الرئيسية / صفحات الناس / ثغرات الهجرة السرية بالمطارات المصرية واليونانية

ثغرات الهجرة السرية بالمطارات المصرية واليونانية

 

 

القاهرة، بروكسل، روما- وسام جبر،سليم يوسف،دولفين روتر،لورا سيلفيا

دفعت حادثة غرق 489 مهاجراً غير شرعي، في مساء الخامس عشر من سبتمبر/ أيلول 2014 أمام السواحل الليبية، الثلاثيني المصري حسن عبدالقادر (اسم مستعار)، إلى التفكير في طريقة مغايرة لتحقيق حلمه في الهجرة إلى أوروبا، لكن بشرط أن تكون أكثر أمناً مما أصبح يُسمى بـ”مراكب الموت عبر المتوسط”، بعد إغلاق أبواب العمل أمامه في مدينته فاقوس بمحافظة الشرقية في دلتا مصر.

ويقول عبد القادر لمعدي التحقيق، أثناء اتصال هاتفي تم معه حيث يقيم حاليا في إحدى مدن شرق ألمانيا، “وقتها، كان سني اقترب من الثلاثين. لم أستطع الزواج من خطيبتي علياء. لم يكن أمامي سوى الهجرة إلى أوروبا، لكنني استبعدت طريق البحر بعد تلك الحادثة، واكتشفت طريقا بديلا أكثر أمانًا، طالما أنني مستعد لدفع 30 ألف جنيه مقدماً لأحد المهربين حتى يسهل لي المرور إلى أوروبا عبر مطار القاهرة”.

وبحسب عبد القادر، الذي رفض الكشف عن هويته الحقيقية للحفاظ على إقامته الأوروبية، فإن الطريقة الجديدة كشفها له سمسار هجرة سرية في مدينة قها بمحافظة القليوبية، إذ وفّر له جواز سفر أصلياً يحمل تأشيرة أوروبية، ويعود إلى شاب مصري لديه إقامة أوروبية، غير أنه وافق على بيع جوازه مقابل ألف يورو.

وبالفعل انتحل عبد القادر صفته أثناء الخروج من مطار القاهرة، والدخول إلى مطار أثينا، ومنها براً إلى ألمانيا، حيث يستقر الآن، فكيف فعل ذلك؟

يكشف هذا التحقيق كيف استغل سماسرة هجرة غير شرعية غياب أجهزة التدقيق الإلكتروني المتمثلة في “بصمة العين أو بصمات الأصابع” في المطارات المصرية واليونانية، وعدم التدقيق في الصورة الموجودة في جوازات السفر، والاكتفاء بالكشف عن صحة جواز السفر فقط، ومعاينة حامله بالنظر إلى الصورة فقط دون الاعتناء بالكشف عن صحة شخصية حامل جواز السفر، ما سهل عمل شبكة المهربين التي توصلت إليها “العربي الجديد”، بعد تتبع اثنين من معدي التحقيق على مدى أربعة أشهر للشبكة التي تعمل في محافظة القليوبية، وتستغل ثغرات المطارات المصرية من أجل تهريب مهاجرين غير شرعيين إلى أوروبا عبر التسلل من المطارات بجوازات سفر أصلية وإقامات أوروبية منتحلة تخص آخرين يسمحون باستخدامها في مقابل مادي.

ويكشف التحقيق عبر التواصل مع سلطات الاتحاد الأوروبي، عدد المصريين الذين تم إلقاء القبض عليهم وترحيلهم خلال العامين الأخيرين، الأمر الذي أدى إلى أن تصنّف مصر دولة مصدرة للمهاجرين السريين “باستخدام وثائق أصلية”، بحسب ما جاء في تقرير “المخاطر” الأوروبي الصادر عن “فرونتكس” (الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود).

