الرئيسية / صفحات مميزة / حريطة طريق المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا –مجموعة مقالات-

حريطة طريق المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا –مجموعة مقالات-

دي ميستورا يقترح «صلاحيات بروتوكولية» للأسد… وإقصاء 120 مسؤولاً

إبراهيم حميدي

اقترح المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا خريطة طريق لتنفيذ «بيان جنيف» لا تشير مباشرة إلى الرئيس بشار الأسد، لكنها تدعو إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة «مع استثناء محتمل للسلطات البروتوكولية»، إضافة إلى تشكيل مجلس عسكري مشترك من النظام والمعارضة واتفاق الطرفين على «قائمة من 120 مسؤولاً لن يستلموا أي منصب رسمي خلال المرحلة الانتقالية»، إضافة إلى «إلغاء بعض الأجهزة الأمنية» وصولاً إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية «برعاية» الأمم المتحدة.

وفي جدة، بحث وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أمس مع المبعوث الأميركي لسورية مايكل راتني، في الأزمة السورية والجهود الدولية القائمة لحلها.

وكان دي ميستورا أرسل إلى الحكومة السورية والمعارضة وثيقتين تتعلقان بتنفيذ «بيان جنيف» وآلية عمل اللجان الأربع المتعلقة بالأمن ومكافحة الإرهاب ومسائل الهيئة الانتقالية والمؤسسات الحكومية بموجب تكليف اعتمده مجلس الأمن في بيان رئاسي قبل أيام. ووفق الوثيقتين اللتين حصلت «الحياة» على نصهما، اقترح دي ميستورا أن تنعقد اللجان الأربع «في شكل مواز»، الأمر الذي يتوقع أن يثير حفيظة الحكومة السورية، باعتبار أن وفدها أصر في «جنيف- 2» بداية العام الماضي على البدء بمناقشة «محاربة الإرهاب» والبحث في «بيان جنيف» في شكل متسلسل قبل البحث في الهيئة الانتقالية.

وقسم دي ميستورا العملية السياسية الى ثلاث مراحل، تبدأ بـ «التفاوض» بين النظام والمعارضة للاتفاق على المرحلة الانتقالية التي لم يحدد مدتها وفترة التفاوض، ذلك أنه خلال الانتقال «ستتمتع الهيئة الحاكمة الانتقالية بكامل السلطات التنفيذية مع استثناء محتمل للسلطات البروتوكولية». وأفادت الوثيقة: «منذ لحظة تشكيل الهيئة ستتمتع بسلطة مطلقة في جميع الشؤون العسكرية والأمنية، وتشرف على المجلس العسكري المشترك الذي ينسّق جهوده مع جميع البنى العسكرية المحلية القائمة والحرب المشتركة للتنظيمات الإرهابية واستعادة وحدة أراضي البلاد».

وإذ اقترح تأسيس «المؤتمر الوطني السوري» من الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني، شدد على «الحفاظ على المؤسسات الرسمية وإصلاحها، بما في ذلك الجيش وقطاع الأمن والقضاء»، مؤكداً رفض أي «اجتثاث (لحزب) البعث». وقال: «في سبيل بناء الثقة سيشمل الاتفاق المرحلي قائمة متفق عليها بين الأطراف، تضم أسماء [120] شخصاً لن يتسنى لهم تسلم أي مناصب رسمية خلال المرحلة الانتقالية، بسبب الدور الذي أدّوه في الصراع. وسيتم إقفال مؤسسات استخباراتية محدّدة». وأضاف أنه في نهاية المرحلة الانتقالية «لا بد من تطبيق نتائج الحوار الوطني وإجراءات المراجعة الدستورية. ويجب أن تتم انتخابات نيابية ورئاسية برعاية الأمم المتحدة ودعم تقني منها».

وكان الأسد انتقد المبعوث الدولي في مقابلة مع قناة «المنار»، لأنه «غير حيادي»، في وقت قالت مصادر مطلعة لـ «الحياة» إن نائب وزير الخارجية فيصل المقداد أبلغ دي ميستورا خلال زيارته الأخيرة دمشق رفضاً مطلقاً لفكرة إجراء انتخابات رئاسية برقابة دولية، باعتبار أن «الرئيس الأسد شرعي بموجب انتخابات العام الماضي». كما رفضت دمشق المبادرة الإيرانية لأنها تضمنت انتخابات برقابة دولية. وأوضحت المصادر أن خلاصة عمل اللجان الأربع سترفع إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل بعد تشكيل مجموعة الاتصال الإقليمية- الدولية في تشرين الأول (أكتوبر) مع احتمال صدور «خريطة الطريق» بعد اتفاق وفدي الحكومة والمعارضة عليها وتحديد مواعيد المرحلة التفاوضية والانتقالية بقرار دولي بعد عقد «جنيف3».

من جهة أخرى، قال «الائتلاف الوطني السوري» المعارض في بيان أمس، إن «الحل السياسي يجب أن يؤدي إلى نقل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية من نظام الأسد إلى هيئة حاكمة انتقالية كاملة الصلاحيات، تضع البلاد على طريق الحياة الديموقراطية والتعددية السياسية ما يعني عدم وجود أي دور للأسد وزمرته في المرحلة الانتقالية أو مستقبل سورية».

وقال قيادي معارض لـ «الحياة»، إن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف استقبل لجنة متابعة «منتدى موسكو» ضمن مساعي الجانب الروسي لـ «توحيد المعارضة قبل جنيف3»، لافتاً إلى أن موسكو سلمت واشنطن قائمة بـ38 شخصاً تمكن دعوتهم إلى المؤتمر الدولي، وهي تريد «الإسراع في عقد جنيف3 لتطبيق جنيف1» وأن لافروف أبدى استعدادا لعقد «موسكو3» في حال كانت هناك ضرورة لذلك.

هيئة انتقالية تشرف على مجلس عسكري مشترك… وانتخابات رئاسية بـ «رعاية» دولية

للمرة الأولى، يقدم المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا تصوراً للحل السياسي في سورية وتنفيذ «بيان جنيف» مدعوماً بتشكيل مجموعة اتصال دولية- إقليمية، مقترحاً عملية سياسية من ثلاث مراحل تتضمن تشكيل ثلاثة أجسام، هي هيئة انتقالية تتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة عدا «الصلاحيات البروتوكولية»، وتشكيل «مجلس عسكري مشترك» ينسق عمل الفصائل المسلحة من قوات نظامية وفصائل معارضة ويشرف على إصلاح أجهزة الأمن مع احتمال «إلغاء» بعض هذه الأجهزة، إضافة إلى مؤتمر وطني وصولاً إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية بـ «رعاية» الأمم المتحدة.

وحصلت «الحياة» على وثيقتين، تتناول الأولى مسودة إطار تنفيذ «بيان جنيف» الصادر في حزيران (يونيو) العام 2012، فيما تتناول الثانية آلية عمل مجموعات العمل الأربع التي اقترح تشكيلها من الحكومة السورية والمعارضة والمجتمع المدني، بدءاً من منتصف الشهر المقبل لمدة ثلاثة أشهر.

وتقسم الوثيقة السياسية مسيرة الحل إلى ثلاثة مراحل، مرحلة تفاوض والمرحلة الانتقالية والدولة السورية النهائية، على أن «تستند» المفاوضات التي ترك تحديد مدتها إلى السوريين، إلى «بيان جنيف» للوصول إلى «اتفاق مرحلي» يتضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار و «تعاون القوات المقاتلة (عدا الفصائل الإرهابية) وإدماجها» و «إصلاح القطاع الأمني» وصولاً إلى «تشكيل سلطات انتقاليّة».

وفي المرحلة الانتقالية، التي ترك أيضاً تحديد فترتها للسوريين، يستمر وقف إطلاق النار وتنفيذ «إجراءات بناء الثقة» ويقدَّم «جدول زمني لوقف الدعم المقدّم لجميع المقاتلين الأجانب وانسحابهم». وقالت الوثيقة: «منذ لحظة إنشاء الهيئة الحاكمة الانتقالية، ستتمتع بسلطة مطلقة في جميع الشؤون العسكرية والأمنية، وتشرف على المجلس العسكري المشترك»، على أن «ينسق مع جميع البنى العسكرية المحلية القائمة، ويشمل ممثلين عن الأطراف المقاتلة التي تتمتع بحضور كبير. وسيكون بمثابة منصة مستعمَلة لقيادة جميع العمليات العسكرية التي تُقدِم عليها الأطراف، ويضمن احترام وقف إطلاق النار والمحاربة المشتركة للتنظيمات الإرهابية واستعادة وحدة أراضي البلاد».

وإلى «الهيئة الانتقالية» و«المجلس العسكري»، تقترح الوثيقة تأسيس «المؤتمر الوطني السوري» من: الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني، كي يطلق «حواراً وطنياً ومراجعة دستورية ويقدّم استشارات للهيئة الحاكمة الانتقالية حول عملها، على أن يتم تعليق أعمال مجلس الشعب (البرلمان) طوال المرحلة الانتقالية». كما التزمت الوثيقة بـ «الحفاظ على المؤسسات الرسمية وإصلاحها على أن يشمل ذلك الجيش، وقطاع الأمن الأوسع نطاقاً، والقطاع القضائي»، مع رفض أي «اجتثاث (لحزب) البعث». وأضافت: «في سبيل بناء الثقة في سياق المرحلة الانتقالية، سيشمل الاتفاق المرحلي قائمة متفق عليها بين الأطراف، تضم أسماء 120 شخصاً لن يتسنى لهم تسلم أي مناصب رسمية خلال المرحلة الانتقالية، بسبب الدور الذي أدّوه في الصراع»، إضافة إلى اقتراح «إغلاق أجهزة أمنية معينة». وتقترح الوثيقة في نهاية المرحلة الانتقالية «انتخابات نيابية ورئاسية برعاية الأمم المتحدة ودعم تقني منها».

