في سورية. لهذا من المتوقع ان يلعب هؤلاء دوراً في نقل خبرتهم في مواجهة الروس الى الساحة السورية. المقصود هنا: الرحلة الروسية في سورية لن تكون إلا رحلة صعبة محفوفة بالمخاطر. فروسيا وضعت قدمها الآن في عش دبابير، وهذه هي القصة نفسها التي تتكرر في كل مكان: التدخل العسكري يفتح الباب لحروب غير مرئية.

ورغم التواصل الأميركي الروسي حول العمليات ضد «الدولة الإسلامية»، الا أن لتركيا رؤية حول سورية من الصعب ان تتنازل عنها لصالح روسيا، كما لدول الخليج والمملكة العربية السعودية موقف من سورية والرئيس الأسد لن تتراجع عنه في المدى المنظور. وفي الحد الادنى لن تقبل تركيا كما لن تقبل دول الخليج بتراجع المعارضة وهزيمتها ولا بالتمدد الروسي، من هنا سترتفع نسب الدعم للمعارضة في المرحلة القادمة وبالأخص لأطراف منها يمكن التفاهم معها حول المرحلة الإنتقالية. هذا يعني عملياً ان الجبهات السورية ستزداد إشتعالاً، وأن المعارضة ستحضر هي الأخرى لهجمات واسعة في مناطق تسمح لها بأخذ المبادرة.

إن تحالف روسيا العلني مع الرئيس بشار الأسد وعلاقة سياساته المدمرة بموت مئات الالوف من السوريين وتهجير الملايين منهم لن يكون أمراً يسيراً على العلاقات الروسية العربية القادمة. هنا نقطة الضعف الروسية الأساسية. وفي الوقت نفسه سيدفع بروز روسيا في وضع المدافع عن النظام بوضعه المتراجع الراهن، الى فقدان ما تبقى لها من نفوذ.

هنا يمكن إستحضار التدخل الإسرائيلي في الحرب الاهلية اللبنانية في حرب ١٩٨٢، وكيف إعتقدت اسرائيل ان الفرصة مؤاتية لتحقيق انتصار كبير وفرض حل نهائي لحرب لبنان وللقضية الفلسطينية في الوقت نفسه. بل في ذلك الزمن قامت سورية بدعم «الحركة الوطنية» اللبنانية التي تصدت ووجهت ضربات للقوات الأميركية والفرنسية والإسرائيلية وصولاً الى دعم حرب طويلة لفرض الإنسحاب على إسرائيل عام ٢٠٠٠ من الجنوب اللبناني. لن نعرف طبيعة الدور التركي تجاه سورية والتدخل الروسي قبل الإنتخابات التركية القادمة التي ستقرر الكثير عن مستقبل سياساتها في سورية. وتحت كل الظروف ما زالت حرب العراق وحرب أفغانستان حاضرتين في التجربة الاميركية، فهل سننتظر لتكتوي روسيا بذات النيران التي سبق لها أن أدمت الولايات المتحدة قبلها؟

لا حل حقيقياً للأزمة السورية خارج إطار التفاوض على حكومة وحدة وطنية ومرحلة إنتقالية وإعادة بناء سورية وقيادة جديدة وانتخابات حقيقية لرئيس جديد يخرج سورية من عباءة المرحلة الأسدية. لا يوجد مستقبل للأسد في سورية، لكن حتماً يوجد مستقبل للعلويين ضمن نظام سياسي عادل يمثل الشعب السوري بتنوعه. واضح ان السياسة التي انتهجها الرئيس السوري كانت كارثة على سورية بكل فئاتها بمن فيهم العلويون أنفهسم. فالخروج من المأزق سيتطلب ضمانات لكل الطوائف، لكن ذلك غير ممكن من دون قيادة جديدة لسورية. هذا التطور لن يقع قبل إختبار روسيا بالتجربة لمدى سياساتها الجديدة. ستبقى الحالة السورية مشتعلة بلا حسم الى أن تكتسب العناصر المؤيدة للمرحلة الانتقالية، بين كل الفرقاء، القوة والنفوذ.

كل تدخل يدفع بفئات جديدة للإستعداد لحرب أطول. كل موت يجر للمزيد منه. كل محاولة للتدخل الأجنبي المباشر ستجر مقاومة وكل سعي لإحياء نظام فقد شرعيته سيجر شرعيات أخرى مضادة لتثبيت مكانتها. هكذا تستمر الحرب السورية. لا حل في معظم الحروب والنزاعات العربية إلا بالتسويات العادلة. إن العدالة جوهرية لأي تسوية ناجحة قابلة للحياة.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

الحياة

 

 

 

 

 

تقدم روسي وانكفاء أميركي/ هشام ملحم

في مؤشر آخر لانحسار مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، عقب العودة العسكرية الروسية المدوية، قال رئيس لجنة الدفاع والأمن في البرلمان العراقي حكيم الزاملي إن العراق قد يضطر الى أن يطلب من روسيا قصف مواقع تنظيم “الدولة الاسلامية” (داعش). والزاملي تحدث وكأن أميركا لا تقود ائتلافاً دولياً يقصف مواقع “داعش” منذ أكثر من سنة، وأضاف: “نسعى لدور روسي في العراق يكون أكبر من دور الأميركيين”. وتزامن هذا الموقف العراقي مع تكثيف وتوسيع الضربات الروسية وتصعيدها نوعياً لتشمل اطلاق السفن الحربية الروسية المبحرة في مياه بحر قزوين المغلق 26 صاروخاً متوسط المدى على مواقع لتنظيمات مناوئة لنظام الأسد في سوريا على مسافة 1500 كلم، لدعم حملة برية تقوم بها القوات السورية بالتعاون مع مقاتلين تابعين لـ”حزب الله”، وذلك في حملة منسقة أولى من نوعها تشنها قوات هذا التحالف العسكري الجديد.

وتوحي التطورات السياسية والميدانية في الأيام الأخيرة بأن النزاع سيتسع ومعه احتمالات حصول حوادث بين الطائرات الروسية وطائرات الائتلاف الدولي ضد “داعش”، الى اختراقات روسية جديدة للاجواء التركية. واللافت هو فتور ردود الفعل الاميركية وخجلها. فالرئيس أوباما نفسه أوجد الانطباع الواضح في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة الأسبوع الماضي بأنه لا يسعى الى مواجهة مع روسيا حين قال: “نحن لن نحوّل سوريا الى حرب بالوكالة بين الولايات المتحدة وروسيا. هذا سيكون استراتيجية سيئة من قبلنا”.

وبغض النظر عن نيات الرئيس الاميركي، فإن مثل هذا الموقف قابل للتفسير القائل بأن الولايات المتحدة لا تمانع بالفعل اذا تركزت الغارات الروسية على تنظيمات مثل “جبهة النصرة”، وان الولايات المتحدة بدل تحدي روسيا، سوف تواصل حربها الجوية على “داعش”. لا اعتقد أن هذا ما يريده أوباما، لكنه يجب ألا يستغرب تفسير البعض لفتوره حيال التصعيد الروسي، الذي صاحبه استخفاف مهين من الرئيس بوتين وحلفائه بمكانة أميركا ومصالحها في العراق وسوريا، بأن موقفه هو قبول ضمني بالاجراءات الروسية. وبعض ردود فعل المسؤولين الاميركيين يتسم بغرابة محيرة: روسيا مخطئة، روسيا ستتورط في مستنقع آخر، روسيا ستغضب العالم السني، بوتين يجازف بردود فعل عسكرية داخلية، الى ما هنالك من توصيفات تعكس الاحباط والتخبط والتمنيات ولا تعكس أي استراتيجية أميركية فعّالة لمواجهة التصعيد الروسي.

العنف والتصعيد والترهيب خدمت بوتين في أوكرانيا وقوّت شعبيته وعمّقت المشاعر القومية الروسية. العنف والترهيب في سوريا سوف يعززان مكانة بوتين وروسيا، على الأقل في المستقبل المنظور.

النهار

 

 

 

 

معادلة بوتين لتدعيش المعارضة!/ راجح الخوري

ينسى فلاديمير بوتين كل ما قاله قبل ثلاثة أعوام عن الازمة السورية، ويتناسى كل ما فعله وأدى الى إستفحال المذبحة التي وصفها بان كي – مون بأنها كارثة القرن .

في 20 كانون الاول من عام 2012 قال بوتين خلال مؤتمر خصصه للحديث عن الازمة السورية وكانت في بداياتها “نحن بكل بساطة لا نريد ان تقوم المعارضة الحالية بعد تسلم السلطة بمطاردة السلطة الحالية… إنني اعتقد أن الإتفاق على أساس الإنتصارات العسكرية لا مجال له هنا ولا يمكن ان يكون فعالاً”.

الآن بعد ثلاثة أعوام وبعدما واصل بوتين دعم النظام السوري سياسياً وعسكرياً ما تسبب في إحباط كل الحلول وإسقاط كل التسويات السلمية في جنيف وغيرها، وبعدما تجاوز عدد القتلى 250 الفاً وعدد المهجرين 12 مليوناً، ها هو ينخرط في الحرب مراهناً على الانتصار العسكري الذي كان يقول إن لا مجال له ولن يكون فعالاً!

بوتين يدرك جيداً أن الانتصار لن يصنعه القصف من الجو ولن يكون نزهة، بدليل ان الجيش السوري مدعوماً من ايران وأذرعها العسكرية لم يتمكن أولاً من هزيمة المعارضة المعتدلة أي “الجيش السوري الحر”، ثم من وقف توسع سيطرة “داعش” الذي بينما كانت موسكو تعلن انها تقصف قواعده كان منهمكاً بتدمير قوس النصر الأثري في مدينة تدمر.

بعد ثلاثة اعوام من الغريب لا بل من المستهجن ان يعرب ديميتري بيسكوف الناطق باسم الكرملين عن أسفه لعدم تمكن الدول الغربية من ان تشرح ماذا تعني بـ”المعارضة المعتدلة”، وان بوتين لا يرى فارقاً بين المعارضة المعتدلة وغير المعتدلة، بما يعني انه لا يرى في سوريا سوى بشار الاسد و”داعش”، أما المعارضة التي فاوضها سيرغي لافروف في مؤتمر جنيف ثم موسكو فقد تبخرت، كما تبخرت مساعي كوفي أنان والأخضر الإبرهيمي والمراقبين العرب والدوليين الذين رصدوا صراخ المعارضة السورية سلمية سلمية في درعا ورصاص النظام ينهال عليها.

عندما لا يجد بوتين معارضة معتدلة بعد سقوط 250 ألف قتيل وهرب 12 مليون لاجئ، فان كل ما سيفعله هو تصعيد الحل العسكري الذي سيدفع قوى المعارضة المعتدلة، الى أحضان “داعش” التنظيم المتوحش الذي ولد أصلاً نتيجة المذابح التي ارتكبها النظام منذ اللحظة الاولى.

كل هذا ليس خافياً على بوتين الذي يعرف جيداً ان من المستحيل إستعادة نفوذ الاسد الذي لم يعد يسيطر إلا على 20 في المئة من سوريا، ما لم يتم تدمير ما تبقى من سوريا، ولهذا ليس غريباً ان يرسم مسار عمليات القصف الجوي حتى الآن خطاً بيانياً يرسم بالنار حدود دولة علوية تكون قاعدة حيوية للنفوذ الروسي في المنطقة!

النهار

 

 

سوريا: من ثورة إلى مقاومة/ علي حماده

مرت بضعة أيام على انطلاق العدوان الروسي على سوريا، والعملية العسكرية المخطط لها بالتنسيق مع الإيرانيين وبمشاركة ما تبقى من قوات بشار الأسد لا تزال في بداياتها. وبحسب ما يتواتر في الأروقة الديبلوماسية الغربية في بيروت فإنها في طور التوسع المتدرج على مدى الشهرين المقبلين في مسعى عاجل لتغيير موازين القوى على الأرض ولا سيما في المناطق الشمالية حيث أفلح الثوار في الوصول الى تخوم منطقة الساحل عقر دار بشار والعلويين. ومن المعلوم أن الهدف الأبعد لروسيا هو تحقيق محاولة تدمير المعارضة المسلحة في أسرع وقت بالاستناد الى قوة نار تدميرية هائلة لا بد انها ستظهر في الأيام والاسابيع المقبلة.

الآن ليس وقت المبادرات الديبلوماسية. الحوارات مؤجلة بانتظار جلاء غبار العدوان الروسي، فإما أن يحدث التغيير الحاسم الذي يعيد إحياء “بشار الجثة”، ويفرض على الاقليم الداعم للثورة والغرب “تسوية” وفق القراءة الروسية للحل في سوريا تقوم على النقاط الثلاث الآتية:

١- بشار جزء من التسوية ويبقى في الحكم مع ماكينته الأمنية والعسكرية والسياسية.

٢- تشكيل حكومة “وحدة وطنية” تضم الى جماعة النظام شخصيات من المعارضة المسماة “بناءة” وفقا لمعايير موسكو وطهران. مرفقة بخطة إعادة إعمار.

٣- محاربة ما يسمى “إرهاب” وفق التعريف الروسي – الإيراني، أي تشريع القضاء على كل معارضة مسلحة لنظام بشار وللاحتلال الإيراني والعدوان الروسي ومعهم بشار.

إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقرأ السياسة الدولية وفق موازين القوة على الأرض: هكذا كان في أزمة جورجيا، وهكذا كان أيضاً في أزمة أوكرانيا. وازاء سياسة الانكفاء التي اختارها الرئيس الأميركي باراك أوباما تستمر هذه السياسة في إثبات نجاعتها أمام غرب مشتت، متردد على صورة رئيس أقوى دولة الولايات المتحدة. كل المواقف اللفظية التي تصدر عن واشنطن وبقية العواصم الغربية الكبرى غير مجدية، ولاترقى الى مستوى الفعل الروسي الذي يرتسم في سماء الشرق الأوسط. ولن يتغير شيء ما لم يتغير شيء حقيقي في واشنطن بما يعيد أولا تجميع الصف الغربي تحت قيادة توحي بالقوة والثقة، ثم تجميع الصف العربي بدعم جدي من واشنطن منخرطة من جديد في مواجهة روسيا فلاديمير بوتين.

قد تبدو الصورة قاتمة، ولكن رغم كل شيء لا بد للثوار السوريين، وداعميهم الاقليميين أن يتعاملوا بهدوء وروية مع المعطى الروسي الجديد، والعمل معا وبجدية لبناء استراتيجية مواجهة طويلة الأمد لمنع روسيا من اقتحام المنطقة وتثبيت احتلال مزدوج روسي – إيراني في سوريا من شأنه إن نجح أن يفجر المنطقة بأسرها وصولا الى الخليج العربي. يقيننا أن العدوان الروسي ليس مضمون النجاح ما دامت ارادة المواجهة والمقاومة راسخة في سوريا والاقليم. وروسيا ليست اليوم أقوى مما كان عليه الاتحاد السوفياتي قبل ثلاثة عقود. المهم أن يعي الثوار السوريون أنهم إن لم يوحدوا صفوفهم بتشجيع رؤيوي من الاقليم الداعم فإنهم لن يتمكنوا من مواجهة روسيا وإيران وبشار معا. لا بد من تغيير في الرؤية والذهنية لأن الثورة صارت الآن مقاومة.

النهار

 

 

 

دوافع العدوان الروسي على سوريا وتداعياته/ سالم قواطين

■ إن قيام روسيا بدخول الحرب الدائرة على الأراضي العربية، بين الشعوب العربية المطالبة بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وبين انظمة الاستبداد المتحالفة مع أعداء الأمة، لإجهاض ثورات الربيع العربي، وتشويه الإسلام دين التسامح والعدالة والمساواة، يعلن عن بدء مرحلة جديدة، في هذه الحرب، التى أصبحت، حرباً دولية بإمتياز، من حيث أطرافها واهدافها،

إن ما تقوم به روسيا هذه الأيام، من غارات مكثفة على الأراضى السورية، بشكل علني ومباشر، وبذريعة محاربة داعش والإرهاب، بينما هي تستهدف المقاومة السورية المعتدلة بشكل خاص، وتقتل المدنيين وتهجرهم، وتحرق الأرض وتدمر الممتلكات، دعماً لنظام الأسد، ومحاربة للشعب السوري، والقضاء على ثورته من أجل التحرر والإنعتاق، إنما هو عدوان روسي سافر، على الشعب السوري والأمة العربية والإسلامية، طبقاً لجميع المبادىء والمواثيق الدولية، ولا يمكن تبرير هذا العدوان بالقول إنه جاء إستجابة لطلب من نظام الأسد، أو إنه لمحاربة الإرهاب.

لأن نظام الأسد لم يعد نظاماً شرعياً، فهو نظام طائفي مستبد، جثم على كاهل الشعب السوري عقوداً طويلة، مارس خلالها أبشع الجرائم المدانة دولياً، وإنتهك جميع حقوق الإنسان السوري، وخاصة خلال السنوات الأربع الماضية، حيث قتل مئات الآلاف من السوريين، واستعمل ضد شعبه الأسلحة المحرمة دولياً كالبراميل المتفجرة والمواد الكيماوية، ودمر المتلكات وحرّق الأراضى، وهجّر نصف الشعب السوري في الداخل والخارج.. وما مأساة المهاجرين السورين الذين نراهم يومياً على شاشات التلفاز، خلف الأسلاك الشائكة في أوروبا، او في قوارب الموت عبر المتوسط، أو جثثاً ملقاة على الشواطىء، كجثة الطفل «إيلان شنو» إلا شهادة على فقدان الشرعية والإنسانية لهذا النظام.

فهو فاقد الشرعية بشهادة العالم اجمع، ويعتبر الأسد سفاحاً بشهادة وتصريح قادة دول غربية، ولا يمكن ان يكون له دور إيجابي في مستقبل سوريا، ولا أن يكون طرفاً في أي حل سياسي، ثم ان نظامه لم يعد يسيطر إلا على 20٪ او أقل من الأراضي السورية، وبقوة السلاح، بينما تسيطر قوى المعارضة المختلفة على مجمل الأراضى السورية،

ومن هنا، لا تستطيع روسيا ان تدعي أنها جاءت بناء على طلب من نظام شرعي، بل هي تعتبر على ارض الواقع، وطبقا للقوانين والمواثيق الدولية، معتدية على الشعب السوري، ومشاركة في جرائم النظام السوري، ومرتكبة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم العدوان، ضد الشعب السوري، طبقاً لنظام المحكمة الجنائية الدولية.

أما ادعاء روسيا أنها تحارب الإرهاب، فهو ذريعة واهية ومفضوحة امام العالم اجمع، الذى اصبح يعي تماماً، أنه وفي غياب الاتفاق على تعريف قانوني دولي للإرهاب، فإن محاربة الإرهاب ليست سوى تبرير سياسي للعدوان على الدول والشعوب، وخاصة العربية والإسلامية منها، من اجل الهيمنة الإقتصادية، وترسيخ التبعية، وحماية أمن إسرائيل، لا بل أن ما تقوم به روسيا هو الإرهاب الحقيقي، فهي تقوم بغارات جوية وحشية ومكثفة ضد الشعب السوري، تقتل المدنيين وتدمر الممتلكات، وتستهدف المقاومة السورية المعتدلة، وخاصة مواقع الجيش الحر، وهي في ذلك، تضع نفسها في جبهة واحدة، مع نظام فاقد الشرعية، يمارس جميع الجرائم المدانة دولياً، ضد الشعب السوري، ومن ورائه شعوب الأمة العربية والإسلامية.

إن عدم قدرة أو رغبة بقايا النظام الرسمي العربي على ردع العدوان الروسي، أو التنديد به او إتخاذ أي تدابير في مواجهته، وإن عجز جامعة الدول العربية في التعبير عن إرادة ومشاعر الشعوب العربية، وفشل منظمة المؤتمر الإسلامي في حمل مسؤولية الأمة ورسالتها السمحاء والدفاع عنها، وحتى إن دعم وتأييد بعض الأنظمة العربية، سراً وعلناً، للعدوان الروسي على الشعب السوري، بهدف إجهاظ ثورات الربيع العربي، وحماية أنظمة الإستبداد، ومحاربة الإسلام، كل ذلك، يجب ألا يخدع قادة روسيا ومفكريها وسياسيها والرأى العام فيها، لقبول وتبرير وإستمرار، جريمة العدوان الروسي على الأمة العربية والإسلامية من جديد، وعلى الأرض السورية، متجاهلين او ناسين ان العدوان على أفغانستان، كان من اهم أسباب إنهيار الاتحاد السوفيتي،

إن توريط روسيا في حرب جديدة في سوريا، وحتى لو كان ذلك بسبب ضعف الولايات المتحدة، او ترددها، او تواطؤها، أو كان ذلك بتشجيع من إسرائيل، والصهيونية العالمية، أو بتمويل من الصناديق وبنوك وشركات الإستثمار الدولية، أو بسبب الفراغ الناتج عن الضعف والتناحر العربي، وتحجيم دور الدول الإسلامية مثل تركيا وباكستان واندونيسيا والضغط عليها سياسياً واقتصادياً، كل ذلك، يجب ألا يحجب عن روسيا الجديدة، أنها، وبعدوانها على الشعب السوري، وارضه، ومحاولة القضاء على ثورته، وأمله في التحرر من طغيان وظلم واستبداد نظام الأسد، إنما هي تعلن الحرب على الأمة العربية والإسلامية جمعاء، وأن ملاحم العرب الأفغان، قد تتكرر من جديد وبشكل أكثر حدة وضراوة، واوسع نطاقاً، ضد المعتدين الروس، وخاصة ان روسيا الحديثة مجاورة لعدد من الدول أو بالأحرى الشعوب الإسلامية، وأن الوجود أو الثقل الإسلامي في المجتمع الروسي، سيكون له دور فاعل ضد قرار العدوان على الشعب السوري العربي المسلم.

لقد تورطت روسيا في حرب عدوانية جديدة، ضد الشعب السوري، وضد الأمة العربية والإسلامية، وقد تكون هناك دوافع منها، دعم نظام الأسد، الحليف والصديق التقليدي، وربما الوحيد لروسيا في المنطقة، أو إيجاد مواقع جديدة لروسيا في المنطقة العربية، او الحفاظ على مواقع ونفوذ مهدد بالزوال، أو مواصلة المواقف المعادية لثورات الربيع العربي، وفوق ذلك كله، العداء التاريخي للإسلام، والخوف من تنامي القوى الإسلامية الموجودة في الأقاليم الروسية نفسها، وخاصة في الشيشان وداغستان وعموم القوقاز،

ولكن على روسيا ان تعي ان تداعيات هذا العدوان السافر على سوريا، قد تكون أيضاً، مؤامرة معدة بإحكام من قبل من يعتقدون أنهم يملكون خيوط التحكم بمصائر الأمم والشعوب، وأنهم بدهائهم ومكائدهم يستطيعون، وبحجر واحد، ان يجهضوا الثورة السورية، ويقضوا على روسيا الفتية في معارك بعيدة عن الساحة الأوروبية.

على الدب الروسي أن يعي أن رائحة الدماء التى دفعته كالثور الهائج إلى الحلبة السورية، ليست سوى «مصيدة» أُعدت له بإحكام، وأنه سيواجه بصيادين للدببة ومصارعين للثيران، متمرسين في اصطياد الدببة منذ حرب افغانستان، وماهرين في مصارعة أقوى الثيران، وخاصة تلك التى انكسرت قرونها في العراق وأفغانستان وغزة ولبنان، وقبل ذلك في فيتنام.

٭ دبلوماسي ليبي سابق

القدس العربي

 

 

 

 

التجربة الروسية من جديد/ عادل سليمان

يبدو أن قدرنا فى العالمين، العربي والإسلامي، أن نعيش، من جديد، التجربة الروسية بكل ما خلفته سابقاً من آثار سلبية ما زالت ماثلة أمامنا؟ ويبدو، أيضاً، أن آفة حارتنا هي النسيان، كما يقول نجيب محفوظ، أو كما قال موشيه دايان يوماً: “إننا لا نقرأ، وإذا قرأنا لا نتعلم”. ودعونا نستعرض محطات محددة وواضحة في التجربة الروسية مع عالمنا العربي والإسلامي، من دون أن نوغل فى التاريخ، أو ندخل في تفاصيل كثيرة.

نبدأ من الحرب العظمى المعروفة بالحرب العالمية الأولى، وكانت روسيا القيصرية، في بداية الحرب، في معسكر الحلفاء. وكانت تطمع في نصيب من تركة الرجل المريض، أو دولة الخلافة العثمانية المنهارة في ذلك الوقت، وشاركت روسيا في ترتيبات تقسيم وإعادة هيكلة المنطقة العربية التى عرفت بخطة سايكس – بيكو، وهما دبلوماسيان بريطاني وفرنسي أعداها، وشارك معهما، في البداية، مندوب روسيا القيصرية في عام 1916، وما أن نجحت الثورة البلشفية في روسيا 1917 وسقطت القيصرية، وكانت بشائر نصر الحلفاء قد ظهرت، وأصبحت الخطة قيد التنفيذ العملي، ولم يعد بيد العرب ما يمكنهم فعله، أفشى الروس خطة سايكس – بيكو للعرب بعد فوات الأوان. ولكن المهم أن الروس تَركوا لشركائهم الإنجليز، والفرنسيين، العالم العربي الإسلامي، في مقابل دول آسيا الإسلامية التي دخلت في إطار الاتحاد السوڤييتى الجديد.

ودار الزمن، وجاءت الحرب العالمية الثانية، وما أعقبها من تطورات وصعود الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوڤييتى (السابق). والأهم، بالنسبة لنا، قرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، ثم إعلان قيام دولة العدو الإسرائيلى في يوم انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين 15 مايو/أيار 1948، وليكون الروس مع الأميركان أول من يعترف بتلك الدولة التي قامت على الأرض العربية المغتصبة.

ومع بداية خمسينات القرن الماضي، هبت على المنطقة العربية موجة الانقلابات العسكرية الثورية التي رفعت شعارات التحرر الوطني والقومية والتقدمية، ووجد فيها الروس ضالتهم للنفاذ إلى المنطقة عبر صفقات السلاح، وبرامج التصنيع الكثيف، وإيجاد طبقات عاملة تشكل بروليتاريا عربية. وبالطبع، انتهت تلك البرامج بالفشل، وخلفت آثاراً مدمرة على مجتمعات عديدة، لتعارضها مع المنظومات القيمية والعقائدية للشعوب. ثم كانت التجربة المريرة، تجربة يونيو/حزيران 1967، والدور الروسي في ترويج فكرة وجود حشود عسكرية إسرائيلية في مواجهة سورية، وتعرض سورية لخطر الغزو الإسرائيلي، ودفع مصر إلى التعبئة العامة، ثم

“التجربة الروسية، التي فشلت عندما كان الاتحاد السوفياتي في قوته، في حماية نظام حفظ الله أمين في كابول، لن تنجح في حماية نظام بشار الأسد، ولو أيدها كل أصدقاء الأسد” تطور الأحداث التي انتهت بهزيمة 5 يونيو. بالطبع، لا مجال لإلقاء المسؤولية كاملة على الروس، ولكن لا يمكن إغفال دورهم، وما كاد غبار المعارك ينقشع عن أخطر هزيمة تعرض لها العرب، وما زالت آثارها ماثلة، حتى بادر الروس بالهرولة إلى مصر وسورية بدعوى الإنقاذ، وكانت دعواهم أنهم قدموا السلاح والعتاد، لكن العرب لم يحسنوا استخدامه، وبالتالي عليهم أن يخضعوا للوصاية العسكرية الروسية عبر الخبراء والمستشارين، من بقايا العسكريين السوڤييت المتقاعدين. وبالطبع، عوّض الروس الأسلحة والمعدات، ولكن، بضوابط صارمة، تجعل من استخدامها في عمليات هجومية أمراً شديد الصعوبة، واتضحت نياتهم في معارضة حرب تحرير الأرض، باتفاقهم مع الأميركان على تسكين الأوضاع في المنطقة. وباقي القصة بين الرئيس أنور السادات والروس وقراره إبعادهم عن الجيش المصري، وعن مصر كلها، معروف. وبدون ذلك، ما كان يمكن لحرب أكتوبر أن تنجح على الجبهة المصرية، أما على الجبهة السورية، فقد اختلف الأمر كثيراً، لوجود خبرائهم.

وتستمر التجربة الروسية، وتمتد إلى أفغانستان، وهي التجربة الأقرب إلينا اليوم. كان الروس يدعمون الانقلاب والحكم الشيوعي في أفغانستان، والذى جاء بعد سقوط نظام الملك محمد ظاهر شاه، وابن عمه محمد داود خان، واستيلاء نور محمد تراقي على السلطة، وعقده اتفاقية صداقة وتعاون مع السوڤييت تتيح للحكومة الأفغانية طلب التدخل العسكري. وفي العامين 1978 و1979، كانت المقاومة الأفغانية ضد الحكم الشيوعي قد بلغت مداها، ولم تعد الحكومة التي كان يرأسها حفظ الله أمين، بعد أن انقلب على تراقي وقتله، تسيطر سوى على العاصمة كابول، وما لا يزيد عن 20% من أراضي أفغانستان. وهنا طلب حفظ الله أمين تدخل الروس لحماية نظامه، وكان ما كان من تدفق القوات الروسية إلى كابول، بحجة أنها تلقت دعوة رسمية من الحاكم الشرعي، والباقي، أيضاً، معروف. تدفق المجاهدون الإسلاميون على أفغانستان، ودارت حروب استنزاف طويلة، استمرت عشر سنوات، حتى أعلن الروس انسحابهم من أفغانستان عام 1989. وما أشبه الليلة بالبارحة، لا يسيطر بشار الأسد إلا على العاصمة دمشق، وما لا يزيد عن 20% من الأراضي السورية، والروس يتدفقون بقواتهم على دمشق، بدعوى تلبية دعوة من الحاكم الشرعي، وتطبيقاً لمعاهدة صداقة وتعاون سبق توقيعها فى زمن فات. كم ستبقى قوات الروس في سورية؟ وكم ستتكبد من ثمن؟ وهل ستلعب الصواريخ الأميركية ستينجر التي أمد بها الأميركان المجاهدين في أفغانستان الدور نفسه في سورية، أم ستكون مثل تلك الصواريخ بعيدة المنال عن المقاومة السورية؟

هل هناك تجارب روسية أخرى، علينا أن ندرسها ونتعلم منها؟ نعم، لكنها في مناطق أخرى، قد تكون بعيدة عنّا، لكن السلوك هو نفسه، الاقتراب المحسوب، عدم تكرار التورط بعد التجربة الأفغانية، عدم تجاوز الخطوط التي تحدّدها أميركا وأوروبا، بشكل مباشر وغير مباشر. والأمثلة كثيرة في أوكرانيا، توقفت روسيا عند شبه جزيرة القرم، وخضعت للعقوبات، والتزمت بالتفاوض في غير ذلك. في إيران، التزمت بما توصلت إليه مجموعة 5+1 بالنسبة للمشروع النووي، في أوروبا الشرقية، لم تسع إلى أي إعاقة لتوجهاتها نحو الاتحاد الأوروبي، وقبل ذلك استسلامها لهدم حائط برلين، وتوحيد شطري ألمانيا، وقبض الثمن.

التجربة الروسية، والتي فشلت عندما كان الاتحاد السوڤييتى في قوته، في حماية نظام حفظ الله أمين في كابول، على الرغم من أنف الشعب الأفغاني، لن تنجح، بالقطع، في حماية نظام بشار الأسد في دمشق، ولو أيدها كل أصدقاء الأسد.

تبقى هناك أسئلة معلقة: من الذي سمح للروس بالدخول إلى قلب المعترك السوري – العراقي بهذا الشكل؟ وما هو المقابل بالضبط؟ ما هي حدود الحركة والتنسيق بين الروس والأميركان والأتراك وإيران، وأيضاً العدو الإسرائيلى، على أرض العرب، في الشام والعراق؟ ولعله من نافل القول، للأسف، أن نتساءل عن موقف، أي موقف، لأي طرف عربي. والسبب بسيط، هو أن العرب، وفقهم الله وعافاهم، مشغولون بحربهم المقدسة ضد الإرهاب.. المحتمل.

العربي الجديد

 

 

 

سنة حلوة يا بوتين.. الأسطورة والقاتل/ علي السقا

مُجّد “القيصر”، وقُرِّع أيضاً، في عيد ميلاده. ففي مقابل ارسال التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عيد ميلاده، بالقول: “عيد ميلاد سعيد لأعظم قائد على وجه الارض”، تحولت الاحتفالات في المقلب الآخر، الى ادانة انسانية. “بوتين يحتفل بعيد ميلاده فيما قطعه البحرية تقصف سوريا”.

هكذا، اختلف كثيرون على الرجل، ودوره، وعيد ميلاده. فهذه المناسبة، ما كانت لتحتل صدارة النقاشات في مواقع التواصل الاجتماعي الاربعاء، لولا أن روسيا، دخلت الحرب في سوريا من بابه الواسع.

ينافس بوتين دولته، ويكاد يختصر أدوارها. فالفعل نفسه، يحدد مسار الدولة. والدولة نفسها، قائمة في رجل! أُدين، كما طائراته، بقصف مناطق في سوريا، في تغريدات عربية… بينما، رفده الروس، بحشد كبير من المبالغات، لم تظهره كرئيس دولة فحسب، بل كـ”أسطورة”.

في التغريدات الروسية، يحاط فلاديمير بوتين بهالة من السحر أسبغها عليه محبوه، حولته عبر سنوات إلى “رجل خارق”. أقعده هؤلاء داخل لوحة تشبه كثيراً لوحات رجال أسطوريين يزخر بهم التاريخ. فغدا وفق وجهة نظرتهم، “المصارع الأخير من أجل الخير”، الذي يلبس درعاً وينفث النار من فمه حارقاً الأشرار أينما كانوا.

الصورة تلك، يُعبّر عنها في رسومات مختلفة. المصارع، والبطل، والمتعري، والحارق، وحبيب النساء… تعكس هذه الصورة التي رسخها محبوه، نزوعاً ما عند فئة منهم إلى تحفيز المخيلة على استيلاد أبطال لا يقهرون، ومنهم بوتين، في حين أن سياسة الرجل تجاه قضايا العالم والمنطقة العربية تفصح أن ما جرى ويجري يمكن إدراكه بالعقل.

في عيد ميلاده، اختلفوا حوله. نشط كثيرون تحت ثلاثة وسوم رئيسية في هذا اليوم “غير العادي” كما وصفه أحد محبي بوتين. بين #happybirthdaymrputin و #putinpeacemaker و#putindayhappy. استمد النقاش حول سياسة بوتين مرجعيته من التقابل بين روسيا السوفياتية، و”عدوّها” اللدود الولايات المتحدة. الأمر الذي يجعل من النقاش مفتقراً لأدنى حدود الموضوعية التاريخية.

ذلك أن روسيا ليست هي نفسها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، في وقت لا تبني القيادة الأميركية سياستها لمواجهة الروس وحدهم، في ظل تصاعد قوى أخرى على الساحة الدولية، مثل الصين والهند اللتين تجتمعان مع دول أخرى في مجموعة البريكس.

تشير الصور والملصقات التي تداولها المغردون إلى أن مؤيدي بوتين هللوا لروسيا البوتينية التي يبدو أنها تعمل على استرداد قوة ومكانة تاريخيين تهشمتا مع انهيار الاتحاد السوفياتي، وإن لم يعلنوا عن هذا المضمون صراحة. ولعل الأمر الجليّ هو ميل هؤلاء إلى اختصار تحقيق المستقبل المأمول ووظيفته طبعاً استعادة أمجاد الماضي، في شخصية بطل أوحد هو بوتين. يجد المتابعون الكثير من اللوحات الذي تظهر القوة الجسدية لبوتين، وقد انتشرت إحداها مظهرة الرئيس الروسي يضغط بعضلاته المفتولة على رقبة الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي بدا واهناً!

الصورة الخارقة التي يحاول محبو بوتين تثبيتها، ومنها إطلاق لقب “قيصر” عليه، قابلها الرجل نفسه، وإن كان من أولئك الذين يتوانون عن إظهار قدر كبير من الاستعراض، برفض منحه هذا اللقب واستخدامه في مقابلة له مع صحيفة أميركية منذ نحو أسبوع.

الحرب في سوريا. داعش. “قوى الشرّ” التي تحكم هذا العالم، جعلت من بوتين رجل تحقيق الامن، من وجهة نظر محبيه. وفي المقابل، احتل الدخول الروسي على خط المشاركة العسكرية الأزمة السورية، مكانة بارزة في النقاش. فلم يبخل المعترضون على هذا التدخل بتقريع بوتين وتحقيره. هؤلاء، غالبيتهم من العرب وبعض الغربيين المعارضين لنظام بشار الأسد. ذكّر أحد المغردين أنه في “يوم بوتين يقتل الاطفال في سوريا”، مرفقاً تغريدته بصور لأطفال قتلى. فيما أظهرت تغريدات أخرى ما أسماه أصحابها “عملاً بطولياً” في وجه تنظيم داعش.

المدن

 

 

 

الزعيم المعتوه للدولة العاقلة/ ساطع نور الدين

الصور الواردة من موسكو في الساعات الماضية عن وقائع الحرب الروسية على سوريا وعن الرئيس الروسي الذي يتمتع بصفات الإله وميزات البطل الخارق، اطاحت بما تبقى من أمل (متواضع أصلا) في ان تكون روسيا أشد وعياً واكثر عقلانية من غريمتها أميركا التي قدمت للعالم في حروبها الاخيرة النموذج تلو النموذج عن دولة حمقاء ورئيس أخرق..أسقط عنها صفة القوة العظمى، وأدخلها في حقبة مديدة من العزلة.

تلك الصور الصادرة من موسكو عن صواريخ كروز التي إنطلقت من قطع الاسطول الروسي في بحر قزوين لتضرب أهدافاً في سوريا، وعن معرض لوحات احتفالية بعظمة الرئيس فلاديمير بوتين، في مناسبة بلوغ سن الثالثة والستين، تفرض على الذاكرة العودة 12 سنة الى الوراء، عندما كانت أميركا تقوم بعروضها النارية المرعبة في العراق، التي حملت شعار “الصدمة والترويع” المستوحى من الكتب الدينية، وعندما كان رئيسها جورج بوش الابن يعلن أنه طلب مسبقاً الإذن من السماء، وحصل حسب تعبيره على ما يعادل “التنزيل” والتكليف بتخليص العالم من الشر المستطير..

لم تكن الصور الروسية الموزعة بالامس تختلف كثيراً عن صور الصواريخ الاميركية التي أطلقت يومها من السفن المنتشرة في البحر المتوسط وبحر العرب لتصيب بغداد. ولم يكن بوتين الذي رسم في معرض موسكو على هيئة إله الرومان جوبتير او إسطورة الاسكندناف “ثور” او حتى الرجل الوطواط .. مغايراً للبطل المقدام جورج بوش الذي شفيت اميركا على يده من عقدة فيتنام وسارت خلفه على طريق العزة والمجد.

سبق لبوتين، لاعب الرماية والجيدو والهوكي والفروسية، المفتول العضلات..ان أستحب تلك الصور العارية وشجع تعميمها على مواطنيه الروس التواقين الى إحياء فكرة القائد الرمز البطل الذي يحفظ تاريخهم الباهر ويحمي إستقرارهم الباهت، من دون ان يكترثوا لما لمثل هذه الفكرة، الواقعية فعلاً، من أثر ساخر في بقية انحاء العالم. لعل الروس تماهوا في ذلك مع الاميركيين الذين كان رئيسهم السابق جورج بوش مفخرتهم، ومسخرة العالم بأسره.

صور الأمس كانت دليل إنحدار جديد ليس فقط للسياسة الروسية التي اتخذت مع قائدها الفذ طموحات إمبراطورية كاريكاتورية، بل ربما أيضاً للثقافة الروسية التي كانت في الامس القريب محوراً رئيسياً من محاور الحضارة الانسانية، ومرتكزاً لإحدى أهم التجارب السياسية التي شهدها العالم في القرن العشرين..برغم كل ما يقال عن انه ما زالت هناك غالبية روسية لا تشبه بوتين، وهي تخجل من إساءاته المتكررة لها ولتاريخها المجيد!