التسلل إلى أوروبا

دفع عبد القادر 30 ألف جنيه (توازي 1653 دولاراً أميركياً)، لمهرب يُدعى سليمان غانم (اسم مستعار)، يقيم في مدينة قها (تبعد عن القاهرة 25 كيلومترا)، التابعة لمحافظة القليوبية، في مقابل تذكرة سفر إلى أثينا وجواز سفر يحمل تأشيرة إلى أوروبا صادرة من القنصلية اليونانية بالقاهرة، حسب ما رواه، بعد أن استطاع الخروج من مطار القاهرة والمرور من مطار أثينا بجواز السفر الذي لا يخصه، مُستغلاً عدم تعميم البصمة الإلكترونية في المطارات المصرية واليونانية، “إذ لا تطبق المطارات اليونانية بصمة العين أو بصمات الأصابع، على عكس الكثير من مطارات الاتحاد الأوروبي التي تُطبق بصمة الأصابع فقط”، وفق إفادة خاصة من كاتريزنايا كولانكو، المتحدثة باسم إدارة الشؤون الداخلية والهجرة بالمفوضية الأوروبية، التي أوضحت أن سلطة حماية البيانات الشخصية في اليونان رفضت في مايو/ أيار عام 2015، تفعيل نظام التحقق من المسافرين باستخدام بصمة العين وبصمات الأصابع في مطاراتها، “لمخالفته قانون حماية الخصوصية” الذي تبنته اليونان منذ عام 1997.

بعد وصول عبد القادر إلى أثينا، قرر التسلل إلى ألمانيا، وهناك حاول تصحيح أوضاعه بهويته الحقيقية ليعود إلى مصر بشكل رسمي حتى يتزوج من خطيبته التي تركها، لكنه لم يستطع. فاستقر في شرق ألمانيا، محاولا إلحاق خطيبته به بالطريقة ذاتها التي سافر بواسطتها، وهي الرواية التي أكدها والد خطيبته لمعدي التحقيق.

لكن خطيبة عبد القادر فشلت في تحقيق ذلك، كما سيتبين لاحقا، إذ تلقت علياء عبد الحميد (25 عاما – اسم مستعار)، اتصالاً هاتفيا من رقم هاتف مصري نهايته (2075) يخص سليمان غانم، وهو سمسار الهجرة السرية نفسه الذي ساعد خطيبها عبد القادر على التسلل عبر مطار القاهرة مساء التاسع من مايو/ أيار الماضي، خلال الاتصال أبلغها غانم بحزم حقائبها استعدادا للسفر يوم الأربعاء 11 مايو 2016 على رحلة الخطوط اليونانية رقم (A 3931) المتجهة إلى أثينا تمهيدا للذهاب إلى ألمانيا.

وحسب رواية والد علياء، أخبرها غانم بأن عليها أن تلتقي به قبل السفر بيوم واحد في مدينة قها بمحافظة القليوبية لتحصل على جواز سفر سارٍ ويحمل إقامة إيطالية، تخص سيدة تدعى لمياء حسين (اسم مستعار)، ترغب في بيعه، ما يمكن علياء من انتحال صفتها والسفر إلى خطيبها.

تجارة الجوازات والإقامات

مساء العاشر من مايو الماضي، التقت علياء مع غانم في قها، وسلمها جواز السفر الذي يحمل التأشيرة الإيطالية السارية للمياء حسين التي تقيم في مدينة القناطر الخيرية التابعة لمحافظة القليوبية أيضا. وكان برفقة غانم أثناء تسليم جواز السفر والإقامة لعلياء سمسار آخر يدعى محمد جميل (اسم مستعار)، وهو نفسه زوج صاحبة جواز السفر الذي ستحاول علياء الخروج به من مطار القاهرة.

اتفق غانم مع جميل الذي يعمل في بيع جوازات السفر على شراء جوازي سفر وإقامتين لزوجته لمياء وابنته الصغرى ذات العشر سنوات. ويحصل مالك جواز السفر والإقامة “الحقيقي” على ألف يورو مقابل بيع تأشيرته وجواز سفره للمهرب لمرة واحدة فقط، تنتهي بمجرد وصول الشخص (غير الحقيقي) إلى بلد الإقامة.

بعدها يتم استرداد جواز السفر مرة أخرى من الشخص الذي استخدمه لبيعه من جديد، أو استخراج بدل فاقد، بعد مرور أسبوع من وصول المسافر المتسلل إلى وجهته، ويكون ذلك بالاتفاق مع المهرب وبائع الجواز، وفق ما وثقه معدا التحقيق في مصر.

