الرئيسية / صفحات سورية / جرائم الكراهية في سورية !

جرائم الكراهية في سورية !

 


نصر حسن

كثيرة هي اللحظات المظلمة في التاريخ الإنساني , وكثر من الديكتاتوريين الذين انتهكوا حرية الشعوب , وعديدة هي تجارب الاحتلال وما رافقها من عنف وانتهاك حقوق الأفراد, حدثت معظمها في عصر ما قبل الدولة الوطنية حيث طغيان الروابط العصبية الكريهة التي تنظم العلاقات البينية الأفقية بين مكونات الشعوب والعمودية بين الحاكم والمحكوم , بمجملها شكلت جروحا ً في الضمير الإنساني حاولت الأديان السماوية وقوى التنوير والحداثة والعقلانية القطع معها ,وأنقذت البشرية من شرورها وآثامها وعملت على تنظيف الحياة الإنسانية من هذا العار ,ووضعت أسس استبدالها بمنظومة قيم إنسانية جديدة قائمة على الحريات والمساواة واحترام قيمة الفرد وحددتها حتى في لحظات الصراع والاحتلال والحروب ,ولخصتها شرعة حقوق الإنسان التي تعتبر خلاصة الخير في التطور الإنساني وشكلت الأساس القانوني والأخلاقي للحفاظ على كرامة الفرد وحقوقه في شتى الظروف والأحوال والدول .

بيد أن معظم تلك الحالات غير الإنسانية وقعت بين قوى خارجية متمثلة بالاحتلال وبين الشعوب المحتلة , مع بعض الحالات التي عاشتها الشعوب بظل أنظمة حكم فردية طاغية لكن ضمن حدود معينة لاتصل إلى التدني إلى القاع في إهانة شعب بأكمله بل كانت أقرب إلى أنظمة حكم مستبدة كما لخصها الكواكبي في طبائع الاستبداد أي أنها حافظت على هامش معين يمثل الحد الأدنى من احترام شعوبها تضمن لها استمرارية السيطرة والاستمرار في الحكم الاستبدادي.

على أن تجارب الحكم على مدى التاريخ الإنساني تخبر أن الحالات التي كان فيها نظام الحكم سلطوي قمعي ضد شعبه هي قليلة خاصة في العصر الحديث الذي شهد تطورات كبيرة في الجانب الحقوقي والإنساني بعد زوال مرحلة الاحتلال وتشكل أنظمة حكم وطنية تعددية ديمقراطية محورها الفرد وحقوقه وكرامته , طبعا هناك استثناءات اختلطت فيها علاقة نظام الحكم مع شعبه على خلفية الموقف الدولي الداعم لحق الشعوب في الحرية والعدالة والحياة الكريمة , حيث كانت ممارسات العنف والقمع وكأنها عمل (خير) تفرضه اسطوانة الارتباط مع الخارج الشرير ,وهو تبرير يمثل حجة أقبح من ذنب استخدمها الحكام لتغطية ممارسات العنف والقمع ضد شعوبهم , كلها بالمحصلة باءت بالفشل ولوحقت رموزها من قبل العدالة الدولية لأن حجم القمع المروع الجماعي شل قدرة الشعوب الذاتية على محاسبة حكامها والأمثلة كثيرة على ذلك.

لكن الغريب العجيب هو ما يحدث في سورية منذ الخامس عشر من آذار 2011 يوم بدء الانتفاضة السلمية التي سيسجلها التاريخ الإنساني اختراع سوري كأول ثورة وطنية سلمية كانت شرارتها الأولى مجموعة من أطفال درعا أكبرهم سنا ً عمره أربعة عشر عاما ًعندما كتبوا بأصابعهم شعارات حماسية تناغماً مع ربيع الثورات العربية في تونس ومصر واليمن وليبيا وامتدت إلى سورية وعموم العالم العربي بهذه الدرجة أو تلك حسب طبيعة النظام ومستوى القمع الذي يمارسه ضد شعبه , ورد عليهم النظام بمنتهى الانحطاط وبمستوى مروع من الهمجية والوحشية باعتقالهم وتعذيبهم وقلع أظافرهم وقطع أصابعهم بعمل جبان هز الضمائر وصعق الوجدان لما فيه من خسة وإهانة وتجاوز كل الأعراف والتقاليد والمحرمات.