بالامس عادت الى الاذهان وقائع الغزو الاميركي للعراق بكامل تفاصيلها: الدولة العظمى تريد الانتقام، وإحداث صدمة دولية وإنتاج عبرة عالمية، بإستخدام مفرط لقوتها العسكرية وإستخدام مضحك لقوتها السياسية، فتدمر بلداً كاملاً وتحرق شعباً منهكاً بحجة القضاء على طاغية او إرهابي.. لكنها تتعرض لهزيمة منكرة، لانها كانت تعرف جيدا كيف تبدأ الحرب، لكنها لم تكن تمتلك أدنى فكرة عن كيفية إنهائها.

ما ظهر حتى الان من صور وما سقط من صواريخ روسية على أرض سوريا، كان كافياً  لدحض الكثير من الافكار الواعدة، والمتداولة في الخفاء، والتي كانت تفترض ان روسيا لن تكون أسيرة إغراء العظمة وإغواء القوة، وسيكون تدخلها العسكري أقل كلفة وأخف وطأة من اي تدخل اميركي.. وسيكون مشروعها السياسي (بما سرب منه حتى الان) أفضل من بقية المشروعات المعروضة على الشعب السوري البائس.

الحرب الروسية على سوريا في صورها الراهنة ليست أكثر من نسخة مكررة من الحرب الاميركية على العراق، بما فيها من تماثل بين رئيسين خرجا من العتمة الى الاسطورة الى ..

*****

لعله قدر سوريا اليوم، ومن قبلها العراق، البلدين اللذين لا يجتذبان سوى الخرقى ولا  يستدعيان سوى المعتوهين.. ولا تبدو حروبهما المدمرة أكثر من لعنة.

المدن

 

 

 

الروس يعودون للخيار «الغورباتشوفي» لإنقاذ الأسد!/ صالح القلاب

حقن «الاحتلال» الروسي لسوريا بشار الأسد بجرعة من الشجاعة جعلته ينتقل من وضعية الانهيار المعنوي والنفسي ومن الإحساس بالانكسار والهزيمة إلى حالة من الهجوم المعاكس الذي جعله يهدد بالدمار الشامل للمنطقة إنْ لم ينجح التحالف الذي يصفه أعوان حسن نصر الله بأنه تحالف «4+1» الذي يضم بغداد وطهران ودمشق وحزب الله بقيادة روسيا الاتحادية، وجعله، أي الرئيس السوري، يعتبر الحديث في الشؤون السياسية السورية وعن المسؤولين السوريين تدخلاً في شؤون «بلاده»!! الداخلية.

منذ فترة بعيدة، لم يشرب بشار الأسد «حليب السباع» على هذا النحو، والمعروف أنه في آخر ظهور خطابي له بدا منهارًا ومستسلمًا لهزيمة منكرة عكستها كل كلمة في ذلك الخطاب، حيث اعترف وللمرة الأولى منذ نحو خمسة أعوام، بأن جيشه لم يعد يستطيع الدفاع عن كل الأراضي السورية، وأنه يعاني من شح في القوى البشرية، وأنه سيضطر للتخلي عن بعض مواقعه الحالية لحماية المواقع الأكثر أهمية.. والمقصود هنا هو المناطق التي يجري الحديث عن أنها ستصبح الدويلة المذهبية البائسة التي يجري الحديث عنها.

ولعل ما يشير إلى أن هذا النظام قد سلَّم مسؤولية سوريا «القُطر العربي السوري» للمحتلين الروس، أن وزير خارجية بشار الأسد، الذي تحوّل نظامه إلى ما يشبه دولة «فيشي» الفرنسية بزعامة الجنرال بيتان الذي فتح ذراعيه وطأطأ رأسه للمحتلين النازيين، قد ذهبت به نشوة الاستسلام للغزو الروسي إلى القول إن «وجود القوات الروسية سوف يغير موازين القوى، وإنه أوجد وضعية غير الوضعية السابقة».

لكن وعلى الرغم من أنَّ نظام بشار الأسد بعدما بدأت طائرات «سوخوي» الروسية تقصف بقنابلها وصواريخها المدمرة الكثير من مواقع المعارضة المعتدلة في حماه وحمص وإدلب وبعض ضواحي دمشق، بات يقف على رؤوس أصابع قدميه، فإن ما يجري وراء «الكواليس» يشير إلى أن مصير هذا النظام ومصير رئيسه قد وُضع فعلاً على طاولة المساومات الدولية، والدليل هو قمة باريس الرباعية الأخيرة التي ضمّت الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

كانت هناك قناعة أميركية في عهد جورج بوش الابن بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في فبراير (شباط) عام 2005، تلك الجريمة النكراء التي أُتبِعتْ بسلسلة الاغتيالات التي طالت عددًا كبيرًا من القيادات اللبنانية السياسية والإعلامية المؤثرة والمرموقة، بضرورة إطاحة نظام بشار الأسد وضرورة التعجيل بتغييره بعدما أصبح نظامًا «إرهابيًا» مارقًا لا بد من تخليص شعب سوريا والمنطقة منه في أقرب فرصة ممكنة.

لقد طُرحت في تلك الفترة المبكرة «سيناريوهات» كثيرة من بينها «سيناريو» غزو العراق في عام 2003 والتخلص من صدام حسين ونظامه، و«سيناريو» ميخائيل غورباتشوف وإصلاحاته الـ«بيريسترويكا» التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفياتي وانهيار الشيوعية العالمية، وهكذا، ولأن الخيار الأول تم استبعاده نهائيًا، وخاصة بعد عودة الديمقراطيين إلى الحكم، فإن الخيار الثاني الذي تم العمل عليه لفترة طويلة قد تم استبعاده هو أيضًا لأنه ثبت أنَّ بشار الأسد ليس هو صاحب القرار في سوريا، وأنه حتى وإن هو أظهر بعض الميول الإصلاحية فإنه غير قادر على المضي فيها أو تنفيذ ولو بعضها؛ لأن القرار في هذا البلد الذي كان على شفا الاضطراب ليس قراره، وإنما قرار قيادة سرية غير معروفة.

لقد استبعد الأميركيون «السيناريو» العراقي نهائيًا لأنه انتهى إلى هذه التجربة المريرة التي تعيشها بلاد الرافدين، ولأنهم في عهد هذه الإدارة المترددة وغير الحاسمة لا يريدون إعادة تجربة أفغانستان، ولا التجربة العراقية بالطبع، ولذلك ولأن رهانهم على «الإخوان المسلمين» وعلى بعض رموز نظام بشار الأسد ورموز نظام والده حافظ الأسد قد فشل أيضًا فشلاً ذريعًا، فإنهم اتجهوا للعمل على اختراق هذا النظام من الداخل والقيام بانقلاب عسكري يشبه أحد الانقلابات العسكرية التي بقيت تضرب سوريا منذ عام 1949 وحتى عام 1970. لكن بعد اغتيال غازي كنعان، وبعد الإخفاق في تلميع رفعت الأسد، اتجهت الأنظار إلى حكمت الشهابي وإلى وزير الدفاع الأسبق علي حبيب.. ثم وبعد فشل كل هذه المحاولات اتجهت الأنظار إلى آصف شوكت الذي أصبح نجمًا لامعًا، والذي تم التخلص منه هو أيضًا، خلافًا لادّعاءات بعض أطراف المعارضة، في ذلك الانفجار الغامض في 18 يوليو (تموز) عام 2012 الذي أودى بحياة كل أعضاء ما سمي «الخلية الأمنية»، وهم بالإضافة إلى آصف شوكت كلُّ من: داود راجحة، ومحمد الشعار، وحسن تركماني، وهشام بختيار، ومحمد سعيد بخيتان.. ويبدو أنَّ رستم غزالة قد مضى هو بدوره لاحقًا على هذا الطريق نفسه.

والواضح، بعد سلسلة هذه الاغتيالات التي لم توفر حتى الآن من الرموز الأمنية الفاعلة والمؤثرة إلَّا رجل المهمات الصعبة الحالي الجنرال علي المملوك، أن الإيرانيين قد اضطروا لأخذ أمْنِ الرئيس بشار الأسد وأمْنِ نظامه بأيديهم، وذلك إلى حدَّ أنهم قد أخرجوا حتى شقيقه ماهر الأسد من هذه الدائرة وأبعدوه عن هذه المسؤولية نهائيًا، وهذا في حقيقة الأمر قد جعل مهمة اختراق هذا النظام إن هي ليست مستحيلة فإنها في غاية الصعوبة، وهذا ينطبق أيضًا على إمكانية القيام بانقلاب عسكري، حيث غدت الاستخبارات الإيرانية تحتل كل المواقع العسكرية الحساسة، وحتى على مستوى قيادات الكتائب والألوية والفِرَق، وعلى مستوى وزارة الدفاع ووزارة الداخلية، وكل الأجهزة الأمنية.

ربما أن أصحاب فكرة ضرورة اختراق نظام بشار الأسد من داخله ما زالوا يراهنون على أحد الضباط العلويين الذين سئموا هذا النظام وسئموا التدخل الإيراني.. وأيضًا التدخل الروسي السافر في شؤون بلدهم، والذين اقتنعوا في النهاية بأنَّ آخر الدواء الكي، وأنه لا بد بعدما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه، من مثل هذا الكي، وبالتعاون مع الروس، إذا كانت هناك إمكانية فعلية لمثل هذا التعاون الذي يبدو أنه ليس مستبعدًا بصورة قطعية.

لكنّ الواضح أن الروس بعد غزوهم العسكري لسوريا باتوا يفضّلون العودة إلى المربع الأول وإلى الخيار الـ«غورباتشوفي» آنف الذكر، فهم طرحوا، وما زالوا يطرحون، في اتصالاتهم مع الدول العربية المعنية ومع إدارة الرئيس باراك أوباما، وتحديدًا مع وزير خارجيته جون كيري، أن بإمكانهم المراهنة على بشار الأسد ونظامه لإنجاح المرحلة الانتقالية وفقًا لـ«جنيف1»، وأن البداية ستكون إجراء انتخابات برلمانية «حرة ونزيهة» وبضمانات دولية، وحقيقة أنه يمكن استبعاد أي قبولٍ بهذه «المناورة» المكشوفة من قبل الجهات آنفة الذكر، وخاصة بعد كل هذا التدخل العسكري الروسي السافر في الشؤون الداخلية السورية. إنها مناورة مكشوفة بالفعل.. ويقينًا، إنْ استطاع الروس تمرير هذه «المناورة» على الولايات المتحدة فإن هذه المنطقة ستشهد خيارات صعبة بالفعل.. وإن مأساة الانقسام الذي يهدد الآن العراق وسوريا سيهدد لاحقًا عددًا من الدول العربية المستهدفة من قبل إيران ومن قبل حلف بغداد الجديد، وحيث قال بشار الأسد، بعدما شرب «حليب السباع» بعد رؤيته للقاذفات الروسية الاستراتيجية تقصف المدن والقرى السورية: «إن فشل هذا الحلف، أي الروسي – الإيراني – العراقي – السوري، سيعني الدمار الشامل لهذه المنطقة كلها!». إنَّ هذا يجب ألَّا يعني رفع الأيْدي والتسليم بالأمر الواقع فالشعب السوري الذي قاتل وقاوم هذا النظام المتهاوي فعلاً في ظروف أصعب كثيرًا من هذه الظروف المستجدة قادرٌ على مواصلة المقاومة ومواجهة الغزو الروسي لبلاده، وهنا فإنه على العرب أصحاب المواقف الشجاعة، أن يتذكّروا أن هناك مثلاً عربيًا يقول: «أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض».

الشرق الأوسط

 

 

 

 

حماية الروس للأسد لا تلغي خطر “داعش”!/ هدى الحسيني

«الأسد أو نحرق البلد»، عبارة انتشرت على جدران الشوارع عندما بدأ العصيان في درعا، فجاءت عبارة أخرى كانت بمثابة رد عليها: «نحرق الأسد ونبني البلد»، وتحول العصيان إلى حرب.

عام 2010 قال الأميركيون: «لا بديل عن نوري المالكي» بعد انتخابات خسرها، فصار العراق على ما هو عليه الآن مجزأ، محروقًا، فقيرًا يريد أهله الهجرة منه. الآن تأتي روسيا وتقول بعد نحو 5 سنوات من الحرب: «لا بديل عن الأسد حتى الآن»، مما يعني عودة عبارة «الأسد أو نحرق البلد»، حتى لو كان بقاؤه مرهونًا بحسابات روسية لن يدخل في معادلاتها لاحقًا، لأنه حتى الروس لا يعرفون ما ينتظرهم رغم كل حساباتهم.

بعد أن حول سوريا من لاعب إلى ملعب، لا تقاس وقاحة النظام السوري و«طبوله». في صور للأقمار الصناعية التقطت ما بين أبريل (نيسان) عام 2012 وأبريل هذا العام تبدو سوريا في الأولى وفيها ضوء من مدن وأحياء، وفي الصورة الثانية العتمة والظلام يخيمان على تلك المدن والأحياء. ثم يقول الأسد للتلفزيون الإيراني مساء الأحد الماضي: «بالنسبة إلى النظام السياسي في سوريا فإنه شأن داخلي»، وكأنه لا يزال هناك داخل، أو كأن مصيره شخصيًا ملك يديه. وتنقل مصادر غربية أن عددًا من رجال النظام السوري اشتكوا لموسكو لأن «الأسد تحول إلى دمية من طين بين أيدي الإيرانيين».

منذ بداية الحرب السورية وروسيا موجودة، بعكس أميركا. وباعتراف الجميع أثبتت أنها حليف قوي لرئيس محاصر. زودت نظامه بالأسلحة والمستشارين، وعندما بدأ جيشه يتقهقر ولم يعد سلاحه الجوي قادرًا على ملء الأجواء كما في السابق، تدخلت. لن ترسل قوات برية، وكما تعتمد إيران في حروبها على الميليشيات اللبنانية والعراقية وغيرها، ستعتمد روسيا على قوات من الجيش الإيراني وعلى هذه الميليشيات للقتال برًا.

حسب الطرح الروسي فإن الأسد قوة يعتمد عليها لمواجهة الإرهاب، وبنظر الأسد فإن كل من هو ضد نظامه يعد إرهابيًا. من المؤكد أنه من دون دعم روسيا وإيران لكان نظامه انهار، ولو لم يكن الأسد رئيسًا لسوريا عام 2011 لما وقعت الحرب.

دوافع إيران في سوريا واضحة: فالأسد ينتمي إلى أقلية علوية يساعد بقاؤها في السلطة على تثبيت الهلال الشيعي الممتد، حسب إيران، من العراق حتى لبنان. برأيها، العلويون قريبون جدًا من الشيعة، وبالتالي يجب دعمهم. أما استراتيجيًا فإنها تريد سوريا متعاطفة كجسر بري يصلها بحزب الله في لبنان. ما لا تريد إيران التخلي عنه في العراق هو المناطق الشيعية وبغداد، أما المساحات الباقية فليتفق عليها الآخرون. هذا ما تريده أيضًا في سوريا، المناطق التي يمر عبرها الجسر. لكن المشكلة أن اللعبة الروسية، رغم كل فظاظتها، تبقى براغماتية، إذ لا شيء يمنع موسكو من التقارب والتحالف مع أعداء إيران في المنطقة إذا كان هذا سينمي نفوذها على المسرح الدولي. ثم إنها لا تهتم كثيرًا بالمحافظة أو حماية إمدادات حزب الله عبر سوريا إلى لبنان. طموح إيران أن تصل إلى الجنوب السوري أيضًا، لكن موسكو تعهدت لإسرائيل بأن هذا لن يحصل، والاتصالات بين الدولتين – كما التنسيق – قائمة. ثم إن ديموغرافيا سوريا تلعب ضد إيران، إذ سيصعب، ومهما كان الثمن، إبقاء أكثرية سنية تحت حكم أقلية شيعية، وتنص العقيدة الروسية الآن على تغلغل في مياه البحر المتوسط الدافئة، وموطئ قدم في الشرق الأوسط، وهذا ما تفكر فيه إيران أيضًا.

عندما انهار الاتحاد السوفياتي شعرت روسيا الفيدرالية بأنها لم تعد قوة عظمى تجب استشارتها، وصارت النكات الأميركية تطلق على أن روسيا جمهورية موز من دون موز. ومع الفشل الأميركي في مواجهة النظام السوري، وتحول تهديدات الرئيس الأميركي باراك أوباما بوجوب ذهاب الأسد إلى نكات، شعر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن الفرصة توافرت له. هناك سوريا، وبالتالي لا حل لها أو فيها من دون روسيا.

بالنسبة إلى روسيا في سوريا، في 24 من الشهر الماضي قال الجنرال فيليب بريدلاف، قائد القيادة الأميركية في أوروبا والمسؤول عن عمليات الحلف الأطلسي، إن «الروس يبنون دفاعات جوية بعيدة المدى في قاعدة جديدة في حميميم على الساحل السوري من اللاذقية». وتحدث عن فقاعة روسية جديدة تمنع الوصول الجوي إلى شرق المتوسط، وذلك، حسب الجنرال بريدلاف، لإبقاء الدول الغربية بعيدة عن المجال الجوي فوق سوريا أو بالقرب منها، مضيفًا أن قتال «داعش» لا يبدو أن له الأولوية في الحسابات الروسية، وأن القوات الجوية وبينها طائرات «سوخوي – 40» وصواريخ «أرض – جو» ستعّقد عمليات الولايات المتحدة وحلفائها في سوريا وأبعد من سوريا. وشرح أن هناك فقاعتين روسيتين الآن؛ واحدة في كالينينغراد بين بولونيا وليتوانيا، تمكن الصواريخ الروسية من الوصول إلى الأجواء البولونية، وإيقاف تعزيزات الأطلسي، وأخرى في البحر الأسود، حيث أدى احتلال الروس لشبه جزيرة القرم إلى إنشاء منطقة تمنع الطائرات الغربية من الوصول إليها.

وفي 24 من الشهر الماضي، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها ستجري في شرق البحر الأبيض المتوسط ولمدة شهر مناورات وتدريبات بالذخيرة الحية، بما في ذلك إطلاق صواريخ وقذائف المدفعية في البحر ونحو أهداف محمولة جوًا. ورغم إشارة الوزارة إلى أن هذه العملية تم التخطيط لها طوال عام، فإن المتابعين ينظرون إليها على أنها استعراض من موسكو لعضلاتها.

وإضافة إلى رغبة بوتين في استعادة موطئ قدم في المنطقة وتحصين الأسد لفترة محدودة حتى «تاريخ انتهاء مدة صلاحيته»، هناك قلق استراتيجي روسي حقيقي، وهو وقف انتشار «المتطرفين الإسلاميين» كي لا يعودوا إلى شن عمليات إرهابية داخل روسيا أو ضد مصالحها في آسيا الوسطى وشمال القوقاز. ويأمل النظام السوري من التدخل الروسي أن يعزز سيطرة دمشق على المحور الذي يمتد من العاصمة إلى المدن المتنازع عليها، حمص وحماه، والمعاقل الساحلية، طرطوس واللاذقية، وهي المنطقة التي كانت تمثل الجزء الأكبر من الكثافة السكانية قبل الحرب. ويأمل كذلك أن تسهم الغارات الروسية في القضاء على جميع المتمردين المسلحين، وإعادة احتلال العاصمة الاقتصادية حلب.

الدعم الإيراني لم يمنع هزيمة النظام في إدلب القريبة من القرداحة، المعقل الاستراتيجي للنظام ومسقط رأس الأسد. سقوط إدلب نشر الذعر في قلب اللاذقية.

بالنسبة للنظام ومؤيديه في معقل العلويين فإن إبعاد المتمردين عن الساحل السوري يشكل أولوية عن القضاء على وجود «داعش» في مناطق بعيدة مثل دير الزور.

وقال مايكل فالون، وزير الدفاع البريطاني، يوم الأحد الماضي، إن «سوريا تستحق أن تتحرر من الأسد ومن (داعش)». ورغم تأييد أوروبا الضمني للعمليات الروسية، ودعوات عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي إلى تأييدها أيضًا، فإن حماية نظام الأسد، ولو مؤقتًا، لا تلغي خطر «داعش»، إذ لا يمكن، كما تفكر الإدارة الأميركية، تطويقه وتركه يتعفن. إن عدم محاربته سيؤدي إلى انتشار الإرهاب في جميع أنحاء العالم، ولن يكون بالإمكان التحكم فيه في كل مكان. ويقول أحد الدبلوماسيين الغربيين إن «الوقت إلى جانب (داعش)، التنظيم لا يريد أن يتفاوض مع أحد، التردد والعمليات غير الفعالة يسمحان له بالانتشار والتقدم لإقامة دولة الخلافة، وإذا تركت مواجهته لوقت لاحق فإنها ستزداد صعوبة، والنتيجة لن تكون مؤكدة».

ويضيف: «على روسيا أن تدرك أن الدولة التي ستنشئها للأسد لن تسلم من خطر هذا التنظيم، لذلك يجب إنقاذ كل سوريا، وهذا لا يكون إلا بحرب تشارك فيها جيوش عربية وأميركية وأوروبية وروسية. هذا هو الحل الوحيد المتوافر، وبطبيعة الحال هو من أسوأ الحلول، لكن هزيمة 30 ألفًا من الراديكاليين الحاسمين المجهزين تجهيزًا جيدًا، والذين تهرب منهم الشعوب، ممكنة الآن قبل أن تتوسع رقعة انتشارهم ويتضاعف عددهم».

الشرق الأوسط

 

 

حرب «بوتين» المقدسة في سوريا/ ديفيد هيرست

لدى روسيا حلفاؤها الجدد: العراق، والإمارات، والأردن، ومصر، وإسرائيل، إلا أن تدخلها في سوريا سيكون بمثابة المغناطيس الذي يجذب المقاتلين السنة من كل حدب وصوب. ما الخلل الذي يمكن أن يطرأ؟

بعد مرور عام ونصف على اللحظة التي اكتشف فيها «معمر القذافي» مختبئا في أنبوب مجاري، ما لبث بعدها أن قتل على أيدي بعض الغوغائيين، ظهر شريط فيديو على يوتيوب يدين باللغة الروسية رئيس الوزراء «ديمتري ميدفيديف» ويتهمه بالخيانة. مدة الشريط ساعة كاملة، بمستوى راق من الإنتاج والإخراج، تستضاف فيه نخبة من علية القوم على رأسهم مسؤول الشرق الأوسط في وكالة المخابرات السوفياتية (كيه جي بي) سابقا المخضرم إفجيني بريماكوف. كان يعتقد في البداية أن الشريط إنما هو من صناعة جهاز المخابرات الروسي الحالي (إف إس بي) الذي حل محل الكيه جي بي.

موضوع الفيديو هو كالتالي: «ميدفيديف خائن»؛ لأنه وقع على قرارات الأمم المتحدة التي سمحت بالتدخل في ليبيا. يتهم الشريط رئيس الوزراء الروسي بأنه ضعيف وعلى استعداد للتنازل عن مصالح روسيا لأمريكا المتآمرة عليها.

أما مصالح روسيا في ليبيا، فهي التي يعرفها «ليونيد إيفاشوف»، وهو جنرال متقاعد ورئيس أكاديمية القضايا الجيوسياسية، على النحو التالي: «لقد خسرنا حليفا مهما، وشريكا استراتيجيا مهما، وتكبد اقتصادنا وصناعتنا الدفاعية خسارة تقدر بالمليارات».

وتظهر في الفيديو مجموعة من العمال في مصنع هندسي يتبع كيه بي ماشينوستروينيه خارج موسكو. وهنا يقول «ليونيد سيزوف»: «إلى جانب الخسائر المادية هناك خسارة معنوية أيضا، وذلك حينما تشعر بأن كل ما عملت من أجله على مدى أعوام مديدة لم يعد له حاجة».

غضب إف إس بي تجاه «ميدفيديف» يؤيد الفكرة التي تقول إن الذكريات المريرة المتعلقة بليبيا هي التي حفزت مشروع «بوتين» الحالي على تولي زمام القيادة في سوريا وليس الإهانات القديمة التي تعرض لها الروس في كل من أفغانستان وكوسوفو والشيشان.

في المنتديات الأخرى، يتواجد المعلقون الروس من أصحاب المزاجات المتقلبة -والذين كانوا في عهد «بوريس يلتسين» مؤيدين للغرب بشكل مذل ومهين ولكنهم في عهد بوتين أعادوا إنتاج أنفسهم في صورة قوميين وطنيين- حيث يتناقشون حول الربيع العربي، ويخلصون بإجماع إلى أنه لا يوجد شيء اسمه ربيع عربي، ويتفقون فيما بينهم على أن تونس وميدان التحرير لم تكن سوى عمليات خاصة للمخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، تماما كما كان عليه حال الثورات الملونة التي انطلقت في شرق أوروبا.

نفس هؤلاء المحللين الذين يتقاضون رواتبهم من الكريملين ظنوا أن الإطاحة بالقذافي لم يكن لها أدنى علاقة بانتفاضة مدنية ضد نظام وحشي، وإنما كان ذلك تسلطا من الأمريكان للاستئثار بالنفط، وأن الأمريكان بلغت بهم الحماقة أن يستخدموا الجهاديين وكيلا لهم، تماما كما فعلوا من قبل في أفغانستان في حربهم ضد الجيش السوفياتي. ويرى هؤلاء المحللون أن ليبيا كانت، في نهاية المطاف، حديقة روسيا الخلفية في شمال أفريقيا.

هناك عدة أخطاء في مثل هذا التحليل، ليس أقلها فرضية أن كل ما يجري في الشرق الأوسط إنما هو تعبير عن علاقة «بوتين» الوسواسية بأمريكا. ولا إنكار في هذا المجال للتشابهات القائمة بين سلوك بوش في العراق وسلوك كلينتون في روسيا.

إن الغرور الذي هيمن على «بوش» وجعله يعتقد في عام 2003 أن بإمكانه كسر الدولة العراقية ثم إعادة تركيبها، وأن قذائف الديمقراطية الجفرسونية ستنطلق من مدافع الدبابات الأمريكية، سبقته إليه إدارة كلينتون التي ظنت أن بإمكانها إعادة صياغة الدولة الروسية بعد عام 1992. كلا المشروعين باء بالفشل، ولكنهما كانا أبناء الأيديولوجية الأم ذاتها، التي كانت ترى أنه بعد انهيار الشيوعية، وقبل ظهور البحرية الصينية، تحررت طموحات القوة الأمريكية من كل القيود.

ولذلك، فقد كان يعرف بوتين أنه يغير قواعد اللعبة في سوريا، ولكنه لم يفعل ذلك دون أن يمهد الأرضية لذلك. فقد كان هو الآخر مشغولا في تشكيل تحالف الراغبين. من المهم أن نلاحظ في هذا الصدد أن بناء تحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بحيث يكون بشار الأسد حجر الزاوية فيه بدأ على شكل تحرك إيراني روسي بعد النجاح الذي أسفرت عنه المحادثات النووية. إلا أن بوتين كان بحاجة إلى حلفاء عرب.

ما لبث «بوتين» أن وجد هؤلاء الحلفاء في الأردن ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر مزجا للعمل بمزيد من العمل، تمكن بوتين من جلب عاهل الأردن الملك عبد الله، وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان من الإمارات العربية المتحدة ورئيس مصر عبد الفتاح السيسي للمشاركة في عرض جوي عسكري في موسكو في شهر أغسطس/آب. من الجدير بالذكر، كما كان ورد في تقرير لموقع ميدل إيست آي، أن الأردن سحب مؤخرا دعمه للثوار السوريين الذين يقاتلون على الجبهة الجنوبية.

وها هي مصر، التي طالما تجنبت إظهار دعمها للأسد، تعلن جهارا نهارا تأييدها للتدخل الروسي نيابة عن الأسد. فقد صرح وزير الخارجية المصري «سامح شكري» يوم السبت بما يلي: «إن دخول مصر، بما لها من إمكانيات وقدرات، لهو شيء نرى أنه سيكون له تأثيره في الحد من الإرهاب في سوريا بل وفي القضاء عليه».

وفي مقابلة مع تلفزيون المنار التابع لحزب الله، قال المحلل الروسي والدبلوماسي السابق «فتيسلاف ماتوزوف» إن روسيا تلقت دعما من دولة عربية لم يسمها، ولكنه ألمح بشكل عام إلى دولة الإمارات العربية المتحدة حين قال: «إن الموقف المصري المؤيد للضربات هو انعكاس لموقف أبوظبي”. وأضاف قائلا: “لا شك أن صوت القاهرة هو صوت خلفي لدول خليجية أخرى غير السعودية».

هناك حليف رابع لروسيا في حملة القصف التي تشنها على سوريا، إنها (إسرائيل). لقد حافظ «نتنياهو» على علاقته بـ«بوتين» بغض النظر عن الظروف والأحداث، في إحدى المرات حمل «بوتين» على استلام شحنة صواريخ أرض جو من طرازS300، وذلك من خطوط السكة الحديد التابعة لهم بينما كانت في طريقها إلى إيران. ويوم الأحد نقلت صحيفة معاريف عن مصدر عسكري إسرائيلي قوله إن استمرار الحرب الأهلية في سوريا يخدم المصالح الإسرائيلية.

وقال إن استمرار نظام الأسد، الذي يحظى باعتراف دولي، يعفي (إسرائيل) من عبء التدخل المباشر والتورط العميق في الحرب الدائرة هناك. وأشار إلى أن (إسرائيل) تتفق مع كل من روسيا وإيران حول هذه القضية، يعدّ ذلك تصريحا مثيرا للاهتمام إذا ما أخذنا بالاعتبار أن إيران هي الداعم الأساسي لحزب الله ولنظام الأسد في سوريا الذي يعتبر قناتها الوحيدة لتمرير الصواريخ طويلة المدى التي بإمكانها أن تضرب في العمق الإسرائيلي.

هذا فيما يتعلق بحلفاء «بوتين» في الشرق الأوسط، فماذا عن معارضيه؟ الدول الثلاث غير الغربية التي أصدرت بيانا مشتركا تدين فيه الهجمات الجوية الروسية هي: المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا، وهي الدول الرئيسية الداعمة للمعارضة السورية. هذا البيان المشترك لم توقع عليه مصر ولا الأردن ولا الإمارات العربية المتحدة، وذلك بالرغم من الضغوط التي مارستها عليهم المملكة العربية السعودية.

ما من شك في أن في ذلك أمارات واضحة على الانقسام العربي. في هذه الأثناء وقعت مبارزة بين طائرة حربية روسية من طراز Su-24 وأخرى تركية من طراز F-16 داخل ما قالت أنقرة إنه المجال الجوي التركي. وقد علق على ذلك رئيس الوزراء التركي «أحمد داود أوغلو» قائلا إن سلاح الجو التركي سيفعل قواعد الاشتباك العسكرية مؤكدا أنه «حتى لو كان طائرا يطير بجناحيه فإنه سيجري اعتراضه».

وقال «ماتوزوف» إن الروس يتفهمون معارضة السعودية لعملياتهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية مبررا ذلك بالعلاقات الوثيقة للملكة مع واشنطن، هو أمر مسكون به الروس. تارة أخرى يخطئ الروس من حيث المبدأ في فهم ما يحدث في الشرق الأوسط، فما لبثت أمريكا تفقد السيطرة على حلفائها الذين بات كل واحد منهم يفعل ما يراه مناسبا من وجهة نظره. لقد عبر السعوديون عن غضبهم بسبب عدم رغبة «أوباما» في ضرب الأسد بعد الهجمات التي شنتها قواته بالغازات السامة خارج دمشق.

تعتقد الرياض بأنها إذا لم تتصدر لمهمة حماية الأغلبية السنية من الناس في المنطقة فإن القاعدة أو الدولة الإسلامية ستفعل ذلك. وبذلك، ينتهي بنا الأمر إلى وضع تعدّ فيه روسيا قوة أجنبية معتدية وامبريالية من قبل دولتين هما من أغنى دول الخليج، وكذلك من قبل الدولة التي تملك أكبر جيش في المنطقة هي تركيا، ومن قبل أغلبية الناس في كل من تركيا ولبنان وسوريا والأردن ودول الخليج. بمعنى آخر، نحن بصدد معارضة معتبرة للنشاط الروسي في المنطقة.

لم تسع روسيا إلى تسويق تدخلها في سوريا بشكل مبالغ فيه، ولعلها اكتفت بإشادة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بالهجمات الجوية، وبكيلها المديح لبوتين الذي اعتبرت أنه يشن حربا مقدسة.

قال «فزيفولود تشابلين»، رئيس قسم الشؤون العامة في الكنيسة: «إن الحرب على الإرهاب معركة مقدسة، ولربما كانت بلادنا اليوم هي القوة الأكثر نشاطا في العالم في مجال الحرب على الإرهاب». مثل هذا التفكير ليس جديدا أبدا. فقد استخدم بوش تقريبا الكلمات ذاتها حينما قال بعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر مباشرة إن «هذه الحرب الصليبية، هذه الحرب على الإرهاب، ستستغرق وقتا». وبالفعل، لقد استغرقت وقتا.

واليوم تكرر روسيا بعد أربعة عشر عاما الخطأ ذاته الذي ارتكبه من قبل «بوش» و«بلير»، لدرجة استخدام العبارات ذاتها، وما من شك في أن ذلك يثبت كم هو خطير صياغة التعبير عن الاقتتال الذي يدور في بلد مسلم ضمن إطار ديني.

تعتبر مغامرة «بوتين» الأخيرة في سوريا بمثابة كارثة متحركة على عجلات نزعت منها فراملها. إذا كانت المقاتلات الروسية فوق أفغانستان البعيدة قد جذبت المقاتلين الجهاديين العرب من كل حدب وصوب، فللمرء أن يتصور تأثير تحليقها في أجواء سوريا والعراق على الشباب وإلى أي مدى سيعزز ذلك من قدرات تنظيم الدولة الإسلامية على تجنيد المتطوعين.

لا ينبغي على المرء أن يقلل من أهمية مشروع «بوتين»، فهذا هو أول استخدام للجيش الروسي في القيام بدور قتالي في الشرق الأوسط منذ زمن بعيد. كان الإسرائيليون قد رصدوا وجودا روسيا إلى جانب القوات المصرية التي كانت تقاتل في عهد ناصر ما بعد حرب عام 1967، ولكن الأمر لم يعترف به بشكل رسمي آنذاك. أما ما يجري الآن فهو معترف به رسميا.

يسلب هذا القتال من روسيا قدرتها على ضبط دعم الإيرانيين وحزب الله للأسد أو للتفاوض في جنيف على دور انتقالي. لقد أعادت روسيا بذلك إشعال صراع كان قد دخل طورا من الوهن، وبدأ يفسح المجال أمام إبرام سلسلة من اتفاقيات لوقف إطلاق النار في عدة مواقع محلية، أخذا بالاعتبار تلك المكاسب التي حققتها المعارضة في الجنوب.

تتجه روسيا بشكل واضح نحو تكرار جميع الأخطاء التي ارتكبتها القوى الإمبريالية التي استعمرت سوريا والعراق من قبل: الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا. كما تتجه نحو إقصاء واستعداء الغالبية العظمى من سكان المنطقة.

في تصريح لموقع ميدل إيست آي شرح آمر (ضابط) عراقي رسمي لماذا انجذبوا بقوة نحو العرض الذي قدمه الروس لهم، قائلا: «يرفض (التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة) ضرب السيارات الخاصة والمساجد والجسور والمدارس، بالرغم من أن مقاتلي داعش يتخذون بشكل أساسي من هذه الأماكن مقرات رئيسية لهم».

وقال ضابط آخر: «كيف تطلب مني التقيد بالقواعد بينما يقوم عدوي كل يوم بارتكاب أعمال القتل الوحشي ضد شعبي، ويسترق أخواتي ويدمر بلداتي ومدني. الروس لا توجد لديهم خطوط حمراء، ولا يتبعون قواعد معقدة أو مقيدة، ولذلك فإن التعامل معهم بالنسبة لنا أيسر».

ما هو الخلل الذي يمكن أن يحصل؟ وكما يقولون بالروسي «بويتشالي»، أي هيا نذهب.

المصدر | هافنغتون بوست

 

 

هكذا قصفت روسيا موقعاً أثرياً في سوريا/ أنّـا ماريـا لوكـا & ميـرا عبـدالله

فجأة اشتعلت منطقة مساحتها أكبر من ستة كيلومترات مربّعة. في غضون ثوانٍ كانت المنطقة بأكملها مشتعلة. رائد فارس من كفرنبل الذي شهد قصف النظام السوري للبلدة من قبل، لم يشهد شيئاً مثل ذلك في حياته، مضيفاً في حديثه لـNOW بعد دقائق من قصف الطائرات الروسية لضواحي بلدته: “لا أعلم أي نوع من الصواريخ كان هذا، ولكن أثره كان كبيراً، ومخيفاً”.

ظهرت الطائرات الروسية قرابة الظهيرة من يوم الخميس، وأصاب الانفجار مبنى بيزنطياً أثرياً يقع على مقربة من كفرنبل. “كان مخيماً للاجئين حتى وقت قريب، لكنّ كتائب الجيش السوري الحر أعادت المدنيين إلى منازلهم في البلدات في المنطقة حتى لا تتعرّض الآثارات التاريخية للدمار”، بحسب فارس.

كفرنبل هي بلدة صغيرة في محافظة إدلب السورية. كانت تأوي قبل الحرب قرابة الـ15000 شخص، معظمهم من المسلمين السنّة، واشتهرت بأنها أكبر مُنتِج للتين في سوريا، ومن أكبر مُنتِجي الزيتون. وهي تقع على أنقاض مدينة بيزنطية قديمة تحيط بها بعض المدن المنسيّة عبارة عن قرى مهجورة في شمال غرب سوريا بين حلب وإدلب، تم تهجيرها بين القرنين الثامن والعاشر، وحيث تقع آثار سرجيلا وشنشراح والبارة. ولقد طاول القصف الروسي شنشراح، وهي موقع أثري عالمي للامم المتحدة، مرتين يوم الخميس.

الثوار المدعومون من الولايات المتحدة والآثار البيزنطية

تُصوِّر المدن المنسيّة، معظمها بقيت كما هي، فترة التحوّل من روما الوثنية القديمة إلى البيزنطية المسيحية. لكن خلال الحرب السورية، إلتجأ اللاجئون الهاربون من قصف النظام إلى الآثار البيزنطية. ومعظمهم قدموا من معرة النعمان وجبل الزاوية، كما قال أحد الناشطين من كفرنبل لـNOW. بنوا منازل على الآثار وأعادوا بناء الغرف بواسطة جدران مكسرة وعاشوا هناك بكل بساطة. وعاشوا كذلك في الكهوف القديمة التي كانت مقابر في ما مضى، كما قال الناشط.

وفقاً لخالد عيسى، وهو مصوّر صحافي يعمل لحسابه ويأخذ من كفرنبل مقراً له، قررت كتيبة “أحرار الشام” ومجموعة من أهالي البلدة تقوم بحراسة المنطقة أن تخلي اللاجئين وتنقلهم الى كفرنبل. وأقام المقاتلون نقاط تفتيش حول الآثار لحمايتها من الدمار والسرقة، مشيراً إلى أن “المنطقة عسكرية، ولديها حقل أخضر. ولحسن الحظ، يوم القصف كان يوم عطلة ومن الممكن جداً أن لا يكون هناك مدنيون”.

وقال الناشط من كفرنبل لـNOW إنّ السكان توقّعوا قصف البلدة نفسها لا الآثار، معرباً عن اعتقاده أن “الضربات الجوية استهدفت أحرار الشام. فليس لدينا أي مقاتلين دولة اسلامية هناك”.

البلدة السورية الصغيرة

اشتهرت كفرنبل في العامين الماضيين ليس بسبب آثارها القديمة، بل بسبب اليافطات التي رفعها أهاليها والحملات على وسائل التواصل الاجتماعي ضد نظام بشار الأسد. ورائد فارس هو الرجل الذي يقف خلف حساب البلدة على “تويتر”، وصفحتها على الفايسبوك، والموقع الالكتروني الخاص بها تحت عنوان “كفرنبل المحررة”. هناك غزا الناشطون الانترنت بيافطاتهم المسلّية ومنشوراتهم بالإنكليزية. والمنشور الأخير تطرّق الى روسيا: “من الغريب ترك الدب الروسي يدمّر سوريا، في حين يستمتع الحمار الأميركي بمضغ التبن على حدودها”.

