الرئيسية / صفحات الثقافة / ثورات عربية ولكن!

ثورات عربية ولكن!

 


فاروق يوسف

بعدما عاش العرب خريفاً طويلاً استمر عقوداً، ها هو الربيع يطرق أبوابهم التي صدئت عليها المراثي. لكن هل علينا أن نصدّق أن ليس هناك من يد غريبة امتدت لتلعب بالخيوط التي تحرّك الوقائع في واحدة من أكثر المناطق اثارة للفضول في العالم، لجهة ما تملكه من ثروات طبيعية وبسبب وجود اسرائيل في قلبها، كياناً منبوذاً من المحيط العربي؟

 

شهدت هذه المنطقة هزيمة كل محاولات التقدم وانتصار ثقافة الاستهلاك التي تروّج للكسل والاقتصاد الريعي عبر النموذج الخليجي وتحوّل دعاة الثورة والتغيير طغاة، فصار الحكم ينتقل وراثياً في جمهوريات يبدو انها تحولت أملاكاً عائلية، وازداد عدد الفقراء والاميين وتفاقمت مشكلات التباين الطبقي. كما مثّل غزو العراق ومن ثم احتلاله وتدمير الدولة فيه وتفكيكه عرقياً وطائفياً، لحظة غريبة وشاذة من نوعها في التاريخ المعاصر، حيث تم كل شيء بدعم من انظمة عربية عدة بعيداً عن الشرعية الدولية. وما بين مفهومي الوطن العربي والشرق الأوسط، كانت فكرة الحياة على مستوى النوع تقترب قاب قوسين أو أدنى من الموت السريري. يقال إن موقع “فايسبوك” الالكتروني لعب دوراً كبيراً في إثارة المتاعب لأنظمة لم تعهد من قبل سلوكاً جماهيرياً مضاداً وبأسلوب سلمي. لكن “فايسبوك” فضاء افتراضي يمكنه أن يكون ممراً أميناً لجهات لا يمكن الكشف عن هويتها. الأهم من هذا كله، سؤال يتعلق بالمصير الذي ينتظرنا بعد هذه الثورات. فهل تحمل تلك التحولات  إلى المجتمعات العربية نوعاً من الاستقرار الذي من شأنه أن يطلق مشاريع تنموية حقيقية في ظل حراك ديموقراطي ميسر؟ ثم هل يعقل أن يقف الغرب مكتوف الايدي وهو يرى اسرائيل، طفلته المدللة ومعجزته، وهي تغرق في بحر من الديموقراطيات؟

وقائع معلنة

“بن علي هرب”، صرخ الشاب عند الفجر، فاستيقظت تونس كلها. تبيّن في ما بعد، أن ذلك الشاب يعمل في المحاماة. لم يكن تصويره وهو يصرخ في الشارع في ذلك الوقت  بالذات قد حدث بالمصادفة. كان الرئيس التونسي قد هرب فعلا. في مصر تحول وائل غنيم، وهو شاب يعمل في احد فروع “غوغل” في دبي، بطلاً قومياً. عاد غنيم الى عمله غير أن حسني مبارك، وهو أعز أصدقاء أميركا وإسرائيل، ذهب وولديه الى السجن. في الحالة الليبية لعبت قطر دوراً مؤثراً وحيوياً في وقت مبكر من الصراع. روسيا والصين ورّطتا القذافي بوعود صدّقها، وحين وقع في الفخ تخلّتا عنه. وهو الدور نفسه الذي تلعبه الدولتان الآن مع بشار الاسد. واحدة من البوارج الاميركية توجّه قذائفها لتصيب الرئيس اليمني وحاشيته ويتم نقلهم على وجه السرعة الى السعودية. لم يظهر أي أثر لتنظيم “القاعدة” طوال شهور الأزمة اليمنية، ومع أول اشارة من الرئيس اليمني للانتقال الى الحل العسكري، استولت “القاعدة” على زنجبار. الأردن والمغرب بقيا هادئين، وكانت دعوة مجلس التعاون الخليجي المملكتين للانضمام إلى المجلس قد اثارت الكثير من الريبة والاستغراب، فاليمن وهو اقرب الدول الى منطقة الخليج، رُفض طلبه الانضمام الى ذلك المجلس مرات عدة. ألا تعني تلك الدعوة نوعاً من المكافأة والحماية؟ مملكة البحرين كانت استثناء (هي كذلك دائما)، غير أن ذلك الاستثناء تم كبح جماحه وبقوة الرضا الغربي.

