الرئيسية / صفحات مميزة / ثورة الإنسان في سوريا …

ثورة الإنسان في سوريا …


د. هدى زين

لقد بدأت ثورة كرامة أضافت لطبيعتها منذ البداية بعدا إنسانيا منحها طابعا أمميا يتجاوز في معطياته الحدود الاقليمية ويهيئ الإمكانية لكل من يتطلع إلى الحرية و التحرر في العالم من أفراد و جماعات و مؤسسات إلى التفاعل مع هذه الثورة و العمل على دعمها و دفعها إلى الأمام من منطلق أن حرية الإنسان ـ أي إنسان ـ في بقاع الأرض هي جزء من تحرر الإنسانية جمعاء …  لكن الواقع يظهر لنا أن الإنسان فردا و جماعة في كل مكان على هذه الأرض مازال عبدا لأنظمة حاكمة أو ظروف اجتماعية محاطة بالقيود و علاقات اقتصادية تطفح بالاستغلال و وعي مضلل لا تحركه مشاهد المواطن السوري الذي تستفرد به سلطة دولة أمنية تُقطَع أوصال البلاد بالدبابات و أوصال الأفراد بأدوات القتل و التعذيب … الجميع يتعاطف و يتفرج بشكل سلبي على بهيمية سياسة السلطة السورية و إفراطها الجنوني في اغتصاب الأرواح والأجساد والكرامات و الرموز و الحقوق و كل شيء … هذا يفتح أعيننا على حقيقة جلية أن الإنسانية كمفهوم والإنسان كجنس وكوجود هما في حالة عجز كامل عن مساندة القضية الأزلية و الجوهرية للإنسان ألا وهي الحرية والكرامة لكل إنسان في كل المجتمعات الإنسانية بكل أنحاء العالم … هذا يعني أننا و نحن نعيش في القرن الواحد و العشرين الذي وصل فيه التطور العلمي و التكنولوجي و الاتصالي و الثقافي إلى أعلى درجاته و الذي يتباهى فيه الغرب العاهرسياسيا و الشرق المتخلف على الأقل أخلاقيا يعني أننا أي الإنسانية رغم كل هذا التطور مازالت تعيش عصرها البدائي المتخاذل و البربري لابل و بالاستناد إلى الفيلسوف الألماني أدورنو هي أكثر انحطاطا و بربرية من عهودها الآفلة لأنها أصبحت تعقلن تخاذلها و بربريتها و تستخدم التطور العلمي و الاتصالي في ممارسة المزيد من البربرية  بطرق ذكية تخفي حجم الهمجية الممارسة على المحكومين و تسمح لها بالاستمرارو الاستقرار….  إنه لشيئ مخيف أن الشعوب في العالم لم تعد تتحرك أو تشعر بأن مايحدث من انتهاكات لكرامات و قيمة الانسان في أي بقعة في العالم هو أمر يخصها و يخص إنسانيتها بشكل مباشر و بأن مايحدث في سوريا لم يحرك شعبا في العالم للقيام بمظاهرة حاشدة تضامنا مع الشعب السوري الأعزل الذي تحصد أرواحه كل يوم أسلحة السفاح ممثلا بالنظام السوري بدون أن يتوفر لهذا الشعب أي منفذ أومهرب من هيستيريا القتل المرعب …  حتى الشعوب العربية تخاذلت حينما توقفت عند حدود التعاطف السلبي مع الشعب السوري فلم تخرج حتى اليوم مظاهرات مهمة للضغط على الرأي العام أو على ــ جامعة الأنظمة العربية ـ اللهم إلا بعض التجمعات المتضامنة الخجولة هنا وهناك في الوقت الذي خرج الشعب السوري و هو يسبح في بحر دمائه ليهنئ الشعب الليبي في انتصاره و ليهتف للشعب اليمني الصامد  …

إن عهر السياسة الغربية و انحطاط سياسة روسيا و الصين و سواها و جبن واستبداد الأنظمة العربية الخائنة لشعوبها يحتم على ثورة شعب البحرين المظلوم و شعب اليمن العنيد و شعب سوريا الجبارأن تكون ثوراتهم ثورات ذات اكتفاء ذاتي أي أن هذا يتطلب ابتكار طرق و أفكار جديدة لمواصلة النضال ضد كل من الحكومات الطاغية في البحرين واليمن وسوريا … لأن مصالح الدول الغربية و غير الغربية لم تكن يوما مع مصالح الشعوب إلا بالصدفة إذا جاز لنا هذا التعبير الغريب عن عالم السياسة …

السؤال الآن:

 ماذا يفعل شعب تحصد أرواحه كل يوم آلات القتل الأمنية و العسكرية و تنكل في أعضاء أجساد شبابه و نسائه و أطفاله رصاصات وأحذية شبيحته التي تقتحم بيوته دون اعتبار لحرمتها متسلقة أبوابها معتقلة أبناءها تنهب وتحرق الممتلكات .. تستهتر بالمقدسات تخطف النساء و تحاصر الرجال في كل مكان حتى تهلكهم جميعا .. تستميت في تأجيج مشاعر الغضب والكره والتحريض على روح الانتقام و الطائفية دافعة الشعب بكل ماتملك من وسائل إلى حمل السلاح والاقتتال الداخلي حيث تكون الطامة الكبرى و الكارثة العظمى التي يمكن أن تُدخل البلاد إلى عراق جديد أو دارفور جديدة أو رواندا أخرى … ماذا يفعل هذا الشعب الذي تتواطأ دول العالم مع نظامه الحاكم و تتخاذل الدول العربية معه بعدم اتخاذها موقفا حازما وذلك لطبيعتها الاستبدادية المشابهة وتبعيتها لمواقف الدول الكبرى و تعجزالشعوب عن القيام بأي شيئ للتضامن العملي معها لأنها شعوب مازالت عاجزة أصلا حتى عن تغيير واقعها .. ماذا يفعل هذا الشعب الذي مازالت معارضاته الوطنية تحوم حول نفسها جاهدة للتوصل إلى اتفاق جوهري يكون سندا حقيقيا لانتفاضة الشعب السوري دون التوصل إلى نتيجة نهائية حتى الآن … ماذا يفعل هذا الشعب الذي مازال جزءا هاما من أبنائه مختبئا في قوقعاته منتظرا وضوح الرؤية و آفاق التغيير ومتخوفا من حكم إسلامي في مجتمع متعدد الانتماءات أو من حكم الفوضى الذي يضيع فيه الأمن و الأمان في المجتمع … وخادعا نفسه معتقدا بأن استمرار الصمت هو الوقوف في نقطة اللاموقف …

الشعب الذي دخل معركة الحياة والموت معتبرا أن قوته تكمن بنقطة ضعفه أي بسلميَة حراكه الشعبي والذي كان يحمل هتافات ذات مضمون مدني لاطائفي والذي كان يصرعلى عدم القبول بالتدخل الخارجي و خاصة العسكري منه لاستيعابه بأن التدخل الخارجي لايعني إلا التبعية والرضوخ للخارج في المستقبل … الشعب الذي كان في كل يوم جديد و مازال ينهض من بين جثث شهدائه وآلام جرحاه وعذابات معتقليه ليثورمن جديد ضد الظلم والقهروالإذلال مستمدا قوته من إرادته ومن استعداده لدفع الثمن الغالي من ذاته ومن حياته ومستمدا موضوعية نضاله من أزمة بلاد تفجرت مكنوناتها ولم يعد بإمكان أحد أن يدفنها في أقبية النظام المظلمة أو في أعماق الذات المهزومة .. هذا الشعب يقف اليوم أمام بداية مرحلة جديدة من نضاله الملحمي الذي يُسطر فيه أجمل أشكال النضال وأكثرها آلاما و أمام تحد كبيروخطيرللغاية  .. وذلك لأنه بعد نضال مريردخل شهره السابع يجد نفسه وحيدا أو شبه وحيد دون دعم حقيقي ومساندة عملية من أي جهة .. فحتى المعارضات التقليدية وغيرالتقليدية الوطنية المختلفة في الداخل و الخارج تتحرك بما تسمح لها إمكانياتها التنظيمية و قدراتها الديناميكية و أفقها الثقافي أو الايديولوجي و هذه المعطيات تبدو أنها مازالت ضيقة الأفق بطيئة الحركة فيها شيئ من مرض تصلب الشرايين مقارنة مع ما يتطلبه الواقع … وهذا ليس اتهاما وبطبيعة الحال ليس تخوينا لهذه المعارضات وإنما إشارة إلى مواطن ضعفها وعجزهاعن تحقيق اجتماع كل أطيافها على طاولة واحدة حتى هذه اللحظة و الاتفاق على برنامج عام يجمع بين أمرين أولا موقفها الواضح التحليلي و التقييمي من تداعيات الانتفاضة السورية ومن نظام السلطة الحاكم و ثانيا أن يكون هذا البرنامج محددا  بمبادئ عامة ماقبل دستورية قائمة على أرضية الوطن و المواطنة معا بتضمن المبادئ الأساسية ماقبل  الدستورية الموجودة في الكثير من دساتيردول العالم (مبادئ الحقوق الأساسية في الدستور الألماني على سبيل المثال تضم 19 مبدأ ويمكن الاطلاع عليها والاستفادة من خبرات الشعوب الأخرى) والتي تتضمن مثلا مبدأ مدنية الدولة و توضيحه كمصطلح حتى لايتم التلاعب فيه في وقت لاحق ومبدأ تساوي المواطنين أمام القانون وأن يكون مبدأ الدين لله والوطن للجميع واضحا صريحا لا التفاف حوله لأن سوريا لايمكن أن تُحكم  بمرجعية دينية معينة لسبب موضوعي وهو أن كل أديان و طوائف العالم موجودة في سوريا و حتى فيها عدد لابأس فيه من الملحدين الذين لايؤمنون بوجود الله و كل هؤلاء بدون استثناء لهم الحق كأبناء وطن واحد أن يتساووا أمام القانون في حقوقهم وواجباتهم  كمواطنات و مواطنين وفي نفس الوقت لهم الحق في حرية المعتقد و الانتماء الديني أو الاثني الخ و هذا يضمنه القانون المدني فقط .. لقد حان الوقت الذي تعلن المعارضة بشكل واضح لالبس فيه عن النقاط الاشكالية كهذه النقطة بدون هروب أو التفاف أو استخدام عبارات مطاطية فالهروب من تسمية الأمور بمسمياتها الواضحة هو هروب من تحمل مسؤولية المعارضة أمام ثورة الشعب العظيمة وهو إسهام غير مقصود في إعطاء النظام المزيد من الفرص في قتل وإهلاك الشعب  … و حان الوقت أن تكف بعض أطراف المعارضة عن تخوين بعضها و استبدال النقد البناء الجاد و المفيد بمهاترات و اتهامات سطحية أو ايديولوجية لاتعبر فيها إلا عن عجزها عن أن تواكب الحراك الثوري السوري العظيم …