ويعتمد السماسرة حيلاً للتمويه عند تنفيذ مخططاتهم، تقوم على البحث عن جواز سفر يقترب عُمر مالكه من عُمر المسافر المتسلل، كما يتم التمويه بمرافقة أفراد من العائلة من أصحاب جواز السفر الحقيقي للمُنتحل، وهو ما جرى في حالة علياء خطيبة عبدالقادر التي دخلت أبواب مطار القاهرة لتسافر متسللة بجواز سفر وتأشيرة زوجة جميل، وكان في انتظارها المُهرب سليمان غانم وبرفقته طفلة أخرى تُدعى هدى محمود.

اتفق غانم مع علياء على أن يسلمها الطفلة هدى صباح يوم السفر، على أن تقول علياء – إن سُئلت – إن الطفلة ابنتها وتُدعى رباب محمد جميل، بحسب الاسم المدون في جواز السفر المصري والإقامة الإيطالية، على أن يستلمها أهلها الحقيقيون عند وصولها لمطار أثينا. ولا يسمح القانون المصري بسفر الأطفال إلا بصحبة الأب أو بتصريح منه في حالة سفرهم بمفردهم أو مع الأم، لذلك لجأ السماسرة إلى محمد جميل لمرافقة علياء وهدى في رحلة السفر.

ارتباك في صالة السفر

في صالة السفر بمطار القاهرة، وقف محمد جميل وأسرته “المزيفة” أمام ضابط الجوازات الذي مرّر جوازات سفرهم على جهاز إلكتروني للتأكد من صحتها وصحة التأشيرات، وختم أحدها قبل أن يلاحظ علامات ارتباك على وجه الطفلة هدى التي كانت علياء تتقمص دور أمها وجميل دور أبيها. تلعثمت الطفلة عندما سألها ضابط الجوازات عن اسمها، فقالت له اسمها الحقيقي المخالف للاسم المدون في جواز السفر، رغم تلقينها الاسم قبل دخول صالة السفر، ليتماشى مع الاسم المدون في جواز السفر الذي كانت تحمله لتتسلل به.

توتر هدى كشف الحقيقة، وكان وراء إحالة محمد جميل وهدى وعلياء إلى لجنة من ضباط الجوازات بالمطار للتحقق من الهويات والإقامات الخاصة بهم، ثم إلى النيابة العامة، التي وجهت لهم تهمة التزوير، وفقاً لمحضر رقم 9184 جنح النزهة.

وتضاف حالة هذه “العائلة المزيفة” إلى 767 حالة أُخرى ضبطتها الإدارة العامة لشرطة ميناء القاهرة الجوي والتابعة لوزارة الداخلية عام 2015، وهي تحاول المرور عبر مطار القاهرة بطرق غير شرعية من خلال التلاعب بجوازات سفر وتأشيرات دول أجنبية أو تزوير مستندات. وبحسب البيانات الموثقة التي حصلت عليها “العربي الجديد”، فقد تم ضبط 143 حالة مماثلة في شهر مارس/ آذار من عام 2016، و93 حالة خلال شهر مايو.

محاولة ناجحة

بالطريقة نفسها أيضا، تسللت رشا ممدوح (اسم مستعار)، من مطار القاهرة بإقامة إيطالية تخص زوجة سمسار هجرة سرية يُدعى عرفة الخولي (اسم مستعار)، والذي اتفق مع رشا على تسهيل سفرها، وطفليها، بإقامات لا تخصهم مقابل 100 ألف جنيه مصري، دفعتها له بالكامل بمدينة قها في محافظة القليوبية. وبالفعل صعدت رشا مع طفليها على متن الطائرة بعد مرورهم من بوابة الجوازات حاملين إقامات إيطالية وفرها لهم عرفة.

ويعيش عرفة في إيطاليا، وكان اسمه كثيرا ما يتردد أثناء البحث عن شبكة التهريب، وتبين من خلال الاستقصاء أنه أحد أبرز سماسرة الهجرة السرية عبر المطارات المصرية. ويستغل عرفة إقامته الإيطالية ووجوده بين العمال المصريين في إيطاليا، ليتفق مع حاملي إقامات على تأجيرها أو بيع جوازات سفرهم، التي تحمل تأشيرات سارية، لاستخدامها في القيام برحلات غير قانونية. ورفض عرفة التعليق على أسئلة معدي التحقيق برغم التواصل مع أقاربه في القليوبية لمنحه حق الرد.

