الرئيسية / صفحات الكتب / كتب ألكترونية / تفاهة الشر: العودة/ محمد حجيري

تفاهة الشر: العودة/ محمد حجيري

 

 

 

تفاهة الشر: العودة من يدرس “أيخمان” النظام السوري؟

بات لافتاً في السنوات الأخيرة، اندفاع بعض الناشرين العرب(*) الى ترجمة معظم مؤلفات المنظّرة وعالمة الاجتماع الأميركية ألمانية الأصل، حنّة أرندت، خصوصاً في مرحلة ما بعد الحرب على الإرهاب وسقوط الرئيس العراقي صدام حسين، وموجة الربيع العربي والحرب السورية (وقبل كل شيء انهيار الشيوعية السوفياتية). وقد ارتبط اسم أرندت، بالتوتاليتارية الكليانية. وحتى قبل عقد ونيف، كان الاهتمام العربي بها ضئيلاً ومحدوداً ونخبوياً، واقتصر على ترجمة كتاب “في العنف”، والمجلد الأول من “أسس التوتاليتارية” اللذين نشرتهما “دار الساقي”، وسبقهما العرض المسهب الذي قدّمه الباحث وضاح شرارة لمجمل أعمال أرندت في كتابه “تعبير الصور”. والعودة الى أرندت في كل مرة، إشارة إلى راهنية فكرها في فهم إشكالات الواقع المعاصر، واستدعاء فلسفتها السياسية، على اعتبار أنّ اللحظة التي يعيشها العالم المعاصر، لا تختلف عن اللحظة التي عاشتها أرندت.

وآخر الترجمات التي صدرت لأرندت بالعربية كتاب “أيخمان في القدس/ تفاهة الشرّ”(**)، وهذا الكتاب بحسب أرندت نفسها، هو تقرير لما حصل من حقائق داخل قاعة المحكمة التي شهدت مقاضاة الضابط النازي الرايخي، أدولف أيخمان، الذي كان مسؤولاً عن ترحيل اليهود إلى المعتقلات حيث في أفران الغاز، وتمكّنت إسرائيل من جلبه من مخبئه في الأرجنتين للمحاكمة في القدس. كان أيخمان يدافع عن نفسه في الجلسات بأنه كان مجرد موظف بيروقراطي لا أكثر، تأتيه الأوامر من أعلى، فينفذها لأن هذا عمله، بلا أي مشاعر أو انحيازات. وضمن تقرير أرندت، الحوارات والاستجوابات وخطابات المدعي العام وتوجه القضاة وردود أيخمان وإفادات الشهود. ولا دخل للأمر بفرضيات أو نظريات تنطلق منها للحكم على المتهم أو سير محاكمته. وأهمّ ما يُلاحظه المتبصّر في تقرير أرندت حول محاكمة أيخمان، هو انهماكها في شخص المُجرم نفسه، وليس في الدعاوى التاريخيّة والقانونيّة التي تُلقيها المحكمة على أيخمان. إن المحاكمة ليست عادلة، بحسب أرندت، لأنّها لم تُحاكم إيخمان كفرد، وإنما حاكمته على تاريخ لم يكن سوى موظّف فيه. لقد أرادت أرندت أن تقول بلسان بول ريكور، إن إيخمان مسؤول إجرامي، وليس مسؤولًا سياسيًّا، يمثّل نفسه وجرائمه،  لا جرائم النظام النازي التوتاليتاري كلّه.

وردّت أرندت، في أكثر من محفل ومناسبة، على اللغط الذي دار حول كتابها، حتى بعدما وصل الأمر إلى وصفها بالنازية، وأنها تحاول خلق أعذار غير مباشرة للنازيين. إذ نراها مصرّة على موقفها، وفاضحة لزيف الاتهامات، فأجابت “هناك اتجاهان في الأمر، الأول: تشويه وتحريف متعمد وخبيث للكتاب، والثاني: سوء فهم حقيقي. ولا يمكنني تصور أن أحداً ممن قرأ الكتاب، يدعي أنني كنت أخلق أعذاراً لإيخمان أو أبرر المجزرة بحق اليهود وما فعله غلاة النازية من جرائم”. هكذا بدت أرندت، بنقدها للممارسة التوتاليتارية، قاصدة تسليط الضوء على إمكان استعادة الفعل السياسي ومعنى السلطة، وبذلك فالشمولية هي قتل الحرية ونفي لها، والمهمة الأساسية التنظيريّة هي البحث في برمجة استعادة تلك الحرية.