كفرنبل هي مركز معروف لمعارضة الأسد، لكن لم يسبق أن سيطرت عليها أي مجموعات متطرفة ولم يدخلها تنظيم داعش. “أقرب موقع لداعش من كفرنبل يبعد 100 كلم على الأقل. وهذه الآثار سيطرت عليها كتائب أحرار الشام وأهالي كفرنبل لأنها سُرقت ودُمرت مرات عدة”، قال عيسى.

ولفت فارس إلى أن روح الأهالي العلمانية المتصلّبة هي التي جعلت الفصائل المتطرفة في وضع حرج: “نحن نحارب جبهة النصرة وداعش ومتطرفين آخرين. نحاربهم على محطات الراديو، ومن خلال تنظيم المظاهرات، ونشر المجلات، وكتابات الغرافيتي على الجدران، من خلال فتح مراكز لدعم المرأة، ومراكز دعم نفسي للأطفال. لدينا أيضاً مراكز لتوثيق انتهاكات حقوق الانسان”.

لماذا استهداف كفرنبل؟

تأوي كفرنبل بعض كتائب الثوار، حيث أنّ العديد من الأهالي يكتفون بتسمية الجيش السوري الحر: أحرار الشام، ومجموعات محلية غير منتمية وفرسان الحق.

وفقاً للمتحدث باسم الكرملين، ديمتري باسكوف، فإنّ الجيش الروسي يختار أهدافه بالتعاون مع الجيش السوري. “لدينا قائمة بالمنظمات الارهابية. نحن نعرفها”، كما قال. هذه هي المرة الأولى التي اعترف فيها مسؤول روسي بأنّ الضربات الروسية الجوية لا تستهدف فقط داعش، بل ومجموعات ثوار أخرى كذلك.

في غضون ذلك، نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر لبنانية مطّلعة قولها إنّ روسيا، إيران والحكومة السورية، يخطّطون لحملة برية في شمال سوريا. ويزعم التقرير إنّ مئات الجنود الإيرانيين وصلوا الى سوريا للانضمام الى حزب الله والنظام السوري من أجل حملة برية كبيرة في ادلب وحماه، تدعمها ضربات جوية روسية.

الخميس كان اليوم الثاني الذي تنفذ فيه روسيا ضربات على أهداف خاصة بالثوار في سوريا. ويوم الأربعاء، ضربت روسيا العديد من المواقع التي يُقال إنها تعود الى داعش في المناطق الجبلية في محافظتي حماه وحمص، لكن مصادر معارضة قالت إن مجموعات متطرفة أقلّ هي التي ضُربت، وأن 40 مدنياً، بينهم 8 أطفال، قُتلوا. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إنّ أي تقارير حول أي ضحايا مدنية لم تؤكّد بعد.

“على الروس أن يتركونا وشأننا، يمكننا تسوية أوضاعنا”، قال فارس لـNOW، مضيفاً: “أتوا الى هنا لضرب فصائل الجيش السوري الحر فقط. لو كانوا يريدون ضرب داعش كما يزعمون، فليذهبوا إلى الرقة، إلى معقل داعش. أتوا فقط من أجل دعم بشار الأسد ونظامه ولضرب فصائل الجيش السوري الحر”.

ساهم أمين نصر في جمع المعلومات لإعداد هذا المقال

هذا المقال ترجمة للنص الأصلي بالإنكليزية

(ترجمة زينة أبو فاعور)

موقع لبنان ناو

 

 

 

 

 

 

طريقة بوتين في محاربة الارهاب/ أنّـا ماريـا لوكـا

في الأول من أيلول 2004، قام 32 مقاتلاً من كتيبة “ريادوس ساليخين” بقيادة الثائر شامل بساييف باقتحام مدرسة في بيسلان، شمال أوسيتيا، وهي جمهورية مستقلة من الاتحاد الروسي في شمال القوقاز. يومها اتّخذ الـ32 مقاتلاً 1100 رهينة، بينهم 700 طفل في يومهم الدراسي الأول.

استمرت الأزمة لثلاثة أيام. في اليوم الثالث، عقد المفاوضون صفقة مع المقاتلين لمبادلة الـ700 طفل بـ700 شخصية روسية مشهورة تريد أخذ مكانهم. كان من المفترض أن تحصل المبادلة الساعة الثالثة بعد الظهر. لكنها لم تتم، لأنّ أموراً غريبة بدأت تحدث قبل ساعتين من موعدها: اقتحمت القوات الأمنية المدرسة وانتهى الحصار بـ394 قتيلاً، 200 من بينهم أطفال. وبعد انفجارين على سطح المدرسة، اشتعلت النيران بالمبنى وانهار السقف على الرهائن الموجودين بالداخل، حيث علق الجرحى والعديد من بينهم احترقوا أحياء.

وخلُص تحقيقٌ أجرته لجنة مجلس الدوما إلى أنّ المأساة بدأت بطلقين ناريين من خارج المدرسة. وقال شهود إنّ قنّاصًا من القوات الفيدرالية أطلق النار على مقاتل كان يضع قدمه على مفجّر يحمله رجل ميت، ما أدى الى جرح بعض الرهائن خلال العملية. لكن الرواية الرسمية للحكومة الروسية قالت إنّ “المقاتلين فجروا قنابل بين الرهائن، ما فاجأ المفاوضون والقادة الروس”.

حادثة بيسلان هي خير مثال عن كيفية تعاطي روسيا مع الإرهاب. بشكلٍ ما، دائماً ما يموت العديد من المدنيين الأبرياء في عملية القضاء على بعض المقاتلين. بالنسبة الى الكرملين، الغاية تبرر الوسيلة، وهناك أبيض وأسود فقط، ولا أي ظلال رمادية. ودائمًا يقومون بتغطية ما يحصل دون أن يلجأوا اطلاقاً الى الاعتذار.

تلك لم تكن الحادثة الوحيدة. قبل عامين من حادثة مدرسة بيسلان، في تشرين الأول 2002، خلال أزمة الرهائن في مسرح دوبروفكا، اتّخذ 40 إلى 50 مسلحاً زعموا بأنهم موالون للحركة الاسلامية المقاتلة الانفصالية في الشيشان، 850 رهينة، وطلبوا من روسيا الانسحاب من الشيشان. بعد يومين، أُرسِلت وحدات خدمة الأمن الاتحادية الى الموقع وضخّت مادة كيميائية في المسرح المكتظ بالناس عبر نظام التهوئة. معظم المقاتلين ماتوا فوراً، وهم غائبون عن الوعي، ولكن 130 رهينة ماتت أيضاً بسبب الغاز، حيث طلب الأطباء من السلطات الكشف عن اسم المادة الكيميائية وإخبارهم بكيفية معالجة آثارها. لكن الوكالات رفضت طلبهم.

كانت الصور التي ظهرت على محطات الأخبار مريعة: صفوف وصفوف من الجثث المسجّاة أمام المسرح، تحت المطر، بانتظار أقربائهم للتعرّف عليهم. وقيل إن السبب الرسمي للموت هو “الإرهاب”.

بوتين وبطاقة الإرهاب

هناك منطقٌ ما يمكن لأي شخص على معرفة بالشؤون الروسية الداخلية وبطريقة عمل إدارة فلاديمير بوتين أن يعرفه. لدى بوتين سببان للمجيء إلى سوريا: هو بحاجة لأن يكون بطلاً وينقذ الشرق الأوسط، ولجعل روسيا تستعيد موقعها كقوة عظمى، وبهذه الطريقة يحافظ على كرسيّه في الكرملين وترتفع شعبيته. ومن المؤكد بأن هذه ليست المرة الأولى التي يلعب فيها بوتين بهذه البطاقة.

بالنسبة الى من كانوا لا يتتبعون الأحداث في روسيا قبل عام 2000، أصبح فلاديمير بوتين رئيساً بعد سلسلة من التفجيرات في أيلول عام 1999 في مبانٍ سكنية في بايناكسك، موسكو، وفولكوندونسك في الحرب الشيشانية الثانية. وبعد تفجيرٍ فاشل تحدّث عنه سكان مبنى استُهدف في ريازان، أمَر حينها بوتين الذي كان رئيساً للوزراء بقصف العاصمة الشيشانية، غروزني، واتّهم المعهد الاسلامي للثوار في “القوقاز” بتنفيذ هذه التفجيرات.

لكن بعد يوم ونصف على الاعتداء الفاشل، اعتقلت الشرطة الروسية منفّذي التفجيرات ليتبين للمفاجأة بأنّهم عملاء من خدمة الأمن الاتحادية. الحكومة دعت الأمر بـ”تمرين تدريبي”، لكن العديد من أشخاص الإدارة الروسية تساءلوا إذا ما كانت التفجيرات مجرد مؤامرة من قبل خدمة الأمن الاتحادية لتشريع قيام حرب جديدة على الشيشان، والأهم من ذلك جلب بوتين إلى الكرملين. هكذا تم اطلاق تحقيق رسمي من قبل مفوضية مستقلّة تابعة لمجلس الدوما. ولاحقاً اغتيل اثنان من أعضائه.

المفارقة هي أنّ بوتين كان في آب 1999 الأقل حظاً في أن يكون خلفاً لبوريس يلتسين كرئيس لروسيا. فقد كانت شعبيته تحت الـ31%، في حين لم يكن 37% من الروس يعرفونه. حيث أن روسيا هي جمهورية نصف رئاسية، السلطة مقسومة فيها بين الرئاسة والسلطة التشريعية. وبعد التفجيرات والحرب الشيشانية الثانية، ارتفعت شعبية بوتين بنسبة 84%. هكذا جلب الارهاب بوتين الى السلطة عام 2000 وسوف يبقيه في السلطة طالما أنّه قادر على اللعب بهذه البطاقة جيداً. ويصادف كذلك بأنّ روسيا سوف تخوض انتخابات تشريعية عام 2016، وحزب بوتين، روسيا الموحدة، سوف يكون على الأرجح أداؤه جيداً في الانتخابات.

الرواية المحرّفة حول سوريا

لكلّ من يتساءلون لماذا الضربات الروسية قتلت مدنيين في مناطق ليس لها أي علاقة بالقتال الذي يجري الحديث عنه ضد تهديد الدولة الاسلامية، نقول إنّ نموذجي أزمتي رهائن بيسلان ومسرح دوبروفكا هي ما سيكون عليه التدخّل الروسي في سوريا: أي القليل من قتلى مسلّحي الدولة الاسلامية، والكثير الكثير من القتلى المدنيين الذين سيُقال إن سبب موتهم هو “الارهاب”.

فبوتين يريدكم أن تصدقوا بأنه لا يوجد في سوريا مجموعات ثوار سوى الدولة الاسلامية، وروسيا سوف توجّه دائماً ضرباتها إلى أهداف خاصة بالدولة الاسلامية كما ستعلن رسمياً، ولن تعترف أبداً بقتل أي مدنيين، ولن يجري أي تحقيق في تفجير الموقع الأثري التابع للأمم المتحدة. رسمياً، سوف تكون هذه دائماً قاعدة خاصة بمقاتلي داعش أو مخزن للأسلحة. فالغاية تبرر الوسيلة.

روسيا ليست عدوة داعش، وداعش ليس عدو روسيا، ولا يوجد أي تهديد وشيك من داعش على موسكو. لن يكون وشيكًا بقدر ما هو بالنسبة الى بلدان أوروبا الغربية مثل فرنسا، وألمانيا، وهولندا. لكن داعش مهم بالنسبة الى الكرملين لأنه مشهور- فالناخبون الروس علموا بوجوده ويعلمون بأن الولايات المتحدة متردّدة في محاربته.

إحضار روسيا الى البحر المتوسط – ومعها أسطولها على الرغم من أنّ السفن ليست ضرورية أبداً لمحاربة داعش- يعيد الى الأذهان ذكريات مدى أهمية موسكو على المستوى الدولي عندما كانت عاصمة الاتحاد السوفياتي. وهذا يشّكل المزيد من النقاط الإيجابية لبوتين ولروسيا الاتحادية.

إنّ ضربات روسيا الجوية في سوريا هي في الواقع من ضمن حملة فلاديمير بوتين. وفي غضون ذلك، الجميع يكسب: مصنّعو الأسلحة الروسية يمكنهم أن يعلنوا عن قنابلهم الذكية ويسوّقوا لها، وعن ماكينة Su-34 لسحق داعش. وكلما ازدادت الضربات، كلما كان أفضل. وبالمناسبة، الطقس مثالي لتنفيذ الضربات في سوريا كما تشير نشرة الأرصاد الجوية الوطنية الروسية.

آنا ماريا لوكا تغرّد على تويتر @aml1609

هذا المقال ترجمة للنص الأصلي بالإنكليزية

(ترجمة زينة أبو فا

موقع لبنان ناو

 

 

 

 

 

المأزق المركب للتدخل العسكري الروسي في سوريا/ سامر إلياس

خطأ استراتيجي

دروس الحروب الاستباقية

فتور وتصدير للأزمات

من سيكسب الحرب؟

يعد التدخل الروسي في سوريا خطوة غير مسبوقة في علاقات روسيا مع بلدان الشرق الأوسط. ومع بدء الغارات الجوية الروسية وقصف مواقع المعارضة بدا واضحا الانقلاب في السياسة الخارجية الروسية في التعامل مع القضية السورية، والتراجع عن مبادئ السيادة الوطنية، وعدم جواز التدخل الخارجي، والتي طالما تشبثت بها روسيا في الأعوام الأخيرة في دفاعها عن نظام الرئيس بشار الأسد وحلفائها الآخرين.

ولا يصعب التكهن بفشل سياسة الكرملين المستجدة في منطقة الشرق الأوسط، فـقرار البدء بأي عملية عسكرية سهل جدا مقارنة بالنتائج المتوقعة، وتطورات الوضع ميدانيا، والارتدادات على العلاقات المستقبلية مع اللاعبين الإقليميين والدوليين، وكيفية وشروط وضع النقطة الأخيرة في أي تسوية لإنهاء التدخل.

خطأ استراتيجي

استبق الكرملين التدخل بالحصول على مباركة من النظام السوري بشن غارات ضد المعارضة، وإخطار الولايات المتحدة بالضربة، وتنسيق مسبق مع تل أبيب أثناء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو الشهر الماضي. وداخليا وبالإجماع كما جرت العادة، خول البرلمان الروسي الرئيس فلاديمير بوتين حق استخدام القوات المسلحة خارج الحدود، للمرة الثانية منذ أحداث القرم وجنوب شرق أوكرانيا ربيع العام الماضي.

وتتباين التحليلات حول أهداف ودوافع التدخل الروسي وحدوده، فالتأكيد على أن الأمر سيقتصر على ضربات جوية تدحضه أنباء عن حشود متطوعين روس للقتال في سوريا، واستدعاء للاحتياط.

ويذهب البعض إلى أن التدخل مدعوم بغطاء إقليمي ودولي لفرض خطوط تهدئة مؤقتة، ويدفع باتجاه إضعاف تدخل إيران وحزب الله، وإضعاف المعارضة السورية في آن، ويهدف لاحقا إلى إجبار جميع الأطراف، بما فيها النظام، على القبول بحل سياسي وفق مبدأ لا غالب ولا مغلوب. فيما يرى فريق واسع أن التدخل يهدف إلى الحفاظ على مواقع روسيا في آخر موطئ قدم لها في المياه الدافئة شرق المتوسط، وتعزيز حضورها في المنطقة، والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.

ويفاخر أنصار “الممانعة” بأن روسيا باتت جزءا من المحور الممانع مع إيران وحكومة بغداد وسوريا وحزب الله ودخلت حرب كسر عظم مع الغرب، وأنها جاءت لإنقاذ حليفها الاستراتيجي في دمشق.

أيا كانت الأسباب والدوافع فمن الواضح أن التدخل لا يصب في مصلحة موسكو من الناحية الاستراتيجية، ففي حال كان الهدف إنقاذ نظام الأسد فإن الانتصار يعني التحالف مع رئيس ضعيف يقود مليشيات ويحارب أخرى، في بلد مدمر يحتاج حسب تقديرات أممية إلى أكثر من 200 مليار دولار لإعادة بناء ما دمرته الحرب الأهلية.

في المقابل فإن روسيا سوف تجد نفسها، ربحت أم خسرت، في صف أعداء بلدان الخليج العربي وتركيا التي لا ترى أي دور للأسد في مستقبل سوريا، وفي مواجهة مفتوحة مع العالم الإسلامي والغرب على حد سواء.

من جهة أخرى فإن استهداف معارضي الأسد والتدخل السافر سوف يحفز الجهات الداعية إلى الجهاد ضد الروس في داخل سوريا، أو ضرب المصالح الروسية في المنطقة أو حتى في داخل روسيا نفسها، وفي المحصلة فإن موسكو يمكن أن تصبح تحت سيف الإرهاب المسلط في أي لحظة في محاكاة للأوضاع التي شهدتها في الولايات المتحدة وأوروبا عقب حروب الغرب الفاشلة في أفغانستان والعراق.

ويجب عدم إهمال العامل الإسلامي في بلدان الاتحاد السوفياتي السابق، وفي جمهوريتي الشيشان وداغستان اللتين تعدان خاصرة روسيا الضعيفة في القوقاز. وحسب تقارير أجهزة الأمن الروسية فإن أكثر من 2000 شيشاني و4000 من بلدان آسيا الوسطى يحاربون في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية.

دروس الحروب الاستباقية

الرئيس الروسي أعلن صراحة، في تصريحات لمحطتي “سي بي إس” و”بي بي إس” الأميركيتين قبل أيام من بدء أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أن ما يدفع بلاده إلى دعم بقاء الأسد يتمثل في أن “هناك في سوريا أكثر من 2000 مقاتل من الاتحاد السوفياتي السابق”.

وأضاف أنه “ثمة خطورة في أن يعودوا إلى بلادنا، والأفضل أن نساعد الأسد على قتالهم هناك في الأراضي السورية، ولا ننتظر لحين عودتهم إلينا، هذا هو أهم دافع لمساندة الأسد”.

التصريح يكشف أن موسكو بدأت بنهج شن الحروب الاستباقية، وللمفارقة كان هذا النهج محط انتقاداتها للتعامل الأميركي مع العراق ويوغسلافيا السابقة وليبيا، ولكن الأهم ربما هو أنها لم تستوعب أخطاء الدرس الأميركي في مكافحة الإرهاب، فالخطر انتقل إلى شوارع الولايات المتحدة وأوروبا، ولن تكون موسكو في مأمن من ذلك، ولن تتوقف حملات التجنيد للقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في روسيا، من دون معالجة الأسباب الحقيقية للصراع في سوريا، ومعالجة أسباب الإرهاب الحقيقية.

وتكشف المواقع المستهدفة من قبل الطيران الروسي بعضا من أهداف موسكو التي لا تميز بين أنواع المعارضات وتنظيم الدولة الإسلامية، فالكل إرهابيون حسب بوتين ولافروف الذي ينفي في آخر تصريحاته أصلا وجود الجيش الحر. ويظهر أن موسكو سارعت إلى دعم النظام إثر تراجعه الكبير منذ بداية العام الحالي أمام المعارضة التي وصلت إلى مشارف بيئته الحاضنة وخزان جيشه، في منطقة الساحل السوري.

وتوضح مواقع الضربات أن روسيا تحاول المحافظة على “سوريا المفيدة” لها ولحلفائها، الممتدة من دمشق إلى الساحل مرورا بالقلمون وحمص، ما يسمح باستمرار التواصل مع حزب الله في لبنان، مع لفت الانتباه إلى تأكيدات بوتين لنتنياهو على أن النظام ليس قادرا على فتح جبهة مع إسرائيل من الجولان.

ولا يمكن إخفاء هدف الضربات الروسية الحقيقي عبر التمويه باستهداف بعض مواقع تنظيم الدولة الإسلامية، فمعظم الغارات كان من نصيب الجيش الحر وكتائب إسلامية متحالفة معه، ولم تلحق ضررا يذكر ببنية تنظيم الدولة، رغم ما تكرره الماكينة الإعلامية الروسية، وتلك المحسوبة على محور الممانعة.

ومن نافلة القول أن الضربات الروسية تضعف المعارضة الديمقراطية والمعارضات المعتدلة، وتقوي المتشددين في محاولة لتكرار أقاويل النظام بأن أساس الأزمة في سوريا هي حرب بين متطرفين إسلاميين ونظام علماني. ولكن الواضح أن موسكو لن تستطيع فرض حل يعود بسوريا إلى ما قبل مارس/آذار 2011، يثبت مواقع الأسد، أو يضمن لها وجودا مستقرا في قاعدة طرطوس، أو قواعدها الجديدة التي شرعت ببنائها تحضيرا للضربة الحالية.

فتور وتصدير للأزمات

خلافا لحالة الإجماع الشعبي الذي حظي به تدخل بوتين في القرم، ربيع العام الماضي، يُظهر الشعب الروسي فتورا فيما يخص سوريا. فحسب استطلاعات مركز “ليفادا” الروسي يعارض نحو 69% من المواطنين إرسال قوات عسكرية إلى سوريا. وتعلو أصوات كثيرة تحذر من تأثير التدخل العسكري على مزاج المسلمين الذين يشكلون أكثر من خُمس سكان روسيا، وينظر كثير منهم إلى نظام الأسد كنظام قاتل لشعبه.

ومما يزيد الطين بلة دخول الكنيسة الأرثوذكسية الروسية على خط الصراع، واعتبار التدخل في سوريا حربا مقدسة، مما يفتح الطريق للمرة الأولى أمام خلافات بين الجانبين الروسي والعربي على أساس ديني، ويُسقط قيادة روسيا في فخ وقع به الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، ويفتح على شقاق على أساس ديني بين المواطنين الروس.

في أثناء الحملة الانتخابية في 2012، وفي إطار لعبة تبادل الكراسي مع ديمتري مدفيديف، نشر بوتين مقالات عدة في الصحف الروسية ركز أحدها على دور روسيا العالمي، وأن انهيار الاتحاد السوفياتي كان كارثة عظمى، ودعا أيضا إلى دور عالمي أكبر لروسيا في العالم.

الهدف المعلن من المقالة كان حشد الشعور القومي، وبعث الحنين لأيام القوة في عهد الاتحاد السوفياتي، لكن الهدف الآخر يكمن في لفت الأنظار عن عجزه بالنهوض بالاقتصاد الروسي وتخفيف اعتماده على النفط والخامات، والإخفاق في محاربة الفساد وبناء مؤسسات قوية، والخلل الكبير في النظام القضائي. وبدا واضحا أن الكرملين يستخدم ورقة التعصب القومي لحل أزماته ويطلق الاتهامات لقمع المعارضين أو المنتقدين للسياسات الاقتصادية والاجتماعية.

إزاء ذلك وجدت النخب الحاكمة ضالتها في تصدير المشكلات إلى الخارج. ومع الأزمة الأوكرانية بداية العام 2014، وضم بوتين لشبه جزيرة القرم ودغدغة المشاعر القومية ارتفعت شعبيته إلى مستويات قياسية رغم التراجع الاقتصادي الكبير وانهيار سعر صرف الروبل، وارتفاع التضخم وزيادة أعداد الفقراء.

وبعد الآثار الكارثية على الاقتصاد الروسي، بسبب العقوبات الغربية وانهيار أسعار النفط إضافة إلى الجمود في الوضع الأوكراني، يبدو أن موسكو قررت خوض مغامرة جديدة، لكنها على عكس سابقتها لا تحظى بإجماع كبير، وقد تدخل الكرملين في دوامات يصعب الخروج منها.

من سيكسب الحرب؟

ورغم توق بوتين إلى عودة الأمجاد الإمبراطورية والسوفياتية فإن الواقع العالمي الحالي وأوضاع الاقتصاد الروسي، الذي لا يتجاوز 3% من حجم الاقتصاد العالمي، لا يسمحان له بذلك. فروسيا سحبت قواعدها من كوبا وفيتنام وغيرها بسبب نقص الموارد.

واليوم فإن أي زيادة في حجم الإنفاق العسكري يعمق جراح الاقتصاد المثخن أصلا بنفقات دفاعية تتجاوز خُمس الموازنة على حساب التعليم والصحة وغيرها، علما بأن حجم الإنفاق العسكري الروسي على كبره، بلغ 84 مليار دولار في العام الماضي مقابل 610 مليارات في الولايات المتحدة، من دون حلفائها الإقليميين والدوليين، ولهذا فإن مرابطة القوات الروسية في المياه الدافئة، وتثبيت حضورها في سوريا مقابل الحضور الغربي في الخليج، مكلف جدا وليس في مقدور الكرملين.

إن تدخل روسيا العسكري في سوريا يدخلها في حرب لن تحسم بالضربات الجوية، وربما امتدت ساحاتها إلى شوارع المدن الروسية، رغم تركيز محطات التلفزة الروسية على أن الطقس في سوريا في أكتوبر/تشرين الأول مناسب جدا للطلعات الجوية “في ظل سماء صافية من دون غيوم”، وامتداحها اختيار القيادة للموعد.

ومن المؤكد أن الكرملين لن يستطيع مواصلة سياسة الهروب إلى الأمام، وافتعال أزمات خارجية، للتغطية على مشكلاته الداخلية وتراجع الاقتصاد، خاصة أن التدخل في سوريا سوف يزيد عزلة روسيا دوليا، وسيؤدي إلى تراجع فرصها في بناء علاقات شراكة قوية مع البلدان العربية والعالم الإسلامي، بينما لا توجد ضمانات تؤكد قدرة روسيا على إنقاذ نظام الأسد.

الجزيرة نت

 

 

 

منصة بوتين السورية/ وليد شقير

تجاوز التدخل العسكري الروسي بقوة نيرانه الهائلة أهدافه المعلنة بأشواط. وأخذ يؤشر إلى حرب طويلة الأمد يخوضها القيصر، لا تتعلق بسورية وحدها، وبما يعلنه عن محاربة «داعش»، بالتعاون مع جيش نظام بشار الأسد، وبتغطية قيام الأخير بهجمات برية لاستعادة مناطق خسرها نتيجة تقدم تشكيلات المعارضة السورية المتعددة فيها.

ولا تكفي التناقضات التي رافقت الحملة الدعائية الروسية للعمليات العسكرية التي تقوم بها المقاتلات الروسية من الجو والتي تشمل إطلاق الصواريخ الباليستية من بحر قزوين مستهدفة الأراضي السورية للدلالة إلى أن هذا التدخل العسكري يتعدى تلك الأهداف المعلنة. وإذا كان الكرملين احتاج إلى ابتكار أساليب إعلامية جديدة لتبرير حملته العسكرية للتغطية على انكشاف التناقض بين الأقوال والأفعال، فإن الإعلام الروسي نفسه وقع في الفخ حين أخذ ينشر خرائط لمواقع القصف، تظهر بوضوح أن القذائف الآتية من طائرات «سوخوي» 24 و25 والتي حملتها الصواريخ استهدفت مناطق تخضع لسيطرة «الجيش السوري الحر»، ولتشكيلات مسلحة أخرى من التي تصنف على أنها «معارضة معتدلة»، وليس لمواقع «داعش» و «جبهة النصرة»، كما ادعى الجانب الروسي. وأعطى ما نشره الإعلام الروسي الموالي للكرملين صدقية لما قاله الأميركيون ورئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو من أن القصف الروسي لم يستهدف سوى موقعين لـ «داعش»، من أصل 57 غارة حتى الثلثاء الماضي.

واحد من المؤشرات إلى الاستهداف الأوسع من سورية وإنقاذ النظام من الانهيار التدريجي بعد فشل التدخل الإيراني في إعانته على التفوق في المحرقة السورية، هو رد فعل حلف شمال الأطلسي واجتماع قادته أمس في بروكسيل. ومن الطبيعي أن تظهر التناقضات في ما يعلنه المسؤولون الروس عن أهدافهم في سورية، حين تتحرش المقاتلات الروسية بالمقاتلات التركية وفي الأجواء التركية، فقادة الحلف فهموا الرسالة، التي أراد بوتين إرسالها بعد فشل اجتماعه مع نظيره الأميركي باراك أوباما في نيويورك في 28 أيلول (سبتمبر) الماضي، حول أوكرانيا، التي استغرق البحث في أزمتها الجزء الأكبر من الاجتماع قبل التطرق إلى الأزمة السورية، والتي لم تشهد أي تقدم في تقريب المواقف منها. فكان طبيعياً ألا يحصل التقدم المنتظر في شأن الموقف من الحرب في بلاد الشام، بعدها.

الهدف الأبعد في رد الفعل الروسي بعد يومين من فشل القمة الثنائية، عبر التحرش بالأجواء التركية، «الأطلسية»، هو إنذار الغرب بقدرة الدب الروسي على الرد على سياسة تعزيز وجود حلف شمال الأطلسي في دول شرق أوروبا وعلى التغلغل الغربي الدؤوب في هذه الدول، التي تشكل المدى الحيوي للإمبراطورية الروسية الغابرة والتي كانت ضمن فلك الاتحاد السوفياتي قبل انهياره. فهذا التغلغل الأوروبي الغربي المدعوم أميركياً هو الذي دفع بوتين إلى التدخل في جورجيا عام 2008 وإلى اقتطاع القرم من أوكرانيا قبل سنة ونصف السنة، ما أطلق سياسة العزل الأميركية – الأوروبية لروسيا عبر العقوبات التي أنهكت اقتصادها، والمعطوفة على خفض أسعار النفط التي أفقدت موسكو مئات بلايين الدولارات وتسببت بانكماش اقتصادها وتراجع عملتها أكثر من 40 في المئة وتصاعد التضخم في سوقها، إلى مستويات غير مسبوقة منذ انهيار الروبل في التسعينات من القرن الماضي.

ولم تكن موسكو بحاجة إلى الصواريخ الباليستية لقصف ما قالت إنه مواقع «داعش» و «النصرة»، لولا أنها أرادت من ورائها افهام الغرب أنها قادرة من مناطق نفوذها المترامية ومنها بحر قزوين، على تخطي مشروع الدرع الصاروخية الأميركية، التي تعمل واشنطن على إقامتها منذ سنوات في بعض دول شرق أوروبا.

لا تقتصر أهداف المرحلة الجديدة التي افتتحها بوتين على سورية حكماً، مع أنها تشكل منصة مهمة له للتصويب على الأهداف الأبعد مدى، مع ما يحمله التورط الجديد من مخاطر، فدول الغرب تسلّم لموسكو بنفوذها في سورية، بل بعضها يعوّل على هذا النفوذ وصولاً إلى حل سياسي. وهذا البعض كان على قاب قوسين من القبول معها باشتراك بشار الأسد في بداية الحل السياسي على أن يجري الاتفاق على مخرج له في مرحلة متقدمة من العملية السياسية. بل إن هذا الغرب يسلّم بالتعاون مع موسكو على حقها في استباق عودة المقاتلين الشيشان المتطرفين إلى روسيا. ولم يكن بوتين في حاجة إلى استنفار الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لتأييد حربه «المقدسة»، مغامراً بإعطاء أبعاد دينية لحربه، لو لم يكن يعتقد أنه يخوض معركة قومية تتعلق بموقع ونفوذ بلاده في أوروبا.

الحياة

 

 

 

 

هدف موسكو فرض التسويات في المنطقة بشروطها/ راغدة درغام

بعد أسبوع على بدء العمليات الروسية العسكرية في سورية، أين تقف الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والدول العربية؟ وماذا بعد؟

بدأت روسيا عملياتها العسكرية تحت عنوان «الحرب على الإرهاب» واستثنت «الجيش السوري الحر» من هذا التصنيف. لكن التشكيك رافق الغارات الروسية وانطلقت الاتهامات بأن الغارات الروسية استهدفت المعارضة وأنها كادت تركز عليها بدلاً من «داعش» أو «جبهة النصرة».

موسكو لم تكن في حاجة لمن أراد تقنين عملياتها العسكرية في الحرب على الإرهاب لأنها، منذ البداية، أوضحت – علناً – ان احد ركائز تدخلها العسكري هو دعم نظام بشار الأسد. أبلغت كل من يعنيهم الأمر ان هدفها الإستراتيجي ذو شقين أساسيين: توفير الغطاء الجوي لقوات النظام البرية لكي يستعيد قواه ليكون لاعباً في المستقبل السوري – أقله في حال التقسيم. وثانياً، القضاء على التنظيمات الإرهابية الإسلامية في عقر الدار السوري كي لا يتطاول التطرف الإسلامي على روسيا في عقر دارها أو في جيرتها المسلمة في الجمهوريات الخمس المعروفة بالـ «ستان».

الصمت العربي النسبي على الدور الروسي العسكري في سورية له دلالات، وكذلك التصريحات – على نسق ما قاله وزير الخارجية المصري سامح شكري – التي تضمنت شبه مباركة للغارات الروسية على «داعش» في سورية. قراءة المواقف العربية ليست سهلة سيما ان المواقف المعلنة تتمسك برحيل الرئيس السوري فيما المواقف الروسية تتمسك به.

هناك قراءتان أساسيتان: إما أن الدول العربية الأساسية تفاهمت ضمناً على أولوية سحق «داعش» الذي يهددها وجودياً حتى لو كلّف ذلك تقوية النظام في دمشق بما في ذلك بقاء بشار الأسد لفترة زمنية، وبالتالي توصلت هذه الدول الى اقتناع بأن عليها القفز على «عقدة الأسد» والكف عن اعتبار رحيله أو بقائه مسألة مركزية. أو أن هذه الدول العربية حصلت على تفاهم ضمني من موسكو – ومن واشنطن أيضاً – بأن المعادلة الآن هي بقاء النظام من دون الأسد على المدى البعيد انما مع تفهم ضرورة بقاء الأسد في المرحلة الآتية.

المشكلة الرئيسية في السيناريو الثاني تكمن في ما يسمى إما «الضمانات» أو في عقدة الثقة. وهذه العقدة ليست فقط بين الروس والأميركيين ولا بين الأتراك والروس والعرب أو الأميركيين والعرب. انها عقدة الثقة المفقودة بين جميع اللاعبين بلا استثناء. ولذلك انها اللعبة السياسية على انقاض سورية وعلى جثث السوريين.

إيران ليست جزءاً من لعبة الثقة. انها واضحة في انها لا تثق، واضحة في دعمها القاطع، منذ البداية، لبشار الأسد ونظامه بكل امكانياتها العسكرية – عبر «حزب الله» و»الحرس الثوري» – وسياسياً، عبر رفضها البصم على عملية جنيف الداعية الى هيئة حكم انتقالي ذات صلاحيات كاملة لأنها تعني الانتقاص من سيطرة الأسد.

تركيا وأوروبا تتصدران قائمة اللاوضوح. تركيا زايدت ثم تراجعت، وساهمت في ما آلت اليه الأوضاع في سورية. وهي بذلك تقع في الخندق ذاته مع دول خليجية توعّدت وتقهقرت بكلفة باهظة على سورية.

روسيا وتركيا لهما تاريخ في اللاثقة وفي المنافسة. روسيا ورثت العظمة عن الاتحاد السوفياتي، وتركيا تريد أن تحيي العظمة العثمانية. كلاهما يفكر ليس فقط في أهمية الدور الإقليمي والدولي في المعادلة السياسية – الجغرافية. انهما يفكران في المصالح الاقتصادية بما فيها أنابيب الغاز وسبل تصدير الطاقة الى أوروبا والقوقاز. كلاهما يرأسهما رجلان يعتبران نفسهما عازمين على صنع التاريخ. وسورية اليوم ساحة للشخصية النرجسية، الروسية والتركية.

أحد مراكز القوة لدى تركيا هو جيرتها المباشرة مع سورية بما ينطوي ذلك عليه من سيطرة على الهجرة السورية والكردية وكذلك العراقية الى الدول الأوروبية – تلك الهجرة التي ترعب الأوروبيين. وكما يستخدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مسألة الهجرة كجزء من استراتيجيته السورية، كذلك يفعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

إنما النقطة الأخرى في مراكز القوى التركية هي انتماء تركيا الى حلف شمال الأطلسي (ناتو) الأمر الذي يضع أية تجاوزات روسية عسكرية في عملياتها العسكرية في سورية موضع قلق لموسكو – وأنقرة واعية جداً لتلك الورقة المهمة. لذلك، لن يحدث صدام بين روسيا وتركيا مهما آلت اليه الأمور. موسكو لن تتجاوز. وأنقرة لن تتمكن من جرّ الناتو مهما فعلت. فالقرار الأوروبي، كما القرار الأميركي، ليس في وارد التورط مع روسيا في سورية، بل ليس في وارد التورط في سورية بروسيا، أو من دونها.

ألمانيا صريحة في وقوفها مع روسيا وإيران حتى لو تضمن ذلك وقوفها مع نظام الأسد و «حزب الله» معه.

فرنسا متأرجحة دائماً ولقد حان لها ان تستقر لأنها في هذا التأرجح لا تخدم نفسها ولا تساعد سورية أو الدول العربية التي تعيرها أهمية. الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند يحذر من حرب شاملة لن تكون أوروبا بمنأى عنها. يقول ان الإقدام العسكري الروسي يهدد التوازن الإستراتيجي وإن الحرب «ستصبح شاملة» ما لم تتحرك أوروبا. لا يتقدم بإستراتيجية متكاملة ويكتفي بخطوة هنا وخطوة هناك، معظمها متأخرة. فرنسا تطرح اليوم مشروع قرار في مجلس الأمن ضد استخدام البراميل المتفجرة. اليوم؟ ولماذا ليس قبل سنة؟ فرنسا تتحدث بلغة التصدي داخل الاتحاد الأوروبي وفي وجه تلكؤ الولايات المتحدة. لكنها ما تلبث ان تهرول، كما فعلت في أعقاب الاتفاق النووي مع ايران.

لذلك. ليس مريحاً للرئيس الفرنسي أن يكشف الرئيس الروسي انه اقترح عليه صيغة «خلاقة» هي المزيج بين قوات «الجيش السوري الحر» وقوات النظام في دمشق من أجل تشكيل جبهة ضد «داعش». بوتين كشف عن ذلك للازدراء بهولاند وبالطبع، هولاند ينفي لأن مثل هذا الاقتراح منتهى السخافة.

بريطانيا لها أسلوبها لكن سياستها لا تخفى على أحد. إنها الملهم والملبّي لواشنطن. رئيس الورزاء ديفيد كامرون يتحدث اليوم بلغة تقوية قوات النظام وقوات «الجيش السوري الحر» معاً. وهو بذلك، عملياً، يتحدث بنفس لغة هولاند. وربما هذه هي المعادلة الأوروبية الجديدة التي إما لها دعم من واشنطن أو أن واشنطن صاحبة الوحي بها.

الصين لها حساباتها الخاصة. إنها في تحالف مع روسيا في الشرق الأوسط ولن تتدخل في الإستراتيجية الروسية ما لم تضطر إلى ان تقوم بذلك. وبما أن العلاقة الاقتصادية الصينية – العربية على ما يرام، لا داعي لبكين ان تفعل أكثر مما تفعله وهو النأي بالنفس عن أحداث المنطقة العربية.

أما الولايات المتحدة، فإنها في حال انفصام كما يبدو في المشهد العام، إلا أنها في غاية التماسك عند النظر في إستراتيجياتها البعيدة المدى.

رأي روسيا هو أن الولايات المتحدة في حال ضعف وتردّد وتراجع في البنية التحتية السياسية وكذلك مع فرصة نادرة لموسكو تتمثل في إدارة أميركية قرّرت عدم الانخراط في صراعات الشرق الأوسط والانسحاب منه طوعاً.

لا يهم روسيا أن يقول وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر إن واشنطن غير مستعدّة «للتعاون» مع روسيا في سورية طالما يقرّ بضرورة «التوافق على إجراءت السلامة» عند التنسيق في الطلعات الجوية. لا يهمها أن يقول ان السياسة الروسية في سورية «معيبة في شكل مأساوي» طالما أن واشنطن أوضحت أنها لن تفعل أي شيء إزاء تلك السياسة «المعيبة». من الواضح لموسكو أن واشنطن أعطتها الضوء الأخضر في سورية وأنها، كما أوعزت لها عملياً، تنوي التنديد علناً.