وفي الوثيقة الثانية، يقترح دي ميستورا عقد اجتماعات لمجموعات عمل أربع بموجب بيان مجلس الأمن الأخير الذي دعم مهمة المبعوث الدولي، على أن تعقد هذه اللجان «في شكل مواز»، الأمر الذي يتوقع أن يثير حفيظة الحكومة السورية باعتبار أن وفدها أصر في «جنيف- 2» على البدء بمناقشة «محاربة الإرهاب» ومناقشة «بيان جنيف» في شكل متسلسل. وتتعلق المجموعة الأولى بـ «الأمن والحماية للجميع» بالتنسيق مع مجموعة العمل الثانية الخاصة بـ «المسائل الأمنية والعسكرية ومكافحة الإرهاب»، إضافة إلى «مجموعة القضايا السياسية والقانونية التي تعمل على تطوير المبادئ الأساسية الخاصة بالعملية الانتقالية وشكل الدولة المستقبلية المرجوة، وهيئة الحكم الانتقالي وصوغ توصيات للعدالة الانتقالية والمحاسبة، والإعداد لعقد حوار وطني وللإصلاح الدستوري والانتخابات»، في حين تركز الرابعة على «المؤسسات العامة وإعادة الإعمار والتنمية».

ويعتمد نجاح هذا المسار على «الدعم الذي تقدّمه الأطراف الدولية والإقليمية»، مع احتمال «العمل في الوقت المناسب على تشكيل «مجموعة اتصال» لمساعدة المبعوث الدولي، الأمر الذي يعتقد أن تشكيلها رهن بإقرار الاتفاق النووي من الكونغرس في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. وهنا نص الوثيقتين:

مسودة إطار تنفيذ «بيان جنيف»

الدعم الدولي والإقليمي

1- يجب أن تكون جهود المبعوث الدولي مدعومة من آلية إقليمية ودولية، علماً بأن المبعوث قد ينخرط مع لاعبين دوليين وإقليميين في الوقت الذي يراه مناسباً.

2- قد يُطلَب من هؤلاء اللاعبين تنسيق الدعم السياسي للجهود التي يبذلها المبعوث الدولي كي يوظفوا علاقاتهم باللاعبين (الفاعلين) السوريين لتعزيز جهوزيتهم على صعيد تنفيذ الالتزامات والواجبات وضمان استدامة تسوية سياسية، وتوفير منصة للتفاوض حول موضوع التوصل إلى تسوية سياسية ومكافحة الإرهاب. وعند التوصل إلى اتفاق مرحلي سيدعمون تنفيذه. ومع تطور الديناميكيات الإقليمية، قد يتم إنشاء فريق اتصال.

مرحلة التفاوض

3- لا بدّ للمفاوضات التي يجريها المبعوث الدولي، عبر محادثات غير مباشرة أو مباشرة بدعم ناشط من الأمم المتحدة، أن تستند إلى بيان جنيف وإطار التنفيذ، وأن يكون الهدف منها التوصّل إلى اتفاق مرحلي (في غضون عدد متّفق عليه من الأشهر). ولا بدّ أن تكون لهذا الاتفاق المرحلي مكانة دستورية، وأن يفرض وقفاً دائماً لإطلاق النار بين الأطراف المشاركة في الاتفاق، وأن يتناول تعاون القوات المقاتلة وإدماجها (على أن يشمل الهدف من ذلك محاربة التنظيمات الإرهابية)، وإصلاح القطاع الأمني، والمبادئ الأساسية التي سيتم تطبيقها على امتداد المرحلة الانتقاليّة، وفي ما بعد المرحلة الانتقاليّة في سورية، وتشكيل سلطات انتقالية، إضافة إلى إجراءات تسهّل عودة الأشخاص النازحين داخلياً واللاجئين. إنها عملية بقيادة سورية، ومملوكة من السورية، وخاضعة لاتخاذ سوري للقرارات.

4- منذ بداية المحادثات، من شأن الأطراف أن تعتمد إجراءات هدفها تطوير الثقة، وأن تلتزم بالامتناع من استعمال وسائل الحرب الموصوفة، بما يشمل استعمال «البراميل المتفجّرة» وأي نوع من الأسلحة الكيماوية، وأي وسائل إرهابية، بين جملة من الأمور الأخرى. ولا بد للأطراف أيضاً أن تتفق على أمور، بما يشمل على سبيل المثال لا الحصر، إطلاق موقوفين سياسيين وتعليق الدعاوى في محكمة مكافحة الإرهاب. وستتأكد «مجموعة الاتصال» من أن الأطراف تحترم هذه الالتزامات.

5- بهدف تسهيل بناء الثقة في المرحلة الانتقالية، وفي الدولة النهائية في ما بعد المرحلة الانتقالية، يشار إلى أن الاتفاق المرحلي سيعتمد ويحترم مجموعة من المبادئ الأساسية، تشمل: سيادة سورية، واستقلالها ووحدة أراضيها، واعتماد مبدأ لا غالب ولا مغلوب، وإنشاء دولة لاطائفية، تعددية، ديموقراطية، متعددة الأحزاب ومستندة إلى سياسة الشمول والتمثيل والمواطَنة، والحصول على فرص متساوية للنفاذ إلى الخدمات العامة، وحكم القانون، وحقوق الإنسان والمساءلة.

6- في حال أنّ الأطراف لم تتوصّل بعد [كذا] أشهر إلى اتفاق مرحلي، من شأن المبعوث الدولي أن يقيّم الوضع، وأن يستشير مجموعة الاتصال. وقد يُصدِر الأمين العام توصيات يراها مناسبة لمجلس الأمن.

المرحلة الانتقالية

7- يكون الالتزام [والامتثال] بوقف مستدام لإطلاق النار بالغ الأهمية للمشاركة في المؤسسات الانتقالية. ومن شأن الوقف الدائم للنار أن يشمل تعريفاً وجدولاً زمنياً لوقف الدعم المقدم لجميع المقاتلين الأجانب وانسحابهم.

8- تمتد المرحلة الانتقالية التمهيدية [كذا] أشهر. وخلال المرحلة التمهيدية ستتمتع الهيئة الحاكمة الانتقالية بسلطات تنفيذية محدّدة. وخلال المرحلة الانتقالية الكاملة، التي ستمتد على [كذا] أشهر، ستتمتع الهيئة الحاكمة الانتقالية بكامل السلطات التنفيذية (مع استثناء محتمل للسلطات البروتوكولية).

  1. لا بدّ للهيئة الحاكمة الانتقالية أن تعكس تطلّعات الشعب السوري على أساس لاطائفي وغير تمييزي، على أن تكون مؤلفة من ممثلين عن الحكومة، والمعارضة، ومن ممثلين عن المجتمع المدني ممن لا تجمعهم أي صلة بالحكومة ولا بالمعارَضة.

10- منذ لحظة إنشاء الهيئة الحاكمة الانتقالية، ستتمتع بسلطة مطلقة في جميع الشؤون العسكرية والأمنية، وتشرف على المجلس العسكري المشترك. ولا بد للمجلس العسكري المشترك أن يضمن حماية جميع المواطنين، ويقدّم مساعدات إنسانية، ويدعو المجتمع الدولي للمساعدة على محاربة التنظيمات الإرهابية.

  1. ينسّق المجلس العسكري المشترك جهوده مع جميع البنى العسكرية المحلية القائمة، ويشمل ممثلين عن الأطراف المقاتلة التي تتمتع بحضور كبير. وسيكون بمثابة منصة مستعمَلة لقيادة جميع العمليات العسكرية التي تُقدِم عليها الأطراف، ويضمن احترام وقف إطلاق النار بين الأطراف، والمحاربة المشتركة للتنظيمات الإرهابية، واستعادة وحدة أراضي البلاد.
  2. يعمل المجلس العسكري المشترك بالتعاون مع بنى عسكرية محلية قائمة، حيث يكون ذلك مطلوباً، وينشئ لجاناً محلية لوقف النار. وسيكون لأي تنظيم مسلح غير مشمول في المجلس العسكري المشترك حضور في لجنة وقف إطلاق نار إقليمية و/ أو محلية.

13- تأسيس «المؤتمر الوطني السوري» يشمل أشخاصاً يمثّلون الحكومة، والمعارضة، والمجتمع المدني. وسيكون ثلث كلّ مجموعة على الأقل من النساء. ويدير «المؤتمر الوطني السوري» حواراً وطنياً، ويعمل على تعيين لجنة تُجري مراجعة دستورية، ويقدّم استشارات للهيئة الحاكمة الانتقالية حول عملها (سيتم تعليق أعمال مجلس الشعب طوال المرحلة الانتقالية، على أن تؤدي الهيئة الحاكمة الانتقالية أي مهام ضرورية).

14- خلال المرحلة الانتقالية، سيتم توسيع نطاق المحكمة الدستورية العليا، على أن تشمل أشخاصاً تعيّنهم المعارضة، إلى جانب عدد من الأشخاص الذين يمثّلون المواطنين. ولا بد من إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى ليكون مستقلاً على أن يتم إقفال محاكم مكافحة الإرهاب، وأن تُنقَل سلطتها القضائية إلى القضاء العادي.

  1. من شأن الهيئة الحاكمة الانتقالية أن تعيّن لجنة مستقلة تضع مسوّدات اقتراحات، يتم تسليمها للحوار الوطني الذي يجريه المؤتمر الوطني السوري (أو للهيئة الحاكمة الانتقالية)، وتتناول برنامج عدالة ومساءلة ومصالحة انتقالية، يتماشى مع الأعراف والمعايير الدولية.

16- في المناطق التي يغيب فيها الحكم المحلي الفاعل و/ أو توفير الخدمات العامة، من شأن الهيئة الحاكمة الانتقالية أن تنظّم المهام المفوّضة للمجالس المحلية، وبنيتها وتركيبتها.

17- الحفاظ على المؤسسات الرسمية وتخضع للإصلاح، على أن يشمل ذلك الجيش، وقطاع الأمن الأوسع نطاقاً، والقطاع القضائي، بما يضمن الطابع المهني ويعزز التنوع.

18- لن يحصل أي «اجتثاث (لحزب) البعث». وفي سبيل بناء الثقة في سياق المرحلة الانتقالية، سيشمل الاتفاق المرحلي قائمة متفق عليها بين الأطراف، تضم أسماء [120] شخصاً لن يتسنى لهم تسلم أي مناصب رسمية خلال المرحلة الانتقالية، بسبب الدور الذي أدّوه في الصراع. (وسيتم إقفال مؤسسات استخباراتية محدّدة).