يكتب الباحث أموس آلون أن سنوات مرّت على صدور “أيخمان في القدس”، وبقي الناس منقسمين حوله بمرارة. إذ ما من كتاب أثار في الذاكرة الحية، مشاعر قوية مثله، وبدا أن المؤسسة اليهودية في أميركا قد ألقت نوعاً من الحرم على الكاتبة. ولم يجر أبداً حسم الجدل الذي أثاره هذا الكتاب. وفي حين كانت العادة أن تخمد جدالات مماثلة ليجري بعثها لاحقاً في إسرائيل، اذ مثلت المحرقة على الدوام تتويجاً لسلسلة طويلة ومتصلة من حلقات اللاسامية، من فرعون إلى نبوخذ نصر الى هتلر ثم عرفات -وفق رغبة بن غوريون، مهندس المحاكمة المشهدية العام 1960- فإن اهتمام الأجيال الشابة المتزايد بالكتاب يعكس بحثاً عن رؤية جديدة. وفي الماضي، كانت الصعوبة التي واجهها الاسرائيليون في قبول كتاب أرندت، موازية لصعوبة أخرى استشرفتها الكاتبة مبكراً: صعوبة المواجهة الأخلاقية والسياسية والإسرائيلية لمشكلة الفلسطينيين المُقتلعين من أرضهم، والذين لم يكونوا مسؤولين عن انهيار

الحضارة في أوروبا، ومع ذلك حُمّلوا تلك المسؤولية وعوقبوا عليها.

وتلخصت الأطروحة الرئيسة لكتاب “أيخمان في القدس” في عنوانه الفرعي: “تفاهة الشر”. وتبدو متابعة الجدالات الحامية، طوال أربعة عقود، أمراً غريباً ومذهلاً. اذ يزعم ايرفينغ هاو في مذكراته، أن احتدام الجدل في أميركا يعود جزئياً الى مشاعر الذنب المسيطرة والجامحة التي قلما سمح لها في ذلك الوقت بالظهور الى العلن. ولهذا السبب، اعتقد هاو أن المواجهة مع أرندت أدت الى نتائج جيدة.

ذهبت أرندت الى القدس في العام 1961، مراسلةً لمجلة “نيويوركر”، وكانت هي التي اقترحت على المجلة فكرة الرّحلة وتغطية المحاكمة. أما العاصفة التي أثارها كتابها، فنشبت بصورة رئيسة بسبب تصويرها شخصية أيخمان كمجرم بيروقراطي مجتهد و”تافه” في آن معاً.

لقد صدمت عادية أيخمان وشخصيته التي لا طعم لها، أرندت، منذ اليوم الأول للمحاكمة. وكان رد فعلها الأولي الذي عبرت عنه في رسائلها إلى كل من جاسبرز وماكارثي وبلوخر، انطباعياً: لم يكن أيخمان شريراً حتى، بل أقرب إلى المخيف أو المروع. واستنتجت أرندت أن عجز أيخمان عن الكلام المتماسك في المحكمة، عكس عجزه عن التفكير، أو التفكير من وجهة نظر الآخر، في حين لم تكن ضحالته متطابقة مع الغباء بأي حال من الأحوال. لم يجسد أيخمان الكره او الجنون أو التعطش للدم، بل شيئاً اسوأ بكثير، وهو جسد الطبيعة المتخفية للشر النازيّ داخل نظام مغلق تديره مجموعة من المجرمين المرضى، ويهدف الى نزع الشخصية الانسانية عن ضحاياه. بدا أن أيخمان (على نحو قد يشابه بول بوت بعد أربعة عقود) لم يكن واعياً لارتكابه أي شر، وكتبت أرندت محذرة من استحالة الركون الى الغرائز النبيلة والطيبة بشكل أعمى في مسائل الأوليّات الأخلاقية.