ما يهم روسيا هو أن أمامها فرصة تاريخية لنحت جغرافيا جديدة لدورها السياسي في الشرق الأوسط عبر سورية. إنها في صدد بناء محور أو محاور في الشرق الأوسط بقيادة روسية. وهي تريد أن تقود تسويات سياسية لأزمات الشرق الأوسط وفق الشروط الروسية بدءاً ببقاء نظام بشار الأسد في السلطة رغم أنف الادعاءات الأميركية والأوروبية والعربية بأن ذلك مستحيل لأنه، وفق رأيهم، «جزار» دمشق ومن المستحيل إعادة تأهيله سورياً أو إقليمياً أو دولياً.

بغض النظر إن كانت «النهاية» استبعاد الأسد من الحكم أو الاكتفاء برئاسته لجزء من سورية المقسّمة، موسكو تريد اليوم «إشراك» نظام الأسد في المستقبل السوري. ولذلك تتدخل عسكرياً، بشراكة مع النظام، لتقوية الأسد كي يكون جزءاً من الحكم في سورية الغد بأية صيغة كانت. إنها تنفّذ إستراتيجية إنقاذه وإعادة تمكينه كي يكون ورقة قوية في مفاوضاتها المستقبلية مع واشنطن وعواصم أوروبية وعربية. واقع الأمر أن لا أحد، سوى الكرملين، يعرف إن كانت الإستراتيجية الروسية تقوية بشار الأسد لإنقاذ النظام من دونه وبالتالي الاستغناء عنه، أو إن كانت تنوي التمسك به مهما كان.

الواضح اليوم هو أن فلاديمير بوتين أبلغ كل من يعنيه الأمر أن روسيا تعتبر الأجواء السورية متاحة لها فقط على أسس شرعيّة لأن الغارات الروسية تتمّ بطلب رسمي من الحكومة السورية الشرعية. شرعيّة لأن الاتفاق الأميركي الروسي الرسمي المعني بالأسلحة الكيماوية السورية شرّع رسمياً الحكومة السورية رغم نعتها بأنها «لا شرعية» في تصريحات أوباما أو غيره.

موسكو تطالب قوى «التحالف الدولي» ضد «داعش» الذي تقوده الولايات المتحدة أن تقرّ بأن روسيا هي القيادة الشرعية فوق الأجواء السورية وأن روسيا هي التي تملي قواعد الاشتباك. وهذا تحوّل أساسي في العلاقات العسكرية الجيو – سياسية في الشرق الأوسط، بدءاً بسورية.

وموسكو لن تكتفي بسورية. لذلك، إنها تنوي توسيع قيادتها وسلطتها لتشمل العراق تحت غطاء الحرب على «داعش» وهي في انتظار الدعوة الرسمية المرتقبة من بغداد لتطلب من موسكو توسيع رقعة غاراتها لتشمل الأراضي العراقية.

روسيا تقول لأميركا: القيادة لنا، وعليك التنسيق معنا لأننا نحن الشرعية الممتدة من سورية إلى العراق. وواشنطن ستلبي مهما كابرت لأنها لا تريد الانخراط ولأن دول المنطقة ستطلب المعونة الروسية في ظل الامتناع الأميركي.

هكذا ستنجح موسكو في صنع المحور الذي تحدثت عنه والذي يضمّ العراق وسوريا وإيران وروسيا. رسالتها هي: أنا الأقدر وأنا الأقوى. وأميركا لا تمانع، عملياً، لأنها لا تريد أن تكون الأقوى والأقدر في الشرق الأوسط. والسؤال هو: هل كل هذا بسبب قرار إدارة أوباما العازمة على اللاانخراط؟ أم أنه وفق إستراتيجية أميركية بعيدة المدى ترى أن المصلحة الأميركية تقضي بإيكال القيادة إلى روسيا في بقعة جاهزة لتكون مستنقعاً يمتص منها كل ما يتخيل لها أنه عظمة أو انتصار؟

هناك رأيان في شأن الدور الروسي في سورية. رأي يصرّ على أن سورية ستكون أفغانستان روسيا وفيتنام أميركا. ورأي آخر يقول إن في زمن أفغانستان كان هناك من يعبئ الجهاديين ويدعمهم عملياً لإلحاق الهزيمة بالشيوعية، بينهم الولايات المتحدة. أما اليوم، فليس هناك من يقوم بالتعبئة، ولذلك موسكو لا تخاف.

في المقابل، إن انعدام التنظيم والإشراف على تنظيمات مثل «داعش» وأمثاله قد يثبت أن أفغانستان آتية على روسيا أكثر مما كانت على الاتحاد السوفياتي. فلنرَ.

الحياة

 

 

 

من سيدفع كلفة الحرب الروسية في سوريا؟ خريطة الأهداف تُحدد لائحة المصالح المتضررة/ روزانا بومنصف

من سيدفع فاتورة الحرب الجوية الروسية في سوريا؟ ليست سوريا بالتأكيد التي لم يعد يقف نظامها سوى على الامدادات الايرانية والروسية ولا ايران ولا الدول الخليجية طبعاً. فحين بدأت الادارة الاميركية شن الطلعات الجوية لقصف “داعش” في العراق ومن ثم في سوريا فان الكلفة قدرت بمليار دولار شهرياً وفق ما نسب الى وزير الدفاع الاميركي انذاك تشاك هيغل. فالعراق دفع تكاليف الضربات الجوية التي وجهها التحالف الدولي في العراق ضد تنظيم الدولة الاسلامية فيما افادت معلومات بان الدول الخليجية ساهمت في تمويل هذه الضربات ضد التنظيم في سوريا. والضربات الجوية وفق التقديرات الاميركية تكلف 300 الف دولار في الساعة في حين انه بلغ انفاق اسرائيل يومياً على الحرب على لبنان في عام 2006 زهاء 22 مليون دولار. السؤال عمن يمول الحملة العسكرية الروسية يستند الى محاولة معرفة المدى الذي ستذهب اليه روسيا والمدة التي ستستغرقها الحرب التي تشنها ضد معارضي الرئيس بشار الاسد ولو بالتزامن مع عدم اهمال المصالح الاستراتيجية لروسيا ان في الدويلة الساحلية التي يتم تثبيتها على الساحل الروسي او عبر طموح روسيا الى عقود استثمار الغاز في المنطقة. لكن ذلك للقول ان هذه الحرب لا يمكن ان تكون مفتوحة في الزمن في ظل عقوبات يعاني منها الاقتصاد الروسي. فالحرب مكلفة بالنسبة الى روسيا الى درجة الشك في قدرتها على متابعتها لاشهر طويلة كما رجح أحد نواب البرلمان الروسي بان تستمر بين ثلاثة واربعة اشهر ثم ما لبث ان تراجع عن تصريحه. السؤال التالي يرتبط بما سينجزه الرئيس الروسي في سوريا وهل هو إعادة احياء النظام وترميمه وحماية دمشق امتدادا الى الساحل السوري مركز الثقل العلوي فضلاً عن موقع القاعدة العسكرية الروسية على المتوسط وفق ما هو مرجح، ام هل هو العمل على تثبيت النظام ومساعدته من اجل محاولة استعادة السيطرة على مدن أساسية خسرها او ربما محاولة مساعدته على استعادة السيطرة على سوريا مجدداً؟ فثمة فارق كبير بين محاولة منع النظام من الانهيار من اجل تمكينه من الجلوس على طاولة التفاوض قوياً نسبياً وبين تمكينه كلياً من المعارضين على استحالة هذا الاحتمال الاخير في ضوء اعتبارات متعددة.

لا يهمل مراقبون سياسيون وديبلوماسيون في بيروت حجم الحملة التي بدأتها روسيا في سوريا وتأثيرها في محاولة قلب التوازنات التي رست على الارض والتي تشكل منعطفاً كبيراً في الحرب في سوريا. والحملة في حد ذاتها كما طبيعتها وابعادها هي مدعاة للقلق بالنسبة الى لبنان نظرا الى ان لكل تطور من التطورات السورية انعكاساته وتداعياته في لبنان. لكن من باب التجربة اللبنانية ابان الحرب ايضاً، فان هذا المنعطف على أهميته قد لا يكون سوى مرحلة اخرى جديدة خطيرة من تطور الحرب الاهلية السورية ولا يعني حكما قرب انتهائها. اذ حصلت تطورات خطيرة في الحرب اللبنانية قد يكون ابرزها احتلال اسرائيل مناطق لبنانية وصولا الى دخول العاصمة وحققت أهدافاً كانت من بين ما طالبت به اسرائيل في شأن ترحيل منظمة التحرير الفلسطينية. لكن الأمور لم تستتب لها كما ان الامور لم تستتب للنظام السوري لولا انه تلاعب بلبنان لعقود ما ادى الى تسليم العالم بوصايته على جاره الصغير. ولذلك فإنه على المدى التي يمكن ان تذهب اليها الحملة العسكرية الروسية تتوقف احتمالات المرحلة المقبلة. فثمة تسليم غربي بالتدخل الروسي من حيث الاقرار بمصالحه في طرطوس وعلاقته التاريخية بسوريا بالتزامن مع دعوته الى توجيه ضرباته العسكرية ضد تنظيم الدولة الاسلامية وليس ضد المعارضة السورية للنظام والتي تشكل الخطر الفعلي عليه. ولكن ابعد من ذلك هل يمكن ان يكون الاتفاق الذي عقد مع ايران حول ملفها النووي من اجل ان يتاح المجال لروسيا ان تركب الاتفاق وتحاول تحقيق نفوذها في المنطقة؟ وما هو مصير الضمانات التي قدمتها ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما في قمة كامب ديفيد للدول الخليجية من اجل ضمان امنها على خلفية الاتفاق النووي؟ وهل ان الحملة الروسية وتلاقي مصالحها مع المصلحة الايرانية في سوريا لا تشكل تهديدا للدول العربية خصوصاً متى استهدفت الحملة العسكرية الروسية المعارضة السورية من دون تمييز مستهدفة الطائفة السنية تحديدا بما يصب في مصلحة ايران ويعزز نفوذها أقله من حيث المبدأ؟ وتفيد معلومات ديبلوماسية ان روسيا ادركت سريعاً الخطأ الذي شكله موقف الكنيسة الارثوذكسية في دعمها حرب بوتين على اساس وصفها بالحرب المقدسة. فمع ان موقف الكنيسة في روسيا ليس جديداً وهو كان ذريعة رفعها بوتين مراراً مقدماً بلاده على انها باتت هي حامية المسيحيين في المنطقة وليس اي طرف آخر، فان هذا العنوان شكل انذاراً لروسيا ولو انها لا تظهر حساسية ازاء ردود الفعل على مواقفها كما تفعل واشنطن او اي دولة اوروبية. في اي حال ليست المصالح العربية او التركية التي ستكون مهددة وحدها ودوماً تبعاً لمدى الطموح الروسي، وما اذا كان سيقتصر على حماية الاسد ومنع سقوطه وتأمين مناطق نفوذه ام ابعد من ذلك، بل المصالح الاميركية ايضاً.

النهار

 

 

رمضان قديروف رئيسا لسوريا؟

رأي القدس

 

لم تلفت تصريحات رمضان قديروف، رئيس جمهورية الشيشان، حول سوريا، الجمعة الماضية، اهتمام المعلّقين، رغم دلالاتها البالغة وتفاعلاتها الكبيرة الممكنة.

طالب قديروف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين السماح لـ»كتائب الموت» الشيشانية التابعة له بالذهاب إلى سوريا لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» قائلا بالحرف: «هذا ليس كلاما فارغاً. في 1999 عندما احتل هؤلاء الشياطين الشيشان أقسمنا على القرآن بأننا سنحاربهم طوال حياتنا أينما كانوا»، والمقصود بـ»الشياطين الشيشان» المحاربون للاستقلال عن روسيا خلال حرب الشيشان (الثانية)، معلّقاً الأمر بموافقة «القائد العام للقوات المسلحة الروسية» فلاديمير بوتين.

قديروف، الحاصل على عدد هائل من الميداليات العسكرية مثل «بطل روسيا الاتحادية»، و«الشجاعة»، و«تقدير الوطن الأب»، و«التميّز في حماية النظام العام»، يحظى فوق كل ذلك بمحبة خاصة من قبل رئيسه بوتين.

ما لم يذكره قديروف طبعاً أنه كان أحد هؤلاء «الشياطين الشيشان» المقاتلين ضد روسيا، فبصفته ابنا لمفتي جمهورية ايشكيريا الذي أعلن الجهاد ضد موسكو استلم قيادة الميليشيات المناوئة للكرملين في الحرب الشيشانية الروسية الأولى (وهناك شريط فيديو مزعوم يشارك فيه في حفل لقطع رؤوس جنود روس) إلى أن انقلب وأبوه ضد رفاقه وتحوّل، وعناصر ميليشياته، بين ليلة وضحاها، إلى أعضاء في الاستخبارات الروسية ببطاقات رسمية. استلم قديروف بعدها رئاسة مخابرات الشيشان إلى أن اغتال أحد الجهاديين والده عام 2004 فأصبح رئيساً خلفاً له.

لم تتأخر المؤسسة الروسية في الردّ فقرأنا قبل أيام تصريحا للأميرال فلاديمير كومويدوف، رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الروسي، يقول إن من المرجح أن يسافر متطوعون روس للقتال في صف القوات الحكومية الروسية، وهو أمر لا يتناقض، في الحقيقة، مع تصريحات الكرملين أن «لا خطط حالية لديه لنشر قوات برية»، فالواضح أن الخطط الروسية «تتفاعل» بحيوية مع الرمال السورية ـ الإقليمية ـ الدولية المتحركة التي سجلت انكشافاً واضحاً للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية (وأوروبا بالنتيجة) حول سوريا، أظهر أنها أقرب بكثير إلى الموقف الروسي منها إلى مواقف حلفائها التقليديين: تركيا والسعودية وقطر.

وإذا عطفنا «السيرة الذاتية» لانتقال قديروف من «جهادي» قاطع للرؤوس (وبالتالي إرهابيّ في الأدبيات السياسية الدولية) إلى «عضو مخابرات روسية»، ومبادرته ذات الدلالة حول حماس رجاله للتورط البرّي في الحرب السورية، وتقبل رئيس لجنة الدفاع البرلمانية الروسية لها، على آراء أخرى نشرت في وكالات الأنباء لخبراء روس «مقربين من الحكومة الروسية» حول بحث موسكو الحالي عن «جنرال من الجيش السوري» يتم تصعيده في الفترة المقبلة ليضمن مصالحها مستقبلا، فربما يكون البحث عن بديل للأسد يجري الآن.

بحسب نيكولاي سوركوف، الأستاذ المشارك بمعهد موسكو للعلاقات الدولية، إن المرشح لخلافة الأسد «جنرال سيذيع صيته خلال العمليات العسكرية في الفترة المقبلة»، فيما أقرّ دميتري أوفيتسيروف، المحاضر في المدرسة العليا للاقتصاد بموسكو بأن «روسيا تدرك أنه لا مكان لسوريا بشكلها القديم في المستقبل»، معتبراً وجود الأسد على طاولة المفاوضات سببه أنه «لا يوجد من هو على استعداد لتمثيل العلويين حالياً»، وأن التمسك بالأسد سيستمر حتى وجود «البديل الشرعيّ» له، وأن تنحي الرئيس السوري «هو مسألة وقت».

لكن الأمر لا يرتبط حقيقة بـ»شرعية» الرئيس السوري الذي أصبح يمثّل إشكالية سياسية وقانونية كبرى لبلاده والعالم بسبب مسؤوليته عن الدمار الشامل الذي سببه للشعب والوطن السوريين، كما أنه أصبح عبئاً سياسياً وأخلاقياً هائلاً ليس على النظام الذي يرأسه بل حتى على طائفته نفسها التي عانت الأمرّين منذ بدء النزاع، بل يرتبط بما سيتمخض من نتائج عن التدخل العسكري الروسي، وبمدى فاعلية المعارضة السورية المسلحة، والضغوط الدولية على موسكو.

وبناء على المثال الشيشاني فالأغلب أن الإدارة الروسية (واستخباراتها بالتحديد) بدأت عملياً مسحاً للمعطيات الموجودة لها حول المرشحين للرئاسة، وباشرت قراءة «السير الذاتية» للمتقدمين، وربما إجراء المقابلات الضرورية اللازمة للتأكد من استيفائهم للشروط الروسية، ولابد لهؤلاء من قراءة بعض الأدبيات حول قديروف لمعرفة أسباب نجاحه.

في حفل عيد ميلاده الخامس والثلاثين الذي حضره بعض نجوم هوليوود الشهيرين كجان كلود فان دام وهيلاري سوانك وسيل وفينيسا ماي وغيرهم سئل قديروف من أين يأتي بكل هذا المال فقال: «من الله» ثم تابع: «لا أدري لا بد أنه جاء من مكان ما»!

وبحسب نموذج رمضان قديروف فالأفضل أن يكون المتقدم حسن الطلعة وسيء السلوك، ولا بأس في أن يكون لديه سجل حافل بانتهاكات حقوق الإنسان والفساد المالي والأخلاقي.

القدس العربي

 

الإعلام المصري يغازل بوتين: جيمس بوند الرؤساء/ بتول خليل

تهليل الإعلام المصري للضربات الجوية الروسية في سوريا، الذي أتى موازياً للموقف الرسمي “الصادم” بتأييده التدخل الروسي وشرعنة دوره في المنطقة، من خلال محاولته تغطية عدوانه بإلباسه عباءة الساعي “بكل إمكانته وقدراته لدحر الإرهاب ومحاصرته”، استتبعه سعي إعلامي حثيث، برز في مقالات وتحاليل وبرامج سياسية، كمحاولة لتدارك ردود الأفعال السلبية ضد الموقف المصري، والتي بدأت بالظهور تباعاً من خلال مواقف دول وأطراف عديدة، أبرزها موقف المملكة العربية السعودية، فيما حرص الإعلام المصري المؤيد للسلطة على رفض ما يُشاع عن تدهور في علاقة مصر الوثيقة بالجانبين السعودي والأميركي، كنتيجة لقرارها بتأييد روسيا.

هذا التوزيع للأدوار بين السياسة والإعلام بدا مرسوماً بدقة. ففي حين بدا توجه الديبلوماسية المصرية نحو فرض نفسها كبيضة قبّان يسعى اللاعبون الأساسيون في المنطقة لاستمالة وزنها، ما يمكّنها الإستفادة القصوى من الصراعات الإقليمية بتحصيل مكاسب مادية وسياسية  من المتصارعين الدوليين والإقليميين على النفوذ، إلى جانب تعويم دورها كقطب فاعل في المنطقة، يبدو جلياً أن مهمة وسائل الإعلام الموالية للنظام بث الرسائل السياسية في هذا الإطار خارج بروتوكولات التعاطي السياسي والديبلوماسي مع الحلفاء والخصوم في آن.

وكان لافتاً استباق الحملة الإعلامية إعلان وزير خارجية مصر، سامح شكري، عن الموقف المصري الداعم لروسيا، إذ  بدت من خلال ما ضخته من تقارير ومقالات رأي وحوارات تلفزيونية، أنها تمارس تكتيكاً مدروساً لجسّ النبض والتماس ردود الأفعال تجاه تشجيعها الضربات الروسية، وهو ما استهجنه الكاتب السعودي جمال خاشقجي في مقال له، قال فيه إنّ “مصر متحمسة للعدوان الروسي، إعلامها لا يخفي ذلك، ولن تقبل السعودية أن تدعم حليفتها الخصم الروسي. ستقاوم السعودية، ستتحرك ديبلوماسياً لتشكيل موقف عربي رافض التدخل الروسي ويؤسس لموقف دولي، ثمّ تصعّد دعمها المقاومة”.

الموقف السعودي من التقارب المصري الروسي، وطبيعة رد الفعل الذي ألمح إليه خاشقجي في مقاله المذكور، استتبع سلسلة مواقف لكتّاب ومحللين ممن وصفوا التأييد المصري للتدخل الروسي في سوريا بـ”المثير”و”اللافت” بموازاة من اعتبره “مستغرباً” و”مقلقاً”، مع توجيه انتقادات حادة للصحافة المصرية الناطقة باسم السلطة، خصوصاً بعدما حولت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى “جيمس بوند الرؤساء”، الذي “شقلب” حسابات منطقة الشرق الأوسط، على ما قال الصحافي المصري خالد كسّاب في مقال نشره في صحيفة “المقال”، حيث رأى كساب أننا “أمام رجل يتفوق على جيمس بوند بذات نفسه في المهارات التي يمتلكها، وفي ما يمكنه أن يقوم به”، إذ إن بوتين “خبير باستخدام أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة كافة، التي يمكن لشخص على وجه الكوكب أن يستخدمها”.

الغزل الإعلامي بالرئيس الروسي انسحب أيضاً على مقالات أخرى أطنب أصحابها في مديح بوتين و”الدهاء” الذي يتّصف به، في حين باركت كبريات الصحف المصرية، مثل “الأهرام”، التدخل الروسي في سوريا، معتبرة أنه “يستهدف إنقاذها من مصير العراق والحفاظ على سوريا موحدة”، فيما أوحى موقف الخارجية المصرية، الذي رأى أن “دخول روسيا بما لديها من إمكانات وقدرات هو أمر سيكون له أثر في محاصرة الإرهاب في سوريا والقضاء عليه”، للأقلام والأبواق الإعلامية تبنّي الموقف عينه وشحذ الهمم لدعمه إعلامياً.

ولم يخف الكاتب الصحافي في صحيفة “اليوم السابع”، كرم جبر، “سعادته بالتدخل الروسي، ليس إنقاذاً لبشار الأسد وإنما للحفاظ على سوريا من التقسيم والضياع”، معتبراً أن أي”وطن موحّد يحكمه ديكتاتور، خير من ديمقراطية بلا وطن”. فيما تولّت جوقة إعلاميي السيسي الترويج عبر الشاشات لـ”أهمية التدخل الروسي في سوريا وأثره الإيجابي على أكثر من صعيد”. إذ خرج الإعلامي وائل الإبراشي، عبر برنامجه “العاشرة مساءً”، الذي تبثه فضائية “دريم 2” للقول إنّ “وجود روسيا في سوريا لمواجهة الجماعات الإرهابية المتمثلة بداعش وجبهة النصرة أمراً ضرورياً لحماية المجتمع الدولي العربي وعلى رأسهم مصر من انتشار الإرهاب في البلدان”، لافتاً إلى أن “تبني مصر للحل الروسي ليس ضد سوريا والمعارضة السورية كما يدّعي البعض”، وهو الأسلوب عينه الذي تلقفه الإعلامي أحمد موسى، بقوله خلال تقديمه برنامج “على مسؤوليتي” عبر قناة “صدى البلد” إنّ “تدخل روسيا ضروري للحفاظ على الدولة السورية وقوة الجيش السوري وعدم تفكيكه، لأن هناك مخططاً اسرائيلياً يخدم هذا الأمر”.

ومع تنبّوء البعض عن حال العلاقات المصرية السعودية في ظل المواقف المصرية الأخيرة، يبدو أن القيادة المصرية لجأت إلى الإعلاميين الموجهين منها، للرد على هذه التساؤلات، فكان ما أعلنه الإعلامي أحمد موسى عن أن “مصر تحرص على علاقتها مع المملكة السعودية” وأنّ “المملكة ليس لها سوى مصر، وإن أكبر جيش في المنطقة هو الجيش المصري”، مؤكداً  بأن “مصر لا يمكن أن تتخلى عن السعودية أو عن أي دولة عربية أخرى”.

وضمن المسار عينه، بدا أنّ القيادة المصرية، سخّرت جلّ طاقاتها ضمن الخطاب الإعلامي الموجّه، لأجل تمرير رسائل للولايات المتحدة، حرصاً منها على عدم انتقادها في العلن عبر التصريحات السياسية، اذ يبدو لافتاً الهجوم الإعلامي الأخير على الإدارة الأميركية و”دورها السلبي”  في الحرب السورية، مقابل الحشد لدعم الدور الروسي “الإيجابي”. فالولايات المتحدة، وبحسب ما ادعى أحمد موسى في برنامجه، “تساعد داعش لتتمدد ولم تقم بضربها، وهي تريد تكرار سيناريو العراق في سوريا وليبيا”، وذلك في مقابل “روسيا القوية التي استفادت من أخطاء الفيل الأميركي المترهل والمرتبك خصوصاً في السنوات الثمانية الأخيرة، منذ صعود أوباما للإدارة الأميركية”، على ما كتب عادل السنهوري في “اليوم السابع”.

والحال أنّ الأسلوب الإعلامي الاستفزازي تجاه الولايات المتحدة، يحمل في طياته ما يشير إلى الغضب المصري المتراكم تجاه موقف الإدارة الأميركية الداعم لجماعة الإخوان المسلمين والتنديد الأميركي المتكرر بانتهاكات السلطة المصرية لحقوق الإنسان بما فيها حق التظاهر والتعبيرعن الرأي من جهة، إلى جانب عدم مد الولايات المتحدة الجيش المصري بالسلاح ودعمه عسكرياً من ناحية أخرى، فيما يأتي المديح والثناء لدور روسيا ورئيسها، ليشير إلى الاستجداء المصري المبطّن للدعم العسكري الروسي كنوعٍ من رد الجميل لدعم وتشجيع مصر للضربات الروسية في سوريا والنيل من دور الولايات المتحدة في المنطقة.

لكن المواقف والرسائل الإعلامية في هذا المضمار، لا تخرج عن مسار محاولات السلطة المصرية، التي برزت مؤخرا، لحجز مكان لها في صراع المحاور وإثبات نفسها بين الدول الأقطاب في المنطقة، لاعتقادها أن التقرب من روسيا وحليفتها إيران، والسعودية وحليفتها الولايات المتحدة، سيأتي عليها بالكسب من الطرفين، خصوصاً بعدما أشيع عن نية روسيا تطوير روابط ديبلوماسية وتجارية مع مصر، من شأنها أن تخدم البلدين سياسياً واقتصادياً، فيما تحتاج روسيا إلى حليف مثالي مثل مصر، التي لها ثقلها السياسي والعسكري والشعبي في المنطقة العربية.

المدن

 

 

 

التحالف السعودي المصري «يتضعضع» على أرضية التدخل العسكري الروسي في سوريا/ عبدالباري عطوان

التحالفات السياسية والعسكرية العربية قصيرة النفس، وغالبا لا تعمر طويلا، لأنها ترتكز على المزاجية والعلاقات الشخصية بين القادة، وليس استنادا لاعتبارات وقواعد استراتيجية صلبة، والتقارب السعودي المصري ربما يكون المثال الأوضح في هذا الصدد.

فبعد عامين تقريبا من الغزل «الحميم» بين القاهرة والرياض، وتقديم الأخيرة ودولة الامارات العربية والكويت المتحدة أكثر من 30 مليار دولار على شكل منح مالية، ونفطية، وقروض، وودائع ائتمانية، بدأت العلاقات تدخل «ثلاجة شديدة البرودة» رغم التصريحات المفاجئة التي أدلى بها الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي»، و«أشاد فيها بالدور السعودي في خدمة الحجاج على مدار السنين، واستحالة أن يزايد عليها أحد»، وذلك أثناء خطابه بذكرى حرب أكتوبر.

هناك مفتاحان رئيسيان يحكمان طبيعة العلاقة المصرية السعودية في الوقت الراهن:

الأول: الموقف من حركة «الاخوان المسلمين» والجماعات الاسلامية بشكل عام.

الثاني: الموقف من النظام السوري والتدخل الروسي العسكري الراهن الرامي إلى منع سقوطه مهما كلف الثمن.

***

اللافت أن المواقف والسياسات السعودية المصرية في حال صدام، وليس تناقضا فقط، تجاه هاتين المسألتين، حيث تقف الحكومتان في خندقين متقاتلين في مواجهة بعضهما البعض، رغم المجاملات الرسمية.

الفتور في العلاقات بدأ منذ تولي العاهل السعودي الملك «سلمان بن عبد العزيز» الحكم في مطلع هذا العام، حيث آثر أن «ينسف» إرث شقيقه الراحل الملك «عبد الله» السياسي، ويقدم على تغيير تحالفاته الاقليمية، وينخرط في تحالف إقليمي قطري تركي، مما يعني إنهاء القطيعة مع حركة «الاخوان المسلمين» بكل تفرعاتها، واتخاذ موقف عدائي من التدخل الروسي لدعم النظام في سوريا.

عدم مشاركة العاهل السعودي في قمة شرم الشيخ الاقتصادية للدول المانحة لمصر، ومشاركته الرمزية، ومغادرته المبكرة للقمة العربية التي تبعتها بأيام في المنتج نفسه في نهاية مارس/آذار الماضي، وإلغاء او تأجيل، زيارة كانت مقررة له إلى العاصمة المصرية في طريق عودته من واشنطن قبل عشرين يوما، كلها تؤكد أن «الكيمياء» الشخصية والسياسية بينه وبين الرئيس المصري ضعيفة، إن لم تكن شبه معدومة.

عندما يكون هناك خلاف أو فتور في العلاقات بين الحكومات العربية، فإن التعبير عنها لا يأتي في معظم الأحيان من خلال القنوات الدبلوماسية، وإنما من خلال رسائل غير مباشرة، فالحكومة المصرية تملك إرثا كبيرا في هذا الصدد، وسلاحها الأقوى هو وسائل الإعلام.

ومن يتابع الصحف وبرامج التلفزة المصرية، يجد أنها مليئة هذه الأيام ببرامج ومقالات انتقادية للسعودية، والاكثر من هذا استقبال وزارة الخارجية المصرية لوفد يمثل حزب «المؤتمر» اليمني الذي يتزعمه الرئيس «علي عبد الله صالح»، عدو السعودية الأول والأخطر، وإعادة بث القنوات اليمنية التابعة له مثل «اليمن اليوم» و«سبأ» و«الإيمان» على قمر «نايل سات»، وبرود الإعلام المصري وحكومته تجاه «تحرير» قوات التحالف العربي برئاسة السعودية لباب المندب مدخل البحر الأحمر.

الحكومة السعودية صاحبة خبرة إعلامية محدودة في ميدان «الردح الإعلامي»، وإن كانت طريقتها في هذا المضمار، باتت تعطي نتائج عسكية، لأن هذا الدور لا يليق بها ومكانتها، وبدأت أخيرا تدخل حلبة السباق الإعلامي بدور أوسع، وتوجه انتقادات مبطنة لمصر وقيادتها، وذهبت الحكومة السعودية إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما وجهت سفارتها في الدوحة دعوة للشيخ «يوسف القرضاوي»، رئيس هيئة كبار علماء المسلمين، لحضور الاحتفال بعيدها الوطني أواخر الشهر الماضي، وهو الحضور الذي حظي بتغطية واسعة، وكان الهدف منه توجيه رسالة قوية إلى الحكومة المصرية.

ذكر اسم الشيخ «القرضاوي» ثلاث مرات أمام الرئيس «السيسي» يصيبه بالاغماء، فكيف سيكون  الحال إذا حضر حفلا في السفارة السعودية، وأين؟ في الدوحة، العاصمة الأكثر ثقلا على قلبه، حيث جرى استقباله، أي الشيخ «القرضاوي»، بحفاوة لافتة من قبل السفير السعودي وأركان سفارته.

التحدي الاكبر أمام السلطات المصرية، هو كيفية الموازنة بين دعمها الواضح للضربات الجوية الروسية الموجهة للجماعات «الإرهابية» في سوريا التي تقاتل لاسقاط النظام، والعلاقات «الاستراتيجية» التي تربطها بالسعودية، وبعض الدول الخليجية الأخرى؟

من الواضح، ومن خلال الاتصال الذي أجراه الرئيس «السيسي» مع نظيره الروسي «فلاديمير بوتين»، وتضمن ترحيبا مصريا رسميا بهذه الضربات «المتدحرجة»، أن الرئيس المصري قرر الابتعاد عن حليفه السعودي السابق، أو اتخاذه سياسة مستقلة عنه، لأنه يدرك جيدا أن عضلاته المالية تتقلص وتنكمش بسرعة بسبب تراجع أسعار النفط أولا، وأن سفينة تدخله في الازمة اليمنية تواجه رياحا وأمواجا عاتية، قد تؤدي إلى غرقها وعدم وصولها إلى بر الأمان بالتالي.

***

إذا نظرنا إلى الفصول الأبرز في تاريخ المنطقة، نجد أن المحور المصري السوري كان الأقوى والأطول عمرا على مدى أكثر من ثمانية آلاف عام، بينما العلاقات السعودية المصرية، وفي القرنين الماضيين خاصة، كانت تتسم بالتوتر والحروب، ابتداء من اقتحام جيش «إبراهيم باشا» نجل «محمد علي» للدرعية عاصمة الدولة السعودية عام 1818 وتدميرها وانتهاء بالحرب اليمنية في منتصف الستينات من القرن الماضي.

السعودية مصرة على إسقاط الرئيس «بشار الأسد» ونظامه، ولا ترى له أي دور في مستقبل سوريا، وروسيا «بوتين» ترى العكس تماما، لأن البديل عن النظام السوري هو الفوضى، وقيام جماعات إسلامية متشددة بمليء الفراغ، وتقترب مصر أكثر فأكثر من الموقف الروسي وتحاول جر دولة الامارات العربية المتحدة، وربما الكويت أيضا إلى معسكرها، ويبدو أنها بدأت تحقق بعض النجاح في هذا المضمار.

تحالفات «الحرب الباردة» السابقة بدأت تتبلور من جديد على أرضية الصراع في سوريا، حيث تعود السعودية بقوة إلى المعسكر الامريكي، ولكن بصورة أضعف من السابق بسبب تورطها في حرب اليمن، وتستعيد مصر مكانها بقوة متدرجة في المعسكر الروسي، إلى جانب الصين وإيران والهند، ودول «البريكس» عموما.

يُخشى أن يكون النظام السوري الرابح الأكبر من انقلاب خريطة التحالفات الإقليمية والدولية ولو إلى حين، وأن يعطي طوق النجاة الروسي نتائج ملموسة بهذا الصدد، إقليميا أو على صعيد رسم خريطة جديدة للتحالفات الاقليمية.

رأي اليوم

 

 

 

روسيّا الروسيّة قبل روسيّا السوريّة/ حازم صاغية

جدّد التدخّل العسكريّ الروسيّ في سوريّا طرح مسائل كان قد ظُنّ، مع انهيار الاتّحاد السوفييتيّ، أنها طويت نهائيّاً. ففي العهد السوفييتيّ، بدا واضحاً أنّ الدولة الشيوعيّة، التي لا تملك إلاّ السلاح والعتاد والعقائد العسكريّة، ستكون المستفيد الأوّل من قيام أنظمة عسكريّة عربيّة، ومن تصاعد التوتّر وصعود الإيديولوجيّات الحربيّة التي تبقي المنطقة على مرمى حجر من الأعمال العسكريّة. هكذا شكّلت الأنظمة العسكريّة والديكتاتوريّة وما ارتبط بها من نزاع عربيّ – إسرائيليّ مفتوح، شرطاً شارطاً لازدهار السلاح السوفييتيّ ولتوافر المزيد من الأسواق الإقليميّة في وجهه، مع ما يترتّب على ذلك من نفوذ.

ومع سقوط الشيوعيّة، بين أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، لاحت فرصة لتغيّر كبير تنتقل معه روسيّا إلى مدار الدول الديمقراطيّة، وتبني بالتالي علاقاتها مع الآخرين على أسس مختلفة. إلاّ أنّ هذه الفرصة لم يتسنّ لها التحقّق والإقلاع، إذ تبيّن أنّ الجسم الروسيّ، بشيوعيّة أو من دونها، لم يتأهّل بعد للديموقراطيّة. وقد جاء صعود فلاديمير بوتين، خلفاً لبوريس يلتسن، بمثابة تعبير عن هذا الإحباط الذي ترسّمه حدود التغيّر الممكن: فالضابط السابق في المخابرات الروسيّة، مستفيداً من تحريك العصبيّة القوميّة الروسيّة ومن ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعيّ، أنشأ نظاماً ذا واجهة ديمقراطيّة برلمانيّة وذا مضمون استبداديّ مشتطّ في رئاسيّته. وكثيراً ما تبدّت هذه الثنائيّة على شكل كاريكاتوريّ، لا سيّما مع التبادل المنظّم بينه وبين رئيس حكومته يوري ميدفيديف لرئاستي الدولة والحكومة.

ليس هذا فحسب، إذ أنّ انهيار الاتّحاد السوفييتيّ وانكشاف روسيا على العالم الخارجيّ، غذّيا نوازع التخلّف والتأخّر في ثلاثة ميادين أساسيّة على الأقلّ، وبهذا فإنّهما عزّزا الانكفاء القوميّ على الذات:

فأوّلاً، وبسبب انفصال دول البلطيق عنها (إستونيا وليتوانيا ولاتفيا)، وهي واجهتها على أوروبا الشماليّة والغربيّة، تعاظم الطابع الآسيويّ لروسيا.

وثانياً، لم تنجح موسكو في أن تتحوّل إلى فاعل في الاقتصاد الخدميّ الصاعد كونيّاً، فاستمرّ بيع الموادّ الأوليّة، وهي هنا النفط والغاز، بوصفه النسغ المغذّي لحياتها الاقتصاديّة المهجوسة بتقلّب أسعار السوق.

وثالثاً، وعلى رغم كلّ التصنيم الذي ألحقته روسيا الستالينيّة ثمّ البريجنيفيّة بالعقيدة الماركسيّة، يبقى أنّ سقوط الاتّحاد السوفييتيّ حرمها زعم التواصل مع إحدى بنات الفكر الغربيّ، مثلما حرمها الجاذبيّة الإيديولوجيّة التي كانت لها في بلدان وبيئات معيّنة.

وعلى العموم، راح يتبيّن على نحو متزايد أنّ الطموح الإمبراطوريّ العزيز على قلب فلاديمير بوتين، والذي مارسه في أوكرانيا بضمّه شبه جزيرة القرم، يفتقر إلى أيّ مقوّم جدّيّ يمكن أم ينهض عليه. فلم يبق من مرتكز لهذا الطموح سوى العنصر السلبيّ، والعابر في أغلب الظنّ، ممثّلاً في سياسة التراجع التي تتّبعها واشنطن في عهد أوباما.

وقد يكون سابقاً لأوانه الجزم بالمآلات التي ستنتهي إليها المغامرة البوتينيّة في سوريّا، إلاّ أنّ الشيء الوحيد المؤكّد أنّ هدفها العميق والأوّل لا يعدو كونه نصرة النظام الاستبداديّ للأسد، بوصفه النظام العسكريّ – الأمنيّ الذي تجيد موسكو التعامل معها.

وفي مطلق الحالات، تبقى القاعدة العامّة صائبة جدّاً: فمن لا يملك من وسائل الحياة اقتصاداً وعلماً وتقنيّةً إلاّ أدوات العنف والدمار، لن يسعه أن يقدّم لمن يزورهم إلاّ العنف والدمار.

موقع 24

 

 

 

 

التدخل الروسي في سوريا.. هل يقلق أميركا؟/ إبراهيم شرقية فريحات

التحالف الروسي السوري ليس وليد اللحظة بل تعود بداياته إلى أكثر من ربع قرن، وكذلك الدعم الروسي لنظام بشار الأسد ليس بالجديد بل استمر من دون توقف في المجالين الدبلوماسي والسياسي منذ بدايات الثورة السورية عام 2011.

ولكن الجديد في الأمر هو الإعلان الرسمي للكرملين عن تواجد عسكري روسي متزايد في سوريا لا سيما بناء قواعد عسكرية بالقرب من مدينة اللاذقية على الساحل السوري، الأمر الذي رأى فيه الكثير من المحللين السياسيين تجاوزا للعلاقة التقليدية مع نظام الأسد ليصل إلى تحد جديد للولايات المتحدة في سوريا.