19- ستسعى لجنة متابعة لشؤون المعتقلين والمختفين لإطلاق سراح فوري لمعتقلين يشكّلون موضع اهتمام وتبحث عن الأشخاص المختفين، على أن تشمل اللجنة المذكورة ممثلين مفوّضين من الحكومة، والمعارضة، والمجتمع المدني.

20- يجب أن يلتزم المجتمع الدولي رفع جميع العقوبات الاقتصادية خلال المرحلة الانتقالية، وأن يساهم في شكل ملحوظ في عودة اللاجئين والأشخاص المشرّدين داخلياً، وكذلك في إعادة أعمار البلاد اقتصادياً وإعادة تطويرها.

  1. على المجتمع الدولي أن يساعد الأطراف السورية على ضمان انسحاب جميع المقاتلين الأجانب، على أن يعمل المجتمع الدولي، بطلب من الهيئة الحاكمة الانتقالية، على تقديم الدعم لهذه الأخيرة على صعيد محاربة التنظيمات الإرهابية في سورية.
  2. من شأن بعثة تابعة للأمم المتحدة أن تساعد على تطبيق الاتفاق المرحلي (وقد يشمل ذلك مساعدة على مراقبة وقف النار).

الدولة النهائية

  1. في نهاية المرحلة الانتقالية، لا بد من تطبيق نتائج الحوار الوطني وإجراءات المراجعة الدستورية. ويجب أن تتم انتخابات نيابية ورئاسية برعاية الأمم المتحدة ودعم تقني منها، لتنطلق بذلك حقبة جديدة من السلام في سورية، علماً بأن المبادئ الأساسية الواردة في الاتفاق المرحلي تبقى نافذة في سياق الدستور».

مجموعات العمل

وفق ما أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ومبعوثه الخاص ستيفان دي ميستورا أمام مجلس الأمن في 29 تموز (يوليو) 2015، الذي صادق عليه مجلس الأمن (في بيان رئاسي)، وفي محاولة لتعميق مشاورات جنيف والبناء على نتائج المرحلة الأولى منها، يعمل المبعوث الدولي على تشكيل مجموعات عمل حول مواضيع محددة تهدف إلى إيجاد آلية يستطيع السوريون من خلالها أن يناقشوا في شكل مفصل العناصر الرئيسية لـ «بيان جنيف» التي تم تحديدها خلال المرحلة الأولى من مشاورات جنيف التي عُقدت في شهري أيار (مايو) وحزيران (يونيو) 2015 وتضمنت لقاءات منفصلة مع السوريين والأطراف الدولية والإقليمية.

سيتم جمع نتائج مجموعات العمل وتلخيصها في وثيقة واحدة كي تشكّل أساساً لتوافق سوري- سوري حول كيفية تنفيذ «بيان جنيف» بعناصره كافة، وذلك كمقدمة لاحتمال عقد مؤتمر دولي في رعاية الأمم المتحدة ومشاركة الأطراف المعنية عندما تتوافر الظروف المناسبة.

مجموعات العمل حول مواضيع محددة

تشكل مجموعات العمل تحت إشراف المبعوث الدولي ونائبه (السفير رمزي عزالدين رمزي)، على أن يتم اختيار خبراء للعمل كمسهلين لإدارة النقاشات ومساعدة السوريين على صوغ النتائج النهائية لعمل المجموعات، على أن تعمل مجموعات العمل في شكل متواز. وتخضع عضوية مجموعات العمل لمعايير عدة، أهمها التمثيل الموسّع، والتخصص في موضوعات البحث. وقد يختلف حجم كل مجموعة وعضويتها وفق الموضوع قيد البحث وأهميته. كما يختلف شكل المشاركة في كل مجموعة عن الأخرى، وفقاً لما يحدده المبعوث الدولي ونائبه بالتشاور مع الميسرين، إذ ربما تلتقي بعض مجموعات العمل في جلسات عامة تضم المشاركين كافة، في حين يمكن مجموعات أخرى أن تبدأ بالعمل في شكل لقاءات فردية أو في شكل مجموعات على أن يقوم الميسر بعرض نتائج النقاشات على بقية أعضاء مجموعة العمل.

تتناول مجموعات العمل الأربع مواضيع:

أولاً، الأمن والحماية للجميع:

تركز هذه المجموعة على الحاجات الإنسانية الملحّة، بما في ذلك رفع الحصار بالتنسيق مع مجموعة العمل الخاصة بالمسائل الأمنية والعسكرية ومكافحة الإرهاب (المجموعة الثانية) وتوفير المساعدات الطبية وغيرها من الخدمات وحماية المدنيين بما في ذلك المجموعات الأكثر تأثُّراً، واللاجئين، إضافة إلى الإفراج عن المعتقلين وتحديد مصير المفقودين.

ثانياً، المسائل الأمنية والعسكرية ومكافحة الإرهاب:

تتناول هذه المجموعة موضوعات مثل التنسيق الأمني ومحاربة الإرهاب ووقف إطلاق النار والإفراج عن الأسرى وانسحاب المقاتلين الأجانب ووقف التدخُّل الخارجي وإصلاح قطاع الأمن.

ثالثاً، القضايا السياسية والقانونية:

تعمل هذه المجموعة على تطوير المبادئ الأساسية الخاصة بالعملية الانتقالية وشكل الدولة المستقبلية المرجوة، وهيئة الحكم الانتقالي وصوغ توصيات للعدالة الانتقالية والمحاسبة، والإعداد لعقد حوار وطني وللإصلاح الدستوري والانتخابات، وغيرها من الموضوعات المتعلقة.

رابعاً، المؤسسات العامة وإعادة الإعمار والتنمية:

تركز هذه المجموعة على الحفاظ على مؤسسات الدولة بما في ذلك استمرارية تقديم الخدمات واختيار قيادات تحظى بالثقة والشرعية وتخضع للمساءلة والمحاسبة، وتعمل وفقاً لمعايير الحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان. وهي تعمل على تحديد الأولويات الخاصة بعملية إعادة الإعمار والتنمية والحفاظ على الثروات القومية وتنسيق المساعدات الدولية والاقتصادية.

سيطلب من مجموعة العمل المعنية بموضوعات الأمن والحماية أن تسرّع تقديم نتائج عملها، خاصة ما يتعلق بمسائل رفع الحصار وتقديم المساعدات الإنسانية والإفراج عن المعتقلين وتحديد مصير المفقودين. كما ستتم دعوة مجموعة العمل الخاصة بالموضوعات الأمنية والعسكرية ومحاربة الإرهاب، للإسراع بتقديم نتائج عملها لوقف النار للتوصل إلى وقف العنف وتقديم المساعدات الإنسانية.

ويمكن مجموعات العمل البناء على نتائج اجتماعات القاهرة وموسكو وباريس والآستانة (كازاخستان) وبروكسل والعمل الذي قام به بعض المنظمات غير الحكومية، والمسارات الموازية (المسار الثاني)

بالتوازي مع عمل المجموعات المختلفة. وسيتم تشكيل لجنة تسيير للمساعدة في تنسيق العمل بين المجموعات المختلفة ومساعدة المبعوث الدولي في جمع وتلخيص نتائج مجموعات العمل المختلفة.

دور مجلس الأمن

يقوم الأمين العام للأمم المتحدة أو المبعوث الدولي بإحاطة مجلس الأمن بالتقدم الذي يتم إحرازه من خلال مجموعات العمل أو العقبات التي تعترض عملها خلال 90 يوماً من اعتماد مجلس الأمن البيان الرئاسي. وبناء على هذه الإحاطة ينظر المجلس في الإجراءات التي يمكن اتخاذها.

دور الأطراف الدولية والإقليمية

يعتمد نجاح هذه المبادرة على الدعم الذي تقدّمه الأطراف الدولية والإقليمية. وفي ظل التطورات والمتغيرات الإقليمية المستمرة، يمكن العمل في الوقت المناسب على تشكيل «مجموعة اتصال» لمساعدة المبعوث الدولي في جهوده.

الحياة

 

 

 

 

خطة دي ميستورا: النار الكاذبة… مجددا/ صبحي حديدي

إذا صحّ أنّ ستافان دي ميستورا، المبعوث الأممي إلى سوريا، سوف يتولى بنفسه تسمية ثلث حصص المعارضة السورية في ما تسمّيه خطته «لجان الحوار»؛ فما الذي يحول دون أن يكون هو نفسه، أيضاً، الناطق باسم المعارضة، في الحوار مع النظام السوري؟ ليست هذه مزحة، أو سخرية مبطنة، خاصة إذا تذكّر المرء أنّ تلك اللجان هي العمود الفقري، التنفيذي على الأقلّ، في الخطة بأسرها: مجموعة عمل أولى تبحث السلامة والحماية، وثانية لبحث القضايا السياسية والدستورية، وثالثة تختص بالجيش والأمن والإرهاب، ورابعة تتناول المؤسسات العامة وإعادة البناء والتنمية. وما الذي يمنع دي ميستورا أن يكون، ثالثاً، ممثّل الثلث الثالث في الحوار، بعد النظام أو المعارضة، أي «المجتمع المدني»، أو ينوب عنه كلياً… ببساطة!