بين النظرية والواقع

لا أحد في إمكانه أن يشكك في مشروعية الثورات في منطقة يعاني الإنسان فيها تدهوراً هائلاً في مستوى حريته وكرامته، بل وقدرته على الحفاظ على النوع. هناك مليون سبب للثورة في كل مكان من الوطن العربي: الفقر، البطالة، القمع، الاضطهاد، الاذلال، مصادرة أكثر أنواع الحريات هامشية، الفساد الاداري والاقتصادي والسياسي، وغيرها من مظاهر تهميش الشعب وعدم احترام انسانيته والاستفراد بثرواته وحرمانه ابسط حقوقه. لكن هذه المظاهر اشتبكت بسبب تاريخيتها بطابع العيش ولغة التعبير اليومي، بحيث صارت كما لو أنها فولكلور ضروري لا يمكن تصور شكل للحياة من دونه. كان العراقيون يقولون بغباء ممزوج بالحيرة: إذا أزيح صدام حسين عن الحكم فلن نجد رئيساً أكثر صلاحية منه للحكم. وظّف صدام تلك المقولة لصالح بقائه حين كان يكرر انه لن يسلّم العراق إلا تراباً. وهي الأمنية التي حققها الاميركيون له عام 2003. تلك المقولة، بكل ما تنطوي عليه من قهر واستسلام للعبودية وسوء فهم عظيم لفكرة السلطة وآلياتها، يكررها غير شعب عربي. يقولها السوريون عن الاسد (الاب والابن)، ويقولها الليبيون عن القذافي، واليمنيون عن علي صالح، وكان الفلسطينيون تداولوها وهم يشيدون بحنكة زعيمهم التاريخي عرفات. كانت هناك دائماً مسافة كبيرة تفصل بين المشروعية (النظرية) والواقع (المادي). ولأن النظرية تحتاج دائماً إلى مادة تتجسد من خلالها واقعياً، فقد كانت تلك المادة في حالة الثورة العربية مفقودة. حتى يُخيّل إليَّ أن الحكام أنفسهم كانوا يشعرون باليأس من الشعوب التي يحكمونها. ذلك الشعور هو مصدر الصدمة التي جعلت زعيماً يدّعي الثورية مثل القذافي، غير قادر على استيعاب فكرة أن تطالب الجرذان بتنحّيه عن الحكم. لقد كان طوال 42 سنة يستولي على ايرادات ليبيا من بيع النفط، من غير أن يسمع كلمة واحدة تنهره. بل كان يقول للشعب بصراحته المعهودة: “انسوا النفط”.

ضعفاء مستبدون

كان الغرب المبتهج الآن بالثورات العربية هو أكثر الجهات دعماً لبقاء الأوضاع السياسية العربية في حالة ركود. حكومات ضعيفة وشعوب أكثر ضعفاً، أموال النفط المنهوبة تعود إلى الغرب على شكل ودائع بنكية واستثمارات وعقارات ونواد رياضية وصالات قمار ويخوت. الفائض من تلك الأموال يتم حرقه من طريق شراء أسلحة لبلدان ليس لها جيوش، مثلما يحدث في الامارات العربية المتحدة. سلوك من هذا النوع، ليس غريبا على الغرب، فهو ينبع من صلب مبدأ نفعي هو بمثابة الزيت الذي ييسّر حركة عجلات ماكينته. لقد أثنت هيلاري كلينتون قبل ايام من نزول الشباب المصري إلى الشوارع، على حسني مبارك باعتباره الرئيس المناسب لحكم مصر. وهذا هو رأي الغرب ببن علي وعلي عبد الله صالح وبشار الاسد، وإلى حد ما بالقذافي. فهؤلاء لا يحكمون بلداناً أو شعوباً أوروبية، بل هم صالحون لحكم شعوب لا ينظر الغرب إليها بقدر لافت من الاحترام، إذا لم يكن بقدر غير خاف من الاستخفاف. يمكننا أن نجد في ما يشهده العراق من وقائع قتل يومي، خير دليل على ذلك الموقف المتدني أخلاقياً. كل ذلك القتل الذي شهده العراق في ظل الاحتلال ولا يزال يشهده يومياً، لم يدفع صنّاع القرار السياسي في الغرب إلى اظهار أي نوع من الاكتراث به. لذلك ينبغي النظر بحيطة إلى ما ينطوي عليه الموقف الغربي المتحمس لحماية الشعب الليبي وإنقاذه من سلوك القذافي، باعتبار ذلك السلوك يمثل جريمة في حق الانسانية، وهو حكم صحيح. لكن، أليس قتل العراقيين أو الفلسطينيين هو الآخر جريمة في حق الإنسانية؟ في كل خطوة يلقيها، يرعى الغرب مصالحه، ضمن الحدود الضيقة لمعنى المصالح. لم يكن الغرب يوماً مثالياً إلا ضمن حدوده الجغرافية.

الفوضى هي الحل

في سياق تلك التجربة، يمكننا القول إن الغرب اتخذ قراره بالتخلص من انظمة فاسدة انتهت صلاحيتها وصار فسادها عبئاً عليه. لكن، ليس وجود تلك الانظمة بكل وضاعتها هو ما يُحرج الغرب. ما يُحرجه فعلاً، هزال تلك الانظمة وتفرغها للنهب والسرقة وادارة الاموال، الامر الذي أدى إلى فراغ سياسي واضح، من شأن استمراره أن يؤدي إلى سهولة الانقلاب عليها. حدثٌ من هذا النوع، قد يُدخل الغرب في متاهة مفاجئة غير متوقعة النتائج. اضافة الى أن نشوء واقع ديموقراطي حقيقي في البلدان العربية لا بد من أن يضيّق الخناق على اسرائيل. ذلك التحول إن حدث، سيسقط أيضاً حجة الغرب في دعم كل اجراء عدواني تقوم به اسرائيل باعتبارها نقطة الاشعاع الديموقراطي وسط ليل الاستبداد. بالنسبة الى الغرب، فإن الدفاع عن اسرائيل انما هو دفاع عن روح الديموقراطية. وتلك كذبة سيكون التمسك بها صعباً لو أن المحيط العربي شهد تحولاً ديموقراطياً هادئاً تقوده نخب وطنية لها تاريخ سياسي مشرّف. إذاً، الفوضى هي البديل المناسب. فما إن تتخلص الشعوب العربية من تلك الأنظمة، حتى تواجَه بمشكلة لن يكون حلّها يسيراً إلا بوجود دولة قوية (في حالتي تونس ومصر لا يمكن التثبت من وجود تلك الدولة). تتلخص تلك المشكلة في أن ما حدث من تأزم وتدهور في العلاقة بين الشعب والقوى المحافظة على الأمن أثناء التظاهرات، قد ثلم جزءاً كبيراً من الاستقرار والأمن، وهما شرطان مهمان من شروط العودة إلى الحياة الطبيعية.

النهار

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

31 + = 38

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...