بل واعتبره آخرون مؤشرا جديدا على انحسار وتراجع للنفوذ الأميركي في منطقة الشرق الأوسط وهو ما شجع روسيا على الدخول بمؤامرات مكشوفة. فهل يقلق التدخل الروسي العسكري المعلن في سوريا الولايات المتحدة فعلا؟ الإجابة المختصرة على هذا السؤال هي: ليس كثيرا وعلى الأقل في الوقت الراهن.

حدثني أهالي مدينة بريشتينا (عاصمة كوسوفو) أن أول القوات الدولية التي دخلت المدينة بعد انسحاب القوات الصربية، نتيجة الضربات العسكرية المكثفة لقوات الناتو عام 1999 كانت القوات الروسية، لدرجة أن الأقلية الصربية في المدينة اعتقدت أن روسيا تدخلت أخيرا وجاءت لنجدتهم ليكتشفوا بعد قليل أن القوات الأميركية والفرنسية والبريطانية كانت تتبع، وبعد ذلك تم تقاسم المدينة إلى عدة مناطق نفوذ كانت القوات الروسية تسيطر على إحداها.

مما لا شك فيه أن أهالي بريشتينا -ولا سيما الصرب منهم- أخذوا درسا في حقيقة التحالفات والتناقضات على الساحة الدولية بعدما صدموا بتخلي حليفهم العقائدي والإستراتيجي -روسيا- عنهم عندما بدأت قوات الناتو بالقصف الجوي المكثف.

أول هذه الدروس والتي تنطبق تماما على الحالة السورية هي أن الدول الكبرى لن تدخل في مواجهة عسكرية أو تحد جاد فيما بينها من أجل إحدى دول الهامش (صربيا وسوريا في هذه الحالة) مهما كانت أهميتها لدولة المركز (روسيا).

الدرس الثاني والمهم لسوريا هنا أيضا أنه وعندما تتخذ إحدى دول المركز قرارا بالتصعيد العسكري والتدخل المباشر فإن الدول الأخرى غالبا ما تلجأ إلى البحث عن طرق للاستفادة من هذا التدخل أو تكييف أهدافها مع هذا التدخل وهو ما لجأت إليه روسيا التي أرادت أن تدخل بقواتها العسكرية إلى بريشتينا للمراقبة ولضمان عدم وقوع مجازر ضد الأقلية الصربية بدلا من أن تدخل بمواجهة مع قوات الناتو التي شجعت الدور المراقب للقوات الروسية.

في الشأن السوري يذكرنا تعاون روسيا مع الناتو في كوسوفو بمقولة لافروف “إننا لن نقاتل بالنيابة عن أحد” التي قالها عندما احتدت المواجهة بعد استخدام الأسلحة الكيميائية في الغوطة وارتفاع احتمالات التدخل العسكري الأميركي ضد نظام الأسد.

فالموقف الروسي لم يتغير وزيادة الترسانة العسكرية الروسية في سوريا لا تعني بأي حال أن القوات الروسية ستخوض حربا بالنيابة عن الأسد، فدروس أفغانستان وفيتنام حاضرة في أذهان القوى الكبرى التي عدلت من سياساتها بالانتقال من نموذج الحروب بالإنابة (عن الأنظمة) إلى نموذج الحروب بالوكالة (عن الدول الكبرى نفسها).

هناك سببان رئيسيان وراء زيادة القوات العسكرية الروسية في سوريا، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة متكيفة تماما مع هذين السببين ولا يوجد ما يقلقها كثيرا من التدخل الروسي:

أولا: محاربة تنظيم الدولة في سوريا والعراق. الولايات المتحدة تثق تماما بإخلاص روسيا في الحرب ضد الجماعات الإسلامية فتاريخها حافل بهذا الأمر في غروزني وغيرها، وعليه تشعر الولايات المتحدة بالامتنان وليس بالقلق من زيادة الالتزام العسكري الروسي بالحرب ضد الجماعات الإسلامية لا سيما أن تحالفها -أي الولايات المتحدة- الذي شكلته لمحاربة تنظيم الدولة قد مُني بالعديد من الهزائم ولم يحقق أي تقدم حتى اللحظة.

ثانيا: منع الانهيار المفاجئ للنظام السوري. الانتقال المنظم للسلطة هو أحد أهم المبادئ التي تقوم عليها السياسة الخارجية الأميركية التي تكره الفراغ والانتقال إلى المجهول. فهذا ما قامت به أميركا في اليمن وحاولت القيام به أيضا في بداية الثورة المصرية عام 2011 عندما شجعت انتقالا منظما للسلطة من مبارك إلى عمر سليمان.

اليوم تخشى الولايات المتحدة كثيرا من انهيار مفاجئ لنظام الأسد وهو لحد كبير كان أحد الأسباب التي منعت أميركا من التدخل العسكري ضد النظام بعد استخدام الأسلحة الكيميائية، حيث خشيت الولايات المتحدة انهيار النظام بدون وجود بديل في حال قامت بتوجيه ضربات عسكرية قوية ضد النظام.

تجد الولايات المتحدة نفسها مرة أخرى في انسجام أكبر مع زيادة القوات العسكرية الروسية في سوريا لمنع انهيار مفاجئ لنظام الأسد.

الولايات المتحدة إذا ليست فقط غير قلقة كثيرا من زيادة النفوذ العسكري الروسي في سوريا، بل في حقيقة الأمر هي متواطئة مع هذا التدخل في محاولة لإعطاء روسيا -التي ستتفاهم معها بنهاية المطاف- عبئا أكبر في محاربة المجموعات الجهادية والمحافظة على النظام حتى يتم إيجاد تسوية تتفق عليها الأطراف الدولية وانتقال منظم للسلطة.

هناك العديد من المؤشرات التي تؤيد هذا التحليل أهمها ما ورد في خطاب أوباما في الأمم المتحدة الأخير الذي أعلن صراحة استعداد الولايات المتحدة العمل مع روسيا وإيران من أجل إيجاد تسوية سياسية في سوريا. ليست أميركا فحسب بل إن معظم الدول الأوروبية التي طالما طالبت برحيل الأسد دون قيد أو شرط قد بدأت تغير رؤيتها باتجاه عدم رحيله الآن، بل تراه كجزء من الحل يجب التفاوض معه من أجل محاربة تنظيم الدولة.

موقف الجمهوريين الأميركيين هو الآخر يدعم هذا التحليل حيث تحدث زعيم صقور الجمهوريون في مجلس الشيوخ الأميركي جون ماكين -المعروف بتصريحاته النارية والداعم للتدخل العسكري المباشر في سوريا- عن عدم عمل إدارة أوباما ما يكفي لمنع التدخل الروسي في سوريا دون تقديم أي حلول أو إجراءات يجب على إدارة أوباما عملها لمواجهة هذا التدخل.

من أهم الأسئلة التي تواجه مثل هذا التحليل هي حول الدافع الذي يجعل روسيا توافق على القيام بهذا الدور ومدى اطمئنان الولايات المتحدة لهذا الوجود العسكري الروسي على المدى البعيد.

بالنسبة لروسيا فالأمر يساوي الثمن الذي قد تدفعه وأكثر، حيث لم يكن لها حتى أن تحلم ببناء قواعد عسكرية إضافية على الساحل السوري وتحويل هذا الجزء من سوريا إلى ثكنة عسكرية لها على البحر المتوسط، ربما توازي بأهميتها قاعدة إنجرليك الأميركية في تركيا وبشكل علني ورسمي ودون أن تكون هناك أي معارضة حقيقية أأميركية، بل وبمباركة هذه الأطراف.

ليس هذا فحسب بل إن الوجود العسكري المكثف لروسيا في الجزء الغربي سيضمن لها ولحليفها النظام السوري إمكانية الانسحاب من المناطق المتوترة في سوريا وإقامة دولة علوية على الساحل تحافظ فيها روسيا على قواعدها العسكرية على ساحل المتوسط.

ولخفض تكلفة التدخل ستمتنع روسيا عن المشاركة بالحرب البرية مهما بلغ الأمر وستكتفي بالضربات الجوية سواء كان ذلك ضد المجموعات الجهادية أو حتى المعارضة المعتدلة من أجل المحافظة على النظام. في ظل سيناريوهات كهذه فإن التدخل يساوي الثمن الذي قد تدفعه روسيا أو هكذا ترى.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فالوجود العسكري الروسي بدون شك يقلقها على المدى البعيد، حيث من الصعب التنبؤ بمستقبل عمل القوات والقواعد الروسية في منطقة بلاد الشام وبجوار حليفتها إسرائيل، ولهذا سارع بوتن بالحديث صراحة وبدون غموض عن ما سماه “احترام المصالح الإسرائيلية بسوريا”.

الولايات المتحدة إذن تعي أن هناك مخاطر وقد يكون هناك ثمن لوجود قوات عسكرية روسية في سوريا من الممكن عدم السيطرة عليها مستقبلا لا سيما في حالة انعدام الثقة مع روسيا في أوكرانيا وغيرها، ورغم ذلك تفضل أميركا المضي بهذا الاتجاه -الدور العسكري الروسي في سوريا- الذي يخدم أجندتها تماما على المدى المنظور، أما المستقبل البعيد فلكل حادث حديث.

فبنهاية المطاف ومهما تكن النتائج تعي الولايات المتحدة أن سوريا كانت ومنذ أكثر من عقدين حليفا روسيا لا يتزعزع -وليست أميركية- ومهما يكن الأمر فروسيا تستثمر عسكريا بإحدى حليفاتها وهو أمر يقع ضمن التفاهمات وقواعد اللعبة الدولية، فالولايات المتحدة لا تحتاج إذنا روسيا لتقوية وجودها العسكري مع الدول الحليفة لها كدول الخليج أو المغرب أو كوريا الجنوبية وغيرها.

أخيرا، بقي أن نقول إن تفاهما أميركيا روسيا إيرانيا في سوريا سيثير العديد من التساؤلات حول الدور المستقبلي لكل من المعارضة السورية التي تصفها الولايات المتحدة بـ”المعتدلة” وستجد كل من السعودية وتركيا نفسها أمام اختبار صعب يتمثل إما بالموافقة على رؤية روسية أميركية وحتى إيرانية للمرحلة القادمة في سوريا، وإما تشكيل حلف مضاد يفرض رؤية مختلفة.

وفي كلا الحالتين ستشهد المنطقة توترات إضافية وتعزيزا لأزمة الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، لا سيما السعودية وتركيا، فسجل الولايات المتحدة أصبح حافلا بالصفقات الجانبية التي تصيغها منفردة مع خصومها كاتفاق تجريد النظام السوري من الأسلحة الكيميائية مقابل إطلاق يده في الحرب على المعارضة واتفاق “الخمسة زائد واحد” مع إيران دون إشراك الحلفاء الخليجيين بماهية الترتيبات التي بني عليها الاتفاق.

سلسلة الاتفاقات الجانبية دون إشراك اللاعبين الرئيسيين في المنطقة ستكون لها نتيجة واحدة وهي زيادة حدة التوتر بين اللاعبين الإقليميين وبالتحديد تفاقم حالتي الحرب الباردة بين السعودية وإيران.

الجزيرة نت

 

 

 

 

نهاية نيرون سورية/ رندة تقي الدين

التدخل الروسي في سورية بعكس ما يعتقد فلاديمير بوتين لن يحمي بشار الأسد، لكنه ينهيه. إن الهجوم العسكري الجوي والبري الروسي على المعارضة ربما يساعد الأسد عسكرياً، لكنه يجعله دمية متحركة بين هيمنة القيصر الروسي والمعسكر الإيراني مع موافقة الجار الإسرائيلي. فزيارة نتانياهو روسيا قبل هذا التدخل تشير إلى تفاهم بين روسيا وإسرائيل على عدم تحرك إسرائيل ضد القوات الروسية في سورية. إن التدخل الروسي سيزيد عدد اللاجئين السوريين إلى كل أنحاء العالم. وسيساهم في المزيد من التدمير لبلد خربه رئيس تشبث بالحكم إلى أن هجر معظم شعبه وقتل أكثر من مئتي ألف منه وهو ما زال يدعي أنه يحمي الأقليات فيه. فماذا يبقى من رئيس يدعو الروس والإيرانيين إلى إنقاذ حكمه بالصواريخ والقنابل والقصف الجوي؟ وأي حل هذا الذي ستفرضه روسيا على رئيس خان بلده واستعان بالأجانب لقتل مواطنيه وتهجيرهم؟ التدخل الروسي لن ينقذ بشار، بل سينهيه صانعاً منه ما يشاء. إن التدخل الروسي إلى جانب إيران مرحلياً هو جحيم للشعب السوري وللمعارضة الباسلة ولكنه سرعان ما سيكون أيضاً جحيماً لبشار الأسد. فهو لن يتمكن بعد الآن أن يتحرك من دون القرار الروسي والإيراني. وإذا اختلف الروس والإيرانيون فسيتحول إلى مأزق أكبر.

لا شك في أن روسيا كسبت دولياً موقعاً كان فلاديمير بوتين يطمح إليه منذ سقوط الاتحاد السوفياتي ومُذ كان ضابطاً في الاستخبارات الروسية وشهد مبنى الاستخبارات الألمانية الشرقية يحترق أمامه عندما سقط جدار برلين. فروسيا بوتين تريد إبراز قوتها أمام رئيس أميركي ركز كل استراتيجيته على الخروج العسكري من العالم والتخلي عن الشرق الأوسط. وأوباما منذ بداية ولايته الأولى طمح أولاً إلى العمل على استقلالية بلده عن نفط الشرق الأوسط. ونجح في ذلك مع فورة النفط والغاز الصخري التي ظهرت بكثافة في عهده وجعلت من بلده منتجاً نفطياً كبيراً يستغني عن استيراد نفط الشرق الأوسط. أما الأولوية الأخرى فكانت إخراج قواته من العراق. فعل ذلك بفشل ذريع مسلّماً البلد إلى إيران. وبعد ذلك، عقد صفقة معها حول ملفها النووي. والآن يتحرك للدفاع عنها ورفع العقوبات ويتركها تدمر سورية وتعطل لبنان بواسطة حليفها “حزب الله” الذي يشارك في قتل الشعب السوري ويحارب إلى جانب القيصر الروسي في هذه المرحلة لقتل السوريين وتهجيرهم.

أما أوروبا فستشهد المزيد من اللاجئين مع مشاكلهم وسيزداد عبئهم. ولا يمكنهم التحرك طالما أن أوباما يكتفي بالتصريحات. لقد حذر فرنسوا هولاند من خطورة ما يجري في سورية على أوروبا. ورئيس حكومته مانويل فالز يقوم بجولة على مصر والأردن والسعودية ليعبر عن المخاوف نفسها. وعلى رغم مواقف فرنسا الجيدة بالنسبة إلى ما يجري في سورية لا يمكنها التحرك وحدها من دون تضامن أوروبي أولاً، ثم انخراط أميركي. ولكن رئاسة أوباما كانت الأسوأ بالنسبة إلى الشرق الأوسط لأنه ترك بلداً كبيراً مثل سورية يدمر ويمزق ويبتلعه القيصر الروسي. وأوباما ينهي رئاسته من دون مبالاة بما حققه من فراغ لموقع الغرب في الشرق الأوسط. فالتدخل الروسي يزيد ألم الشعب السوري من كثافة القصف والقتل، لكن هذا الشعب الباسل لن ينسى يوماً أن الأسد استدعى قوات أجنبية لقتله وتدميره.

لن ننسى أن اللبنانيين عانوا الكثير من احتلال نظام الأسدين والحروب التي سببها والاغتيالات التي قاموا بها بحق رؤساء ومسؤولين وصحافيين. فهذا إرث الأسدين للبنان وسورية خلال احتلال لبنان. لقد كان حافظ الأسد يردد أمام زواره الفرنسيين الذين كانوا يطالبونه بسحب قواته من لبنان، أن السوريين واللبنانيين شعب واحد وأن كثراً من السوريين مرتبطون عائلياً باللبنانيين والوجود السوري ليس احتلالاً. أما بشار فقد اعتبر أن «الوطن ليس لمن يسكن فيه ولمن يحمل جوازه أو جنسيته، بل لمن يدافع عنه». بشار الأسد سيكون نيرون سورية في حين أن أحد الأحرار علق أن نيرون هو بمثابة بائع زهور بالمقارنة مع بشار الأسد.

الحياة

 

 

هل يكون قلق بان كي مون مجدياً هذه المرة؟/ بيسان الشيخ

ليس القلق والتعبير الدائم عنه، لا بل المفرط أحياناً، حدثاً استثنائياً في خطاب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. فذلك دأبه في التعامل مع الملفات الشائكة عموماً، وتلك المتعلقة بنزاعات منطقة الشرق الأوسط خصوصاً، لا سيما مع انطلاق الثورات العربية وتحول بعضها إلى نزاعات مسلحة ودموية، حتى درجت دعابة تقول إن اليوم الذي يمر ولا يعبر فيه بان كي مون عن قلقه يثير القلق فعلاً.

ولعل أكثر لحظات الاستفزاز واليأس والإحباط هي تلك التي تتقاطع مع وقوع حدث جلل في سورية، من قبيل مجزرة أو قصف لأحياء مدنية أو كشف انتهاكات جسيمة في المعتقلات، فيقابل من أعلى هيئة دولية، بتلك الكلمة الباردة، المتنصلة من أي مسؤولية أو دور عام، والتي لا ترقى حتى إلى مستوى التنديد أو الشجب أو الإدانة إن تركنا جانباً الطموح بالتهديد أو التلويح بالتدخل أصلاً.

لكن قلق الأمين العام الأخير يستحق التوقف عنده لأكثر من سبب. فهو وللمرة الأولى منذ تحول الثورة السورية إلى شلال دم مستمر، يعبر عن قلقه من خطورة تورط «حزب الله» وعناصر لبنانيين آخرين في القتال في سورية والعراق واليمن، محذراً بلهجة غير معهودة منه من تفاقم الأخطار على لبنان وتعريضه لمزيد من التهديدات. وإذ تجاهل بان كي مون مخاوف جدية سبق أن عبر عنها أكثر من فريق لبناني وإقليمي من دور الميليشيات الشيعية عموماً، و»حزب الله» خصوصاً، في القتال إلى جانب نظام بشار الأسد، دق أخيراً جرس إنذار حول «انتهاك لبنان لسياسة النأي بالنفس، وإن التورط في سورية يزعزع في شكل جدي أمنه واستقراره». علماً إن «حزب الله» ليس أي طرف مسلح قرر نقل معركته إلى خارج الحدود، وإنما هو شريك أساسي في الحكم والحكومة، وبالتالي فإن قرار الحرب والسلم الذي يحتكره، يمنع تلقائياً بقية السلطات في الدولة اللبنانية من أن يكون لها في المقابل أي صلاحية في القبول أو الرفض.

وتأتي أهمية «القلق الأممي» هذه المرة، من أنها ارتبطت أيضاً بدعوة بان كي مون الصريحة إلى «اتخاذ كل الخطوات الضرورية لمنع «حزب الله» ومجموعات مسلحة أخرى من حيازة السلاح وبناء قدرات شبه عسكرية خارج سلطة الدولة» بما يشي أن ثمة نية دولية بدأت تظهر إلى العلن، للحد من نفوذ الأذرع الإيرانية الممتدة إلى المنطقة كلها، وإعادة موضعتها ضمن حدودها «الوطنية». فقد ترافقت تصريحات بان كي مون الأخيرة حول لبنان، برسالة مباشرة وصريحة هي الأخرى حملها وزير الخـــارجية الإيراني محمد جواد ظريف لحكومة بلاده، بضرورة «تفعيل حل سياسي والضغط على الحليف السوري بغية التوصل إلى حل سلمي للنزاع».

ويمكن تفسير تلك المواقف المتقدمة نسبياً للأمين العام في أكثر من اتجاه. فهي لا شك تندرج ضمن تلبية حاجة البلدان الأوروبية إلى استقرار دول المنطقة بما يتيح الحد من تدفق اللاجئين إلى شواطئها، لكنها أيضاً تصب في كف يد الأخطبوط الإيراني عن الإمساك ببلدان كاملة تمتد من اليمن إلى العراق مروراً بسورية ولبنان، وما يعنيه ذلك من متاعب ومصادر قلق للمنطقة والعالم. فالتفاوض الدولي مع الإيرانيين من الصعوبة بمكان يجعل أي خطوة وإن صغيرة تحتاج جهداً هائلاً لبلوغها، من دون أي ضمانات لتنفيذها أو الاستمرار بها. فحتى الإنجاز النووي، الذي كان يفترض أن يثمر عن بوادر حل ما، لم يبدأ تصريفه في السياسة بعد. يضاف إلى ذلك القلق الفعلي المرتبط بأمن إسرائيل وضبط حدودها الشمالية. فقد بدا واضحاً أخيراً، أن الحليف الأقرب لإسرائيل في هذه المرحلة والضامن الفعلي لمصالحها وهدوئها، هم الروس، وليس الأميركيين في ظلّ ادارة أوباما.

لذا، فإن أحد عناصر تبديد القلق الدولي في المنطقة، هو تقليص دور إيران وحلفائها لا سيما في الشأن السوري، وحصره بمساندة الجيش النظامي على الأرض والمفاوضة على بضع قرى شيعية، مقابل تكريس روسيا مقاتلاً في الجو، ومفاوضاً بديلاً مرناً، على أي طاولة مفاوضات مقبلة.

والحال إن بوتين المستفيد أشد الاستفادة من غياب دور أميركي فعال في سورية وما خلّفه من فراغ يسده هو، لا يتأخر في اقتناص الفرص و»افتعال الأخطاء» التي تصب في مصلحته. هكذا، خرق الأجواء التركية مثيراً الذعر من احتمالات امتداد الحرب إلى بلد عضو في حلف شمال الأطلسي رافعاً سقف التهويل من حوله ليعود ويستثمر في عدم وقوع الأسوء. وسرعان ما ترجم ذلك بتصريح رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يذكر فيه بالمصالح الاقتصادية الكبيرة بين البلدين ومشروع بناء محطة نووية تركية في ولاية مرسين من تنفيذ روسي. وصحيح أن نبرة أردوغان كانت مرتفعة وتلوح بالبحث عن خيارات أخرى، لكنها عملياً ومن غير قصد ربماً تقدم تطمينات إلى أن الخلاف حول سورية يجب ألا يفسد للاقتصاد قضية.

أما «الخطأ المفتعل» الآخر الذي ارتكبه بوتين، والذي يبقي محيطه متيقظاً فهو إطلاق أربعة صواريخ باتجاه إيران، وإصرار الجيش الروسي على نفي ذلك وسقوط كل الصواريخ في الأهداف المحددة لها، مقابل تأكيد إيراني وتحديد دقيق للمواقع… وشبه «استجداء» بضرورة البحث في الحادثة لمنع تكرارها. وسواء كان ذلك فعلاً متعمداً، والمرجح أن يكون، أو فعلاً خطأ في التصويب إلا أنه في كلا الحالتين بلغ رسالة مفادها أن الفضاء السوري بات ملكية حصرية لروسيا، الأجدى بتركيا وإيران الابتعاد عنها.

اللافت إن ذلك كله لم يثر قلق الأمين العام بان كي مون، بل ربما على العكس ساهم في طمأنته والتهدئة من روعه.

* كاتبة وصحافية من أسرة «الحياة».

الحياة

 

 

 

 

لئلا تنشأ أفغانستان ثانية/ سميح صعب

إلى حين بدء التدخل الروسي العسكري في سوريا في 30 أيلول الماضي، كانت الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج العربي والى حد ما فرنسا (كما هو الوضع في الحالة الليبية)، تستأثر برسم المسار السياسي والعسكري في الشرق الاوسط منذ 2011. ولكن بعد دخول روسيا عسكرياً لمساندة الدولة السورية ومع تبلور تحالف رباعي قوامه موسكو ودمشق وبغداد وطهران لمكافحة الارهاب، دخلت المنطقة في مرحلة معاكسة لتلك التي تعيشها منذ أربع سنوات ونصف سنة.

وأولى النتائج التي يرسيها التحالف الرباعي الجديد، هي ربما صعوبة أو استحالة تحقيق تغيير في الوضع الجيوسياسي في سوريا كما كانت تعمل له اميركا ودول الخليج العربية وتركيا. وبعدما كانت اليد العليا للولايات المتحدة وحلفائها ولا سيما منهم تركيا في السنوات الاخيرة في سوريا، أتت روسيا لترسم خطوطاً حمراً أمام الطموحات التركية في جارتها الجنوبية بحيث لم تعد أنقرة مطلقة اليدين في دفع المقاتلين الجهاديين من أنحاء العالم الى القتال على الاراضي السورية لإسقاط الدولة السورية وإقامة إمارات جهادية في سوريا متحالفة مع انقرة لا فارق بين “داعش” و”جبهة النصرة” ما داما يؤديان دوراً وظيفياً في تدمير الدولة السورية.

ويضع التدخل الروسي العسكري، الغرب والعرب وتركيا أمام خيارات ضيقة، إما اللجوء الى حرب بالوكالة في سوريا سيكون عمادها الجهاديون من “داعش” و”النصرة” بدعم عربي خليجي في مشهد مستعاد لأفغانستان وتالياً انتاج ما هو أشد تطرفاً من أسامة بن لادن و”القاعدة” واحتمال خروج هؤلاء لاحقاً على اجندة الدول الداعمة لهما. وإما القبول بتسوية تلبي مصالح روسيا وايران والعضو الخامس غير المعلن في التحالف الرباعي ألا وهو مصر، التي لم تخف تأييدها الغارات الروسية في سوريا على رغم علاقتها المميزة مع السعودية.

لن يكون أمام الغرب سوى هذين الاحتمالين حيال الاندفاع الروسي في سوريا. فالعودة الى الاعتماد على الجهاديين لتدمير روسيا في سوريا على غرار ما فعل الجهاديون في أفغانستان أواخر القرن الماضي لها محاذيرها، التي دفعت الولايات المتحدة والعالم ثمناً باهظاً ربما لو علم الاطراف الداعمون آنذاك ان النتائج ستكون على النحو الذي أتت لما كانوا قدموا الدعم للجهاديين.

ان الذهاب الى تسوية في سوريا هو الذي من شأنه ان يجنّب العالم قيام “قاعدة” جديدة، في حين ان الاصرار الغربي والتركي والعربي الخليجي على مطالب المرحلة الماضية، من شأنه ان يدفع سوريا والمنطقة الى مديات لن يكون في مقدور احد التحكم بنتائجها.

النهار

 

 

رسائل قزوين الروسية/ بيار عقيقي

اعتادت روسيا المفاخرة، في سياق تكريس مبدأ “القومية الروسية” أولوية مُطلقة لبلاد الـ17 مليون كيلومتر مربّع، تحديداً في ربع القرن الأخير. تصرّفت على هذا الأساس، منذ سقوط الاتحاد السوفياتي في 1991. في هذا الإطار، يُمكن إدراج إطلاق البحرية الروسية 26 صاروخاً من أربع سفن من بحر قزوين، يوم الأربعاء، على مواقع، ذكرت وزارة الدفاع الروسية أنها “تابعة لتنظيم الدولة الاسلامية (داعش) في سورية”. حلّقت الصواريخ أكثر من 1500 كيلومتر، قبل أن تسقط في الأراضي السورية، لتُحدّد بالتالي روسيا “خريطتها الجديدة” من بحر قزوين إلى البحر المتوسط، وما بينهما من إيران والعراق وسورية ولبنان، “مدى حيوياً لها”. وذلك بصورة مشابهة لارتباط شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا بالأراضي الروسية.

للصواريخ الـ26 من قزوين رسائل عدة، يُمكن إدراجها في مسار تقرير المرحلة المقبلة. في الشقّ العسكري، أظهرت روسيا للعالم أنها تملك صواريخ بعيدة المدى، لن تتردّد في استخدامهم، لترسيخ “قوتها العسكرية” من جهة، ولإزالة صورة “الجيش المترهّل”، كما بدا في الحروب الشيشانية، في منتصف التسعينيات وأواخرها من جهة أخرى. كما أن من أغراض روسيا العسكرية أيضاً “إسكات” تركيا عن أي ردّ فعلٍ إزاء التدخّل العسكري الروسي في سورية، في مرحلة رسم خريطة النفوذ الجديدة. وعمدت روسيا، بالإضافة إلى إطلاق الصواريخ، إلى اختراق بعض طائراتها الحربية المجال الجوي التركي.

شعرت تركيا بالخطر الروسي، مع توجّهها لحلف شمال الأطلسي، خصوصاً أن الأميركيين باتوا على أهبة الاستعداد، أكتوبر/تشرين الأول الجاري، لسحب بطاريات باتريوت التي نُصبت غداة الهجوم الكيماوي لقوات النظام السوري على غوطة دمشق، صيف 2013. أضحت تركيا من دون دفاع جوي أميركي أو أوروبي، أقلّه حتى الآن، على الرغم من إعلان الأمين العام لحلف الأطلسي، ينس شتولتنبرغ، أن “الجيش التركي قوي”. مع العلم أنها ليست المرة الأولى التي يُدلي بها شتولتنبرغ بمثل هذا الكلام العام الجاري، إذ سبق أن أورده في سياق تأكيده “عدم تدخّل الأطلسي لدعم تركيا ضد داعش” في يوليو/تموز الماضي.

عدا عن الأتراك، أوحى الروس للايرانيين والعراقيين والسوريين واللبنانيين، بطبيعة الحال، بأنهم “أسياد هذه المنطقة من قزوين إلى المتوسط”. وتتعلّق هذه الرسالة بتفكير الكرملين عن “عَظَمَة” روسيا عالمياً، وسعيه إلى تثبيت هذا النفوذ. وفي تحليق الصواريخ الروسية فوق المجالين الجويين، الايراني والعراقي، تأكيد على “أوليّة الروسي” في تراتبية محور جديد يتشكّل ميدانياً.

عدا ذلك، حدّدت روسيا بحر قزوين “نقطة انطلاق” في ملفين أساسيين بالنسبة إليها. الأول متعلق بخطوط النفط “نابوكو”، والتي على أساسها خاضت روسيا حربها ضد جورجيا في عام 2008، لتمنع عبور أي خط غاز من بحر قزوين عبر الأراضي الجورجية إلى أوروبا، والذي لو حصل، لرمى خطوط الغاز الروسية العابرة إلى القارة العجوز، عبر أوكرانيا، جانباً. الملف الثاني المهم بالنسبة للروس، متعلّق بـ”الاتحاد الأوراسي”، الذي يُشكّل بحر قزوين ونفطه وغازه محطة أساسية في تكوينه وانطلاقه نحو وسط آسيا. ورمزية قزوين في مسألة الطاقة تتجاوز رمزية البحر الأسود نفطياً بالنسبة للروس.

وللتذكير فقط، الملف النفطي هو أساس المشكلة الأوكرانية، لا “حقوق الأقلية الروسية”، وهو ما ظهر لاحقاً في مفاوضات مينسك، وخلال المباحثات الثنائية الروسية ـ الأوكرانية حول أسعار الغاز. بالتالي، ليست مصادفةً أبداً أن تتزامن الضربات الروسية الأخيرة مع تزايد التنقيب عن النفط، سواء قبالة الشاطئ السوري لجهة طرطوس الذي يقوم به الروس، أو لجهة إعلان الاحتلال الإسرائيلي عن وجود حقل نفطي كبير في الجولان المحتلّ، ينتظر معه “اللحظة المناسبة” للبدء باستغلاله. تعدّدت الأهداف الروسية في سورية، لكن الأساس بالنسبة لموسكو هو السيطرة على جزء كبير من الحقول النفطية البحرية (البحر الأسود، وقزوين، والمتوسط) لتحقيق حلم النفوذ الغابر.

العربي الجديد

 

 

 

 

مواجهة أميركية ـ روسية في منطقتنا/ عبد الرحمن الراشد

أمام لجنة استماع حول الشؤون العسكرية والسياسية في مجلس الشيوخ يوم الخميس الماضي، أجمع الشهود من الخبراء على أن روسيا بدخولها المعركة في سوريا أصبحت تمثل خطرًا متزايدًا، على الولايات المتحدة ونفوذها ومصالحها وأمن منطقة الشرق الأوسط. ووصف أحدهم ما يحدث بـ«الخطر»، وأن روسيا لم تفعلها وتقاتل خارج مناطق نفوذها حتى إبان الحرب الباردة. والحقيقة أن الخسائر الأميركية أكبر من ذلك، فالسياسة الأميركية الحالية دفعت حتى حلفاء الولايات المتحدة مثل السعودية ومصر والإمارات والكويت إلى توقيع عقود عسكرية مع موسكو، وهو تدنٍ لا مثيل له في العلاقات. والسبب أن هذه الدول اضطرت لمهادنة موسكو بعد أن أظهرت واشنطن عدم اهتمامها بها، وفي بعض الحالات دخلت في تحالفات معادية لدول الخليج، مثل اتفاق البرنامج النووي مع إيران وملحقاته.

جلسة الاستماع كشفت كيف أن نشاط روسيا العسكري تجرأ على ارتكاب مئات الاختراقات للأجواء الأوروبية في العام الماضي، وهو الآن يخرق أجواء تركيا، الدولة العضو في حلف الناتو.

وقد لا يكون الدخول الروسي العسكري إلى منطقة الشرق الأوسط، بعد احتلاله القرم، نهاية السيناريو المقلق للغرب، ربما هو بدايته. ومن الواضح أن شهية موسكو للانتشار والتمدد وفرض موقفها وتوسيع علاقاتها هو على حساب الولايات المتحدة التي أظهرت خلال السنوات الست الماضية سياسة انكفاء متعمدة، خاصة في العراق والخليج ومصر، وصارت سلبية أكثر عندما أصرت واشنطن في البداية على مواجهة النظام الجديد في مصر بعد الثورة المضادة لحكم الإخوان في مصر، ورفضت كل المناشدات العربية من حلفائها للتعاون ضد المذابح التي ارتكبها نظام الأسد في سوريا، وزاد الأمر غضبًا عندما لم تفعل واشنطن شيئًا حيال إرسال إيران وحزب الله آلاف المقاتلين في سوريا. والآن يرى حلفاؤها العرب كيف أن الولايات المتحدة صارت ترجو من الحكومة العراقية عدم تخفيف الحراسات الأمنية في المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد مما يوحي بحالة عجز أميركية غير مسبوقة منذ الستينات.

الأميركيون هم أقوى من الروس عسكريًا، لكن سياسة الإدارة الأميركية الحالية قامت على تجنب خوض الحروب والابتعاد عن الصراعات الإقليمية، ورفضت كل الدعوات للمشاركة في نزاعات سوريا وليبيا واليمن وكذلك جنوب الصحراء في أفريقيا بعد اختطاف فرع تنظيم القاعدة فتيات المدارس، وتأخرت كثيرًا حتى دخلت حرب العراق ضد تنظيم داعش.

بتوسع الروس فجأة علت الأصوات الأميركية التي تستنكر هذه السياسة الانكفائية وتطالب بإعادة النظر في استراتيجية المواجهة مع الكرملين. وفي رأيي أن الخطأ الأكبر لواشنطن ليس في سوريا بل في إيران. فقد قيدت فكرة التوصل إلى اتفاق نووي الولايات المتحدة وليس إيران، حيث إن الأميركيين تحاشوا مواجهة الإيرانيين الذين تجرأوا على التمدد عسكريًا علانية في العراق وسوريا، وكان توسعهم يخدم الروس كما نرى اليوم وعلى حساب المصالح الأميركية.

لن تستطيع الولايات المتحدة مواجهة الروس عسكريًا لأن مبررات المواجهة القانونية مفقودة، حيث لا يوجد قرار من مجلس الأمن، ولم تؤسس أميركا جماعة تدافع عنها وعن شرعيتها، كما أن الحكومة العراقية لم تعد تبالي كثيرًا باحتجاجات واشنطن، ومن المؤكد أنها سترفض منحها شرعية لجهة الروس على أراضيها.

لهذا فإن مشكلة واشنطن هي في الاتفاق الرديء الذي وقعته مع طهران وصار مثل حصان طروادة للروس، حيث يلعب الروس والإيرانيون في فريق واحد في كل من العراق وسوريا، ويتعاونون في مناطق مختلفة بما فيها أفغانستان ضد المصالح الأميركية وضد حلفائهم التقليديين.

الشرق الأوسط

 

 

 

 

 

تفهم أمريكي ماكر وليس تفاهماً مع روسيا/ فاتح عبدالسلام

يكفي أن يتتبع الروس من راصدي السياسة الامريكية مواقف الرئيس باراك أوباما على مدى سنة واحدة تمتد من فترة انسحاب الجيش الامريكي من العراق في في كانون الاول 2011 حتى نهاية العام التالي له والذي شهد استعار الحرب في سوريا ،ليتأكدوا بسهولة أن قواعد اللعبة تغيرت في الشرق الأوسط وأن الامريكان جادون في تخفيف وجودهم هناك وانهم بدأوا يتعاطون بطريقة مختلفة مع الاحداث والدول ، حتى ظن الناس أن لا موضوع في خطب أوباما سوى التغني بالانسحاب بوصفه انجازاً لن يقبل له أن ينتكس. لاسيما ان واشنطن كانت ماضية بجدية واضحة للتسوية النووية مع ايران البلد المزعج لهم في هذه المنطقة المليئة بحلفاء باتوا عبئاً غير مريح على الادارة الامريكية . حيث الحليف الاسرائيلي بات عنيفاً في مخالفته الرؤية الأمريكية في التعاطي مع شؤون في المنطقة كالملف النووي والذي كان لدى الرئيس الامريكي ملفاً مزدوجاً ،داخلياً وخارجياً. وكذلك الحليف العراقي الذي فشل في صناعة دولة في اعقاب الانسحاب الامريكي ونخرت الدولة أثقال الفساد الذي لايتيح أرضية صالحة لتحول العراق الى حليف اقتصادي نوعي ،الى جانب التبعية في بغداد الى ايران بشتى المواقف العامة وخاصة الموقف من وضع سوريا وتحول بالفعل الى عبء واتضح ذلك حين أصبح اكثر من ثلث العراق بيد تنظيم داعش.

أما دول الخليج وهم ذوو الحظوة الأكبر لدى واشنطن فقد تقسموا في ولاءاتهم تبعاً لمصالحهم الاقليمية التي باتت تضغط عليهم بقوة ،وشعروا أن الامريكان تغيروا كثيراً ،وأصبح لا يُعول عليهم عند مناقشة الخطر النووي الايراني معهم وهو أكبر المشاغل السعودية .

الروس أمام فرصة تاريخية لا تعوض حيث وجدوا المجال الذي ظنوا طويلاً أنه محرم أو مقيّد أمامهم في الشرق الأوسط بات مفتوحاً لهم لكن كان بهم حاجة ومسوغاً لجعل وصولهم الى المنطقة طبيعياً . في البداية كانوا يواجهون معوقات ضمنية أنتجهتها عملية التغيير فيما يسمى بالربيع العربي الذي انطلق من تونس ليشمل ليبيا ومصر، وحين وصلت العملية الى سوريا كانت الخبرة المكتسبة لموسكو وللحكم في دمشق كافية لقطع الطرق الموصلة الى ذات الاهداف التي وصل اليها منظمو الاحتجاجات بسهولة في أماكن أخرى من العالم العربي.فقررت روسيا بسرعة تبني دعم حليفها بدمشق لاسيما انه يبدي طاعة لم يكن يبديها حليف قلق في ليبيا يوم خسرتها موسكو أو خدعت بخسارتها أمام التحالف الأوروبي. منطقة الشرق الأوسط حيوية ولابد أن يكون فيها لاعب دولي كبير.ايران لم تستطع أن تكون ذلك اللاعب وفشلت في الحسم العسكري في سوريا،وأمريكا لن تمد يدها بشكل يسحب باقي جسدها الى مستنقعات المنطقة التي يعرف الأمرلريكان لوعة التلوث فيها. اذن لابأس أن تكون روسيا في المنطقة لتواجه استحقاقات لم تعد واشنطن راغبة في تحملها لوحدها فشلاً ونجاحاً.