قد يكون مفهوما ً أن يدافع نظام ما عن وجوده عندما يتعرض لخطر اعتداء خارجي أو تمرد أو عصيان داخلي مسلح وبأهداف غير وطنية ووسائل غير مشروعة , لكن من غير المفهوم هو كيفية تعامل النظام مع مظاهرات احتجاجية سلمية علنية وبأهداف واضحة خلاصتها الحرية والكرامة والإصلاح والانتقال التدريجي من الدولة البوليسية إلى دولة الحريات والقانون وأن يقوم فيه النظام نفسه وعلى مهله كما يقال بالعامية !, لكن النظام ركب رأسه وكشر عن أنيابه وبدأ حملة من القتل والعنف ضد الشعب لم يعرفها التاريخ الإنساني كله , رافقها حملة من الأكاذيب الواهية التي تكيل التهم للشعب كله ولسان حاله يقول ( هذا الشعب المندس ) يستحق هذا القتل والعنف من النظام (( الوطني )) الذي لم يسمح له هذا الشعب العميل المشاغب بالإصلاح على مدى نصف قرن !.

لعل ما جرى في درعا وفي محيط المسجد العمري وفي حوران وقراها من ممارسة القتل الجماعي الفاجر يشكل جزءا ًمن رمزية دموية غريبة استكملها وحوش النظام في دمشق وريفها وبانياس واللاذقية وحمص وحماه وتلكلخ والرستن وتلبيسه والبيضة وجسر الشغور وكل سورية , وأن صورة شبيحة النظام المدججين بكل صنوف الأسلحة والحقد الأعمى وهم يدوسون ويرقصون على ظهور المواطنين في قارعة الطريق في البيضة وذبح الأبرياء بالسكاكين في تلكلخ تلك الأفعال الدنيئة وما تبعها من قتل ومقابر جماعية ضد الأطفال والنساء في كل المدن السورية وصورة الشهيد الطفل حمزة الخطيب وجثته التي مثل فيها بهذا الشكل الهمجي الحاقد وما جرى في جمعة الأطفال في حماه مثلت ذروة الوحشية التي جسدت رمزية النظام الدموية , وما يجري في جسر الشغور من جرائم حتى كتابة هذه السطور هزت المخيلة الجمعية للشعب السوري والعالم كله .

النظام السوري الذي أصبح عاريا تماما ً أمام الشعب السوري والعالم كله لضربه عرض الحائط كل القيم والقوانين والأعراف والرأي العام الشعبي الداخلي والخارجي والدولي ,أنه مجرم من الطراز الشاذ وان تفسير ذلك المستوى الوحشي في ارتكاب الجرائم ناتج عن الحقد والكراهية الغريب ضد الشعب السوري , وواهما النظام المجرم بأن ارتكاب مثل تلك الأفعال التي ليست ليها من تفسير أو تسمية سوى جرائم الكراهية التي ستكون نتائجها خطيرة على سورية ويتحمل النظام ورموزه كل نتائجها , لأنه بفعله الجبان المجرم هذا يريد أن ينقل الأحداث من ثورة سلمية حضارية مدنية إلى إحداثيات الحرب الأهلية ولا تفسير آخر , إذ ماذا يعني هذا التجييش الطائفي وهذا المستوى المخيف من ممارسة الجرائم وتلك الحملات المسعورة المستمرة على مدار الساعة لإشاعة الخوف لدى قطاعات من الشعب السوري سوى تنفيذ مخطط ارعن لإشاعة الفتنة في سورية.

النظام أوغل في دماء الشعب السوري وهو مصر برعونة وغباء على هذا الطريق وقال له الشعب السوري بأعلى صوته واحد واحد واحد الشعب السوري واحد يحيا واحد ويموت واحد ¸ولو ذبحتونا وقتلتونا وسجنتونا ستبقى سلمية حتى الانتصار , رد النظام باستخدام العنف الأعمى ضد الشعب وزادت قوافل الشهداء والمعتقلين والمشردين ودخل النظام طورا ً جديداً بتصوير جرائم الكراهية وخاصة ضد الأطفال والنساء ونشرها أمام العالم كله ليزيد من رمزية صورته الدموية الغريبة عن تاريخ سورية , لكن سياقات الواقع تقول بأن سجال الرصاصة والسكين مع الحناجر والأجسام العارية لن يدوم ولن يستمر وأن ثورة الحرية والكرامة ستدخل طورا ً آخر تضع حدا ً لفجوره1ذا النظام القاتل وتكون البداية لمحاسبة كل القتلة والمجرمين الذي عبثوا بشعب سورية وتاريخها الحضاري العريق .

د.نصر حسن

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 1 = 4

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...