الرئيسية / صفحات الرأي / تعيّنات الدولة في الفكر السياسي العربي

تعيّنات الدولة في الفكر السياسي العربي

 

عمر كوش

تعيد الثورات العربية مفهوم الدولة إلى النقاش من جديد، حيث تطرح تساؤلات تطاول الأسباب التي جعلت مفهوم الدولة مضمراً في الوعي العربي المعاصر، وأفضى إلى نتائج عكسية في نمط ولاء الناس، حتى بات عصياً استقرارها في الوعي الجماعي، بسبب ضعف تأصيلها النظري، وفقر خبرتها في التجربة التاريخية، حيث لم تتأرضن الدولة كوعاء مشترك، وحاضن للجميع، في المخيال الجماعي لمختلف الجماعات العربية.

الدولة في الأقلمة العربية

بالرغم من تعرّف المفكرين العرب الأوائل الى النموذج الحديث للدولة في البلدان الأوروبية، إلا أنهم لم يجدوا مركبات هذا المفهوم في المجال العربي، فعالجوا قضايا تلامس مسألة الدولة أو تدور حولها، حيث تحدث رفاعة الطهطاوي عن دولة تنهض على القوة الحاكمة والقوى المحكومة، بوصفهما ركنين أساسيين للدولة، والدستور هو الناظم للعلاقة بينهما، فيما راح الأفغاني ومحمد عبده وسواهما يتناولون عناصر الدولة ووظائفها دون تحديد دقيق لمفهومها، وبقيت مقارباتهم محدودة وضعيفة، وبعيدة عن الأقلمة النظرية.

ومع مجيء المرحلة الاستعمارية، فإن نمطاً جديداً من العلاقات والجماعات تشكل، سادت فيه التجزئة والتبعية للدولة المستعمرة. إلا أن الشعوب لم تقرّ بالواقعة الاستعمارية، فبرزت المقاومة، وكان العامل الإسلامي، إلى جانب عوامل أخرى، في عناصر المقاومة للاستعمار، والمطالبة بالاستقلال والتحرر.

وبرز إلى الوجود مفهوم الدولة القومية، الذي يهدف إلى تحقيق سيادة الدولة الكيان، وهو مفهوم جسد علاقات الدول تجاه بعضها في العصر الحديث، وحدد علاقات الدولة مع العالم الخارجي، وفرض نفسه على خريطة التعامل الدولي، سواء كمفهوم قوة ووحدة في الأقلمة الأوروبية، أم كمفهوم غائم ومفكك في عالم العرب والمسلمين.

بالمقابل، استولت النخب الحاكمة الانقلابية، “الثورية” و”الرجعية”، على مقدرات الدولة، وشكلت سلطات وأجهزة لم تأخذ من أدوار الدولة سوى الجانب الأمني، دون أي اعتبار للمفاهيم المترابطة مع مفهوم الدولة، كالمواطنة والديموقراطية والتنمية والتطور الاقتصادي أو الاجتماعي. وكان أخذها للجانب الأمني مرتبطاً بمصالح حزب أو فئة أو جماعة أو أقلية عرقية أو مذهبية، وعملت على تسخير تحقيق الأمن خدمة لغاية ضبط حركة المجتمع، وتأكيد سيطرتها على التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تهدد هدفها المتمثل بالبقاء في السلطة إلى الأبد.

إذاً، لم يتمكن نموذج “الدولة الوطنية” من إيجاد سلطة منظمة للمجتمع، بل أنتج سلطة متسلطة على المجتمع، فغاب التفاعل الإيجابي السلمي بين الفئات المدنية والأهلية ومختلف المكونات والقوى الاجتماعية، لذلك بقي المجتمع بحاجة للدولة المنشودة.

ويبدو أن ما نشأ في الحالة العربية هو كيانات تشبه الدولة في شكلها السياسي والقانوني، وتناقضها كنظام ومؤسسات وأهداف. وهي أقرب إلى دول هجينة، تمتلك جيشاً وأجهزة أمنية ودوائر، مهمتها الأولى وربما الأساسية هي قمع الشعوب وتكبيل قواها الحيّة وقتل روح المبادرة الحرّة، بعد أن عملت على نشر وإنتاج شبكات من الفساد والإفساد والعصبيات المذهبية والطائفية، بدلاً من أن تسهم في تأسيس الجماعة الوطنية الموحدة أو الأمة.