من الصعب جداً القول ان هناك تفاهمات عميقة بين موسكو وواشنطن على التدخل الروسي ،لكن من الواضح أن هناك تفهماً أمريكياً للخطوة الروسية وتفهماً ماكراً أيضاً في انتظار نتائجها. شتان بين التفهم والتفاهم.

الزمان

 

 

 

 

بجانب من تقف أميركا في سورية؟/ فريد زكريا

استطاع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يتصرف بقوة في سورية، لا لأنه يملك شجاعة أكثر من الرئيس الأميركي باراك أوباما، ولكن لأن استراتيجيته واضحة بالنسبة له. فالرئيس بوتين لديه حليف هو نظام الأسد، وله أعداؤه، فهو يدعم حليفه ويحارب أعداءه، وإذا تمت مقارنة ذلك بحال الغرب، فإننا نجد أن واشنطن والغرب في حيرة:

بجانب من تقف الولايات المتحدة في هذا الصراع؟ نحن نعرف من تعادي: نظام بشار الأسد وتنظيم داعش والحركات الجهادية كلها، بما في ذلك جبهة النصرة وأحرار الشام، وقوات حزب الله وقوات إيران التي تقاتل بجانب الحكومة السورية، فالغرب ضد كل قوة رئيسة تقاتل في سورية، وهذا يساعد على وضوح أخلاقي، وفي الوقت ذاته عدم اتساق استراتيجي.

إن تحرك روسيا ليس بالعمل الرائع، كما يتم تصويره، بل هو محاولة يائسة لدعم واحد من حلفاء الكرملين الأجانب الوحيدين، وتخاطر روسيا بذلك بأن تصبح “الشيطان الأكبر” في نظر الجهاديين في كل مكان، فلدى بوتين على الأقل خطة متماسكة.

أما أميركا بالمقارنة معه فهي حليف قريب للحكومة العراقية في حربها ضد المتطرفين السُنة في العراق، لكنها تجد نفسها تحارب بجانب هؤلاء السُنة في سورية في حربها ضد الأسد.

واللافت أن واشنطن تدعم بعض الجماعات: الأكراد السوريين القريبين من تركيا، والقوى المعتدلة المدعومة من الأردن القريبة من حدودها، وعدد قليل من السوريين المعتدلين.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار المجموعات الرئيسة التي تسعى إلى السيطرة على دمشق، فإن أميركا ضدهم كلهم تقريبا.

بإمكان الجيش الأميركي هزيمة تنظيم داعش الذي يملك قوة مسلحة، ولكنها بعد ذلك ستسيطر على أراض حقيقية في سورية، فمن يريد حكم تلك المناطق ويحمي الشعب وينظر إليه السكان على أنه شرعي؟

قال لي مسؤول تركي منذ فترة قريبة: رأيناكم تحاولون إدارة مدن في العراق، ولن نرتكب خطأ أميركا.

إذا كان أوباما يسعى إلى دولة فيها سلام واستقرار وتكون متعددة الطوائف وديموقراطية، فإن هذا يحتاج التزاما كبيرا من أميركا على مستوى الحرب في العراق. وإلا فعلى أميركا أن تقبل الواقع وتتخذ قرارات صعبة. والقراران الصعبان هما: إما التوقف عن معارضة الأسد، أو القبول بتقسيم سورية.

لقد جمع الغرب بين الخطابات القوية والجهود الضعيفة، وهذا الفارق الكبير بين الكلام والفعل هو ما يجعل بوتين يظهر بمظهر الشخص الحذق.

الوطن السعودية

 

 

 

 

 

الحملة الروسية.. والسذاجة الأميركية/ مارك إيه. تايسين

عندما تقوم روسيا بضرب قوات جندناها ودربناها، ثم نذعن لذلك، فإن البلدان التي تعوّل على الضمانات الأمنية الأميركية ستفقد الثقة بنا. يقول المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية دونالد ترامب: «لندع روسيا تتخلص من داعش. لماذا علينا أن نهتم؟». إنه سؤال في محله، في الواقع، إذ ما الضرر الذي يمكن أن يحدث إذا نحن تركنا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يخوض هذه الحرب نيابةً عنا في سوريا؟ الجواب: سيلحقنا ضرر كبير جداً.

أولًا، روسيا لا تحارب تنظيم «داعش». ذلك أنه وفق «معهد دراسة الحرب»، فإن الضربات الروسية تركزت بشكل خاص على المناطق التي تسيطر عليها مجموعات سُنية أخرى يعتبرها رئيس النظام السوري بشار الأسد تهديداً له، ومن بينها مجموعات قامت الولايات المتحدة بتدريبها، وذلك لأن الهدف الاستراتيجي لروسيا ليس، بالدرجة الأولى، القضاء على «داعش»، وإنما دعم نظام الأسد المدعوم أيضاً من طرف إيران، وحمل الغرب على دعمه أيضاً. وذلك أنه عبر تدمير المعارضة المعتدلة، سيُترك العالم أمام اختيار وحيد بين الأسد و«داعش». بيد أن الرئيس أوباما لا يبدو مدركاً لهذا الأمر، حيث صرّح بسذاجة، الأسبوع الماضي، بأن روسيا ينبغي ألا تستهدف الثوار المدعومين من قبل الولايات المتحدة، لأننا نحتاج لمعارضة معتدلة خلال فترة انتقالية بعد الأسد. والحال أن هذا بالضبط، من وجهة نظري، هو سبب استهداف بوتين لهم.

ثانياً، إن تدخل روسيا سيؤدي في الواقع إلى تقوية شوكة «داعش». ذلك أن روسيا باستهدافها المعارضة قد تدفع كل المجموعات السنية إلى الارتماء في أحضان «داعش» و«جبهة النصرة» التابعة لـ«القاعدة»، بعد أن يتحولا إلى المقصد الوحيد لأغلبية السكان الذين يعارضون الأسد، حتى وإن لم يكونوا يتقاسمون مع الإرهابيين إيديولوجيتهم الراديكالية. وهذا سيجعل الحرب أكثر تطرفاً ويحوّل سوريا إلى مغناطيس كبير جاذب لـ«الجهاديين» الذين سيفدون عليها من كل حدب وصوب، الأمر الذي يخدم مصلحة الأسد، لأنه يحتاج لتهديد «داعش» من أجل تبرير استمرار بقاء نظامه كسد مزعوم في وجههم.

ثالثاً، إن وجود روسيا الجديد في سوريا يقوّي أيضاً موقف إيران. والواقع أنه ليس صدفة أن روسيا قد قامت بإدخال قواتها إلى سوريا بعد أسابيع قليلة على زيارة قاسم سليماني قائد ما يسمى «فيلق القدس» إلى موسكو. فإيران، وهي الوجه الشيعي للتشدد الإسلامي، تتحرك عبر الشرق الأوسط، والتدخل الروسي يدعم سعيها للهيمنة الإقليمية. والواقع أن الطرفين مستفيدان. فروسيا تحصل على موطئ قدم دائم في الشرق الأوسط، من خلال قاعدة جوية رئيسة وميناء على البحر المتوسط تستعرض منه قوتها، وتتحدى منه الولايات المتحدة وحلفاءها، هذا بينما تحصل إيران على الأسلحة (مثل منظومة الصواريخ أرض-جو إس 300 لحماية برنامجها النووي من أية ضربة عسكرية) وعلى تحالف جديد للتصدي للنفوذ الأميركي يتألف من روسيا وإيران والعراق وسوريا و«حزب الله» اللبناني. وهو ما يمثل كارثة بالنسبة للمصالح الأميركية.

رابعاً، إن حملة القصف الروسية تؤشر إلى أن الولايات المتحدة حليف لا يمكن الاعتماد عليه. فعندما تقول روسيا للولايات المتحدة إن عليها أن «تفسح الطريق» وتقوم بضرب قوات قمنا نحن بتجنيدها وتدريبها من أجل محاربة «داعش»، ثم نذعن لذلك، فإن البلدان التي تعوّل على الضمانات الأمنية الأميركية ستفقد الثقة بنا. وعلى سبيل المثال، فإن الحكومة العراقية قد توصلت للتو لاتفاق بشأن التعاون الاستخباراتي مع إيران وروسيا. وهذا الأسبوع قال رئيس الوزراء العراقي إن روسيا مرحب بها لشن هجمات ضد «داعش» على الأراضي العراقية. وعلاوة على ذلك، فإننا بدأنا منذ بعض الوقت نتحدث عن «تنسيق» عملياتنا الجوية لتفادي خطر صدام بين طائراتنا وطائراتهم، وهو شكل من أشكال التعاون العسكري في الحقيقة. والحال أن دعم الأنشطة الروسية أو التسامح معها إنما يعزز الاعتقاد المتزايد في المنطقة بأننا متحالفون مع روسيا وإيران والأسد و«حزب الله» والمليشيات الشيعية في العراق ضد كل حلفائنا التقليديين.

وفي هذه الأثناء، يقول أوباما إنه لا ينبغي أن نقلق بشأن أي من ذلك، مشدداً على أن بوتين إنما يتصرف انطلاقاً من إحساس بـ«الضعف»، وإنه سيورّط نفسه في «مستنقع» يشبه إلى حد كبير الغزو السوفييتي لأفغانستان في 1979. غير أنه حتى إذا كان هذا صحيحاً، فإنه ينبغي ألا يجعلنا نشعر بالراحة أو الاطمئنان.

مارك تيسيين*

*زميل بمعهد المشروع الأميركي في واشنطن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

 

 

 

تلكؤ أميركي واندفاع روسي.. أين العرب من كل ما يجري؟/ د. نقولا زيدان

ليس من المبالغة قط القول عندما نحاول توصيف المشهد السوري في معطياته الراهنة أنه عودة مفجعة للمربع الأول كما كان عليه إن لم يكن لدى نشوب الانتفاضة الشعبية أوائل عام 2011، فأقلّه كما بدا في لقاء جنيف1 عام 2013 والذي صدر عنه البيان الاول الذي جرى تفسير إحدى فقراته التي تنص على وجوب إيجاد حل سياسي للأزمة السورية عن طريق تشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية لتدخل سوريا في مرحلة «ما بعد الأسد». يومها راحت تتحدث وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون عن رحيل الأسد بينما تحفظ سيرغي لافروف على تبنّي هذه الصيغة. لم نفاجأ بعدها بمساعي كوفي أنان تلاقي المصير نفسه الذي لاقته مساعي الأسرة الدولية ممثلة بالأخضر الابراهيمي لاحقاً. وكان بشار الأسد يعمد إلى إفشال جميع المساعي السياسية والديبلوماسية، بما فيها تقارير المراقبين العرب، ثم المراقبين الدوليين. يومها كان المجلس الوطني السوري، ثم الائتلاف الوطني، كلاهما في أوج نشاطهما واستقطاب اهتمام الرأي العام الدولي، بخاصة وأن الأنظار كانت تنصب على الجيش السوري الحر وذلك العدد الوازن من الضباط والرتباء والجنود الذين راحوا يلتحقون بصفوفه وذلك على إيقاع الشخصيات الرسمية السورية التي إما التجأت إلى الخارج أو أعلنت ولاءها للثورة. هذا الجيش السوري الحر نفسه الذي أطلق بحقه «لافروف» منذ أيام تصريحاً تهكمياً مبطّناً يسخر فيه من إمكانية كونه حقيقاً، ذلك أن روسيا تتفق عملياً مع الأسد في استخفافه بالمعارضة.

يبدو الآن من نافل الكلام، بل من التكرار والعودة المملّة لاستعراض المحطات التاريخية التي تنحو باللائمة على سياسة الرئيس أوباما وأسلوب تعاطيه المتأرجح الضعيف والمتخاذل مع الثورة السورية ومكوّناتها الرئيسية الأولى وعلى رأسها الجيش السوري الحر. فعندما تم حجب السلاح النوعي عن هذا الجيش وتكديسها في عنابر مستودعات الجيش التركي والحؤول دون تزويده بها، وذلك تحت شتى الذرائع والحجج الواهية فإن السياسة الأميركية كانت عملياً تشجع حركات الانسلاخ عنه وتكوين فصائل منفصلة مستقلة تحارب تحت شعارات الإسلام السياسي بل تتقاتل في ما بينها. وهذا بالضبط ما كان يسعى إليه النظام الأسدي المتهاوي، ذلك النظام المتحالف مع أطماع النظام الملالي في طهران وما أمكن جمعه واستدعاؤه من ميليشيات إيرانية الولاء والهوية تعمل على تنفيذ الأجندة التي رسمها للسيطرة على المنطقة العربية، ابتداء بالبحرين وانتهاء بلبنان واليمن.

إن المجتمع الدولي في تقويمه لبشار الأسد ونظامه قد أصبح مجمعاً وبالكامل أن هذا الأخير لا يوافق على أي حل سياسي عقلاني ومتوازن للأزمة السورية لأنه وبامتياز بطل إفشال جميع المحاولات والمبادرات والمساعي. والروس والإيرانيون في سرائرهم ومواقفهم الداخلية هم على يقين من هذه الحقيقة المريعة، لكنهم يتركون للأسد حرية التصرف الآن في أسلوب تعاطيه معها المتمحور على الإفشال والتعطيل ودفع الوضع السوري إلى طريق مسدود. فطيلة سنوات الحرب السورية التي دخلت عامها الخامس فإن دعوة إيران لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية ظلت تراوح مكانها في حدود التصريحات اللفظية والدعائية ولم تترافق قط مع أي اتصالات أو حوارات جدية مع أي فصيل من قوى المعارضة السورية، بينما كان الكرملين يستضيف من يراه مناسباً من شخصيات سياسية سورية أو قوى هامشية من معارضة الداخل، أولئك الممهورين بخاتم موافقة الأسد وأجهزته. هذا في الوقت الذي كان فيه حزب الله اللبناني وسواه من الفصائل المذهبية المماثلة يزدادون تورطاً في القتال. والحق أن الروس أنفسهم وإن حاولوا في بعض المواقف التمظهر بمظهر الحريص على لعب دور الوسيط بين طرفي الصراع السوري، فإنهم كانوا لا يقلون رياء وخبثاً عن الإيرانيين أنفسهم والدليل على ذلك ليس تسهيلهم فرار أو مرور المقاتلين الشيشان والداغستانيين إلى سوريا للانضمام إلى «داعش» فحسب، بل ما نشهده الآن من تدخل عسكري روسي واسع النطاق بذريعة محاربة الإرهاب. لأن الوقائع اليومية التي تظهرها الأهداف المنتقاة للطلعات الجوية الحربية الروسية تدل على أن غالبية هذه الأهداف تستهدف المعارضة السورية المعتدلة على اختلاف فصائلها، بينما تظل حصة «داعش» من هذه الغارات محدودة تماماً. وإلا كيف نفسر استهداف القاذفات الجوية الروسية أحياء في حلب وحماه وإدلب؟

من يقرأ جيداً مسار السياسة الروسية حيال الأزمة السورية لا يمكنه إلا الوصول إلى الاستنتاج المباشر أن موسكو منذ بدايات هذه الأزمة كانت قد حزمت أمرها باعتبار الأسد ونظامه حليفاً مطواعاً لها، كما هي حاله بالنسبة لطهران، وهو على استعداد دائم لخدمة مصالحها في الشرق الأوسط ولفتح أبواب سوريا بحراً وجواً وبراً أمام آلة الحرب الروسية، شريطة بقائه في سدة الحكم. وقد أسدت له خدمة جلّى حول بيان جنيف1 (30 حزيران 2013) يوم الخلاف مع أميركا حول تفسيره ثم ملاقاة لافروف المحمومة لجون كيري على أثر اكفهرار الجو الدولي حول احتمال توجيه ضربة عسكرية للنظام الأسدي على أثر فضيحة فاجعة الغوطة الشرقية في آب 2013 وإنقاذ الأسد المشرف على الغرق من قبل الكرملين، بل مداخلات لافروف في جنيف2 كانت أيضاً خدمات روسية عندما مالأ لافروف وليد المعلم بحرف المؤتمر عن هدفه الحقيقي بضرورة رحيل الأسد ليصبح المؤتمر منصة لاتهام المعارضة السورية بالإرهاب. كان ذلك قبل ظهور داعش، وخطرها، إلى ما هنالك من تأجيل تسديد ديون سوريا لها وزيارات سلطانوف وبوغدانوف نائبي وزير الخارجية الروسي وصولاً إلى لقاءات موسكو حيث استقبل الكرملين من لا حول لهم ولا قوة من معارضة الداخل السوري… كل تلك الخدمات الروسية كانت تتم على الأرجح بالتنسيق الكامل مع طهران للتدخل العسكري الروسي المباشر الوشيك. وكان ليتحقق فعلياً لولا موافقة طهران المسبقة. وقد رأينا بأم العين فعلاً مشابهاً من فصوله في اليمن عندما كان مرفأ الحديدة يستقبل شحنات الأسلحة الروسية لصالح المتمردين الحوثيين.

لم يتوقف تدفق الأسلحة والعتاد والمعدات الروسية على الأسد، سواء مباشرة أو عبر طهران. وقد أنفقت طهران مبالغ طائلة ثمناً للأسلحة الروسية لنظام دمشق. هذا وإن كانت موسكو (وبكين) توافقان على العقوبات المتخذة طيلة تلك الفترة بحق النظام الإيراني، فكان ذلك لا يضرّ بمصالحها بتأمين مبالغ طائلة من القطع النادر مقابل تزويدها إيران بما تحتاجه من تقنيات تشغيل مفاعلاتها النووية. فلا ننسى أن روسيا هي ثاني بلد في العالم بائع للسلاح.

إن القوات الروسية التي جاءت إلى سوريا قد أتت للدفاع عن نظام الأسد أكثر منه بكثير من ادعاءات موسكو أنها قدمت لمحاربة «داعش». فرجل الـFSB (إف.أس.ب.) الحالية (KGB ك.ج.ب. سابقاً) فلاديمير بوتين ذو الخبرة الطويلة في عالم الأمن والاستخبارات والذي أصبح مسؤولها الأول عام 1996 ثم أصبح رئيساً للوزراء عام 1999 والذي يتزعم حزب «روسيا الموحدة» الأكثري، يعتزم أن ينتزع لروسيا ما فاتها في حروب الخليج وبالأخص عام 2003 (غزو العراق) حيث خرجت صفر اليدين. إنه يعلم علم اليقين أن بشار الأسد لا يمكنه أن يستمر طويلاً في الحكم. ويعتقد بعض المراقبين أن «بوتين» الآن، بعد تدخله العسكري المباشر وهو سابقة لم نعهدها في الشرق الأوسط من قبل روسيا منذ احتلالها أفغانستان، سوف يعمد لعقد مفاوضات مطولة مع الغرب حول المسألة السورية، تدخل فيها المساومات والمماطلة، قد تفضي في نهاية الأمر إلى صفقة دولية تمهد لرحيل الأسد بموافقة إيرانية، من الصعب الآن تصور شروطها وبنودها مسبقاً. فالأسد كما كل رموز الاستبداد وسفك الدماء عبر التاريخ إلى رحيل محتوم، ولو بعد حين. ويبقى السؤال الكبير الملح: أين العرب من كل ما يجري؟

المستقبل

 

 

 

روسيا في سوريا.. الأهداف والقدرات والنتائج/ هشام جابر

من المعلوم أن الحضور العسكري في سوريا سبق هذا التدخل العسكري والميداني بسنوات، فروسيا كانت قبل الأزمة الحالية تزود سوريا بالأسلحة والذخائر، فضلا عن الدعم السياسي والدبلوماسي، وتزودها بالخبراء الذين قدر عددهم في مرحلة معينة بأكثر من 1000 خبير.

الجديد هنا هو حجم ونوع المساعدات العسكرية للجيش السوري، وزيادة الوجود العسكري الروسي ومناطق وجوده، وبدء عمليات قصف جوي غير مسبوقة، والإعلان عن ذلك من قبل الرئيس الروسي نفسه.

بداية لا بد من التساؤل: لماذا هذا التدخل العسكري الروسي المعلن والسافر في سوريا؟ ولماذا الآن خاصة؟

إن لاهتمام روسيا بالشأن السوري أسبابا عدة، فالحضور في المياه الدافئة (البحر المتوسط) كان دائما حلما روسيا من أيام القياصرة، وبعد أن كان للاتحاد السوفياتي عدة مواطئ قدم في منطقة الشرق الأوسط في العقود الثلاثة التي سبقت انهياره، من مصر إلى عدن، مرورا بليبيا والعراق وسوريا. لم يبق حاليا إلا سوريا. وتحديدا الساحل السوري.

وكان واضحا أن الرئيس فلاديمير بوتين كان يهيئ لهذا التدخل حين قال إن هنالك حوالي 3000 مقاتل إسلامي منخرط في التنظيمات الإرهابية في سوريا، من تنظيم الدولة إلى النصرة إلى أجناد القوقاز، وغيرهم، أتوا من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، والاتحاد الروسي ويشكلون خطرا جديا على الأمن القومي الروسي.

إن التدخل العسكري الروسي يرمي إلى تحقيق أهداف وغايات سياسية واقتصادية، ويوجه رسالة سياسية إلى من يهمه الأمر، بأن روسيا لا تتخلى عن حلفائها. وربما رسالة اقتصادية لإعادة تلميع صورة السلاح الروسي وتسويقه.

فالسلاح الروسي الذي زود به العرب منذ خمسة عقود هُزم أمام السلاح الأميركي الذي زودت به إسرائيل في المعارك الجوية والأرضية في أكثر من حرب، وأكثر من مواجهة. وقد أدى -مثلا- إسقاط أكثر من 50 طائرة سورية فوق الأجواء اللبنانية السورية وفي يوم واحد، في عدوان 1982 على لبنان، إلى ضعف الثقة بهذا السلاح، وقدراته القتالية.

وقد رأينا في حينه كعسكريين أن السبب الرئيسي لهذا الإخفاق هو أن موسكو كانت دائما تزود حلفاءها بالطائرات والدبابات، من الجيل الماضي والذي قبله وليس الأخير، والعكس صحيح بخصوص السلاح الأميركي المقدم لإسرائيل.

وعندما أعلنت روسيا أنها قررت تزويد سوريا بطائرات الميغ 31 وهي من الجيل الأخير كما غيرها من الطوافات M24 وقاذفات سوخوي 34، بدا واضحا أن هناك سياسة غير مسبوقة تتبعها موسكو.

والآن ما حجم الوجود العسكري الروسي في سوريا؟ وأين هو جغرافيا؟ وإلام يرمي ويهدف؟ وماذا حقق حتى تاريخه؟ أسئلة تطرح بجدية، ونحاول الإجابة عليها.

يتمثل الوجود العسكري الروسي في سوريا حاليا بأكثر من 24 قاذفة سوخوي من أنواع 34 و30 و24، وحوالي 26 طائرة مقاتلة، وقاذفة في آن من أنواع ميغ 29 وميغ 31، بالإضافة إلى طائرات الهليكوبتر M24 وM28 (الصياد) الأكثر تطورا.

ولدى الروس طائرة هيلكوبتر من نوع ALEGETOR (التمساح) وهي توازي “الأباتشي” الأميركية وصل سرب منها قبل بداية هذا الشهر إلى مطار اللاذقية، بالإضافة إلى أسلحة متطورة للقتال على الأرض بعضها صواريخ مضادة للدروع منها RPG 15، RPG16، وكورنيت وغيرها، ناهيك عن الوجود البحري المكثف.

اتخذت القوات الروسية الجوية مربطا لها في مطار “باسل الأسد” العسكري في اللاذقية. الذي تتشارك باستخدامه مع القوات الجوية السورية. وقد جهزت قاعدة “حميميم” الجوية في “جبلة” على الساحل السوري لتصبح قاعدة جوية روسية بامتياز، ويتراوح عدد الطيارين والسدنة والفنيين بين 1000 و1500 ضابط وجندي يضاف إليهم 3 سرايا من قوات النخبة الخاصة للحماية، يقارب عددها الـ500 عنصر. دون أن ننسى ان عدد الخبراء الروس في سوريا تضاعف ليصل إلى حوالي 3000 خبير منتشرين في مواقع الجيش السوري في العاصمة والساحل والمنطقة الوسطى.

قال الروس منذ البداية إنهم أتوا إلى سوريا لقتال المجموعات الإرهابية كافة. وليس فقط لقتال تنظيم الدولة كما قالوا إنهم جاؤوا لدعم النظام السوري ومنع انهياره.

بدأت العمليات الجوية الروسية يوم الأربعاء 30 سبتمبر/أيلول الماضي، وتركزت الضربات الجوية في المنطقة الوسطى، ريف حمص الشمالي وريف حماة الشرقي والشمالي و”جسر الشغور” في محافظة إدلب. ثم توسعت حتى مساء السبت في 3 أكتوبر/تشرين الأول لتصل خلال 72 ساعة إلى 60 غارة، منها عشر غارات على الرقة.

يقول الروس إنهم حققوا نتائج فعالة بتدمير مراكز قيادة وسيطرة ومخازن وأسلحة وذخائر وقواعد لوجستية، سواء بتنظيم الدولة في الرقة ودير الزور أو التنظيمات الأخرى في المنطقة الوسطى، مما دفعها إلى التواري وتغيير المواقع وانسحاب بعضها إلى أقصى الشمال بمقربة من الحدود التركية.

أما لماذا استهدف الطيران الروسي مسلحي المعارضة تحديدا بنسبة كبيرة من غاراته؟ فالجميع يعلم أن الأولويات المطلقة للنظام وبالتالي لموسكو هي العاصمة دمشق والساحل السوري، والطريق بينهما وهي المنطقة الوسطى وتحديدا حمص وإدلب وحماة وسهل الغاب. وقد خسر بها النظام الكثير من المواقع الاستراتيجية خصوصا عندما سقطت إدلب بإنجاز عسكري ضخم حققه جيش الفتح. وتبعه سقوط مدينة “جسر الشغور” إحدى بوابات الساحل السوري التي لا تبعد على مدينة اللاذقية أكثر من 50 كلم.

وقد أعقب ذلك سقوط مطار أبو الظهور العسكري، ثم تساقطت الصواريخ إثر ذلك مرة بعد أخرى على مدينة اللاذقية، وباتت مهددة بالاختراق جديا. وقلنا في حينه إنه لا يمكن للجيش السوري أن يستمر في موقع الدفاع على حدود اللاذقية، ولا بد من هجوم معاكس، ولم يتسن له ذلك حتى تاريخه، لضعف القدرات العسكرية.

جاء الطيران الروسي ليمهد لهذا الأمر. ويعتقد المراقبون، ونحن منهم، أن التحضير لهجوم بري لاستعادة إدلب ومن ثم شمالي حمص، (تلبيسة والرستن) قائم على قدم وساق، بحيث سيشارك فيه بالإضافة إلى الجيش السوري مليشيا الدفاع الوطني وعناصر من حزب الله، وربما قوات إيرانية في الحرس الثوري، قيل إن طلائعها وصلت بعدة مئات، رغم نفي إيران، مع توقع استمرار وتكثيف الغارات الجوية الروسية على تلك المنطقة قبل انطلاق العمليات البرية وخلالها.

والواقع أن الوجود العسكري الروسي، كما ونوعا، هو قابل للازدياد، وقد حدد الروس فترة مئة يوم لعملياتهم العسكرية، قابلة للتجديد. ويهدفون ليس فقط إلى منع خسارة الجيش السوري للمزيد من المواقع، بل لتوسيع الرقعة الجغرافية لسيطرة قوات النظام وحلفائه دون أي تدخل في المعارك البرية مباشرة، لا على المدى القريب ولا المتوسط، فهل تحقق روسيا أهدافها؟

الواقع أن روسيا حققت حتى الآن استراتيجيا ما يلي:

– منع انطلاق أي عمليات عسكرية محتملة ضد النظام السوري من الخارج، سواء من تركيا أو من التحالف الدولي أو من الأطلسي.

– أحدثت نوعا من “الغمامة” في الأجواء السورية، فحيدت إسرائيل عن الأجواء السورية. ونسقت مع دول التحالف بإعلامها بمواعيد غاراتها، عبر غرفة عمليات بغداد، كما فرضت التنسيق معها قبل أي غارة للتحالف، تجنبا لأي إشكال أو حادث جوي، يمكن أن يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.

– أعلمت أميركا عبر الرئيس بوتين شخصيا بأن التوافق الذي تم معها منذ أكثر من عام على عدم السماح بتدمير البنى الأساسية للدولة السورية وأهمها الجيش، وعدم تكرار ما حصل في العراق لم تلتزم به أميركا عمليا، وبدأ الجيش السوري يفقد الكثير من قدراته، وأن الحفاظ على النظام ومنع انهياره قبل إيجاد البديل هو قرار روسي غير قابل للنقاش.

وخلاصة القول أن التدخل الروسي جاء، كما يرى الكثيرون، لتحريك المياه الراكدة في المستنقع السوري وإحداث اختراق في حلقة مفرغة، بعد فشل أميركا والتحالف الدولي بتحقيق أي نجاح دراماتيكي في خطة الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية خلال عام، وفشلها في الإعداد لأي حل سياسي، واشتراطها أولا تنحي الأسد، ثم العودة عن هذا الشرط.

وقد أعلنت روسيا، وأبلغت أميركا وفرنسا مؤخرا، أنها مع الحل السياسي في سوريا، لكن عبر حكومة انتقالية يسبقها وقف لإطلاق النار، يمكن لموسكو وإيران إقناع أو إلزام النظام السوري به، فهل تستطيع أميركا وتركيا وحلفاؤهما إلزام المعارضة السورية، باستثناء تنظيم الدولة، به؟ إذا كان الجواب نعم، فإن العد العكسي لإنهاء الحرب في سوريا يمكن أن يبدأ، مع التأكيد بأن أي غياب لرأس النظام السوري فورا ودون بديل يعني تقسيم سوريا. وتمسي سوريا ربما باستثناء الساحل ساحة حرب لسنوات يكون تنظيم الدولة الإسلامية أكبر النافذين فيها. فهل تنجح موسكو في تحقيق أهدافها المعلنة؟ أم أن تدخلها في الرمال السورية المتحركة يعد تورطا؟

لا يمكن الجزم أو القفز فوق الأحداث، لأن الأمور مرهونة بالتطورات الميدانية والتغيرات السياسية، وأي حدث أو حادث دراماتيكي يمكن أن يحصل خلال المئة يوم من التدخل الروسي، سواء داخل النظام السوري، أو فوق الأجواء السورية، يمكن أن يخلط الأوراق من جديد وتفاجأ المنطقة بواقع غير منتظر.

ثم إن الأحداث والتطورات تتلاحق، فبعد أن أعلنت موسكو أنها لن تشترك بالمعارك البرية، بدأنا نسمع عن متطوعين روس يتحضرون للقتال إلى جانب الجيش السوري. ولكن من يستطيع أن يجزم بأنهم “متطوعون”؟ أوليس هذا انغماسا في المستنقع السوري؟

صحيح أن المقارنة بين حرب الروس في أفغانستان وحربهم في سوريا ليست واردة، لاعتبارات متعددة، منها أن الفصائل الجهادية في أفغانستان لم تكن بهذا التعدد وهذا التنافر الذي عليه الحال في سوريا. ولكن ماذا لو توحد أكثر من 41 من الفصائل السورية المعارضة التي دعت إلى تشكيل “حلف إقليمي بوجه الروس والإيرانيين”؟ وماذا سيكون عليه الحال لو زودت هذه الفصائل بسلاح مضاد للطائرات؟

صحيح أيضا أن حادث الاختراق الروسي للأجواء التركية والذي تم احتواؤه على ما يظهر لن يسبب حربا بين الدولتين، ولكن من يضمن أنه لن يتكرر، ولن يلاقي ردا؟ بعد أن قال رجب طيب أردوغان إنه “ضاق ذرعا وعيل صبرا”. وما موقف الولايات المتحدة عندئذ؟

وأخيرا.. إذا كان بوتين هو من يحكم روسيا فلا يمكن القول بأن باراك أوباما هو وحده من يحكم أميركا.. ثم إن أوباما ذاهب بعد وقت قريب، ولا نعتقد أن بوتين في صدد إعداد حقائبه وجمع أوراقه الخاصة.

الجزيرة نت

 

 

 

 

أميركا ورسيا.. الاتفاق والاختلاف في سوريا/ ماجد بن عبد العزيز التركي

هل ثمة تعاون أو تفاهم أميركي روسي بشأن المستقبل في سوريا؟ إلام أفضت لقاءات الجانبين على هامش اجتماعات الأمم المتحدة؟ هل لأوكرانيا نصيب في المساومة على مستقبل سوريا؟

هذه تساؤلات مشروعة في سياق التحولات الجارية في الأزمة السورية، والتداعيات المتوقعة على منطقة الشرق الأوسط. بالتأكيد لن نحصل على إجابات وافية، لاختلاف الرؤية والبرنامج والأدوات بين الطرفين.

ولكن المسلم به هو التنسيق الاستخباراتي بين الجانبين، ولاسيما أن إسرائيل وإيران حاضرتان بقوة في المشهد، ويمثلان القاسم المشترك، وضابطا الإيقاع إلى حد كبير بين الطرفين، وتصريحات الجانبين (الأميركي والروسي) تؤكد وجود اتصال مستمر بين وزارة الدفاع الروسية والبنتاغون الأميركي، والمؤكد أيضا أن المعادلة الأوكرانية حضرت بقوة في حوار بوتين أوباما، ووصلت إلى درجة المساومة “وإن على حساب أرواح الشعب السوري”.

ولكون المعادلة مقلوبة في نظر بوتين، لذا جاء الرد الروسي سريعا وقويا ومباشرا عسكريا في سوريا، وأعاد للأذهان العملية العسكرية الروسية في جورجيا عام 2008 في عهد مدفيدف ردا على سلوكيات جورج بوش الابن تجاه أوسيتيا والتي تعتبرها روسيا منطقة إستراتيجية في القوقاز الروسي.

ـ أما في الشأن السوري، فلعل نقطة الاختلاف الجوهرية بين الطرفين الأميركي والروسي أن أميركا صاحبة مشروع، لا يحدد ملامح ومستقبل سوريا فحسب، بل توزيع المنطقة برمتها، وبذلت الكثير لإطالة أمد الأزمة السورية حتى تنضج ملامح المشروع (الشرق الأوسط الجديد بأدوات إيرانية وإسرائيلية)، وترتسم معالمه على أرض الواقع وخاصة في سوريا والعراق.

ولأن الحل السياسي التفاوضي السوري سوف يتقاطع مع مشروعها في المنطقة، فقد غيبت كافة الأبعاد الدبلوماسية الفاعلة (أعني من داخل المعارضة السياسية السورية)، وفعّلت أمام القيادات السياسية والأمنية الإقليمية مشكلة الإرهاب في سوريا، المتمثل في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) (الكيان الهلامي) بتحرك عسكري دولي مثير لكثير من علامات الاستفهام في أهدافه وضرباته ونتائجه، بل وتصريحات كبار المسؤولين الأميركيين (وزير الدفاع الأميركي) بأن الضربات الموجهة لتنظيم داعش، تقوي من جانب آخر النظام السوري؟!

ـ أما روسيا فهي صاحبة موقف محدد في سوريا، يتلخص في أنها لن تتنازل عن سوريا للمشروع الأميركي، كما خسرت العراق وليبيا من قبل، ولن تستنجد حضورها على الخريطة السياسية والعسكرية السورية، بل تعتزم أن تفرض نفسها بالقوة دون أي اعتبار لأي تفصيلات أخرى، تستند في ذلك على حضور عسكري قديم في ميناء طرطوس منذ العام 1971، وعلى طلب “فاقد للشرعية” من النظام السوري بالتدخل العسكري الروسي، فضلا عن تبريرات مكافحة الإرهاب (داعش) الذي لا تستطيع أميركا نفي خطره وضرورة مكافحته، فهي قائدة التحالف الدولي لمحاربة داعش.

والمحور الأخطر هنا أن الصراع في سوريا تحول إلى عناد ومواجهة دولية، وأن احتدام الصراع الأميركي الروسي في سوريا، قد يستدعي حضور الصين عسكريا فهي صاحبة الشراكة الاستراتيجية العسكرية مع روسيا والدفاع المشترك عن مصالح الطرفين، ولن تتردد الصين في الوقف إلى جانب روسيا سياسيا وعسكريا في سوريا.

ـ المفارقات الرئيسية بين طرفي الصراع في سوريا، ثلاث:

ـ الأولى: الطرفان لا يريدان سقوط نظام الأسد، عمليا بممارسات الجانب الأميركي، وعلانية بتوجهات الروس.

ـ والمفارقة الثانية أنهما يشتركان في ضرب قوى الثورة التي خرجت من رحم الثورة الشعبية السورية، والألوية السنية التي تناصر الثورة السورية.

ـ والمفارقة الكبرى أنه لم يتحدث أي من الطرفين عن تدخلات إيران المباشرة عسكريا في الشأن السوري، من خلال حزب الله اللبناني، والألوية الإيرانية التي يقودها قاسم سليماني من العراق، والتي تنكل بالشعب السوري، وتمارس إرهابا غير مسبوق، بل وتعمل على تغيير ديموغرافي ممنهج خاصة لدمشق القديمة، فالمتابع للشأن السوري، يقرأ مستقبلها من خلال الواقع في العراق، وبين هذا وذاك يجب أن نستحضر تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي للعلويين في سوريا ليكونوا مستوطنين في هضبة الجولان!

ـ المعضلة الأساسية والتي خلقتها ممارسات القوى الدولية، هو الاختلاف “المتفق عليه” بشأن مستقبل سوريا بعد نظام بشار الأسد، فسقوط النظام في هذه المرحلة غير مرحب به على الإطلاق من كافة الأطراف، فالأجواء المحيطة بالشأن السوري تعني سيطرة ألوية إيران العسكرية على مفاصل جغرافية سوريا التي وصلت إليها بالتنسيق مع النظام، وبالتالي ستكون سوريا ساحة مواجهة عسكرية متعددة الاتجاهات على غرار ليبيا برعاية قوى دولية وإقليمية، وستكون إسرائيل حاضرة عسكريا بحجة حماية أمنها.

وأكاد أجزم أن قوى الثورة والمعارضة السورية في الداخل والخارج تعترف في قرارة نفسها أنها غير جاهزة لهذه المرحلة، وتأمل في سيناريوهات أخرى بديلة، ولكن الخيارات السورية صعبة، وصعبة جدا في هذه المرحلة، فلم تدع القوى الدولية والتدخلات الإيرانية أية خيارات ممكنة ومقبولة أمام الشعب السوري وممثليه من قوى المعارضة.

ـ لذا قد يلجأ المجتمع الدولي إلى جنيف3، لإعلان مبدأ وحدة سوريا، ولكن لن يكون ذا جدوى إن لم يتم إقرار جملة من الممهدات للمستقبل السوري، منها:

ستظل الخيارات المتاحة بشأن المستقبل السوري، قليلة وصعبة جدا، ليس لانعدام الحلول، ولكن لغياب الإرادة الصادقة للقوى الدولية لحل الأزمة بما يحقق مصلحة الشعب السوري، فالمعطيات على أرض الواقع فيها تغييب كامل لإرادة ومصلحة ومستقبل الشعب السوري

” 1- إيجاد مناطق آمنة داخل سوريا تمثل مساحة واسعة من جغرافية سوريا، بإشراف الأمم المتحدة، حتى تعود الحياة المدنية وتستقر في مناطق رئيسية، بإدارة شعبية سورية.

2- حظر الطيران العسكري في روسيا، مع مراقبة جوية أممية.

3- العمل على إعادة المهجرين واللاجئين السوريين إلى المناطق السورية الآمنة.

ـ ستظل الخيارات المتاحة بشأن المستقبل السوري، قليلة وصعبة جدا، ليس لانعدام الحلول، ولكن لغياب الإرادة الصادقة للقوى الدولية لحل الأزمة بما يحقق مصلحة الشعب السوري، فالمعطيات على أرض الواقع فيها تغييب كامل لإرادة ومصلحة ومستقبل الشعب السوري.

من هنا فلعل الحل يبتدئ من جانب المعارضة السورية، وفق محركين أساسيين:

الأول: إنجاز مشروع مدني متكامل لمستقبل سوريا بعد نظام بشار الأسد، يتضمن مشروع الدستور الجديد “المؤقت” لسوريا بعد الثورة، يحدد معالم الحياة المدنية، ويرسم أطر العلاقات الإقليمية والدولية.