هذه محض عيّنة على عقم الخطة التي طرحها الدبلوماسي السويدي ـ الإيطالي، وتوافق عليها مجلس الأمن الدولي، ولم يكن اعتباطاً، بالطبع، أنّ روسيا والصين لم تعترضا على بنودها، حتى ضمن مفهوم البيان الرئاسي الذي يُعدّ أقصى العقم في سلسلة إجراءات المجلس التقليدية. وإذْ تبدأ العيّنات الأخرى من مفهوم «المعارضة» في حدّ ذاتها، ومَن تمثّل، ومَن يقبل أصلاً بتمثيلاتها، وكيف للقوى المسلحة على الأرض السورية أن تعتبرها مخوّلة بالتفاوض نيابة عنها؛ فإنها لا تنتهي عند العيّنة الأشدّ إهانة لتضحيات السوريين، أي انطلاق دي ميستورا من نقطة «داعش» و»النصرة» بوصفهما جوهر «الأزمة» في سوريا، وليس نظام بشار الأسد ببراميله المتفجرة وأسلحته الكيميائية وطائراه الحربية ودباباته وصواريخه ومدفعيته…

وهكذا فإنّ دي ميستورا لا يستأنف نقاط التعثر التي أنتهت إلى فشل سلفَيه، كوفي أنان ذي الباع الطويل في التفاوض الدبلوماسي حول النزاعات المستعصية، وراعي مؤتمر جنيف ـ 1؛ والأخضر الإبراهيمي، الذي مُدّدت ولايته، وشهد انعقاد جنيف ـ2؛ فحسب؛ لكنه، في المقابل، يبدأ من افتراض صلاحية النقاط ذاتها التي تعثرت، أو يعيد إنتاجها، تماماً على مبدأ تدوير مادتها الخام صناعياً، ثمّ الاتكاء على منتوجها (الذي يريده أن يبدو جديداً، صالحاً، وناجعاً) لبلوغ النتائج ذاتها التي انتهت بالإبراهيمي، وقبله أنان، إلى استسلام تامّ برفع الذراعين. مدهش، إلى هذا، أنه يتغافل عن أفضل ما أنجزه أنان، واعتمد عليه الإبراهيمي، اي النقاط الستّ الشهيرة؛ رغم أنها باتت أشبه بمرجعية عليا، لأنها في الواقع تظلّ الوحيدة عملياً، لتذكير حلفاء النظام في مجلس الأمن الدولي بأنهم ذات يوم وافقوا على صيغة ما للحلّ، تتحدث عن مرحلة حكم انتقالية.

فإذا صحّ أنّ النقطة الأولى في مشروع أنان، التي تنصّ على «الالتزام بالتعاون مع المبعوث في عملية سياسية تشمل كل الأطياف السورية لتلبية التطلعات المشروعة للشعب السوري وتهدئة مخاوفه»، كانت محلّ نزاع لأنّ منطوقها ينتهي إلى تفسيرات متناقضة حول مصير بشار الأسد، وصلاحيات مؤسسة الرئاسة خلال المرحلة الانتقالية؛ فإنّ النقطة الثانية تتناول «الالتزام بوقف القتال والتوصل بشكل عاجل إلى وقف فعال للعنف المسلح بكل أشكاله من كل الأطراف تحت إشراف الأمم المتحدة لحماية المدنيين وتحقيق الاستقرار في البلاد». ألم تكن فكرة دي ميستورا عن الهدنة في حلب، أو «حلب أوّلاً» كما شاء البعض تصنيفها، تستكمل هذه النقطة الثانية، إذا لم تكن محض صياغة أخرى لمضمونها الحرفي؟ أليس تنفيذ هذه النقطة هو محور عمل المجموعة الأولى، والثالثة، وربما الرابعة أيضاً؛ في ما اقترحه دي ميستورا مؤخراً حول مهامّ المجموعات؟ والنقطة الثالثة، المرتبطة بهذه الثانية، والتي تنصّ على «ضمان تقديم المساعدات الإنسانية في الوقت الملائم لكل المناطق المتضررة من القتال، ولتحقيق هذه الغاية وكخطوات فورية قبول وتنفيذ وقف يومي للقتال لأسباب إنسانية»؛ أليست خلاصة عمل مجموعات دي ميستورا، ولجانه، كافة؟

وفي مستهلّ مهمته شاء دي ميستورا قلب المعادلة، أو المعادلات جمعاء، رأساً على عقب أحياناً؛ لإنه استقرّ على قراءة شخصية ـ لم يعلنها، مرّة واحدة، رغم الصخب الذي اكتنف تطبيقه لها في تحركاته ـ مفادها أنّ المسالة السورية ليست في الجوهر انتفاضة شعب ضدّ نظام استبدادي، لم يتورع عن استخدام أيّ سلاح، وكلّ سلاح، ضدّ الشعب؛ بل هي وجود منظمات إرهابية يتفق «المجتمع الدولي» على ضرورة محاربتها، من جهة؛ وأنّ انقسام سوريا أمر واقع على الأرض، من جهة ثانية، يجيز له التفاوض الانتقائي مع مَن يشاء، كيفما يشاء: النظام، القوى المسلحة بأطيافها كافة، المعارضات السياسية الداخلية والخارجية، ثمّ «المجتمع المدني»… كأطراف ذات استقلالية، ضمن الانقسامات، وفي ضوء معطيات الوزن على الأرض.

بهذا المعنى، أيّ معنى ـ حسب قناعة دي ميستورا ـ في الحديث عن رحيل الأسد، أو حتى دوره وصلاحياته وموقعه، خلال المرحلة الانتقالية؟ واستطراداً، إذا ظلّ هذا السؤال ساري المفعول، ما الجدوى في إحياء نقاط أنان الستّ، أو مرجعيات جنيف ـ1 وجنيف ـ2، إذا كانت قد فشلت؟ أليس من الخير إعادة إنتاجها، حتى من باب اللعب في الوقت الضائع، والإيحاء بحضور «المجتمع الدولي» إياه، في اقتراح الحلول، وتعليق الآمال عليها، قبيل تحميل الأطراف مسؤولية فشلها؟ أكثر من هذا وذاك، ما فائدة الإصرار على أنّ المبعوث الأممي يمثّل جامعة الدول العربية أيضاً، ما دامت المرجعيات انقلبت هكذا، أو بلغت هذه الحال بعد فشل أنان والإبراهيمي، فباتت الجامعة العربية عبئاً يثقل كاهل دي ميستورا بدل أن يزوّده بسلطة تفاوض إضافية؟

وهكذا فإنّ خطة دي ميستورا لن تكون أفضل حظاً من خطط سلفَيْه، أولاً؛ ويصعب، ثانياً، أن تنفصل عن طبيعة الفعل، أو الفاعلية، التي ميّزت عمل منظمة الأمم المتحدة بصفة عامة. محتوم، بذلك، أن تبدأ أولى مظاهر التعثر، أو العرقلة المقصودة، من داخل اجتماعات مجلس الأمن الدولي ذاته؛ ثمّ تمرّ بالوقائع على الأرض (والتفاصيل كثيرة، لأنها ملاعب كلّ الأبالسة)؛ ولا تنتهي عند مساواة القاتل بالقتيل، والجلاد بالضحية؛ إذا وضع المرء جانباً أفانين المراوغة التي أتقنها النظام خلال تجارب سابقة، وسيمارس ما هو أخبث منها؛ فضلاً عن الإعلان المبكر، والتعليق الوحيد تقريباً على خطة دي ميستورا: لا انتخابات رئاسية تحت إشراف الأمم المتحدة، لأنّ الأسد «منتخب» أصلاً، و»شرعي»! وإلى جانب مخاتلة النظام، التي ذاق مرارتها أنان والإبراهيمي قبل دي ميستورا، هنالك تلك النواة القاسية داخل حلقة الأسد الأضيق، والتي سوف تظلّ تعتمد شعار «الأسد، أو نحرق البلد»، ولن يوافقها أيّ «حلّ سياسي»، كيفما كان.

وليس جديداً أن يتنبأ الكثيرون بأنّ أشغال دي ميستورا سوف تلقى مصير أشغال سلفَيه، ليس لأنّ أزمنة المعجزات قد انطوى، خاصة في عالم السياسة، وعلى امتداد تاريخ منظمة الأمم المتحدة ذاتها، وحين تكون الملفات مضرجة بدماء مئات الآلاف من الأبرياء، ومادّتها مئات الآلاف من المعتقلين والمفقودين والمغيبين، وملايين المشردين في أربع رياح الأرض، وانتفاضة شعب سدّد أبهظ الأثمان، فحسب؛ بل كذلك لأنّ الانطلاق من بقاء النظام المسؤول عن هذه الأهوال جميعها، إنما يضع العربة ـ وبالتالي المدفع والقاذفة وصاروخ الـ»سكود» والبرميل المتفجر، والسلاح الكيميائي… ـ أمام حصان الحلول. وأيّة خطة لا تبدأ من رحيل الأسد وحلقة السلطة الأضيق من حوله، وطيّ صفحة نظام «الحركة التصحيحية»، هي محض طبخ على نار كاذبة، لحصى المعجزات الزائفة.

 

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

 

خطة دي ميستورا السورية.. الأوضح والأفضل/ محمود الريماوي

ترتدي التوصيات التي رفعها، أخيراً، مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة أهمية بالغة، ومن شأنها أن تضيف جديداً ونوعياً على المساعي الدولية للتوصل إلى حل سياسي. فلأول مرة، ينجح جهد للأمم المتحدة في وضع خطة تفصيلية للحل، تستند إلى مرجعية جنيف1، وإلى الحاجة لوضع حد للمحنة السورية المتطاولة.

جاءت توصيات دي ميستورا ثمرة جهد موصول بذله الرجل، تواصل فيه مع مختلف الفرقاء الداخليين والإقليميين والدوليين، وقد بدأه بخطة متواضعة لوقف إطلاق النار في ثاني المدن السورية حلب، من أجل فتح الطريق لوصول مساعدات إنسانية، وتمكين من غادروا بيوتهم من العودة. كانت الخطة على درجة من التواضع، إلى درجة لم تقترب معها أطراف النزاع لقبول الخطة أو رفضها. وقد استشعر الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، ضآلة الفرص أمام تطبيق الخطة، وكذلك محدودية الآفاق السياسية والأمنية التي تفتحها، فعهد إلى مبعوثه بوضع خطة بديلة ذات منحى ومحتوى سياسين شاملين.

تجيء الخطة التي أوصى بها دي ميستورا حصيلة مواقف مختلف الفرقاء الفاعلين في الداخل والخارج، وتثبيتاً لمضمون جنيف في يونيو/حزيران 2012. وهي توصي، وفق ما تم نشره، بتشكيل لجان عمل من الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني، تبدأ عملها مع منتصف أكتوبر/تشرين أول المقبل فترة ثلاثة أشهر، وتهدف إلى وضع خطة انتقالية لوقف إطلاق النار، وإدماج القوات المقاتلة، عدا المصنفة إرهابية، وإصلاح القطاع الأمني، وتشكيل هيئة حكم انتقالية. هذا هو المدخل الذي يضعه الرجل، وقد تفادى وضع جداول زمنية، باستثناء ما يتعلق بعمل المجموعات الأربع، المتعلقة بالسلامة والحماية ومكافحة الإرهاب والقضايا السياسية والقانونية وإعادة الإعمار، على أن يكون للمبعوث الأممي حق اختيار أعضاء اللجان من بين الأسماء التي تقترحها المعارضة والحكومة والمجتمع المدني.