في كتاب “أسس التوتاليتارية”، حافظت أرندت على تبنيها مفهوم ايمانويل كانط للشر الجذريّ الذي أفلح، برعاية النازيين، في تخريب أسس القانون الأخلاقي، ونسف التصنيفات القانونية ومخالفة التفكير الانساني. أما في كتاب “أيخمان في القدس”، وفي خضم الجدالات المريرة التي أحاطت به، فشددت أرندت على أن الخير وحده يمكنه أن يمتلك عمقاً ما، وأن يكون جذرياً، بعكس الشر الذي لا يمكنه فعل ذلك أبداً. لقد كان أيخمان طموحاً ومتشوقاً للترقي في السلم الوظيفي، لكنه لم يكن من النوع الذي يقتل رئيسه ليحل مكانه، كما لم يُبدِ أي تفكير متميز يختص به، بل كانت “تفاهته” هي المعبر الذي أهّله ليصبح واحداً من أشهر المجرمين في العالم، وفق أرندت.

وكانت تفاهة ايخمان المزعومة هي السبب الرئيس وراء العواصف التي أثارها الكتاب. اذ يعتقد معظم الناس، وما زالوا، أن الجرائم ترتكب على أيدي وحوش أو شياطين.

يوثق كتاب “الانحراف الشمولي” للباحثتين، الفرنسية مارتين ليبوفيشي، والبلجيكية آن ماري روفيلو، أن الحملة طاولت أرندت، وفيها اعتبر مهاجموها أنها تسرّعت في أحكامها التي أطلقتها بناء على صورة أيخمان في قفص الاتهام، وليس بناء على مجمل أفعاله. ترى المؤلفتان أن هذه الحملة كانت في نهاية المطاف تريد أن تتهم آرندت بـ”التفاهة”، وبشكل عام جرت محاولة إخماد الجذوة النقدية التي يحملها مصطلح “تفاهة الشر” من خلال تتفيهه.

وكان السبب الآخر وراء العواصف الناشبة في وجه أرندت، ملاحظة قصيرة أوردتها عن دور المجالس اليهودية التي عينها النازيون. اذ فشل زعماء تلك المجالس اليهودية في التنبه الى المخطط النازي، وظنوا أنهم يخدمون مصالح مواطنيهم اليهود، فانتهى بهم الأمر الى تسهيل هدف النازيين في إبادة أكبر عدد من اليهود.

يقول أموس آلون: “لقد بقيت أرندت خلال حياتها، موسومة بالجدل الذي أطلقه هذا الكتاب، ورغم مرور سنوات على وفاتها، بقيت محوراً له”. وكما كتب الباحث، توني جوت، منذ سنوات، فإن أرندت ارتكبت عدداً من الاخطاء البسيطة التي لم يسامحها عليها نُقادها، لكنها أصابت في كثير من الأمور الكبرى. ولعلّ أرندت كانت ستتسلى كثيراً بالاهتمام المتجدد بكتاباتها، وهي التي قالت مرّة إن أكثر أنواع الشهرة مدعاة للحزن هي شهرة ما بعد الوفاة.

والسؤال الآن، من يدرس شخصية “أيخمان” العربي والإسلامي والشرقي والداعشي والأسدي؟ سواء في سجون الأسد ونظامه، أو في مذابح الإرهابيين؟!

(*) دار جداول، مؤسسة العربية للترجمة، دار الساقي، منشورات ضفاف، دار الفارابي، ابن النديم.

(**) صدر عن منشورات الساقي – ترجمة أحمد زعرع، وسبق ان ترجم عن منشورات ابن النديم.

المدن

 

 

لتحميل الكتاب اتبع الرابط التالي

أيخمان في القدس/ تفاهة الشرّ/ حنة أرندت

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ثلاثة روايات لمها حسن في رابط واحد

      بنات البراري تراتيل العدم الراويات