الثاني: التوافق على شخصيات سياسية وعسكرية تدير المستقبل السوري لمرحلة انتقالية مدتها سنتان، إلى حين استقرار الحياة المدنية، واستكمال الأجواء والترتيبات لانتخابات شاملة.

ـ ولابد لهذه الخطوة حتى تحقق نجاحها، أن تتم برعاية ودعم خليجي، وأن تكون جزء من الرؤية الخليجية لحل الأزمة السورية، مع التفكير في آليات الحماية الدولية للمستقبل السوري من التدخلات الإقليمية (الإيرانية والإسرائيلية) وسبل مكافحة التنظيمات الإرهابية التي خلقتها أجواء الصراع السوري.

الجزيرة نت

 

 

 

 

 

سليماني لـ«القيصر»: أنجدنا وإلا خسرنا معاً الأسد وسوريا!/ أسعد حيدر

«صواريخ قزوين»، ليست مجرد ألعاب نارية عابرة للقارات تحية «للقيصر» فلاديمير بوتين. انها اعلان بالنار، لاقتحام منطقة الشرق الاوسط، التي أُخرج منها الاتحاد السوفياتي سابقاً وروسيا سواء بقرارات عربية أو بالخديعة الغربية. «القيصر»، درس «خطوته» على رقعة الشطرنج السورية، بعناية وعمق، وهو يعرف جيداً «الخطوة» التالية التي يجب ان يقوم بها. على الأقل هذا ما يؤكده «البوتينيون» الجدد نقلاً عن مصادر روسية مطلعة.

«القيصر» تفاهم مع الجنرال قاسم سليماني خلال زياراته لموسكو خصوصاً الأخيرتين منها. ابلغ الجنرال «القيصر» ان النظام في سوريا على حافة الهاوية، وان الرئيس بشار الاسد انتهى. كل العمليات العسكرية ان لم تفشل فإنها لم تحقق شيئاً. الجيش السوري يكاد يصبح في خبر كان، وهو على ابواب الانهيار الكامل. دخول روسيا اصبح ضرورة وحاجة وليس للمساندة.

درس «القيصر» الوضع، وقرر الانتقال الى الفضاء السوري، على ان تتولى إيران حشد قوات مطلوبة حسب الجنرالات الروس لدعم الطيران، سواء من «الحرس الثوري» او القوة الرديفة له «حزب الله»، كما تؤمن تكاليف الحرب الجوية التي ستستمر أربعة الى خمسة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة حسب تقدير روسي.

«القيصر» درس رقعة «الشطرنج» السورية بعناية داخلياً وخارجياً. الرئيس باراك اوباما لن يتخلى وهو على ابواب نهاية ولايته الثانية عن لعب دور «الحَكَمْ« الذي يسجل الاهداف والفاولات فقط. اوروبا ممزقة ومعظمها تؤيده، ما عدا فرنسا التي لا يمكنها ان تفعل وحدها شيئاً. العرب منشغلون بـ»دوائر النار» عندهم. وإسرائيل مضمونة لانها لا تريد سقوط الأسد حتى تضمن بديلاً مثله او أحسن منه، و»القيصر» يمكنه الاعتماد على «اللوبي» الروسي حيث عدد الاسرائيليين من اصل روسي حوالى المليون. سوريا ليست «البوابة« الى الشرق الاوسط فقط. انها «الجسر» للخروج من صيغة «القوة الاحادية» التي حكمت العالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. الدليل الاول، ان واشنطن واوروبا، قبلوا «هضم» القيصر لما قضمه من اوكرانيا. نجاح هذه العملية تتضمن «درساً» لا يمكن لباقي الدول التي كانت ضمن الاتحاد السوفياتي او تدور في فلكه الا ان تأخذه في حساباتها. ايضاً، بهذه العمليات الجوية والصاروخية تكون روسيا قد استعرضت اسلحتها للبيع. ما يؤكد ذلك ان «القيصر» اشار في حديثه عن القصف الصاروخي الى «الاستعداد العالي لمؤسسات التصنيع العسكري«.

الحركة التالية والمكملة لـ«صواريخ قزوين« استكمال الإعداد للمرحلة الانتقالية في سوريا والتي تتضمن حسب المصادر الروسية نفسها:

[ انتخاب برلمان جديد تحت مراقبة دولية واسعة. (ماذا عن النازحين واللاجئين)

[ حكومة يرأسها معارض معتدل من حجم ونوع هيثم المناع المقيم حالياً في جنيف.

[ بشار الاسد يكون الرئيس الذي يملك ولا يحكم حتى انتخاب رئيس جديد من الطائفة العلوية كضمانة ضرورية وملحة لسلامتهم.

استمرار الحرب سيكون لإضعاف كل القوى التي لا تقبل بالحل. اما مسألة «داعش» وتجنب كسر عمودها الفقري، فيعود الى ضرورة ادائها دور «الغول» الذي ينتج ضمان استمرار الآخرين تأييد «القيصر» في خططه، علماً ان قرار الحرب ضد «داعش» يكون مستقبلاً بمشاركة غربية مباشرة على الارض.

حسابات «القيصر»، تبدو وكأنه لا يأخذ ماذا يمكن للآخرين ان يفعلوه، وكيف سيحركون «بيادقهم». لا يكفي لتحقيق الانتصار ان تكون خطة الهجوم قوية. المهم ان تكون «مفاتيح» خطة الخصم مكشوفة. لذلك ماذا لو تسلمت المعارضة المسلحة ما يكفي او يؤثر من صواريخ «ستينغر» او «سام-7» المضادة للطائرات لتكرر مجزرة الهليكوبتر في افغانستان؟ ماذا عن تآلف وتضامن وتحرك المكون السني العربي والاسلامي الذي ينتج عداء لا ينتهي لروسيا؟ وماذا لو فشل الهجوم البري بأن لا يتم المحافظة على «الجسور» التي يمكن وضع اليد عليها. مهما حاول «القيصر» التبرؤ من «الهزيمة» وإلصاقها بالجنرال الإيراني» ، فإن الخسارة واقعة. الكلام عن فترة عشرة أشهر يعني ان «القيصر» يريد ترك مساحة من الوقت أمام المتنافسين على الرئاسة الاميركية حتى لا يتباريان في الموقف منه. رغم ذلك تبقى القرارات معلقة على «هوية« الرئيس الاميركي القادم. من الصعب جداً ان يكون الرئيس الاميركي المنتخب نسخة مكررة عن اوباما وسياسته. عندئذ لا يمكن «للقيصر» الا ان يعيد حساباته ووجهة حركته.

ماذا عن إيران التي تقف على مفترق طرق قد تكون نتيجته مليئة بالمفاجآت والمتغيرات ومن ذلك ان «مال» إيران للإيرانيين وليس «لغزة وسوريا ولبنان»؟

مسؤول كبير يرى ان الحل في سوريا سيوضع على «السكة» في مطلع العام 2016 لكن المشكلة تبقى في طول «السكة» وماذا ينتظر «القطار» من عوائق وألغام ومفاجآت، خصوصاً انه لا يمكن ضبط حركة العامل الانساني السوري المحقون بالغضب والمشحون بالحقد.

نقلاً عن المستقبل

 

 

 

روسيا تدافع عن أمنها.. ما هي استراتيجية إيران؟/ وصفي الأمين

شكّل انتشار القوات الروسية في شبه جزيرة القرم تأكيداً عملياً على جدية موسكو في الالتزام بعقيدتها العسكرية الجديدة التي وقعها الرئيس بوتين قبل نحو شهر من ضمّ الإقليم الى روسيا، وكان مؤشراً على تغيّر جذري في سياسات روسيا تجاه توسّع «حلف الأطلسي»، الذي ينتشر على حدودها من أوروبا إلى آسيا الوسطى، مهدّداً أمنها القومي. روسيا باتت محاصَرة بجملة تهديدات ميدانية مباشرة، من تصاعد الصراع في أوكرانيا إلى القواعد العسكرية على حدودها، مروراً بالدرع الصاروخية، وليس انتهاءً بالتهديد الاستراتيجي الذي يمثّله سقوط سوريا في القبضة الأميركية.

الدخول الروسي العاصف الى الميدان السوري، هو، بالدرجة الأولى، دفاعٌ عن أمن روسيا ودورها ومصالحها، ولحماية الدول الأوراسية. وأي فشل في حماية سوريا، لا يعني فقط خروجها نهائياً من المنطقة، وتهديداً مباشراً لموسكو، بل فقدان مصداقيتها لدى دول أوراسيا، وتصاعد الثورات الملوّنة في المحيط الحيوي لروسيا، وفي داخلها. ويعني أيضاً تنفيذ مشروع خط الغاز القطري والسوري واللبناني و «الإسرائيلي»، الذي يمر في سوريا عبر تركيا الى أوروبا، لمحاصرة روسيا اقتصادياً، وحرمانها من أبرز أدوات الضغط السياسي على أوروبا، وهو حاجتها للغاز الروسي. وسوريا «أميركية»، تعني تمدّد حرب التكفيريين إلى الجمهوريات الإسلامية في روسيا. وتعني سقوط العراق ولبنان، وفرض حصار كامل على إيران، حليفتها الإقليمية الأقوى، في مقدّمة لإسقاط نظامها، ما يسهّل على واشنطن ابتزاز الصين ايضاً، التي يمكن أن يكون النفط الإيراني احتياطاً استراتيجياً لها.

ليس لدى الروس أوهام القدرة في القضاء على الإرهابيين في سوريا، ولا همّ في وارد الذهاب بعيداً في الحرب الدائرة. هم يعيدون ترتيب أولويات الصراع في المنطقة، مستغلين ضعف أوروبا اقتصادياً وسياسياً، ويستفيدون من انغماس حلفاء واشنطن في مشاكلهم الداخلية، كتركيا، وفي حروب استنزاف خاسرة كالسعودية، والانهماك في مواجهة تهديدات وجودية كـ «إسرائيل»، فضلاً عن فشل استراتيجية حلف واشنطن في «مواجهة الإرهاب» وفي وقف تقدّم جماعاته على الأرض. ويتكئون على طلب رسمي من الحكومة السورية الشرعية للتدخل والمساعدة، وفقاً للقوانين والمواثيق الدولية، ما يوفر غطاءً شرعياً لعملياتهم، بخلاف الحلف الأميركي الذي ينتهك السيادة السورية.

لا شك في أن بوتين وإدارته يدركان عدم قدرة بلادهم على تحمّل الكلفة الاقتصادية للانغماس طويلاً في هذه الحرب، فالتجارب السابقة ماثلة (فييتنام، أفغانستان، العراق، واليمن…) ويعرفون أن الضربات الجوية لا تحسم حرباً، والنماذج حاضرة. كما أن الحديث عن دعم جوي مباشر للقوات السورية، يساعدها على التقدم في مناطق سيطرة المسلحين (باستثناء مناطق محددة) فيه الكثير من المبالغة. فالقضاء على الجماعات المسلحة في سوريا، كما في العراق، خط أميركي أطلسي أحمر.

الحضور العسكري الروسي المباشر في سوريا، يستدعي حماية النظام، لضمان وجود على الساحل السوري، يمكنه من خرق الحصار الغربي، من دون وجود مؤشرات على أن الهدف الأساس يتجاوز تأمين «سوريا المفيدة»، التي تضمّ الساحل السوري ودمشق وحمص، والأخيرة توفر لهم إطلالة ضرورية على العراق، وتسمح لهم بالتحكم بمشروع خط آخر للنفط والغاز يمرّ عبر صحراء تدمر الى ساحل المتوسط («الخط العربي» الذي ينقل الغاز والنفط الخليجي، والخطين العراقي والإيراني).

بين الأولويات الروسية، ضرب آلاف المقاتلين الروس في صفوف «داعش» و «النصرة»، وربما استدراج التكفيريين الروس إلى سوريا والتخلّص منهم على أرضها. الأساس في التدخل المباشر، هو دفع واشنطن لأخذ مصالح موسكو وأمنها القومي بعين الاعتبار في أي ترتيبات مستقبلية في المنطقة والعالم، إلى جانب تأكيد أن التعددية القطبية أصبحت واقعاً وعلى الولايات المتحدة التعايش معه.

التدخل الروسي في سوريا ليس جديداً، لكنه بشكله الحالي، يحوّل الصراع من إدارة بالواسطة عبر قوى محلية، إلى تدخل مباشر يضع القوتين العظميين وجهاً لوجه، الأمر الذي سيترك تداعيات قد تقوّض مصالح ونفوذ بعض القوى، خصوصاً حلفاء واشنطن الإقليميين، دولاً ومنظمات. صحيح أن التدخل يقلق الحلف الأميركي، أكثر من أي وقت مضى، لكنه يستفز الكثيرين في العالم الإسلامي، ويستعيد ذكريات أفغانستان والشيشان، وسيجذب أفواجاً من التكفيريين إلى سوريا، ما يعني تصعيداً للصراع. والأخيرون هزموا الاتحاد السوفياتي في أفغانستان بدعم أميركي، وساهموا في تفكيكه. فكيف سيتطوّر التدخل الروسي، إذا قررت واشنطن إغراق القوات الروسية في الأزمة بدعم عسكري ولوجستي كثيف ونوعي للجماعات المسلحة؟ ماذا لو نجح الإرهابيون بتنفيذ عمليات انتحارية ضد الجنود والمنشآت الروسية في سوريا، أو قرّروا الردّ في شوارع المدن الروسية؟ ماذا لو تورط أردوغان أو الإسرائيليون أكثر في الأزمة السورية، بناءً على حسابات خاطئة؟

تحوّلت سوريا اليوم إلى أكبر مركز تجمّع للجيوش والمقاتلين في العالم، وأكبر وأخطر مخزن سلاح بلا ضوابط. هي اليوم ساحة حرب عالمية محدودة في الجغرافيا، لكنها مفتوحة على أخطر الاحتمالات وأسوئها. أجواؤها تعجّ بالمقاتلات والقاذفات التابعة لدول كبرى وأخرى إقليمية. وأرضها متخمة بالجنود والمقاتلين التابعين لدول وقوى، تتناقض أهدافها، وتتضارب مصالحها، ويعيش بعضها تهديداً وجودياً، وبعضها الآخر يرى أمنه القومي في دائرة الخطر المباشر. الساحة السورية أصبحت مصدر التهديد الأكبر على استقرار المنطقة والعالم، وأدخلتهما مرحلة جديدة، أكثر خطورة وتعقيداً، ستحدّد نتائجها خريطة العالم الجديدة.

ما هي استراتيجية إيران، وسط هذه التعقيدات والمخاطر والتهديدات؟

روسيا دخلت المعركة باستراتيجية واضحة، لا تستبعد التصعيد، لكنها تعمل على تسوية لتقاسم النفوذ والمصالح مع واشنطن. وهي لن تحارب سوى دفاع عن أمنها ومصالحها. ولا مصلحة لها في كسر قواعد وشروط التنافس والصراع التي وضعتها الولايات المتحدة. ولم تنسَ تأكيد حرصها على أمن إسرائيل. صحيح أن القيادة الروسية تعي حاجتها الماسة لمحور المقاومة، وأهمية تحالفها معه الآن. فما هي خطة هذا المحور لمواجهة أي تحوّل روسي تجاه هذا التحالف؟ ما هي أدوات ووسائل الضغط التي يمكن استخدامها في هذه الحالة؟

واضحٌ السعي الروسي لإعادة الاعتبار إلى شرعية الحكومة السورية. روسيا تفضل العمل مع الدول والقوى المناهضة للمشروع الأميركي وللتكفيريين، ولا تنظر إلى المنطقة من زاوية مكوّناتها الطائفية والمذهبية والعرقية، وتتجنب العمل على هذا الأساس، ولا تفرق في عملياتها بين الجماعات الإرهابية، كما خفف تدخلها المباشر من حدة التحريض ضد الشيعة. بعكس الاستراتيجية الأميركية القائمة على تقسيم المنطقة الى طوائف ومذاهب وجماعات، وعلى تصنيف الإرهابيين إلى معتدلين ومتطرفين. ولكن، إذا عجزت روسيا عن كسب المعركة، أليس وارداً أن مصلحتها ستقتضي إطالة أمد الحرب في سوريا والعراق، لإبقائها بعيدة عن أرضها؟ وما هي خطة إيران لمنع الحلف الأميركي من استغلال تعقيدات الأزمة السورية، وتحويلها إلى صراع روسي ـ إيراني؟ كيف سيستفيد محورها من المستجدّ الروسي لتعزيز مواقعه السياسية والعسكرية؟ مهمة «غرفة التنسيق الاستخباري الروسي ـ الإيراني ـ السوري ـ العراقي» لا تختلف عما هو قائم منذ خمس سنوات، فهل لدى طهران تصور لتحويلها إلى تكتل إقليمي؟ هل فعلاً، يرى محور المقاومة أن التقدّم الروسي يعني انكفاءً أميركياً؟ هل سيقبل الأميركيون بتحقيق الروس إنجازاً في سوريا، يشجع العراقيين على الطلب جدياً مساعدةً روسية، ويشجع موسكو على قبولها؟ أليس منطقياً أن واشنطن، ومعها «حلف الأطلسي»، هما بصدد الإعداد للردّ؟ أين محور المقاومة في هذا الخضم؟

 

السفير

 

 

 

 

بوتين لم يُنذر الـ «ناتو»… إذاً الحرب وشيكة/ حازم الامين

أطلق الجيش الروسي صواريخ «كروز» من بحر قزوين إلى سورية من دون أي إنذار مسبق لحلف شمال الأطلسي. ومن المفترض أن خط سير الصواريخ الروسية كان من بوارج حربية في بحر قزوين مروراً عبر إيران والعراق ووصولاً إلى سورية. وقال مسؤول أميركي لـ «سي أن أن» أن أربعة صورايخ منها سقط في إيران من طريق الخطأ.

إذا أراد المرء أن يرتّب عناصر هذا الخبر وفق الأهمية، فإن العنصر الأول فيه هو عدم إنذار حلف شمال الأطلسي مسبقاً بالخطوة، ذاك أن خط سير الصواريخ يحفّ بمناطق عمل الحلف في العراق وفي سورية، ناهيك بأنه يستهدف مناطق محاذية لقواعد الـ «ناتو» في تركيا. إذاً ثمة قرار روسي بالمواجهة، أو باستطلاع الجاهزية الأطلسية في ظل الإنكفاءة الأوبامية. وهو استطلاع بالنار هذه المرة، ويأتي بعد خطوة ميدانية روسية في أوكرانيا كشف فيها الأطلسي تردّده وتقديمه الحصار الاقتصادي على نجدة حليفه الأوكراني ميدانياً.

يُرتّب هذا الحدث الهائل احتمالات كبرى، منها أن تصطدم الصورايخ بخطوط طيران تعتمدها مقاتلات التحالف الدولي العاملة في سورية والعراق، ومنها أخطاء في الأهداف كأن يُكمل الصاروخ سيره نحو تركيا أو إسرائيل، وهو احتمال يصبح واقعياً إذا ما تأكد خبر سقوط صواريخ في إيران.

لا يبدو أن عدم إنذار الناتو خطأ تقنياً. من المرجح أن يكون جزءاً من أهداف الحملة الروسية. وعند هذا الاحتمال المرجّح نصبح أمام حقيقة أن ما قدم الروس من أجله إلى سورية، ليس مغامرة كبرى وحسب، وإنما قرار بإحداث تغيير في المعادلات الدولية يتعدّى سورية. وإذا كان صاحب هذه الإرادة ضعيف القدرة على القيام بها، فإن احتمالات المواجهة تصبح أكبر.

نعم روسيا ليست في وضع يتيح لها أن تستعيد الموقع الدولي للاتحاد السوفياتي، وفي الوقت نفسه يحثّ رئيسها فلاديمير بوتين الخطى نحو استعادة الموقع. وفي هذا الوقت لا يمكن للـ «ناتو» أن يجري حساباته تبعاً لطموحات بوتين، إنما تبعاً لتقييمه الفعلي والواقعي لحجم موسكو، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

إذا اعتمد المرء هذا المقياس في التوقّع فسيخرج منه بحقيقة أن المنطقة تستعدّ لمواجهة كبرى بين حلف شمال الأطلسي وبين روسيا. قبول الأطلسي بخط سير الصواريخ الروسية، وباحتمالات الأخطاء، وبعمل المقاتلات الروسية في مجالاته الجوية في سورية والعراق، وباقتراب المهمة الروسية في سورية من قواعده في تركيا، يعني قبوله بالعودة إلى قواعد لعبة الحرب الباردة التي انتصر فيها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. ومن المرجّح أن هذا القبول لا يقوى عليه الأطلسي بكل مكوّناته. فالمزاج الإنكفائي للرئيس الأميركي باراك أوباما لا يعني قدرة الأخير على الموافقة على أن تخسر أميركا إنجازها الأكبر في القرن العشرين، والمتمثل بانتصارها في الحرب الباردة.

ثم إن بوتين تجاوز قواعد عمل الحرب الباردة عبر إطلاقه الصواريخ من بحر قزوين إلى سورية، وعبر خطّه طريقاً لمقاتلاته على حدود خطوط عمل مقاتلات التحالف في سورية وفي المجال الجوّي التركي. فقواعد العمل تلك اقتضت إرسال صواريخ إلى كوبا في أزمة خليج الخنازير، وليس إطلاقها، ولم تخرق المقاتلات السوفياتية يوماً الأجواء الباكستانية في مرحلة المواجهات في أفغانستان.

اذاً لعاقل أن يعتقد بأن المواجهة قادمة لا محالة. وما يُعزّز هذا الاعتقاد هو أن موسكو تتصرّف مع دخولها سورية بصفته افتتاحاً لزمن ما قبل سوفياتي. إنه زمن إمبراطوري كانت فيه منافِسة رابحة في الشرق. وهو «حرب مقدسة» وفق الكنيسة الروسية. وهي، أي موسكو، استعاضت عن آلة الترويج الإيديولوجية السوفياتية بآلة ترويج قومية ودينية نجح فيها بوتين بإقناع الروس الذين يعيشون تحت وطأة حصار اقتصادي خانق بأن جيشهم سيعيد بعث أمجادهم.

أمام هذه المؤشرات عن الطموحات «الإمبراطورية»، لا يمكن للروس أن يبقوا في الجوّ. المهمة تقتضي «نصراً» برّياً. فالغارات الجويّة ستخسر «بريقها» الانتصاري بعد أسابيع قليلة، وجيش بشار الأسد لا يقوى على الإنجاز، والأميركيون بدأوا يتحدثون عن توقعاتهم بخسائر بشرية روسية وشيكة.

أمام الأطلسي خياران، إما المواجهة المباشرة، أو الانضواء في «حرب مقدسة» في مواجهة «حرب مقدسة». في أفغانستان جرّب الحلف الخيارين. خاض «حرباً مقدسة» أيام الجهاد الأفغاني، ما زال يحصد النتائج الكارثية لانتصاره فيها عبر ما ولّدته من خبرات «جهادية» قاتلة، وخاض حرباً مباشرة في العام 2001 أدت إلى احتلاله أفغانستان وفشله في اجتثاث طالبان.

لكن أن يضع المرء حسابات الحروب ونتائجها على طاولة البحث في ظل حدث هائل من نوع العودة إلى قواعد الحرب الباردة، فإن الخيبات «الصغرى» تصبح خياراً لا بد منه. المواجهة المباشرة مع الروس لا تبدو واقعية، والقول إن العودة إلى خيار «الحرب المقدسة» بصيغتها الأفغانية لن تحصد غير الخيبات، فيه تغاضٍ عن حقيقة أن هزيمة السوفيات هناك كانت مدخلاً لهزيمتهم الكبرى لاحقاً. وصحيح أن واشنطن حصدت «القاعدة» ولاحقاً «داعش» وبينهما «11 أيلول» في سياق هذه «الحرب المقدسة»، لكنها أيضاً حصدت انتصار القرن المتمثل بانهيار الاتحاد السوفياتي.

شقّ صاروخ الكروز الروسي طريقه بين كل هذه الحسابات، والأرجح أن بوتين في مسارعته إلى طمأنة إسرائيل، عبر إرسال نائب رئيس أركانه إلى تل أبيب، إنما فعل ذلك لنقل المشهد إلى سوية مختلفة عن السويّة الأفغانية، فالحروب المقدّسة على تخوم إسرائيل ستبعث رعباً هناك، وهو يعرف ما تمثله إسرائيل في الوعي الغربي. لكن الرئيس الروسي لا يستطيع تجنّب حرب مقدسة على حدود إسرائيل، والذهاب إليها على حدود تركيا.

ستجد واشنطن نفسها هذه المرة أمام خطوة لا بد منها، وهي الاستثمار بجماعات سوريّة تتولى مهمة إفشال المهمّة الروسيّة هناك. الأرجح أنها ستحاول تفادي «الأخطاء الأفغانية»، لكنها ستكتشف أنه لا يمكن ارتداء قفازات في «الحروب المقدّسة».

تركيا ستكون مستعدة اليوم للمهمة التي تولّتها باكستان في تلك الحقبة، وهي أصلاً باشرتها قبل الدخول الروسي إلى سورية، وبدأت ملامح سلاح جديد تظهر في أيدي مقاتلي «جيش الفتح».

ومثلما لن نشهد، نحن أهل المنطقة، أكثر من جهنم على أيدي قيصر الكرملن، فإن جنّة «جيش الفتح» لن تكون أكثر من «إمارة الرقة».

الحياة

 

 

 

 

روسيا ليست الإتحاد السوفياتي/ دلال البزري

اليساريون من الممانعين يستحضرون، هذه الأيام، أشباح الإتحاد السوفياتي المنهار منذ ثلاثة عقود، ليحيوا احتفاءهم بالهجمة الروسية على سوريا: وأغنية “كاتيوشا” التي لا يتوقف النظام السوري عن بثها هي طليعة هذا الإستحضار. لكن هناك أشياء أخرى أيضاً: منها، تعميد الجيش الروسي بماء المعمودية الشيوعية السالفة، وتسميته “الجيش الأحمر”؛ وإطلاق العنان للحماسة المفاجئة للفنون الروسية، خصوصا تلك التي ولدت وراجت أيام الإتحاد السوفياتي، مثل فنون “الواقعية الاشتراكية”، التي يغشى اليساريون الممانعون أمام اهتمام الغرب بها، فيدرجونها كنقطة إضافية في سجل الروس الناصع؛ فضلا عن “التنظير” لهذا “الإستقبال الشعبي العارم” لـ”قدوم” الروس إلى سوريا، والذي يعبّر عن “المكانة” التي يحتلونها وسط هذه الشعوب، بسبب “صداقتهم للشعوب”، و”وفائهم” لحلفائهم، و”أخلاقهم الاشتراكية”، و”إتقانهم” لعملياتهم العسكرية، و”عدم تلطّخ أياديهم بدماء الشعوب العربية”، كما هو حاصل مع الإمبريالية الأميركية والصهيونية الإسرائيلية. يبلغ هذا الخلط بين روسيا الجديدة وبين الإتحاد السوفياتي المنهار حدّاً، ان أكثرهم حماسة للهجمة الروسية، وبعد تحيته لـ”المحررين” الروس “من قبضة الإرهاب”، يكرّر وصف أميركا الحالية بـ”الإمبريالية الجديدة”…

هذا الإستحضار، المدعوم بإنتصارية آتية من الصميم، يعيدنا إلى أيام الحرب الباردة، عندما كان “صديق الشعوب”، الإتحاد السوفياتي، يتحدّى الإرادة الإمبريالية بالسيطرة على الشعوب، فيأتي هو لإنقاذها من مخالبه، وينتصر… هكذا، تنطلق الزغاريد، تارة ان الروس “أذهلوا” الأميركيين، أو انهم “أرعبوا” الإسرائيليين، بصراحتهم الاستراتيجية وتصميمهم على محاربتهما، واتقانهم لعملهم العسكري الدقيق دائماً… زغاريد تستعجل نصرهم، بصفته فاتحة لحرية شعوب المنطقة.

والحال ان هذا الإتحاد السوفياتي، الذي يحاول يساريو الممانعة إعادة بعثه من جديد، تعزيزاً لـ”محور المقاومة”، الذي يقاتل من أجل بشار الأسد في سوريا، والذي لم يكن صديقا للشعوب، ولا أحمر شيوعيا يبني نظام المساواة بين البشر… الإتحاد السوفياتي هذا لم يعد له وجود أصلاً. وحده الفكر التوريثي العربي الذي يعتقد بأن كل وريث هو تجسيد لأبيه، كما هو حاصل بيننا، هو الرافعة التي تسمح بإحياء الأموات، وإخراجهم من قبورهم على طريقة فرنكنشتاين. روسيا الآن ليست الإتحاد السوفياتي: الدول التي شكلت “مجاله الحيوي”، في أوروبا الشرقية وآسيا الاسلامية، انفصلت عنه، وتراوحت أوضاعها بين تمرد سلمي أو حربي، وبين إذعان للوصاية الروسية أو إصرار على التحرر منها. روسيا لم تَعد تأوي “الأممية الشيوعية”، المسماة “كومنترن”، تلك الهيئة العالمية التي كانت تجمع كل الأحزاب الشيوعية في العالم، لترشدها إلى سياستها وتوجهاتها وتسلحها، وتدرّبها وتعلمها أصول الحرب الشعبية  وتهديها المنح الدراسية الخ… كما تفعل الأمميات الاسلامية الآن، الشيعية منها والسنّية، وإن بأشكال مختلفة. الأممية الجديدة التي يحاول اليوم بوتين بناءها، وبالدعم المالي شبه المعلن، هي مع أحزاب اليمين الأوروبي المتطرف؛ أحزاب تلتقي معه بحرارة حول كراهية الديموقراطية، “جالبة الفوضى”، وحول القيم التقليدية المسيحية. ما يسهِّل تحويل سوريا إلى “أرض مقدسة، أرض روسيا: الأرض التي وطأها أوائل النساك الروس في القرون الوسطى” (سيمن باغتزاروف). روسيا اليوم لم تَعُد تبني مع الأحزاب الشيوعية إلا علاقة نوستالجيا، حزبها الشيوعي نفسه صار يحتل في “الإنتخابات” التشريعية أدنى القائمة، ومن يحكمها هو حزب “روسيا الموحدة” وقائده بوتين نفسه. وبوتين هذا، باعث اليسارية العربية الممانعة من رميمها، هو الآن أغنى رجل في أوروبا، يملك أربعين مليار دولار كأسهم في شركتَي الغاز والبترول الروسيتين (ستانيسلاس بلكوفسكي). وله كلمة مأثورة: “من لا يأسف على إنهيار الإتحاد السوفياتي ليس له قلب، ومن يريد إعادة بعثه فليس له عقل”. بوتين قومي روسي، يريد الرفع من شأن الهوية الروسية التي تضعْضعت مع إنهيار الإتحاد السوفياتي. وليكون بوتين على قدر المسؤولية القيادية التي ألقاها على عاتقه، كوَّن عبر العقد ونصف العقد من حكمه ملامحه “التاريخية”، حيث مزج بين شخصية بطرس الأكبر وستالين والقياصرة المتعاقبين والكهنة الأرثوذكس فضلا عن جهاز المخابرات الأكبر “الكا أجي بي”؛ وقد ترعرع في هذا الأخير ونشأ.

روسيا الخالدة، الجوهرية، القافزة على تاريخها القريب نحو السحيق، المتغنية بالاستبداد وبالهوية القومية، ليست أبدا مواصفاتها مطابقة مع ما يحب ان يتصوره الممانعون اليساريون، المتمسكون بقشرة أمل بالية. فبوتين ليس لينين، وروسيا ليست الإتحاد السوفياتي.

المدن

 

 

تجربة سادة الكرملين من أفغانستان إلى المشرق العربي/ محمد مشموشي

يمكن القول، من دون مبالغة أو تسرّع، أنه ما لم يتراجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عن استراتيجيته الراهنة في سورية (إنقاذ نظام بشار الأسد بدعوى محاربة الإرهاب) خلال فترة قصيرة، يكون يمهّد طريقه الى الغرق في مستنقع «سورية بوتين»، على شاكلة ما هو معروف تاريخياً باسم «فيتنام كينيدي/ نيكسون» أو «أفغانستان ليونيد بريجنيف» أو أخيراً «عراق جورج دبليو بوش». فأولى ثمار سياسة بوتين الآن، ستكون توحّد القوى المعادية للأسد في حرب عصابات ضد بوتين نفسه، في سورية وحتى في روسيا ذاتها، كما حدث في فيتنام وأفغانستان والعراق… حيث كان الأسد نفسه في البلد الأخير شريكاً في ما سُمي في حينه «المقاومة ضد الاحتلال الأميركي».

ومن دون مبالغة كذلك، لا معنى لعودة بوتين عن استراتيجيته هذه إذا لم تكن في اتجاه إنقاذ سورية، وليس نظام الأسد كما هي حاله الآن، وبالتالي إعادة الاعتبار الى روسيا نفسها بعد مرور نحو خمسة أعوام على دعمها السياسي والعسكري لنظام لا يفعل منذ حوالى خمسة أعوام إلا أنه يقتل شعبه ويشرّده في أنحاء المعمورة، فضلاً عن أنه يدمّر بلده حجراً حجراً، بهدف واحد هو البقاء في السلطة. ذلك أن إقدام بوتين، في سياق خطته السورية، على إطلاق صواريخ عابرة للقارات من ساحل بحر قزوين الى ساحل الأبيض المتوسط، يعني أمراً واحداً: إما أنه يقوم بعرض قوة أمام العالم، وأمام الولايات المتحدة بخاصة، من أجل التفاوض السياسي في شأن سورية وأوكرانيا والنفوذ في المنطقة وربما في غيرها، أو أنه يمارس القتل والتدمير من بعد فقط من أجل بقاء الأسد، وبأسلوب هذا الأخير مع شعبه من دون سواه، ويضع نفسه إذاً في الخانة التي تجعله نسخة عنه في المجتمع الدولي كما هو الأسد في بلده وفي كل مكان.

ولأنه يفترض نظرياً في رئيس دولة عظمى (أو دولة تسعى الى ذلك) ألا يكون مثل غيره من رؤساء الدول الفاشلة أو المارقة، فلا يبقى عملياً أمام بوتين إلا أن يترجم خططه وأهدافه العسكرية في سورية في حل سياسي، أقله كما طرحه هو في «جنيف1»، وإلا أن تكون استراتيجيته مختلفة كلياً عما قاله في كلمته أمام الأمم المتحدة، أي «مساعدة الأسد في حربه على الإرهاب»، وأنه «لا توجد في سورية تنظيمات معتدلة وأخرى متطرفة، بل هناك إرهاب فقط».

لكن شيئاً من ذلك لا يبدو في الأفق. بل الظاهر من جبل الجليد الروسي، أن ما يفعله بوتين على الأرض السورية لا يشي بمثل هذا الافتراض إطلاقاً. هو يعمل في سورية لحساب الأسد، وبتنسيق كامل مع «الولي الفقيه» في إيران، من أجل تعويض الخسائر التي منيا بها خلال الشهور الماضية. ومقاتلاته الجوية، كما صواريخه العابرة للقارات، لا تفعل إلا أنها تحاول فتح الطريق أمام قوات الأسد/ قاسم سليماني/ حسن نصرالله المشتركة، لضرب المعارضة السورية أولاً وقبل كل شيء، بدعوى محاربة التنظيمات الإرهابية، ولإعادة تثبيت سلطة النظام الذي يتّفق العالم كله (ما عدا روسيا وإيران وربما العراق من دون غيرها) على أنه يقتل شعبه بقرار متعمد، وعلى أن لا مستقبل لرئيسه تحديداً في حكم هذا الشعب.

أكثر من ذلك، لا يقوم بوتين منذ الكشف عن وجود مقاتلاته الحربية ودباباته وصواريخه المضادة في سورية، سوى بمخاطبة واشنطن وتل أبيب وعواصم أوروبا وتركيا، والسعي الى طمأنتها وتفادي الاحتكاك معها، أملاً بتمرير خطته من ناحية وتحقيق ما يمكن تحقيقه على الأرض من ناحية أخرى. ومع أن لهجات هذه العواصم (ما عدا تل أبيب) فاترة، وحتى قلقة ومنتقدة لخطوة بوتين هذه، فلا يبدو أنه يخشى أن تخرج، أو يخرج بعضها، عن الكلام الديبلوماسي والإعلامي.

بل أكثر، إذا كان في ذهن بوتين أنه يؤسس بعمله هذا لاستعادة دور لبلاده كانت فقدته سابقاً، وأنه يريد اعترافاً دولياً وعربياً وإسلامياً (وشعبياً سورياً) بهذا الدور، فإنه في الواقع يفعل العكس تماماً. إذ لم يعد أحد في العالم مستعداً لـ «شرعنة» أي احتلال بالقوة المسلّحة، بما في ذلك احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم قبل فترة، ولا طبعاً إعادة تثبيت رئيس على بلد فقد السيطرة على أربعة أخماسه كما هي حال الأسد. أما بالنسبة الى العرب في المنطقة والمسلمين خارجها، فلن يروا روسيا في المحصلة إلا من الزاوية نفسها التي رأوا فيها قادة إيران وهم يتغنون بالهيمنة على أربع عواصم عربية، وبأنهم أعادوا بها الى الوجود إمبراطورية الساسانيين الذين جعلوا من بغداد عاصمة لها.

لكن، هل هذا ما فكر به بوتين عندما حرك قواته لإنقاذ نظام الأسد، أو حتى عندما تحدث عن حماية الأقليات في المنطقة، وأي دور يمكن أن يتوهم لدولته «العظمى» المفترضة فيها، وتالياً في العالم، بهذا الأسلوب وعن هذا الطريق؟

الحال أن مقاتلات بوتين وصواريخه من الجو، ترافقها على الأرض قوات الأسد وخامنئي ونصرالله، قد تنجح في ضخّ بعض الأوكسيجين في رئتي النظام، وحتى في استعادة أجزاء من سورية التي فقدها على رغم قتال حلفائه الإيراني والعراقي واللبناني الى جانبه، لكنها ستحفر لبوتين في المقابل مستنقعاً أين منه مستنقع «أفغانستان بريجنيف» أو حتى وحل «فيتنام كينيدي»، حتى لا نتحدث عن «عراق بوش» الذي لم يتمكن الرئيس الأميركي باراك أوباما من أن يخرج منه حتى الآن.

ولا يتعلق الأمر هنا بـ «داعش» أو «جبهة النصرة» أو «القاعدة» فقط، وهي التي تحدّث عنها بوتين عندما توجّه الى اللاذقية وطرطوس، ولا حتى بفصائل المعارضة لنظام العائلة الأسدية، إنما أساساً وقبل ذلك كله بجموع الشعب السوري ومعه الشعوب العربية والإسلامية التي ترفض هذا النظام بقدر ما ترفض هيمنة إيران وروسيا على بلادها.

وما لم يدرك بوتين ما ينتظره فعلاً إذا بقي على هواه لأشهر، أو حتى لأسابيع، فلعلّ دروس فيتنام الأميركية، وأفغانستان السوفياتية، وكثير غيرها في أكثر من مكان في العالم، ترسم صورة معبرة له في هذا المجال.

الحياة

 

 

 

تقسيم رقم 2: “خامنئي – بوتين” بعد “سايكس – بيكو”/ خالد الحروب

لا نعرف حتى الآن المصطلح الذي سينحته التاريخ ومؤرخوه للهجمة الروسية – الإيرانية التقسيمية على سورية والمنطقة، وتفتتح مرحلة جديدة ومثيرة من الاستعمار المختلف. لكن إلى ان يتم حسم تلك المسألة اللفظية والاصطلاحية ربما نقترح وصف

تقسيم 2: «خامنئي – بوتين»، وخامنئي هنا، أي ايران، تتقدم روسيا في مسؤولية تدمير وتقسيم سورية، ولا يقلل هذا من المسؤولية الروسية بحال.