وحاولت الدولة الهجينة في جعل المجتمع في خدمة نخبتها الحاكمة ومصالحها، أي أنها لم تعمل على خدمة المجتمع بمقدار أن المجتمع سخّر بالقوة في خدمة نخبتها الحاكمة، ولم يعنيها كثيراً أن تستمد من المجتمع شرعيتها وقوتها، فأوجدت شرعيات “ثورية” انقلابية، وشرعيات دينية ووراثية، تجسد سندها في الواقع الجاثم على صدور عامة الشعب أو الرعية، حسبما تفضل تسميتهم بعض الأنظمة “الثورية”.

ونجحت هذه الدولة في إنتاج قدر كبير من السطوة والسيطرة على المجتمع، بمختلف جماعاته الوطنية، واستعانت بكل التقنيات والتدريبات الأمنية من الخارج، كي تستقوي على الداخل وتزيد من قوتها وسلطتها، وباتت أشبه بقوة احتلال داخلي، وليس خارجي، وبالتالي لا يمكن لهذه الدولة الهجين أن تنتج دولة الأمة، أو دولة لمجموع مواطنيها. وكل ما ترمو إليه هو الاستمرار في السيطرة على مقاليد الحكم أطول مدّة ممكنة، وكأنها غزو داخلي، لا ينتج سوى الفساد والقهر والاستلاب.

الدولة الإسلامية

بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، وتحول إيران جمهورية إسلامية، تأخذ بولاية الفقيه، برز مفهوم الدولة الإسلامية بقوة، وهو مفهوم يخلط بين الدولة كمفهوم حديث والإسلام كدين، ولا يتعدى كونه تسمية جديدة لما عرف في التاريخ الإسلامي عن دولة الخلافة أو الإمامة أو الدولة السلطانية، التي ينصب همّها على صفات ومؤهلات قائد أو أمير الجماعة، أو من يتولى سلطة الأمر، ويحتكر القرار العمومي، ويصادر الفضاء العام لرعيته.

وثمة تصور سائد في البلدان العربية، يفيد باندماج السلطتين، السياسية والدينية، في الإسلام. وقد سكن هذا التصور الوعي الإيديولوجي، السائد في أيامنا هذه، في العالمين العربي والإسلامي، وبشكل لم يعد أحد يماري في صحة المقولة التي كانت وراء هذا التصور، وهي مقولة أطلقها حسن البنا في ثلاثينيات القرن العشرين المنصرم حين عرّف الإسلام بالقول: “الإسلام هو دين ودولة”. وحسب معرفتنا فإن كلمة دولة لم يرد ذكرها قط في القرآن الكريم، ولا حتى في الأحاديث النبوية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن واقع الحال التاريخي قد اتجه إلى التعدد في الكيانات الإسلامية، سواء في الخلافة العباسية في بغداد أم الأموية في دمشق والأندلس، وتشكلت فيما بعد ذلك ما يمكن تسميته كيانات الغَلبة التي استندت إلى قوتها وغلبتها ومدى قدرتها على الاستيلاء على السلطة والإمارة، وارتبطت تلك الكيانات بالخلافة العباسية ارتباطًا رمزياً أو اسميًّا، فيما تعددت واختلفت تلك الكيانات والدويلات تبعاً للعرق والجنس حيناً، وأحياناً أخرى، تبعاً لمذاهب دينية متعددة.

وفي حقبة الإمبراطورية العثمانية اختلف نموذج الدولة الإسلامية، حيث تمكنت السلطنة من تحقيق جماعية الأمة رغم التعدد والتنوع في داخلها، وحاولت نظم الكيانات المتناثرة من خلال حروب جمعت تلك الكيانات في منظومة الخلافة العثمانية، فاتجهت نحو تكوين ما يشبه “جامعة إسلامية”، ثم انطلقت بعدها إلى فتح أجزاء عديدة من أوروبا. وكان المسلمون فيها ينتمون إلى جماعات عرقية ولغوية عديدة، لكنهم توحدوا بواسطة الدين. ولم تكن الامبراطورية العثمانية تعترف رسمياً بالتقسيمات العرقية بين رعاياها، وكان تعيين الهوية قائماً على الدين، لذلك لم تمثل الأمة الإسلامية جماعة متماسكة.