إلى هذا المدخل، فإن الخطة لا تخلو من طموح، فهي تتضمن تشكيل ثلاث هيئات، الأولى هيئة الحكم الانتقالية ذات الصلاحيات الكاملة، بما فيها الصلاحيات العسكرية الأمنية، ومجلس عسكري مشترك، يضم ممثلين عن المعارضة والحكومة، بعد إقصاء 120 مسؤولاً “لدورهم في الصراع”، ثم تشكيل مؤتمر وطني سوري، يشكل مرجعية دستورية مؤقتة، وصولاً إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية برعاية الأمم المتحدة.

هذه أوضح خطة دولية حتى الآن في التعاطي مع الأزمة السورية، وأشدها تماساً مع الواقع، وأكثرها استبصاراً للمداخل والمخارج، بما يتناسب مع طموحات السوريين مع الحرص على مؤسسات الدولة، ورؤية نهاية للمحنة، وكان جديد مظاهرها المرعبة تدفق موجات المهاجرين السوريين عبر البحار وفي الشاحنات على الحدود البرية بين دول أوروبا، من دون أن يطرح أحد بصوت مسموع: لماذا يهاجر هؤلاء المظلومون بهذه الأعداد الكثيفة، من الذي يقتلعهم من بيوتهم وديارهم؟ ومن يغلق أمامهم أبواب العودة إلى وطنهم؟ علماً أن تمتيع الشعوب بالسلام والأمن هي المهمة الجوهرية للأمم المتحدة.

“هذه أوضح خطة دولية حتى الآن في التعاطي مع الأزمة السورية، وأشدها تماساً مع الواقع، وأكثرها استبصاراً للمداخل والمخارج”

تفتح خطة دي ميستورا أفقاً ملموساً للحل، وتمثل خريطة طريق أولية وأساسية، وفيما تنشط في هذه الآونة مساع لحلول سياسية، كالتي تقوم بها موسكو، فإن الخطة تمتحن إرادة المنادين بالحلول السياسية، وتختبر نياتهم ومدى جديتهم. بعدما نجح دي ميستورا في قراءة ملفات الأزمة المتشعبة، وعاين المحنة على الأرض في زيارات متكررة لسورية، وقرأ جيداً، كما يبدو، نتائج جهود المبعوثين الأمميين السابقين، كوفي عنان والأخضر الابراهيمي، فجاءت خطته على درجة ملحوظة من التماسك والشمول.

وبينما توحي مواقف الدبلوماسية الروسية، وبدرجة أقل الدبلوماسية الأميركية، أن طريق الحلول هو أقرب إلى متاهة، مثل حيرة موسكو بين موسكو3 وجنيف 3، وتعيين مبعوث أميركي جديد، هو مايكل راتني، إلى سورية، من دون أن يكون مزوداً بأية رؤية معلنة للحلول. في هذا الوقت، جاءت خطة دي ميستورا لتضع النقاط على الحروف، عبر توصيات تفصيلية، على درجة من الطموح، وعلى درجة أكبر من الواقعية.

سيرحب بالخطة من يرحب بها، وإن مع ملاحظات، ممن يهولهم استمرار المحنة، وممن يستشعرون مسؤولية منح الأمل للسوريين، وضرورة بناء سورية جديدة مع الحفاظ على مؤسسات الدولة ومرافقها، وسوف يرفص هذه الخطة من يعمد إلى ذلك بالعلن، كإيران أو فصائل جهادية، أو بالصمت كي يتحمل آخرون وزر الرفض، إلا أن التحدي الأساسي يكمن في روسيا، العضو في مجلس الأمن، ومزوّد النظام بالأسلحة الفتاكة بغير قيد على استخدام هذه الأسلحة ضد المدنيين والمرافق المدنية، والناشطة منذ أشهر على سكة اجتراح الحلول السياسية. فأمام مثل هذه الخطة التفصيلية والواقعية، لن تكون موسكو في وضع يسمح لها برفضها، نظراً لإلحاحها اللفظي على الحلول السياسية، هذا مع استبعاد قبولها الخطة أيضاً، والاكتفاء بالتقليل من أهميتها أو اعتبارها مجرد اقتراحات بين اقتراحات أخرى، واشتراط أن يوافق عليها جميع الفرقاء أولاً. هناك أساليب شتى للتنصل ولضمان حرمان السوريين من فرصة أمل.

غير أن المحك هو في تعاطي الأطراف السورية المعارضة، الديمقراطية والمدنية، مع الخطة. ابتداء من “الائتلاف” مروراً بهيئة التنسيق، وصولاً إلى منظمات المجتمع المدني. إذ أن دعم هذه الأطراف الخطة مع الاحتفاظ بما قد تراه من ملاحظات، هو الأساس في منحها فرصة الانطلاق. هذا مع الإقرار بصعوبة التجسير بين المستويات العسكرية والسياسية، والتحدي الأبعد هو داعش المتوحشة والمنفلتة، وكل من يصعب عليه إيقاف إطلاق النار.

وتلي ذلك في الأهمية المواقف المنتظرة من المجموعة الإقليمية والدولية “أصدقاء سورية” التي تراخت جهودها، وخفتت أصواتها، في الأشهر الأخيرة. يمثل طرح هذه الخطة الدولية فرصة لهذه المجموعة، لكي تبرهن على جديتها التامة في تبني الحلول السياسية وعلى نزعتها الواقعية، وعلى استعدادها لمعاودة العمل بنشاط من أجل وضع حد للأزمة الرهيبة.

العربي الجديد

 

 

دي مستورا والمعادلة الاستفزازية/ باسل العودات

باتت الانتقادات التي توجهها(المعارضات) السورية لخطة المبعوث الأممي لسورية ستيفان دي مستورا شبه واضحة، وانقسمت بين من قال إنها تدور حول المشكلة ولا تدخل بصلبها، مروراً بمن رفع سقف الانتقاد ليصفها بالفاشلة أو التآمرية، وصولاً الى من أكّد على أنها تنتهك كل القوانين الدولية والشرائع الإنسانية، القديمة منها والحديثة.

يمكن اختصار مواقف المعارضة السورية ـ المُعلنة على الأقل ـ بعدة نقاط أساسية، أهمها أنها لا تحدد مدة زمنية لأي مرحلة وتتركها مفتوحة لصراعات المتفاوضين، وأنه يمكن إعادة النظر بها بعد حين إن لم يتفق الأطراف، كما أنها لا تُعطي الهيئة الحاكمة الانتقالية إلا صلاحيات جزئية، بل وتُهمّشها كلّياً في بعض القضايا، وتدعوا قوى المعارضة المسلحة للتشاركية مع قوات النظام لمحاربة (الإرهاب) قبل أي خطوة سياسية وأمنية ملموسة، وتنسف قواعد أساسية في بيان جنيف فتُلغي بذلك المرجعية الدولية الوحيدة المتفق عليها، وتُبقي الرئيس السوري في قصره مُمتلكاً على الأقل الصلاحيات البروتوكولية، وأبسطها قدرته على تأخير التوقيع على القرارات، وتذكر الميليشيات الأجنبية بعُجالة خَجولة، وتمنح رجال النظام ثلث أصوات القرار وأصحاب التيار الثالث الثلث الثاني، وهو تيار غير مضمون بأنه سيعمل لتلبية المطالب الأساسية للثورة التي ضحى من أجلها السوريون بنصف مليون من القتلى ومجهولي المصير وتشرد نصف الشعب السوري، أي يمكن الجزم بكثير من الثقة بأن النظام سيمتلك النصف زائد واحد المعطّل لأي قرار فيما بعد.

من هذه العجالة تبرز ثلاث قضايا أساسية يجب التوقف عندها، وتُثير كثيراً من الأسئلة التي تتعلق بالمبعوث الأممي وبالخطة وبالمجتمع الدولي الذي رحّب بهذه الخطة ودعا بحماسة للمضي بها دون تأخير.

القضية الأولى تتعلق بالمبعوث الأممي نفسه، فهو قد بذل جهده (مشكوراً) للخروج بخطة إشكالية، مثل خطتيه السابقتين اللتين لم يُكتب لهما النجاح أيضاً، ووصفته المعارضة السورية في الأولى بغريب الأطوار، وفي الثانية بقليل الخبرة، أما في الثالثة فقد بدأت تصفه وبدون دبلوماسية بالمخرّب، وهنا يحق للسوريين أن يعرفوا السبب وراء تمسّك الأمم المتحدة بهذا الرجل.

أما القضية الثانية فهي تتعلق بمئات الشخصيات وممثلي التيارات السورية المعارضة وممثلي (المجتمع المدني) الذين التقى بهم دي مستورا، وقال حين أعلن عن خطته إنهم (أو أغلبهم بالأدق) لا يريدون جنيف 3 حالياً، وأنهم أوحوا له بهذه الخطة، والآن، وأمام رفض (المعارضات) لهذه الخطة وتمسّكها بضرورة عقد مؤتمر جنيف 3 لتنفيذ بيان جنيف، يحق للسوريين أن يعرفوا أي طرف يكذب، أو بلغة دبلوماسية، أي طرف يُخفي الحقيقة، الرجل السويدي ـ الإيطالي أم (عتاة) المعارضة السورية.