الهجوم الاستعماري الايراني – الروسي الراهن على سورية (والإيراني تحديداً على العراق واليمن) يختلف بطبيعة الحال عن الحقبة الاستعمارية الغربية التي شهدتها المنطقة في العقود الأولى من القرن العشرين (واستمرت طويلاً بعد ذلك في الجزائر وفلسطين). الاستعمار والتقسيم الغربي التقليدي كان امتداداً لحقبة تنافس امبرطوري بريطاني وفرنسي وإيطالي وإسباني وألماني في طول وعرض العالم، منطلقاً من الرغبة الجامحة في السيطرة على الموارد والأراضي والشعوب.

في فصوله البريطانية والفرنسية، على الأقل، كان يحتل ويسيطر وينهب ثروات الشعوب تحت مسوغ نشر حضارة الرجل الأبيض. وحتى يبدو «صادقاً» مع شعاراته اضطر هذا الاستعمار الى جلب بعض جوانب تقدم وتحضر «الرجل الابيض» الى المناطق المستعمرة، فكان هناك بعض التقدم هنا وهناك مثل شق الطرقات وبناء السكك الحديد (في الهند مثلاً)، وبناء الجسور (كما في السودان ومصر والتي تستخدم حتى الآن!).

اضافة الى ذلك حاول هذا الاستعمار، واستمراراً لسياسة ايجاد المسوغ والمبرر للاحتلال والسيطرة، تدريب وتعليم وتأهيل طاقات محلية عبر التعليم الجامعي الغربي وتكوين نخب قادرة على الإدارة. في خضم ذلك، سوق لنموذجه الليبرالي الديموقراطي في اوساط تلك النخب باعتباره الجسر الوحيد نحو التقدم والنجاح واللحاق بالحداثة. لا يعني هذا على الإطلاق القول إن الاستعمار الغربي كان حنوناً او ان ايجابياته تغلب سلبياته، بل القصد القول ان ذلك الاستعمار اضطر الى القيام بعمليات تجميل الوجه أفادت جزئياً الشعوب المستعمرة وبعض نخبها، الى جانب النهب والتدمير الذي قام به.

واحدة من تلك العمليات كانت انفتاح النقاش السياسي المحلي على شكل الحكم بعد مرحلة التحرر والتخلص من الاستعمار، وفي قلبها ضرورة الحرية السياسة وتبني الحكم البرلماني والديموقراطية وسوى ذلك. في الوقت نفسه تحولت القيم الليبرالية والانسانية التي «تسلح» بها الاستعمار الغربي لـ «إنقاذ الشعوب المتخلفة»، الى اسلحة بيد تلك الشعوب ونخبها، وبقيت كذلك الى الآن. فقيم حقوق الانسان والمساواة بين البشر وحق تقرير المصير وغيرها أصبحت هي الارضية التي تقوم عليها نضالات الشعوب المُستعمرة ضد سياسات الهيمنة والسيطرة والحروب الغربية.

في حقبة الهجمة والاستعمار الروسي – الايراني لسورية لن نرى حتى مجرد القيام بعمليات تجميلية لبشاعة تلك الهجمة. وليس هناك حتى مجرد شعار فارغ يهدف الى «نشر الحضارة والاستنارة»، او «إنقاذ الشعب»، او غير ذلك. في حقبة وتقسيم «خامنئي – بوتين» كل ما نقرأه والجميع متأكد منه هو ان استعمار سورية وتقسيمها يقوم ويقعد على أسس المصلحة الاستراتيجية الروسية في استقطاع الساحل السوري ليكون تحت سيطرتها المباشرة الى أمد غير معروف، والمصلحة الاستراتيجية الايرانية في استقطاع «دويلة دمشق» المتواصلة مع جغرافية لبنان الشيعية في الشرق، لتظل موطئ قدم ايرانية دائمة. لا يهم طهران ولا موسكو ان تتفتت سورية بالتوازي مع هذين الاستقطاعين الى دويلات اخرى، كردية في الشمال الشرقي، ودرزية بمحاذاة اسرائيل، و «حلبية» في الوسط الصحراوي.

إلى ذلك، ماذا يقدم النموذجان «الايراني» او «الروسي» من شكل سياسي او نظام قيم ولو على شكل شعاراتي مجوف يمكن الإتكاء عليه او استدعائه لنقد ايران وروسيا وسياساتها؟ ليس هنا اي مجموعة قيم تتحدث عن الديموقراطية او الحرية او المساواة او الكرامة بإمكان النخب «المُستعمرة» الرجوع اليها كمرجعية مشتركة لنقد النظام الفوقي. كل ما هو موجود «معايير المصلحة الاستراتيجية» للدول المُستعمرة، ايران وروسيا، وبعد ذلك لا يهم شيء. لا يهم ان تم تهجير 11 مليون سوري من بيوتهم ومدنهم وقراهم، أكثر من نصفهم الى خارج بلدهم، ورميهم ضحايا للبحر والاسماك، او للمصائر المُبهمة. لا يهم ان تم تدمير سورية وإرجاعها عقوداً طويلة الى الوراء، طالما أن أهداف بوتين الاستراتيجية في مماحكة الغرب والشبق في الظهور على شكل الرجل القوي والعظيم قيد التحقق. وطالما ان الشبق الايراني المهووس بأيديولوجية الشيعية السياسية المخلوطة بالرغبة الساحقة في تكريس النفوذ الاقليمي والاحتلالي في المنطقة العربية، يتحقق ايضاً.

هل ما سبق ذكره فيه اتهامات ومبالغات وأحكام مُسبقة، وتغاضٍ عما يقوله انصار ايران وروسيا من أن التدخل في سورية هدفه «الدفاع عن الشعب السوري» مقابل الإرهاب والتدخلات الغربية؟ حسناً، لنتأمل في ما تبقى من مساحة لنا هنا مثالاً واحداً ونستخدمه كاختبار للمقولات التي ترى في ايران وروسيا دولاً معتدية ومكروهة من الغالبية الكاسحة للشعب السوري، وهذا المثال يختصره السؤال المزدوج التالي: لماذا لم تفتح ولا تفتح روسيا وايران بلدانها للاجئين السوريين، وكلا البلدين ولغ في الشأن السوري تحت مزاعم حماية السوريين من الإرهاب، وبرر ارسال قنابله وخبرائه بمسوغ مساعدة الشعب السوري في محنته؟ ثم، لماذا لا يتوجه اللاجئون السوريون انفسهم وبمحض ارادتهم الى روسيا او ايران، وهي الدول التي هبت لنجدتهم خلال السنوات الماضية فور اندلاع ثورتهم ضد الاستبداد الاسدي؟

لا يبحث هذان السؤالان الاستنكاريان عن إجابة هي واضحة لكل من يتابع المأساة السورية بقدر ما يسلطان الضوء على مفارقة مُمضة كبيرة تُضاف الى مفارقات مواقف هاتين الدولتين، اللتين تتسابقان في ترسيم المشاريع الاستعمارية والتقسيمية في سورية. روسيا من ناحية تقفل حدودها في وجه السوريين بما يجعل الوصول الى القمر ربما أسهل لكثير من السوريين من الوصول اليها لو ارادوا التوجه اليها. لكن روسيا ايضاً وأصلاً ليست من البلدان الجاذبة للهجرة اليها بسبب تفاقم الشوفينية الروسية القيصرية وانبعاثها من القبور مع قدوم بوتين، وهي شوفينية يلحظها كل زائر، وتترجم عبر قوانين صارمة في الإقامة والعمل، ناهيك عن التجنيس الذي ربما يعد الأصعب منالاً في شمال الكرة الارضية كلها. ولعدم وجود تكافوء الفرص بين الافراد بغض النظر عن خلفياتهم وجنسياتهم فإن روسيا ليست جهة مرغوبة للسفر او العمل، بعكس الدول الغربية التي تتهكم عليها روسيا، والتي يرغب في الهجرة اليها كثيرون ومنهم روس ايضاً.

ايران ليست أفضل حالاً بطبيعة الحال، ذلك ان الشوفينية الفارسية المُتصاعدة تكاد تنافس الروسية في انغلاقها على ذاتها وعدم تقبلها الآخر. والشيء المُفارق في الحالة الايرانية هو قربها الجغرافي من سورية وبالتالي سهولة ان تكون جهة رئيسة مطروقة من قبل اللاجئين السوريين. وعلى رغم ادعاء طهران الرسمي بأن ايران تفتح حدودها للسوريين، وهو ادعاء يحتاج الى تحقق، فإن السوريين انفسهم يديرون ظهرهم لها ويغامرون بأرواحهم ويلقون بأجسادهم في البحار والمحيطات عوض ان يصلوا لإيران بمخاطر لا تقارن مع تلك التي تواجههم عند توجههم الى أوروبا.

لا تبالي طهران وموسكو بطبيعة الحال بملايين السوريين الذين لا يظهرون اساساً على شاشات رادارات الحسابات الاستراتيجية للعاصمتين، حيث ليس ثمة وقت للتفكير اساساً بقضايا هامشية و «تافهة» مثل لجوء ملايين الى خارج سورية، او سقوط آلاف الضحايا. وهذا الاحتقار المُدهش لمعاناة ملايين البشر هو المخيف حقاً في مرحلة الاستعمار الروسي – الايراني الحالية، ذلك انه يسلط الضوء على التفكير الاستئصالي الخطير الذي تترجمه سياسات واستراتيجيات الدولتين. فقد رأينا ترجمة له في نطاق الاتحاد الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وبخاصة في حرب بوتين النازية ضد الشيشان واعتماد نموذج «غروزني» والارض المحروقة ضد الخصوم، والقائمة على إبادة كل ما هو قائم ويتنفس او لا يتنفس على الجانب الآخر. و السياسة ذاتها حدثت ولا تزال تحدث في ايران وان كان بوتيرة أقل وحشية وأبعد من الإعلام ضد كل المكونات غير الفارسية في ايران وعلى رأسها العرب على طول ساحل عربستان والأهواز والداخل. ذلك انه، نسجاً وتناغماً مع تجارب البلدين «الباهرة» في الإزاحة والإبادة الديموغرافية، يتصاعد حديث عنصري وإبادي يكرر بأن اللاجئين السوريين الذين أجبرتهم حرب النظام وحلفائه على ترك بلدهم هم أصلاً من «اتباع» الجماعات التكفيرية او المتعاطفين معها، ومن الذين لا يؤمنون بالعيش المشترك والتعددية الثقافية والدينية في سورية، وبالتالي فإن التخلص منهم شيء جيد ويجب ألا يثير الشفقة ولا التحسر. وتبعاً لهذا التفكير، إذا اضفنا الملايين السورية التي هجرت داخل سورية بعيداً من مدنها وقراها وأريافها وأضفناها الى معادلة «التحليل الإبادي» المذكور لوصلنا الى نتيجة سريعة مفادها أن معظم الشعب السوري صار من اتباع الجماعات التكفيرية، ولا بأس من التخلص منه، وإعادة تركيب سورية ديموغرافياً وجغرافياً. هذه بعض بشائر عهد «تقسيم 2: خامنئي – بوتين» الذي يحتفي به انصار الاستبداد الأسدي هنا وهناك.

* أكاديمي وكاتب عربي

الحياة

 

 

 

 

إلى أي مدى ستذهب روسيا في سياستها الشرق أوسطية الجديدة؟/ د.حسين مجدوبي

يوم الأحد الماضي خرقت طائرات روسية الأجواء التركية، وكررت العملية في اليوم الموالي. وفي اليوم نفسه وضعت الأنظمة المضادة للطيران مقاتلات تركية من نوع ف 16 في مربع التصويب وهدف إطلاق النار. لا يعتبر الأمر حادثا عرضيا بل كما يقول الأمين العام للحلف الأطلسي جينس ستولتنبرغ «عمل مخطط له ومتعمد»، فالأمر يتعلق بالحلقة الأبرز في الحرب الباردة الجديدة التي عنوانها العريض الآن «سوريا» وتتجاوز الملف الأوكراني. حلقة تحمل انعكاسات منها سياسة إعادة الانتشار التي بدأ الحلف الأطلسي يتبانها وسياسة الحذر للعربية السعودية وتركيا، وكل هذا  أمام التساؤل العريض: إلى أي حد ستذهب روسيا في سياستها الشرق أوسطية الجديدة؟

لم يكن الحلف الأطلسي وخاصة الولايات المتحدة ومنها دول الشرق الأوسط مثل السعودية وتركيا يعتقدون في قرار روسيا التدخل العسكري بهذا المستوى المكثف جدا في سوريا لمساعدة دكتاتور دمشق، بشار الأسد لمواجهة جميع أطياف المعارضة وخاصة الدولة الإسلامية. في المقابل ساد الاعتقاد حتى الأمس القريب في تزويد موسكو لدمشق بالأسلحة واستمرارها في التركيز على أوكرانيا نظرا لوقوعها على حدود روسيا مباشرة وتمس أمنها القومي بسبب التعزيزات العسكرية للحلف في المناطق القريبة من أوكرانيا.

وعلاوة على هذا، رأى الحلف الأطلسي في استعمال روسيا القوة العسكرية ضد أوكرانيا امتدادا بطريقة أو أخرى للإشكالية العويصة المترتبة عن تفكك الاتحاد السوفييتي، إشكالية يتراوح حلها بين استعمال الدبلوماسية أحيانا واللجوء إلى القوة العسكرية أحيانا أخرى كما حدث في جيورجيا سنة 2008.

لكن الإنزال العسكري الهائل وبترسانة حديثة لروسيا في سوريا شكل المفاجأة التي لم يكن ينتظرها الغرب بما فيها المخابرات الأمريكية التي تتعرض لانتقادات قوية من طرف الكونغرس بسبب عدم معرفتها المسبقة بمخططات الكرملين العسكرية في الشام.

والتطورات العسكرية المسجلة حتى الآن هي التي تكهن بها الكثير من الخبراء وتناولتها «القدس العربي» في العدد الأسبوعي الماضي وتتجلى في القصف الجوي المكثف ثم عمليات تمشيط واسعة تقوم بها قوات الجيش السوري وقوات النخبة من كوماندوهات الجيش الروسي وإيران وحزب الله. وقد نشرت جريدة «لوموند» الفرنسية يوم الخميس وجود خمسة آلاف جندي روسي من قوات النخبة، وهو ما لم تتحدث عنه موسكو، علما أنه لا يمكن إرسال طائرات مروحية للقصف دون مرافقتها بكوماندوهات.

وعمليا، لا يمكن الحكم على المخطط العسكري الروسي إلا بعد مرور شهرين على الأقل، بحكم أن الأمر لا يتعلق بعملية كوماندو لتحرير رهائن بل بمحاولة السيطرة على نصف سوريا أو أكثر تحت سيطرة حركات منها الدولة الإسلامية، وهو ما يتطلب عملا عسكريا جبارا ليس مضمون النجاح التام.

في الوقت ذاته، عمليات القصف التي تشمل الجيش السوري الحر تهدف إلى دفعه إلى المشاركة في محاربة تنظيم الدولة وكذلك الحوار مع دمشق. ولا تترك موسكو للجيش الحر مجالا آخر في ظل تردد مدعميه السابقين من أتراك وسعوديين وأمريكيين بسبب التطورات الجديدة الناتجة عن التدخل الروسي. وبدأت موسكو تلوح بالحوار مع الجيش السوري الحر، وطلبت رسميا من بريطانيا يوم الخميس الماضي لعب دور الجسر بين الطرفين.

حالة الترقب في الشرق الأوسط

التدخل العسكري الروسي لا يعتبر مفاجئة حقيقية سياسيا، ولكن الكثافة العسكرية تعتبر مفاجأة حقيقية يترتب عنها حتى الآن الكثير من التطورات بدأت تبلور الشرق الأوسط والعلاقات الغربية- الروسية.

وعلاقة بالشرق الأوسط، تشكل دول الخليج على الأقل قبل «عاصفة الحزم» اللاعب العربي الذي حاول القيام بدور في الأزمة السورية عبر الضغط السياسي ثم العسكري بتسليح المعارضة لرحيل الأسد، ويعتبر هذا مطلب العربية السعودية الذي كررته يوما واحدا قبل التدخل العسكري الروسي. وفي الوقت ذاته، حضرت الأزمة الروسية في خطاب الرئيس التركي طيب رجب أردوغان بشكلف ملفت طيلة سنوات الأزمة. وبمجرد بدء الانزال العسكري الروسي، يقع شبه صمت سياسي وترقب للتطورات التي قد تحصل لاحقا.

التدخل الروسي يدفع السعودية إلى التزام الحذر تجنبا لعواقب غير مرتقبة مثل دور مفاجئ للروس في الأزمة اليمنية. وتدرك الرياض صعوبة تكرار سيناريو أفغانستان عندما سلّحت الحركات الإسلامية ضد الاتحاد السوفييتي. وتناولت الصحافة العربية والغربية تحذيرات وجهها الكرملين لبعض الدول الخليجية لتوقف عملية تسليح المعارضة السورية.

لكن الصمت الحقيقي هو الذي تلتزم به أنقرة في الوقت الراهن، غابت التصريحات النارية لرئيس البلاد طيب رجب أردوغان وحلت محلها تصريحات محسوبة بالملمتر ودقيقة جدا، بقوله يوم الأربعاء الماضي في تعليقه على خرق أجواء بلاده من طرف مقاتلات روسية «روسيا قد تخسر صداقتنا وقد نوقف مشاريع بناء محطة نووية وتجميد استيراد الغاز».  ومن العوامل التي جعلت أنقرة تتريث وتتفادى الحرب الدبلوماسية مع موسكو، قيام الطائرات الروسية باستفزاز نظيرتها التركية يوم الأحد والاثنين الماضيين وخرق الأجواء التركية في الفترة الزمنية نفسها. ويعتبر الاستفزاز وخرق الأجواء رسالة واضحة من روسيا إلى تركيا بتجنب تسليح المعارضة حتى لا يسقط جنود روس.

ويشكل الترحيب المصري بضربات روسيا ضد تنظيم القاعدة وباقي الحركات المعارضة ضربة لوحدة الصف العربي الذي يوصف بالمعتدل وانهيارا لسياسة الجامعة العربية تجاه الملف الروسي، وهي السياسة التي قادتها حتى الأمس القريب العربية السعودية.

تساؤل عريض في الحلف الأطلسي

يدرك الحلف الأطلسي أن الملف السوري ما هو إلا حلقة، ولكن الأبرز، رفقة أوكرانيا ضمن حرب باردة جديدة عادت إلى المسرح الدولي. وينقسم الحلف الأطلسي إلى قسمين، قسم تتزعمه المانيا ونسبيا فرنسا وتدعوان إلى تفاهم مع روسيا حول القضايا الدولية ومنها محاربة الإرهاب. وقسم لا يثق في الكرملين وتتزعمه بريطانيا والولايات المتحدة وتصران على تعزيز الدفاعات شرق أوروبا. وبمقترح من لندن وواشنطن، سيقيم الحلف الأطلسي قاعدتين جديدتين لقوات التدخل السريع في كل من هنغاريا واسلوفاكيا تنضاف إلى بولونيا ورومانيا وبلغاريا وليتوانيا ولوتونيا.

ولم تتأخر موسكو في الرد، فقد نبه سفيرها لدى الحلف الأطلسي ألكسندر غروشو مباشرة بعد اجتماع الحلف أن «روسيا ستتخذ كل التعزيزات العسكرية للرد على القرارات الأطلسية الجديدة».

الاستعراض العسكري والإعلامي الروسي

تنهج روسيا من خلال التدخل العسكري حاليا في سوريا نهجا جديدا في التواصل لإبلاغ مواقفها للرأي العام العالمي.

ولأول مرة، تعطي موسكو للإعلام والتواصل دورا مركزيا بعدما كانت ضعيفة في هذا المجال في الماضي. وتزامنا مع عودتها إلى الساحة الدولية، عززت روسيا من وسائل الإعلام التابعة لها مثل «روسيا اليوم» و»سبوتنيك» بمختلف اللغات، فـ «سبوتنيك» تنشر في الانترنت بـ 33 لغة موجهة إلى كل رأي عام على حدة على شاكلة عمل «بي بي سي». في الوقت ذاته، تتجنب البروباغاندا القديمة وتنشر كل الآراء والأخبار التي تنشر في الغرب، ولكنها ترد بسرعة اعتمادا على أدلة تعتبرها برغماتية وفي بعض الأحيان تكون تغليطية.

واستغلت روسيا الحرب السورية لاستعراض قدراتها العسكرية. في الماضي كان العالم يتحدث فقط عن الطائرات الأمريكية النفاثة ذات التكنولوجيا المتطورة والسفن الحربية التي تضرب عن بعد مئات الأميال. وينشر الكرملين عبر وسائل الإعلام التابعة له أشرطة فيديو تبرز عمليات القصف الجوي والبحري والبري، وهي التقنية التي أبهر بها البنتاغون العالم منذ حرب 1991 ضد العراق حتى الضربات الأخيرة ضد تنظيم الدولة مرورا بأفغانستان والعراق مجددا.

وفجأة يكشتف العالم طائرات سوخوي 34 وصواريخ كروز الروسية مثل كالبير التي انطلقت يوم 7 تشرين الاول/أكتوبر الجاري من سفن حربية من بحر قزوين لضرب أهداف للدولة الإسلامية، على بعد قرابة ألف ميل.

وبهذا تحول روسيا تدخلها العسكري في سوريا إلى منصة للتوقيع على عودتها العسكرية القوية إلى المسرح الدولي بعدما وقعت على ذلك سياسيا منذ سنوات بمعارضة مخططات الغرب في الشرق الأوسط.

القدس العربي

 

 

 

 

مواجهة الروس متأخرة وصعبة/ عبد الرحمن الراشد

تزدحم الصحافة الأميركية بالآراء التي تخطّئ الإدارة الحالية في تعاملها مع الأزمة السورية منذ بداياتها، ومعظمها يقول إن الغياب الأميركي هو ما جلب «داعش»، وحزب الله، والإيرانيين، والروس.

دينس روس، الذي سبق أن كان من بين كبار موظفي الرئيس باراك أوباما في البيت الأبيض، في مقال له في «الواشنطن بوست»، فسر بواعث الرئيس الأميركي حول سوريا بقوله: «منذ البداية غلب على الرئيس هاجس عدم التورط في حرب أخرى في منطقة الشرق الأوسط».

وكره الحروب والخوف منها أيضًا كان نفس الباعث عند دول الخليج، لكنها عقب اندلاع ثورات العالم العربي، وجدت أن عدم التدخل يوسع دائرة الخطر عليها، ويزيد من سرعة هبوب رياح الفوضى في المنطقة. والفوضى تعني انتشار الإرهاب، وتتسبب في ارتفاع موجات هجرة اللاجئين.

ويرى روس أنه بالإمكان الاستفادة من قواعد اللعبة، وذلك بالاستعانة بالسعوديين والقطريين والأتراك لبناء منطقة محمية للاجئين على الحدود السورية التركية. فيها يتولى الأوروبيون حراسة المنطقة جوًا، والأتراك يحرسونها أرضا، والخليجيون يمولونها. السؤال: أليس مثل هذا الطرح صار متأخرا؟ وثانيًا صار الشك كبيرًا في الإدارة، وثالثًا، ما هي الخطوة التالية بعد أن يهرب خمسة ملايين لاجئ سوري إلى المنطقة المحمية؟

بدت سياسة إدارة أوباما واضحة منذ أن أصرت على الخروج من العراق، وابتعدت عن التدخل في أزمتي سوريا وليبيا، إنها لا تريد التورط في المنطقة. نظريًا كانت سياسة مريحة بالابتعاد ثم ثبت أنها خيار مكلف لدولة عظمى ذات مصالح كبرى في العالم.

فالحرب تكبر، وتكاد تخرج عن السيطرة، وأصبحت مصدر خطر على كل المنطقة والعالم.

من كان يتخيل قبل أربع سنوات أن نرى أحدث الطائرات الحربية الروسية «SU34» والمقاتلات الأميركية «F16» تتنافس في سماء سوريا في مشهد مقلق لم ير العالم له مثيلاً منذ نهاية الحرب الباردة؟

ولو جاز لنا أن نعود إلى الوراء ونسأل، ما الذي كان يمكن فعله ويجنبنا المخاطر الحالية؟ في رأيي أن أسوأ الخيارات حينها، في عام 2011 و2012، كان أهون مما نراه اليوم، أي التدخل في سوريا قبل وصول الإيرانيين وحزب الله والآن الروس. فالذي شجعهم على دخول سوريا والعراق عسكريًا اكتشافهم أن واشنطن لا تنوي أبدًا لا القتال ولا دعم المعارضة، بل تبنت سياسة منع تزويد كل المتحاربين بالسلاح والذي لم يطبق أبدًا على نظام الأسد الذي استخدم كل شيء من البراميل المتفجرة إلى السلاح الكيماوي!

لم يكن مطلوبًا من واشنطن التدخل العسكري مباشرة، كان يكفيها رعاية مشروع الدول الحليفة، مثل السعودية وتركيا، بدعم حل عسكري سياسي من خلال المعارضة المعتدلة يؤدي إلى تغيير جزئي في دمشق. وكانت هذه الدول مستعدة لتمويله، عندما كان سعر البترول فوق المائة دولار للبرميل. أما اليوم فسوريا أصبحت أكبر ملعب في العالم للقوى والميليشيات، وصارت الدول الحليفة بلا موارد مالية إضافية بسبب هبوط أسعار النفط، وفقدت ثقتها في الولايات المتحدة بسبب مهادنتها إيران مقابل الاتفاق النووي.

وإيران، من ناحية أخرى، استثمرت منذ البداية نفور الرئيس أوباما من الحروب لصالح سياستها العدوانية. توغلت في سوريا عسكريًا وأطبقت على الحكم في العراق. وعلقت أمام الأميركيين عصا طويلة في نهايتها جزرة البرنامج النووي، ويبدو أن هذا زاد البيت الأبيض في تحاشي المواجهة في العراق وسوريا، وترك الساحة للمتصارعين، وتفرغ للتفاوض حول المصالحة.

بالنسبة لدول المنطقة الأخرى، فإن «سياسة عدم التدخل» هي سياسة بذاتها، ولها تبعات قد تكون خطيرة، حيث تشجعت إيران على التدخل العسكري بشكل أكبر وأعمق وأبعد الذي اضطر الدول الصديقة لواشنطن أن تواجه لوحدها التدخل الإيراني في البحرين وسوريا واليمن لحفظ أمنها وتوازن المنطقة، وهكذا اتسعت رقعة النزاع والآن دخل الروس الساحة عسكريًا.

هل لو تدخلت واشنطن آنذاك كان يمكن تجنب الدماء والفوضى والمواجهة الدولية؟

لا أدري، لكن الفرصة في الماضي كانت جيدة للسيطرة على الأحداث في سوريا، عندما كانت المعارضة في معظمها وطنية سورية وغير دينية، ولم تبدأ إيران إرسال وكلائها من الميليشيات المستأجرة إلى هناك.

ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن اليمن، ربما لو لم تتدخل السعودية في اليمن لصارت المواجهة الإيرانية السعودية حتمية وعلى نطاق واسع.

في هذه اللحظة، ومن أجل مواجهة الروس والإيرانيين في العراق وسوريا، لن تكفي منطقة حماية للاجئين إلا إذا كانت مقرونة بمشروع عسكري. حتى تضطر واشنطن الغزاة من إيرانيين وروس إلى دفع ثمن غال، وتجبرهم على التراجع ستحتاج لتشكيل جبهة ما، من قوى متعددة. المشكلة أن هذا «الثمن» سيكون غاليًا، أولاً على واشنطن وحلفائها.

في السابق كان حلفاء واشنطن مستعدين للمشاركة في حروبها، كما دعموها في أفغانستان، وأسهموا في جزء من معاركها في العراق، ولاحقوا «القاعدة» معها، وساندوها في محاصرة إيران اقتصاديًا وماليًا. أما اليوم فإن أصعب مهمة ستواجه البيت الأبيض ليست إقناع روسيا بالخروج من سوريا بل إقناع حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط بالدخول معها في أي مشروع. لقد صارت الثقة مكسورة بين الطرفين، وسيحتاج ترميمها جهدًا كبيرًا.

الشرق الأوسط

 

 

 

 

واشنطن ومواجهة بوتين في سوريا

بمقدورنا سماع عبارات عدم تصديق تتردد في مختلف العواصم العالمية من واشنطن للندن، ومن برلين لأنقرة وما وراءها، فحواها: كيف يستطيع فلاديمير بوتين الذي يقود دولة ذات اقتصاد متدهور، وقوات مسلحة من الدرجة الثانية، التحكم في رسم مسار الأحداث الجيوبوليتيكية على هذا النحو؟ فالشيء الجلي سواء تعلق الأمر بأوكرانيا أو بسوريا هو أن الرئيس الروسي، هو صاحب اليد العليا دائماً. بوتين يستطيع كل ذلك لأنه يستخدم ما بحوزته من أوراق – وهو قليل بالمناسبة- بمهارة استثنائية، ويعرف تماماً ما يريد فعله، فهو لا يسعى لتحقيق الاستقرار في سوريا، وفقاً لتعريفنا لمعنى الاستقرار، فكل ما يقوم به هناك هو من أجل الدفاع عن مصالح روسيا، من خلال السعي لإبقاء بشار الأسد في السلطة.

والمسألة في هذا السياق لا تتعلق بـ«داعش»، لأن أي منظمة تعارض المصالح الروسية تعتبر إرهابية في نظر موسكو. لقد رأينا هذا السلوك من قبل في أوكرانيا، وها نحن نراه مرة أخرى على نحو أكثر عدوانية، في صورة قصف للقاذفات، وضربات بالصواريخ الباليستية في سوريا. وبوتين ليس بالرجل العاطفي بحال، لأنه لو أحس في أي لحظة أن الأسد قد تحول لعبء، فسوف يتحول بكل يسر إلى بديل آخر يكون مقبولاً لديه، ولكنه، ومعه الإيرانيون، يعتقدون الآن أنه بمقدورهم إنقاذ الأسد.

أوباما، ووزير خارجيته يقولان إنه ليس هناك حل عسكري للأزمة في سوريا.. وهو قول صحيح تماماً، ولكن علينا إدراك أن موسكو تفهم جيداً أن الدبلوماسية تتبع الحقائق على الأرض، وليس العكس، وأن ما تقوم به هي وإيران في الوقت الراهن هو خلق حقائق مواتيه لهم على الأرض، يمكن لهم استخدامها لصالحهم، حين يحين أوان المفاوضات، لذلك عندما تستوفي العمليات العسكرية الحالية أغراضها، علينا أن نتوقع سماع مقترح من موسكو يعكس مصالحها في سوريا، ويشمل تأمين قاعدتها العسكرية في طرطوس.

يجب علينا بعد ذلك ألا ننسى أن تعريف موسكو للنجاح يختلف عن تعريفنا له: فمصلحة ومصير السكان في سوريا، لا يمثلان موضوعاً ذا شأن بالنسبة لها. أما مشكلة اللاجئين الذين يفرون من الجحيم في مناطق القتال فهي مشكلة أوروبية. أما تفاقم الطائفية فهذا هو حال الشرق الأوسط دائماً. وضرب الأسد للسكان بالبراميل المتفجرة واستخدام المواد الكيماوية ضدهم وهي المواد المحظورة بموجب اتفاق فاوضت موسكو فيه، أمر سيئ للغاية، ولكن ماذا بعد!

إن تحرك بوتين داخل سوريا في جوهره نوع قديم من سياسات القوة يهدف إلى تحقيق فوائد داخلية، ولكن لا يتعين علينا القول، مع ذلك، إنه يقوم بتصدير مشاكله الداخلية، لأن الحقيقة أن السياسات الروسية الداخلية والخارجية كانت دائمة مرتبطة ببعضها ارتباطاً وثيقاً، بمعنى أن روسيا تشعر بالقوة في الداخل عندما تكون قوية في الخارج. وهذا تحديداً هو نوع الدعاية الذي يبيعه بوتين لشعبه الذي يبدي استعداداً لشرائه، على الأقل في الوقت الراهن.

دعونا أيضاً ندرك أن توبيخ بوتين بشدة بشأن خياراته السيئة يبدو أيضاً خياراً ضعيفاً من جانبنا، وعلينا أن نتذكر أن آخر مرة أبدى فيها الروس ندمهم على مغامرة خارجية كانت في أفغانستان. طالما أن الأمر يبدو لى هذا النحو.. فما الذي نستطيع عمله؟

أولاً، علينا رفض الحجة القائلة إن بوتين يتصرف كرد فعل على حالة الاضطراب والفوضى السائدة في العالم حالياً، وأن ما يقوم به في الوقت الراهن يهدف إلى المحافظة على منظومة الدولة في الشرق الأوسط. فما قام به بوتين في حقيقته، هو محاولة لملء الفراغ الناشئ عن التردد الأميركي في الاشتباك مع الأوضاع في دول مثل ليبيا، وترددها في استكمال مهمتها في العراق.

ثانياً، يتعين علينا أيضاً خلق حقائقنا الخاصة على الأرض، من خلال فرض منطقة حظر طيران، وإقامة ملاذات آمنة للسكان. باختصار: يتعين علينا خلق توازن عسكري أفضل على الأرض، إذا كنا نريد التوصل لحل سياسي مقبول لنا ولحلفائنا.

ثالثاً، علينا العمل على اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتلافي وقوع صدام بين أنشطتنا العسكرية وأنشطة الروس في سوريا. هذا أمر غير مستساغ في الحقيقة، وما كان علينا أبداً أن نوجد في مكان يحذرنا الروس فيه بالابتعاد عن طريقهم، ولكننا مع ذلك يجب علينا أن نفعل ما بوسعنا من أجل عدم وقوع حادث بيننا وبينهم. ويفترض أن بوتين نفسه يشاركنا القلق حيال هذا الأمر.

رابعاً وأخيراً، نحن بحاجة للنظر لبوتين على ما هو عليه بالفعل. والتوقف عن القول إننا بحاجة لفهم الدوافع الروسية بشكل أفضل، لأن الروس يعرفون أهدافهم جيداً، وهي تتمثل باختصار في تأمين مصالحهم في الشرق الأوسط بأي وسيلة كانت، فهل هناك شيء غير واضح بشأن ذلك؟

ـ ـــ ـ ــ ـ ـ ـ

*كوندوليزا رايس

**روبرت جيتس

ـ ـ ـ

*وزيرة الخارجية الأميركية من 2005- 2009

**وزير الدفاع الأميركي من 2006-2011

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

الاتحاد

 

 

 

 

أوراق اللعبة السعودية في مواجهة التدخل الروسي في سوريا

ترجمة وتحرير فتحي التريكي – الخليج الجديد

في حين تواصل روسيا تأكيد مكانتها في الشرق الأوسط عبر المزيد من الضربات الجوية في سوريا، فإن المملكة العربية السعودية، الحليف الأكبر للولايات المتحدة تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه، بعد تقديمها لمبلغ 10 مليارات دولار فى صورة استثمارات في روسيا وإعرابها عن رغبتها في شراء أسلحة روسية، يجب على الرياض الآن أن تقرر إذا ما كانت سوف تنظر إلى مواصلة هذه العلاقة الاقتصادية المزدهرة أو ستحاول استخدامها كورقة ضغط ضد روسيا في سوريا.

المملكة العربية السعودية طالما وقفت على خلاف مع الموقف الروسي الداعم لنظام الرئيس السوري «بشار الأسد»، لكن مع الضربات الجوية الروسية، وانخفاض أسعار النفط والعلاقة المتوترة مع الولايات المتحدة في أعقاب اتفاق إيران النووي، يقول الخبراء إن المملكة العربية السعودية لا تستطيع أن تتجاهل مشاركة روسيا المتزايدة في المنطقة.

«المملكة العربية السعودية تحاول أن تجد طريقها في عالم أكثر تعقيدا مما تعودت عليه»، وفقا لـ«روبرت ميرفي» وهو زميل غير مقيم في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، وسفير الولايات المتحدة السابق لدى المملكة العربية السعودية وسوري، «لا تزال هناك شكوك في الرياض حول نوايا موسكو وأهدافها».

وكانت المملكة العربية السعودية سريعة في التعبير عن استيائها من الضربات الجوية الروسية في سوريا التي بدأت في 30 سبتمبر/أيلول واستهدفت في معظمها جماعات المعارضة بدلا من تنظيم  «الدولة الإسلامية»، الذي تعرف أيضا باسم «داعش»، وقد دعمت المملكة العربية السعودية موقف الولايات المتحدة لإزالة «الأسد» من السلطة بعد عقود من العلاقات المضطربة بين الرياض ودمشق حول قضايا تتراوح من الدين إلى الجغرافيا السياسية في المنطقة.

«وفد بلادنا يعرب عن قلقه العميق بشأن العمليات العسكرية أن القوات الروسية نفذت في حمص وحماة اليوم»، وفقا للسفير السعودي «عبد الله المعلمي»، الذي كان يتحدث في الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، «وأدت هذه الهجمات إلى عدد من الضحايا الأبرياء، نطالب بوقفها فورا وعدم تكرارها».

قبيل الضربات الجوية، كانت العلاقات الدبلوماسية بين القوتين النفطيتين تتجه إلى مزيد من الدفء.

ذكرت قناة العربية أن الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» التقى مع نائب ولي العهد السعودي الأمير «محمد بن سلمان» خلال الصيف ووقعا ست اتفاقيات منها واحدة تختص بالتكنولوجيا النووية.

المملكة العربية السعودية التزمت بتقديم استثمارات تقدر بـ10 مليارات دولار في صندوق الاستثمار المباشر لروسيا في يوليو/تموز وفي أغسطس/آب، ذكرت وسائل الإعلام الروسية أن السعوديين قد أعربوا عن رغبتهم في شراء منظومة صواريخ إسكندر من الجيش الروسي.

هذا التقارب قد فاجأ الكثيرين بعد سنوات من العداء مع موسكو التي طالما ألقت باللوم على الرياض لدعم الإرهاب في مناطق مثل الشيشان.

«الروس والسعوديون تشاركا أحيانا بعض المصالح وعملا جنبا إلى جنب ولكنهما في معظم الأوقات كانا متنافسين» وفقا لـ« فراس أبي علي»، أحد كبار مديري المخاطر القطرية لـIHS في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي شركة عالمية متخصصة في مجال الاقتصاد وتحليل المخاطر.

كانت التزامات المملكة العربية السعودية تجاه روسيا لا تتعدى في الغالب كونها وعود نظرا لاعتماد المملكة العربية الواسع على التكنولوجيا والأسلحة الغربية الغير متوافقة مع نظيرتها الروسية، «لم يتلق الروس أي شيء ملموس من السعوديين».

وهذا يعني أن الوعود بإبرام عقد دفاعي يمكن أن تستخدم للتأثير على المحادثات بشأن سوري، يمكن أن تستخدم صفقة الأسلحة كمكافأة للروس على تعديل لهجتهم أو موقفهم في سوريا وفقا لـ«بول شوارتز»، وهو شريك بارز في برنامج روسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، «يمكن للسعودية استخدام ما تملكه بمثابة الجزرة للتأثير على السلوك الروسي».

آخر السبل الممكنة للمملكة العربية السعودية لاستكشاف موسكو يمكن أن يكون عبر رفع أسعار النفط خلال تنسيق مستويات الإنتاج، عانت روسيا من الركود الاقتصادي منذ ضغطت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عليها بفرض عقوبات على خلفية سلوكها في أوكرانيا. لاسيما في ضوء الانخفاض العالمي في أسعار النفط إلى ما دون 50 دولار للبرميل منذ يناير/كانون الثاني.

قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم في مارس/أذار 2014، ودعمت الانفصاليين الذين يقاتلون القوات الحكومية الأوكرانية في شرق أوكرانيا، واصلت الحكومة الروسية نفي أي تورط عسكري مباشر لها في أوكرانيا مع استمرار العقوبات المفروضة، كل من روسيا والمملكة العربية السعودية تعتمد بشكل كبير على النفط لدفع اقتصادياتها.

«ينظر الروس إلى ما يحدث على أنه من السعوديين لتقويض روسيا عبر خفض أسعار النفط» وفقا لـ«آنا بورشيفيسكي»، وهي خبيرة في السياسة الروسية في الشرق الأوسط في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

على الرغم من استياء المملكة العربية السعودية بسبب دعم الولايات المتحدة للاتفاق الن