تتبع مسار المهربين

بعد فحص الحقائق السابقة ومطابقتها عبر أكثر من مصدر، واجه معدا التحقيق والد علياء نور الدين، عبد الحميد باتهامات الشرطة لابنته وأقوالها في النيابة، التي تطابقت مع رواية خطيبها للقصة. لكن عبد الحميد قال إنه لم يكن يعلم بما فعله خطيب ابنته، وأضاف أن محمد جميل (صاحب الجوازات والتأشيرات الحقيقية) كان يحمل إقامتين إيطاليتين تخصان باقي أسرته، لاستخدامهما في تسفير آخرين بهما.

وبعد لقاء والد علياء، توصل معدا التحقيق عبر مصدر من مدينة القناطر الخيرية، التي ينتمي إليها جميل، إلى بيانات إقامتين إيطاليتين كانتا بحوزته، وتخصان اثنتين أخريين من بناته، وكانتا كالتالي، سلمي محمد جميل تحمل الإقامة رقم (*****i44)، وبثينة محمد جميل التي تحمل الإقامة الإيطالية رقم (*****i44).

قال والد علياء أيضًا إن ابنته لم تكن الحالة الوحيدة، “بل كان هناك خمسة آخرون على الرحلة ذاتها المتجهة إلى أثينا”. وأضاف أنهم “تسللوا بجوازات سفر لا تخصهم، وصعدوا جميعا على متن الطائرة وجلسوا على مقاعدهم دون أن يكشفهم أحد”. ولم يكن بالإمكان التحقق من صحة ادعائه، بسبب عدم معرفته بالأسماء، لكن محاضر شرطية موثقة تُفيد بالقبض على آخرين صعدوا على الرحلة، رقم (A 3931)، والتي تم الكشف عن علياء بها.

ويبلغ عدد المطارات الدولية والمحلية في مصر 22 مطارا، تقلع منهم 223 ألف رحلة جوية سنويا، نصيب مطار القاهرة وحده منها 144 ألف رحلة سنويا يسافر على متنها 13 مليون مسافر من إجمالي 26 مليون مسافر هو عدد المسافرين سنويا، وذلك بحسب إحصائيات وزارة الطيران المدني لعام 2015.

البحث عن سمسار

توجه معدا التحقيق في مصر إلى مدينة القناطر الخيرية وتظاهرا بأنهما شابان يسعيان للحصول على وثائق تساعد في السفر لأوروبا بطريقة أكثر أمانا من البحر، مستغلين حادثة غرق مركب رشيد في سبتمبر/ أيلول الماضي.

في الطريق إلى قرية أجهور الصغرى التي ينتمي إليها المهربون، وفق ما جاء في محاضر الشرطة الخاصة بفقدان جوزات السفر المستخدمة في عملية التهريب، التقينا بموظف في الخمسينيات من عمره يعمل في هيئة إسعاف القاهرة، لكنه من قرية مجاورة، سألناه عن طريق للوصول إلى القرية، فكان رده مباغتا: “ليه عاوزين تسافروا إيطاليا؟”. ثم قال: “إنتو شباب ومافيش حد غريب بيروح البلد، ومش عارفها ولا عارف حد فيها إلا عشان يسافر لإيطاليا، والقرية دي مشهورة بسماسرة التسفير، وأنا ابني في إيطاليا وسافر عن طريقهم”.

عبر البريد الإلكتروني راسل معدا التحقيق السفارة الإيطالية في مصر، للرد على الأسئلة المتعلقة ببيع إقامات المصريين في إيطاليا لمهربين. وجاء رد السفارة على لسان هويدا عبد الحميد، مساعدة الملحق الصحافي، “يسرنا التعاون معكم، ولكن ليست لدينا معلومات كافية في الوقت الحالي”. وتواصلنا مع وزارة الخارجية الإيطالية، لكنها لم ترد على أسئلتنا، رغم مرور المهلة التي حددناها في الطلب.