القضية الثالثة تتعلق بشكل أساسي بجملة واحدة في هذه الخطة، دسّها المبعوث الأممي بين السطور على عجل، ومرّت عليها المعارضة مرور الكرام، وهي قوله (اعتماد مبدأ لا غالب ولا مغلوب)، أي أن كل ما قام به السوريون ذهب هباءً، فلا إصرارهم وتضحياتهم أدت لنتيجة، ولا النظام انهزم أو تفكك أو تغيّر في صلبه، بل بقي الشريك الضارب الأهم والأقوى بمشروعية دولية، خاصة مع ملاحظة أن الخطة تشير إلى أن التفاوض بين المعارضة والنظام سيوصل إلى إنشاء دولة لا طائفية تعددية ديموقراطية متعددة الأحزاب ومستندة إلى سياسة الشمول والتمثيل والمواطَنة وحكم القانون وحقوق الإنسان والمساءلة، أي أن النظام سيشارك في ترسيخ مبادئ (المدينة الفاضلة) في سورية، فيما يعرف السوريون من واقع تجربتهم المريرة أن هذا الأمر مستحيل، وتعرف كل شعوب العالم الثالث أن أي نظام لديها قادر على إيجاد ألف وسيلة وطريقة ملتوية لخرق مثل هذه المبادئ جزئياً أو كلياً ببساطة شرب الماء.

ربما كانت هذه المعادلة (لا غالب ولا مغلوب) تصلح في نهاية العام الأول من الثورة، لكنها بعد نصف مليون قتيل أو من في حكمهم، و12 مليون لاجئ ونازح ومشرد، ودمار سورية بكل أنواع الأسلحة التي دفع الشعب ثمنها طوال عقود، وكارثة تخريب أسس بناء الفرد والمجتمع والدولة، بعد كل ذلك من الصعب الاقتناع بأن هذه المعادلة صالحة، بل يمكن الجزم بأنها معادلة استفزازية.

مهما حاول دي مستورا خلق حلول وتفاعلات من فوق إلى تحت، أو من تحت إلى فوق، أو بالعرض حتى، فإنه لن ينجح طالما يحمل في سطور حلّه مثل هذا الافتراض، فما من شعب في التاريخ سامح من دمرّه وعاد ليعطيه فرصة أخرى ليحكمه، وهذا شرط إنساني قبل أن يكون شرطاً قانونياً وأممياً، وعليه بمكن الجزم بأنه لا يمكن أن تنطلق عجلة الحياة الطبيعية في سورية ما لم يُحاسب كل من ارتكب جرماً بحق ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

المدن

 

 

سوريا.. هل تحركت عجلة الحل؟/ د. رياض نعسان أغا

أعتقد أن المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان ديمستورا بدأ مهمته لملء الفراغ الذي كان سيحدث لو أنه قدم استقالته كما فعل من سبقه، وقد تحولت مهمته إلى عمل جاد بعد أن ارتاح الأميركان قليلاً من عبء الاتفاق النووي الذي كان عسيراً، وربما يكون مزاج إيران قد تحسن أيضاً وصار من الممكن عندها أن تسمع وأن ترى بعد خمس سنوات من الصمم والعمى عن فظاعة ما تورطت به هي وربيبها «حزب الله» من جرائم ضد الشعب السوري بذريعة التصدي لـ«الشيطان الأكبر» الذي سرعان ما صار صديقاً حميماً! أما الروس الذين يحملون السلم بالعرض ضد السوريين فقد تسلموا ملف الحل كما يبدو، ولابد أنهم ينسقون مع ديمستورا الذي قدم رؤية تمكن النظام من البقاء وتضمن له الالتفاف على مطالب الشعب، بينما يحضّر الروس لمؤتمر سوري ربما يعقد في جنيف قريباً.. وعلى تصور مسارات ديمستورا فقد تكون مجموعات العمل التي اقترحها هي البنية الأساسية للمؤتمر، وأتوقع أن يبارك الأميركان وأصدقاء سوريا (رغم انهيار الثقة بالصداقة الواهية) هذا الجهد. ولكن التخوف السوري هو أن يظهر جسم سياسي معارض جديد بدعم روسي يتخلى عن الثوابت التي أعلنها الائتلاف وقد صارت وثيقة أساسية، بل قد يرحب كثير من السوريين بالتخلص من الائتلاف كله بعد أن أخفق في كسب ثقة السوريين المعذبين في الأرض، وقد ينسيهم هذا الموقف المعادي أو المنتقد للائتلاف أن اللحظة التاريخية التي كسبوا فيها تمثيلاً شرعياً قد لا يتكرر، وأن الجسد السياسي الجديد في حال تشكله سيضم ممثلين للنظام يجلسون على مقاعد المعارضة، وستنسف الثوابت لتحل محلها منطلقات جديدة سيقال إنها تستند إلى جنيف ولكنها تنهي القضية لصالح النظام بمحاولة نسيان جوهر القضية والتوجه معاً (النظام والمعارضة لمحاربة الإرهاب بوصفه هو القضية) حيث تتجاهل رؤية ديمستورا والروس والأميركان أيضاً أن ثورة الشعب السوري قامت من أجل إنهاء الاستبداد الذي جعل رجلاً واحداً يتحكم في مصير 25 مليون إنسان، وبوسعه أن يقتلهم ويعذبهم ويشردهم ويدمر مدنهم وقراهم دون أن يسائله أحد.

وعلى الرغم من أنني لست عضواً في الائتلاف، بل إنني أشارك السوريين انتقاداتهم المحقة لمسببات الفشل الذي أصابه، إلا أنني أفرق جيداً بين الائتلاف بوصفه مؤسسة حظيت بشرعية دولية، وأعلنت وثيقة مهمة لا اعتراض عليها ولا تنازل عنها، وبين أشخاص تصرفوا بطرق أفقدتهم ثقة الشعب.

إن تهميش الائتلاف سيتيح الفرصة لظهور قوى معارضة تتمسك بالنظام ورأس النظام بذريعة عدم وجود بدائل مقنعة، وسيكون السؤال التقليدي محرجاً: «هل تريدون داعش أو القاعدة بديلاً؟ إذن عليكم أن تحافظوا على السيئ لأنه أفضل من الأسوأ»! وعلى احتمال أن المعارضين الوطنيين أصرُّوا على ثوابتهم فلن يملكوا غير الانسحاب، وسيفقدون البقية الباقية مما يجدون من تأييد دولي، كما أن كثيراً من السوريين قد وصلوا إلى حالة من الإرهاق والخذلان لم يتحمل مثلها إنسان قط، وهذا ما سيجعل مطلب إيقاف الحرب أولوية لاشك في كونها مطلباً رئيساً، وهي التي ستبرر أمام كثير من السوريين ما قد يكرهونه من تنازلات قاسية.

ومع قناعتي بأن الحل السياسي هو المخرج الوحيد إلا أنني أرفض أن يأتي حل سياسي يجهض أهداف الشعب الذي قدم أكثر من مليون ضحية بين شهيد وقتيل ومعتقل ومفقود وأكثر من عشرة ملايين نازح ولاجئ ومشرد.

وعلى الرغم من أن الثورة السورية أخفقت في الحسم لصالحها حتى الآن، وصار حجم الدمار الذي ألحقه النظام بالشعب وبالبنى السورية يفوق ما حدث في الحروب العالمية وقد فرغت سوريا من صفوة سكانها ولم يبق لهم سوى مفاتيح بيوتهم المهدمة، ولكن الثورة لم تنتهِ، وسيبقى السوريون وراء حقهم في الحرية والكرامة، وسيعود النازحون لبناء وطنهم، وللدفاع عنه وعلى كل السوريين الشرفاء ألا يذعنوا إطلاقاً لما يخطط لهم الآخرون، فهم أصحاب القضية وهم الذين دفعوا التضحيات الأسطورية، وإذا كانت العدالة الانتقالية تقضي بأن تتم مصالحة وطنية فهذا لا يعني أن يفلت من العقاب من دمروا سوريا وقتلوا شعبها وأهانوه وشردوه، وأن يعودوا قادة للمستقبل أيضاً، وأنا أطالب كل القوى السورية الوطنية باتخاذ موقف حازم وحاسم لا تنازل فيه عن حق الشعب في بناء دولة مدنية ديمقراطية تمنع إعادة إنتاج التسلط والاستبداد.

 

 

 

الأسد رئيساً فخرياً و”داعش” في الأمم المتحدة/ موناليزا فريحة

تضيق الخيارات أمام سوريا والسوريين. بين “الدولة الإسلامية” و”جبهة النصرة” ونظام الرئيس بشار الأسد صارت الاحتمالات السورية قاتمة. بين الموت هنا أو الغرق في البحر أو الاختناق في صندوق شاحنة أو الانذلال أمام خفر سواحل اليونان وحراس حدود المجر، باتت آفاق المستقبل مغلقة أمام السوريين وغامضة جداً.

يوميات الموت في سوريا تكاد تصير من بديهيات الحرب. أعداد القتلى لم تعد تثير الاهتمام، إلا إذا تجاوزت “الكوتا” اليومية المقبولة.

الجهد الديبلوماسي الجديد لسوريا ليس أكثر إشراقاً من مصير السوريين. بصيص النور الذي ولد مع الاتفاق النووي بدأ يتبدد. لقاءات المبعوث الدولي الخاص الى سوريا ستيفان دو ميستورا ووزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف، أوحت في لحظة ما بتوزيع المهمات: الروس والأمم المتحدة يتولون الديبلوماسية العامة، بينما تتحرك واشنطن في الكواليس لئلا تثير حفيظة حلفائها الخليجيين المتوجسين من تقارب محتمل بينها وبين طهران.

الديبلوماسية المكوكية هذه تكاد تذوي على عتبة “جنيف 3”. فمع تحديد مطلع تشرين الثاني موعدا لبدء الحديث عن مستقبل البلاد، تتوالى الاشارات من هنا وهناك الى تمسك كل طرف بموقفه. الأسد لا يزال الرئيس الشرعي بمعايير موسكو، وجيشه هو الوحيد القادر على محاربة “داعش”. وإذا صحت التقارير الأخيرة عن استعدادات روسيا للانخراط مباشرة في الحرب الى جانب قوات الأسد، فإن المشهد يصير مفتوحاً على تعقيدات أكبر.

على خلاف موسكو، لا يزال الاميركيون يصرون على أن الأسد ليس شريكاً في الحرب على “داعش” ولن يكون كذلك. وهم لا يرون، أقله علناً، للرئيس السوري مكاناً في العملية الانتقالية. وبين الأميركيين والروس، يقترح دو ميستورا خريطة طريق لتنفيذ “بيان جنيف” لا تشير بحسب صحيفة “الحياة” مباشرة إلى الأسد، لكنها تدعو إلى تأليف هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة “مع استثناء محتمل للسلطات البروتوكولية”.