و لابد عند استكمال مبادئ البرنامج الذي من المفترض أن تتقق عليه المعارضة من توثيقه بوثيقة مكتوبة توقع عليها أطراف المعارضة المتعددة و تكون ضامنا لشكل السلطة في سوريا المستقبل بحيث تكون هذه الوثيقة المدونة هي الضمان لجميع أطراف المعارضة لما بعد سقوط النظام لايستطيع أحد فيما بعد التنصل منها أو التلاعب بمصطلحاتها ومفاهيمها وتكون بنفس الوقت محفزا للفئات الصامتة في سوريا التي ماتزال تعيش على هامش الحراك وتتعايش مع حالة الترقب السلبية كما أن هذه الوثيقة ستكون رسالة موجهة للعالم بأجمعه والذي لن يتحرك بطبيعة الحال إلا حسبما تتطلب مصالحه ولربما تقترب مصالحه عبرهذه الوثيقة من مصالح الشعب ولربما يزيد من ضغوطاته السياسية على السلطة في سوريا …

 بدون اجتماع المعارضات المختلفة معا و بدون الاتفاق الواضح الشفاف والمُدون أي الموثق من أطراف المعارضة المطَلعة على مايسمى عادة بالقوانين الأساسية التي توضع كمقدمات ضرورية ولازمة للدستورو بدون التوقف عن سلسلة التخوين و الحكم على الآخرين من زوايا ايديولوجية أو حزبية ضيقة ستكون المعارضة السورية المنظمة والمستقلة قد عجزت عن القيام بمسؤوليتها التاريخية في هذه اللحظة الفاصلة لنضال الشعب السوري وعندها  ستتحمل مسؤولية عجزها وتقصيرها أفرادا و جماعات و هيئات أمام التاريخ سواء اعترفت بنفسها بذلك أم لم تعترف وأنا بشخصي الفردي أعلن بأني سأشعر بمسؤوليتي الشخصية المباشرة تجاه العجزعن العمل على تحقيق هذه المهمة للمعارضة بحق أبناء مجتمعي السوري حتى لو كنت فردا مستقلا لاانتمي لحزب وحتى لو كنت غير معروفة إذا لم تؤد المعارضات المختلقة مهمتها المنوطة بها.. حينها علينا جميعا أن نتوقف عن مضغ الكلمات و الأفكار غير الحقيقية  في كتاباتنا و عقولنا إن لم نستطع أن نقوم بمهمتنا الكبيرة تجاه شعبنا الذي مازال يواجه بسلميته ديناصورالإرهاب الأمني …

 فإن كنا اليوم نستطيع أن نصوغ أفكارا جديدة و نستعرض تحليلاتنا السطحية منها والعميقة عن حيثيات الثورة السورية فهذا فقط لأن الواقع الثوري هو المصنع الحقيقي لأفكارنا الجديدة وهو منتج الأفكار لأقلامنا وملهمها لعقولنا وكل مانقوم به نحن الثائرون بالكلمات والأفكار رغم أهميتها هوالتقاطها من أرض هذا الواقع والعمل على تحليلها و تنسيقها و تأطيرها و ربطها بأفكار أخرى …  إن الواقع الثوري هذا يدفع بنفسه نحو عقولنا و أقلامنا حتى نصوغه على شكل كلمات و أفكار وعلاقات …

مرة أخرى إذا عجزنا كمعارضة عن إنجاز مهمتنا وبقينا نصرخ في الفضائيات و بالأقلام فعلينا على الأقل أن نعترف بأننا نتحمل تاريخيا جزءا من المسؤولية إذا تحولت بوصلة الثورة إلى الخيار الكارثي في التسلح أو التدخل الخارجي العسكري … و علينا بعد ذلك أن نلتزم شيئا من الصمت العميق و بعض الهدوء الفكري علنا نعيد إنتاج أنفسنا كما يعيد الحراك الثوري إنتاج الواقع و الوعي من جديد … وعلينا أن لاننسى أن ثورة الشعب السوري هي ثورة إنسان حتى اليوم لابد لها أن تنتصر إذا لم يتغير اتجاه بوصلتها …

الحرية و الكرامة لشعبنا في سوريا ولكل إنسان على هذه الأرض …

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...