قبل الخروج إلى مدينة القناطر، تواصل معدا التحقيق مع أحد سماسرة الهجرة السرية عبر البحر، ويدعى أبو محمد، الذي أوضح أن “لكل سمسار طريقة”، مؤكدا أن طريقته هي البحر فقط، وأنه لا يعمل في تبديل جوازات السفر والإقامات الأوروبية، مضيفا: “تعتمد على شراء جوازات سفر وتأشيرات، واللي بيشتغلوا في الموضوع ده بيكونوا أصلاً قاعدين في إيطاليا وعندهم إقامات، وبيقدروا يأجروا جوازات السفر من القريبين منهم، وأغلبهم بيجددوا جوازات سفرهم كل فترة قريبة”.

حديث أبو محمد عن أن مهربي “المطارات” يعتمدون على تجديد جوازات سفرهم بشكل شبه دائم، أكد ما قاله سمسار الهجرة السرية متولي يحيى (اسم مستعار)، الذي يعمل مع المهرب عرفة، بأنه وأسرته جددوا جوازات سفرهم أخيرا بعد أن حصل على إقامة شرعية إيطالية بعد خمس سنوات من سفره، ما مكنه من إرسال دعوات سفر لزوجته وأبنائه ليلحقوا به، ويستخرج لهم إقامات إيطالية شرعية.

في يونيو/ حزيران الماضي، واجه معدا التحقيق المهرب يحيى في منزله بالقليوبية، وعبر بيانات 4 حالات موثقة لمتسللين عبر مطارات القاهرة وأثينا، تبين أن جوازات سفر وإقامات زوجة وأبناء “متولي يحيى”، كانت من بين الوثائق التي استخدمها مهربون وباعوها للراغبين في السفر.

في البداية، أنكر يحيى علاقته بالسماسرة، وادعى أن الجوازات والإقامات سُرقت من زوجته واستغلها آخرون. لكن معدي التحقيق واجهاه بوثائق تثبت تحريره محضر السرقة بعد يومين من رحلة الهجرة السرية من مطار القاهرة إلى أثينا. وبحسب يحيى، “فإن من يبيعون جواز السفر والإقامة لا يتعرضون لأي ضرر، لأن المهرب يحصل منهم على الجواز والتأشيرة لمدة شهر، ويعيدها مرة ثانية.

وفي حال تم كشف الإقامات فإن المهرب لديه محضر في الشرطة المصرية وآخر من الشرطة الإيطالية يستصدر بموجبه تأشيرات ثانية، ويخلي مسؤوليته من الأولى التي تظهر على أنها عملية سرقة”.

في مايو 2016، تعاقدت وزارة الطيران المدني المصرية على شراء أجهزة بصمة اليدين والعينين، ووضعتها في مطار القاهرة ولكن فقط لمسافري الـVIP، بهدف تسهيل عبورهم من المطار من خلال بوابة إلكترونية، دون الوقوف في طابور الجوازات لتصبح الخدمة اختيارية لا إجبارية، وبمقابل اشتراك سنوي يزيد عن ألفي جنيه (110 دولارات)، غير أن هذه الخدمة لم تسد الثغرات على أبواب الجوازات، لأنها اختيارية وبمقابل مالي، ولا تنطبق على جميع المسافرين.

واكتفى المهندس محمد سعيد محروس، رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية القابضة للمطارات والملاحة الجوية، المسؤولة عن المطارات، بعد عدة محاولات للوصول إليه، بالرد قائلا إن “أجهزة البصمة تخص دخول العاملين والموظفين في المطار فقط وليس المسافرين، إذ إنها كانت ملحوظة من لجان التفتيش التي تمت على المطارات المصرية، لإحكام دخولهم وتأمين مرورهم، وليست مخصصة للمسافرين، كما أن البوابات الإلكترونية التي تم تفعيلها هي مخصصة للمسافرين الـVIP”.