عجز النموذج

عجزت النخب الحاكمة في الدول العربية عن تحقيق تعيّنات الدولة الحديثة، أي عجزت عن أن تكون الدولة دولة مجموع مواطنيها، إضافة إلى فشلها في التنمية التي رفعت شعارات طنانة بخصوصها. بالمقابل فقد استولت النخب الحاكمة على الدولة، وتحولت إلى سلطات لم تأخذ من أدوار الدولة سوى الجانب الأمني دون أي اعتبار للمفاهيم المترابط مع مفهوم الدولة كالمواطنة والديموقراطية والتنمية والتطور الاقتصادي أو الاجتماعي. وإن أخذها للمفهوم كان مرتبطاً بمصالح حزب أو فئة أو جماعة أو أقلية عرقية أو مذهبية تريد أن تركّب مفهوم تحقيق الأمن من أجل ضبط حركة المجتمع، وتأكيد سيطرتها على التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن لا تحقق هدف هذه الأقلية أو هذا الحزب المتمثل بالبقاء في السلطة إلى الأبد.

ويقابل هذا العجز اعتماد شديد على الدولة في البلدان العربية، خصوصاً من طرف الفئات الوسطى التي تنظر إلى الدولة بوصفها رب العمل المفضل. ومع أن البلدان العربية انقسمت في اعتماد نموذج معين للدولة، بين الرأسمالي والاشتراكي، إلا أن معظم السلطات العربية تعلقت بالاقتصاد المركزي الذي استفادت منه مافيات النظم العربية المتعايشة معه وعليه في ثنايا الفساد والإفساد السلطوي الممنهج، في حين أن الطبقات الوسطى العربية بقيت تتعايش على الراتب الحكومي كضمانة ضد الفقر، لكن الانهيار الذي طاول الطبقة الوسطى نتيجة الاستقطاب الحاد عالمياً وإقليمياً ومحلياً، أزاح قسماً منها إلى الفئات المهمشة التي شكلت ذخراً للسلطوية الشمولية ولأصوليات دينية متطرفة.

ويمكن القول أن الطريق إلى الدولة عربياً- مازال يمرّ عبر مندرجات العقد الاجتماعي التي تجد أساسها في الديموقراطية والمواطنة، حيث يبدأ بالتساؤل عن النظام الأصلح، الذي يحفظ التوازن الوطني وكفاءة المؤسسات وتكاملها وتعاونها، ويوفر فاعلية السلطات وتناوب السلطة وتجديد البنى السياسية. مع أن فكرة تكوين الدولة تقوم على تحديد المعالم المرتبطة بجملة من المبادئ والمسلمات التي تعتبر أساسا للعيش المشترك، والتي تجد متحققها في تجاوز الولاءات ما قبل المدنية والاستعاضة عنها بعقد اجتماعي متوافق عليه ودائم، يوضح أسس الشراكة في الوطن والالتزامات المتبادلة بين جماعاته، شريطة أن يبنى التوافق على عقد اجتماعي على قاعدة المساواة التامة بين المواطنين، ويؤكد على تأمين هذه المساواة دائماً وفي كل الظروف. وهذا يقتضي التعاقد على أساس سياسي يوفر بشكل ملزم ودائم آلية إنتاج السلطة الوطنية على قاعدة التوازن بين مختلف تكوينات المجتمع، وممارسة المسؤوليات في السلطة الدستورية والمؤسسات العامة على قاعدة الاستحقاق والمؤهلات دون تفرقة أو تمييز بين مواطن وآخر.

ينصرف التفكير إلى العلاقة السياسية التأسيسية الجديدة الحاكمة في النظام السياسي، في مرحلة الثورات العربية، وهي علاقة المواطنة، حيث تفترض المواطنة مادتها في المواطنين، بوصفهم أفراداً أحرار، متساوون أمام القانون في حقوقهم السياسية، ومتكافئون في أداء ما عليهم من واجبات للدولة، مثل دفع الضرائب، وتأدية الخدمة العسكرية، وسوى ذلك. فيما يقتضي التعاقد المبرم بين بعضهم البعض على تفويضهم الدولة للقيام على أمرهم وتأمين الخدمات العامة والحماية للمجتمع، كما يقضي به التعاقد بينهم وبين الدولة، والدستور صيغة من صيغه، على التوزيع المتوازن بين الحقوق والواجبات. وبالتالي، لا يمكن التفكير في الدولة الديموقراطية، ومن داخل منظومة الفكر السياسي الليبرالي الحديث، إلا بالتلازم مع التسليم بمركزية الفرد في هذه الدولة، من منطلق أن الفرد والجماعة مبدأين أساسيين، لا يجوز مقابلتهما ضدياً، بل يجب النظر إليهما بوصفهما ثنائية أصلية في الديموقراطية. الأمر الذي يعني تجاوز الفكري، الليبرالي الذي يعلي من شأن الفرد على حساب الجماعة، والفكر الماركسي الذي يعلي من شأن الجماعة على حساب الفرد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...