فقد السوريون الأمل في العالم وجهوده. صورهم يتسللون بين الأسلاك الشائكة على حدود هذه الدولة الأوروبية أو تلك، ويناطحون الأمواج في هذا البحر أو ذاك، ويتحدون جليد القطب الشمالي، وربما لاحقاً ثقب طبقة الأوزون بحثا عن حياة جديدة ليست إلا تعبيرا عن شعب قرر الا يلتفت وراءه. هؤلاء مدركون أن الحلول على نسق الأسد رئيساً فخرياً وربما “داعش” عضواً في الأمم المتحدة، لن تعيد السلام الى سوريا.

النهار

 

 

سذاجة دي ميستورا وتاريخ الأسد/ حسان حيدر

في ظن روسيا واعتقاد الأمم المتحدة أن الحراك الديبلوماسي المتقطع الذي ترعيانه والاجتماعات والمشاورات التي تنظمانها في هذه العاصمة أو تلك، مع أطراف في المعارضة السورية، ومع ممثلين هامشيين لنظام الأسد، يمكن أن تؤدي جميعها إلى تسوية للحرب الأهلية في البلد المدمر، تشبه النهايات السعيدة للأفلام الهندية أو المسلسلات التركية.

لكن الوسطاء الدوليين المعنيين بسورية، وفي مقدمهم دي ميستورا الذي وضع صيغة «أكاديمية» للتسوية كما يراها، يحاولون تجاهل ما يعرفونه تماماً من أن الأسد ورجاله لن يدخلوا في أي حل لا يضمن استمرار حكمهم وبقاء نفوذهم ومصالحهم، ليس فقط لأنهم لا يزالون قادرين على القتل والمراوغة ومقاومة الضغوط، بل لأنهم لا يرون، بسبب تركيبتهم الطائفية والأيديولوجية، أن هناك حلولاً وسطى للأزمة. فهم إما ينتصرون بالكامل وينضم العالم كله إلى صفهم مصفقاً تحت شعار «محاربة الإرهاب»، وإما سيظلون يقاتلون حتى النهاية، طالما يجدون من يقدم لهم الدعم السياسي والعسكري، ومن بين هؤلاء روسيا نفسها التي تنتحل دور الوسيط.

وأمام هذا الواقع، يعمد هؤلاء الوسطاء إلى التحايل وتفخيخ اقتراحاتهم بتضمينها فقرات غامضة تحتمل أكثر من تفسير واجتهاد، إن لناحية مغزاها السياسي أو مداها الزمني أو لجهة إمكان تطبيقها العملي. ولنأخذ مثلاً الفقرة في خطة دي ميستورا التي تقول انه تسبق المرحلة الانتقالية مرحلة تمهيدية تتمتع خلالها الهيئة الحاكمة الانتقالية بسلطات تنفيذية محددة (المقصود محدودة) تمتد لفترة زمنية لا يحددها النص، أي تترك لاتفاق الأطراف المعنيين.

يعني هذا الاقتراح أن الفترة الانتقالية التي نص عليها بيان «جنيف 1» تناسلت وأنجبت فترة جديدة مائعة، وقد تنجب غيرها بحسب الظروف والأوضاع الميدانية والسياسية، وأن ما ذكره البيان عن منح الهيئة الانتقالية صلاحيات كاملة لم يعد وارداً في فترة أولى ليس معروفاً متى تنتهي. وهو ما يدعو إلى التذكير بتجربة نظام الأسد اللبنانية في تطبيق اتفاق الطائف الذي نص على انسحاب الجيش السوري وتسليم الأمن إلى السلطات اللبنانية بعد سنتين كحد أقصى من تاريخ توقيعه، وكيف أنه ماطل 16 عاماً في التنفيذ بحجج مختلفة اختلقها، ورعا الانقسامات اللبنانية وشجعها حتى يبقى ممسكاً بعنق البلد وقراره، ولم يخرج من لبنان إلا بعد ارتكابه جريمة مروعة اضطرت دولاً كبرى إلى إنذاره بالخروج، فكيف وهو اليوم في أرضه و «منتخباً رسمياً» وتعترف أطراف عديدة بـ «شرعيته»، من بينها الأمم المتحدة؟

ولنا أن نتساءل ما ستكون عليه المرحلة التمهيدية الانتقالية إذا ظل الأسد ممسكاً خلالها بالأجهزة الأمنية والعسكرية؟ وماذا سيحصل لقوات المعارضة إذا كان «داعش» الذي ينسق مع النظام ويخوض معاركه بالوكالة عنه، سيواصل هجماته على مواقعها، فهل يستطيع أحد عندها ضمان أن قوات النظام لن تهاجمها أيضاً تحت غطاء منع «داعش» من التقدم؟

وفي فقرة أخرى، يقول دي ميستورا إنه في حال إخلال الأطراف بتنفيذ بنود التسوية، سيجري مشاورات مع دول مجموعة الاتصال ويرفع توصياته إلى مجلس الأمن. لكن هل يمتلك هذا المجلس قراراً موحداً يستطيع فرضه على دمشق، ما دامت موسكو تتمتع فيه بحق النقض وتعتقد أن الأسد هو «الرئيس الشرعي» لسورية الذي لا يجوز استبداله أو اشتراط رحيله لبدء أي تسوية، بل تروّج معلومات حالياً عن زيادة انخراطها العسكري إلى جانبه؟

الموفد الدولي ليس ساذجاً بالتأكيد، بل يتعامل مع الوقائع الدولية التي تشي بأن الأميركيين أنفسهم ليسوا راغبين في إسقاط الأسد، حالياً على الأقل، وأنهم يمنحون أولوية مطلقة للحرب على «داعش»، لكنه يصبح ساذجاً عندما يسقط من اعتباره تاريخ بشار الأسد الدموي الذي يؤكد أنه لا يمكن أن يتنازل طوعاً ولو عن صلاحية بروتوكولية واحدة.

الحياة

 

 

 

في نقد مسودة مذكرة دي ميستورا/ سمير سعيفان

خرج مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، عن دوره التقني وسيطاً محايداً لعمليات التفاوض بين المعارضة والنظام، وفقاً لبيان جنيف 2012، بإصداره مسودة مذكرة تنفيذية لبيان جنيف، مقدماً رؤيته الشخصية من خارج البيان، وبما يتعارض معه، ويفرغه من محتواه، ومتبنياً وجهة نظر طرف واحد بشكل كامل، وقد جرى تسريب مسودة الوثيقة لترويج الأفكار التي جاءت فيها، وإشاعة رأي عام حولها.

تقسم الفقرة (3) في الوثيقة المرحلة الانتقالية إلى مرحلتين: التمهيدية والكاملة. تنص التمهيدية على اتفاق مرحلي، قبل الاتفاق على تشكيل الهيئة الانتقالية كاملة الصلاحيات، وخلال هذه المرحلة، يتم دمج قوات المعارضة مع قوات النظام لمحاربة الإرهاب، أي سيبقى في هذه المرحلة كل شيء على حاله الرئيس والأجهزة الأمنية والعسكرية والمليشيات الموالية التي ستدمج مع الجيش أيضا إلخ، وهو شرط يصر عليه النظام وإيران. وعملياً، سيعمل النظام على إطالة هذه المرحلة وإحداث ترتيبات لصالحه، تمكنه من استعادة السيطرة الكاملة، وهذا كله خارج وثيقة جنيف.

وحول مصير بشار الأسد، تنص الفقرة 8 على “الاستثناء المحتمل للسلطات البروتوكولية”، ما يعني بقاء الأسد بسلطات رئيس الجمهورية في الأنظمة البرلمانية، مثل نظام إيطاليا وإسرائيل والعراق. وسيكون من حقه، بعد المرحلة الانتقالية، الترشح ثانية في أية انتخابات، وهو أمر يتعارض مع ما تصر عليه المعارضة، لكونه لن يسهم في وضع حد للصراع وتحقيق الاستقرار.

“ربط دي ميستورا التنفيذ الكامل لبيان جنيف بعناصر غير واضحة، لا علاقة لها بنصه، وبدت رغبته وكأنها القضاء على هيئة الحكم الانتقالي وبيان جنيف، بالضربة القاضية”

في كامل الوثيقة، بقيت هيئة الحكم الانتقالي غامضة في تشكيلها وقوامها ومهامها، بل تم حصر مهامها في الجانبين، الأمني والعسكري، وتنص الفقرة 10 (ستتمتع، أي الهيئة، بسلطة مطلقة في جميع الشؤون العسكرية والأمنية، وتشرف على المجلس العسكري المشترك)، والأمر الرئيس هو “محاربة الإرهاب”، بينما لا تنص الوثيقة، في الفقرات الأخرى، عن أي دور للهيئة، ما يعني إقصاءها عن إدارة شؤون البلاد في الفترة الانتقالية وفق ما جاء في جنيف. ولا تتحدث الوثيقة عن الحكومة، ومن يدير شؤون البلاد، بمعنى أن الحكومة الحالية ستبقى كما هي.

وتنص الفقرة 15 على “تعيين لجنة تضع مسوّدات اقتراحات تتناول برنامج عدالة ومساءلة ومصالحة انتقالية”. ولم ينص على أن الهيئة الانتقالية هي من تشكل اللجنة، ولم تحدد مصير مسودات اقتراحاتها، ومن يتخذ القرار بشأنها، وحتى الـ 120 شخصية التي ستستبعد، بحسب الفقرة 18، فهم مستبعدون في المرحلة الانتقالية فقط، أي يجوز لهم العودة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، وتسلم مناصب حكومية.

وتنص الفقرة 13 على تأسيس “المؤتمر الوطني السوري”، وهذا خارج نص اتفاق جنيف، ويعطيه جزءاً كبيراً من مهام هيئة الحكم الانتقالي، ويدير المجلس “حواراً وطنياً”. وتنص الفقرة 23 “لا بد من تطبيق نتائج الحوار الوطني وإجراءات المراجعة الدستورية”، أي إخراج الدستور من مهام هيئة الحكم الانتقالي، ووضعها في مؤتمر الحوار الوطني. ثم لم ينص على إصدار دستور جديد، ما يعني أن تعديلات يمكن أن تجري على دستور 2012 . أي أن دي ميستورا منح هذا الدستور الشرعية، وهو الذي وُضع على مقاس النظام في ظروف الحرب، وهذا كاف لاعتباره غير شرعي.