المفوضية الأوروبية

تمكنت أجهزة الشرطة في دول الاتحاد الأوروبي من ضبط مصريين يبيعون تصاريح إقامتهم في أوروبا إلى بعضهم البعض، ويبيعون جوازاتهم التي تحمل تأشيرات شنغن إلى آخرين، مستغلين عدم وجود بصمة عين في مطارات مصرية وأوروبية، للتحقق من هوية المالك الأصلي لجواز السفر وتأشيرة الإقامة، وفق ما قالته المتحدثة باسم إدارة الشؤون الداخلية والهجرة بالمفوضية الأوروبية كاتريزيانا كولانكو، في ردها على أسئلة معدي التحقيق.

وكشفت أن عدد تأشيرات شنغن قصيرة المدة (ستة أشهر) (Short-term visa) التي حصل عليها مصريون لليونان وإيطاليا كانت 29709 تأشيرات إلى اليونان منذ عام 2011 وحتى عام 2015، فيما بلغ عدد التأشيرات إلى إيطاليا خلال الفترة ذاتها 65064 تأشيرة.

وصنف تقرير المخاطر الصادر عن الاتحاد الأوروبي مصر، في إصداره للربع الثاني من العام 2016، باعتبارها دولة مصدرة للهجرة السرية باستخدام وثائق أصلية بقصد الاحتيال. واعتبر التقرير أنّ حالات الاحتيال هذه “في ازدياد عبر مصر، إذ ارتفعت 14% خلال ثلاثة أشهر من بداية العام وحتى منتصفه”، وأن “نسبة 31% ممن يستخدمون هذه الوثائق مصريون”، فيما تستخدم النسبة المتبقية من جنسيات أخرى مصر طريقاً لهذا النوع من الهجرة.

واعتبر التقرير الذي حصل عليه معدا التحقيق بطلب رسمي من وكالة “فرونتكس” الأوروبية – ومقرها دبلن – أنّ المصريين “كانوا إحدى الجنسيات الأكثر استخداماً للإقامات الأصلية في إيطاليا في عمليات الاحتيال للدخول إلى أوروبا”، إذ أُلقي القبض على 65 حالة في عام 2015، و41 حالة حتى النصف الأول من العام 2016. كما استجوب المئات من المصريين أثناء الدخول بوثائق صحيحة (بدل فاقد)، بعدما استخدم آخرون وثائقهم الأولى.

وورد في التقرير أنّ المصريين “كانوا من بين أكثر 10 جنسيات احتاجت القوة لإجبار من تم القبض عليهم للعودة إلى بلدانهم”، إذ تم ترحيل 1102 مصري بالقوة عام 2015، و667 مصرياً آخرين خلال النصف الأول من 2016.

القانون والعقوبة

يرى محمد كمال النويهي، المحامي بالنقض، أن مواد قانون العقوبات المصري “غير رادعة، وتساهم في استمرار التسلل عبر مطارات مصر بجوازات سفر وإقامات لا تخص حامليها”، ويرجع ذلك إلى “عدم تغليظ العقوبة كما في المادة 217 من قانون العقوبات”.

وتنص المادة 217 من قانون العقوبات المصري المعدل بالقانون رقم 95 لسنة 2003 على أن “كل من صنع تذكرة مرور أو تذكرة سفر مزورة أو زور في ورقة من هذا القبيل كانت صحيحة في الأصل أو استعمل إحدى الأوراق المذكورة مع علمه بتزويرها يعاقب بالحبس وتكون العقوبة السجن الذي لا تزيد مدته على خمس سنوات”.

ويضيف النويهي أن استخدام المهربين للمطارات المصرية للتسلل، مستغلين ثغرات في بوابات الجوازات، “يجب أن يكون جناية، لأنه يمس الأمن القومي المصري”. ويؤكد النويهي على أن تغليظ العقوبة والتعديل التشريعي، بجانب سد الثغرات في المطارات المصرية “من شأنه وقف التسلل والهجرة غير الشرعية عبر المطارات”.

*تم إعداد التحقيق بدعم من شبكة (أريج) “إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية”

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كوابيس «إعادة الإعمار» في دمشق وريفها/ جنا سالم

      ما الذي ينتظره السوريون اليوم؟ أو ماذا ينتظرهم؟ الجميع دون استثناء يترقب ...