تنص الفقرة 16 على تنظيم المجالس المحلية في المناطق التي يغيب فيها “الحكم المحلي الفاعل”، أي مناطق سيطرة المعارضة، وسيدخل فيها ممثلون للنظام، بينما لم يتحدث عن مناطق سيطرة النظام، أي أنها ستبقى كما هي بيد النظام كاملة، ولم ينص على أن هيئة الحكم الانتقالي هي من يشكل هذه المجالس، ويشرف عليها، كما لم يذكر شيئاً عن المحافظ الذي يسميه رئيس الجمهورية حسب التشريعات النافذة الآن، أي سيعيد رئيس الجمهورية تسمية المحافظين في مناطق سيطرة المعارضة. وفي الفقرة 17، لم ينص على أن الحفاظ على المؤسسات الرسمية والجيش والأمن والقضاء وإصلاحها من مهام هيئة الحكم الانتقالي، ولا نص في الفقرة 19 على أن الهيئة هي من يشكل لجنة متابعة شؤون المعتقلين والمهجرين، ولمن تتبع ومن يراقب عملها، وهو أمر في غاية الأهمية، بسبب التهجير والتلاعب لإحلال مجموعات سكانية محل أخرى.

تحت عنوان “مجموعات العمل” الأربع المقترحة للحوار بين المعارضة والنظام كلام غامض، ويحدد دي ميستورا من يمثل المعارضة فيها، وسيكون غالبيتهم أشخاص لا علاقة لهم بالمعارضة، وسيقدم مخرجات هذه اللجان لمجلس الأمن على أنها “إرادة السوريين”. وهذا تمييع آخر، وخروج عن نص اتفاق جنيف.

في المجمل، ربط دي ميستورا التنفيذ الكامل لبيان جنيف بعناصر غير واضحة، لا علاقة لها بنصه، وبدت رغبته وكأنها القضاء على هيئة الحكم الانتقالي وبيان جنيف، بالضربة القاضية، ووضع نفسه قاضياً يقضي بمصير الشعب السوري، وهو بذلك يخرج عن المهمة الموكلة إليه، ولا يسهم بوضع حد للكارثة السورية، لأن الحل الذي يقترحه غير قابل للتطبيق.

العربي الجديد

 

 

 

 

الأزمة السورية وخطة دي ميستورا.. ماذا بعد؟/ أسامة نجّوم

جرى الحديث، أخيراً وبكثرة، عن خطة مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، لحل الأزمة العالقة في سورية، والتي وافق عليها مجلس الأمن بالإجماع، وتتلخص في العمل بالتوازي على أربعة محاور: السلامة والحماية، مكافحة الإرهاب، القضايا السياسية والقانونية، وإعادة الإعمار، من خلال تشكيل مجموعات عمل للمحاور الأربعة، تضم طرفي النزاع المعارضة والنظام، وطرفا ثالثا يضم منظمات المجتمع المدني، ويختارهم المبعوث الأممي. ويبدو أن هذا الطرح يلقى قبولاً واسعاً من الأطراف الدولية والإقليمية، لكنه يقابل بتحفظات وتوجس من طرفي النزاع الأساسيين، النظام والمعارضة، حيث يرغب النظام في تناول المحاور الأربعة، وفق تسلسل أولويات تبدأ بمحور مكافحة الإرهاب، معتبرا إياه المدخل الصحيح والوحيد للوصول إلى تسوية سلمية للقضية، في حين يعتبر الائتلاف، الممثل لقوى المعارضة، أن الملفات الأربعة على القدر نفسه من الأهمية، ويجب تناولها على التوازي ضمن حدود المبادئ العامة لجنيف التي تفضي، في النهاية، إلى حل سياسي شامل للأزمة، ينتهي بإقصاء الأسد ونظامه عن سدة الحكم في سورية.

ومنذ موافقة مجلس الأمن مجتمعاً على خطة دي ميستورا (وهو بالمناسبة الإجماع الأول حول الملف السوري منذ بدايته عام 2011) وأصداء القبول الإيجابية للقوى الدولية والإقليمية الفاعلة في الملف، كإيران والسعودية، بدأ نوع من الحراك السياسي الدولي والإقليمي، بهدف تنسيق الرؤى والتصورات بين كل طرف من أطراف النزاع وداعميه، لخوض المفاوضات برؤية متقاربة، تخدم مصالحها وتساعدها على إحراز أكبر عدد ممكن من النقاط، في أثناء المفاوضات المتوقعة، من جهة، وبين الأطراف الداعمة والوسيطة، من جهة أخرى، لتقريب وجهات النظر وتذليل العقبات والصعوبات.

وقد ظهرت نتائج أولية لهذا الحراك في الأسابيع القليلة الماضية، وإن كان بشكل خجول، من خلال ما رشح من تسريبات عن لقاءات بين مسؤولين أمنيين وسياسيين من النظام السوري ومسؤولين سعوديين على درجات عالية من المسؤولية، كما سرت شائعات عن لقاءات حصلت بين ممثلين عن النظام السوري ومسؤولين في عواصم إقليمية، وكذلك الأمر بالنسبة لممثلي المعارضة. وفي أعقاب هذه التطورات، ساد جو من التفاؤل المشوب بحذر كثير لدى قسم كبير من أطراف القضية السورية، ومتابعيها. لكن، سرعان ما تبدد هذا التفاؤل، بعد ظهور اختلافات وتناقض في المواقف، تجلى في تصريحات متباينة لدى بعض الأطراف ذات العلاقة بالملف السوري، حول ترتيب الأولويات ضمن خطة دي ميستورا. وتبع ذلك تصعيد قوي على الأرض من خلال اشتداد حدة المواجهات بين طرفي النزاع، في أكثر من موقع ومكان داخل سورية. ومع ذلك، استمرت الجهود الدولية والإقليمية الحثيثة التي يبدو أنها تحاول، وبإصرار، دفع طرفي النزاع للوصول إلى فهم متقارب، إن لم يكن متشابهاً أو موحداً، لثنايا خطة دي ميستورا، والبدء بالعمل جديا للوصول إلى مفاوضات مباشرة بين طرفي النزاع، تفضي إلى حل سياسي وسلمي شامل.

“الحالة السورية، بكل تناقضاتها وتشعباتها، أصبحت مسرحا لكل التناقضات المحلية والإقليمية والدولية، حيث تجلت مظاهر استعراض القوى والنفوذ، بكل أشكاله على الأرض السورية”

بالطبع، لا يتوقع أن يكون مسار هذه الجهود معبّدا بالزهور والرياحين، وإنما مملوء بالأشواك والعقبات، نتيجة حدة النزاع وتفاوت الرؤى بين طرفيه، بعدما شهدت سورية واحداً، ربما، من أكثر النزاعات الأهلية عنفا في التاريخ الحديث، كما لا يتوقع أن يكون مسار المفاوضات، في حال انعقدت، آجلا أم عاجلاً، سهلا وسلسا، وإنما يتوقع أن يكون درب المفاوضات شاقاً ومعقداً، عدا عن كونه طويلاً، وذلك لعدة أسباب، منها أن الحالة السورية، بكل تناقضاتها وتشعباتها، أصبحت مسرحا لكل التناقضات المحلية والإقليمية والدولية، حيث تجلت مظاهر استعراض القوى والنفوذ، بكل أشكاله على الأرض السورية، خلال سنوات النزاع الممتدة منذ عام 2011، كما أن حجم التدخلات في الملف السوري بلغ مستوى غير مسبوقٍ ربما في تاريخ العلاقات الدولية. بالتالي، سيكون من الصعب على طرفي النزاع، لاعتبارات متعددة، تقديم التنازلات اللازمة لتسهيل الوصول إلى تسوية تاريخية شاملة متكاملة، ترضي جميع الأطراف بالحد الأدنى، بعدما شهدت سورية واحداً من أشرس النزاعات عبر تاريخها، والذي استنزف قاعدتها المادية بالمعنى العام، من خلال تدمير البنى التحتية والعمرانية والاقتصادية وغيرها، وقاعدتها البشرية، من خلال فقدان أرواح آلاف الضحايا والأفراد في خضم العمليات القتالية، ومن خلال الإصابات الجسدية والنفسية الهائلة التي ألمت بأفراد الشعب السوري، وأيضاً من خلال حركة النزوح واللجوء والتشرد والاغتراب التي أفرزت واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية فظاعة في التاريخ الحديث.

لكن، يبقى الأمل في أن يدرك طرفا النزاع (النظام والمعارضة) والأطراف الداعمة لهما، أن استمرار الأزمة السورية، من دون حل وإلى أمد بعيد، ليس في صالح أحد، بل على العكس تماماً، كلما طال أمد الأزمة تعاظم حجم هذه الكارثة الإنسانية التي أصبحت، شئنا أم أبينا، وصمة عار في جبين الإنسانية، وكلما عزز ذلك من حدة التناقضات الإقليمية والدولية، وصولاً، ربما، إلى مرحلة المواجهة المباشرة محليا (في أكثر من بلد) وإقليميا وعالميا، ما يهدد الاستقرار والسلم العالميين. بالتالي، يحدو السوريين، كما هو حال كثيرين، الأمل في أن يتفهم كلا طرفي النزاع وغيرهما أنه ليس من مصلحتهم استمراره إلى ما لا نهاية، وأن جميع الخيارات البديلة عن الوصول إلى تسوية تاريخية شاملة ومتكاملة (تحفظ ما تبقى من سورية وتؤهلها للانتقال إلى نظام سياسي واجتماعي وإنساني، يناسب شعبها ويحفظ حقوقه ويدافع عنها ويحميها)، بما فيها خيار التقسيم، هي خيارات كارثية بامتياز، وسيكون لها انعكاسات مريرة على سورية، بالدرجة الأولى (أرضاً وشعباً)، وعلى تاريخ المنطقة وتطورها الجيوسياسي.

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...