الرئيسية / صفحات العالم / حسم الجدل في المسألة السورية.. مع سورية لا مع النظام

حسم الجدل في المسألة السورية.. مع سورية لا مع النظام


عبد الحميد صيام

كلما كتبنا شيئا تأييدا لحق الشعب السوري في الحرية والكرامة والمواطنة الكاملة وسيادة القانون وحرية الرأي والتجمع والحرية الدينية والتعددية السياسية، إنهالت علينا التعليقات تتهمنا بأننا نقف في صف واحد مع جعجع والحريري ودول الخليج والولايات المتحدة وفرنسا ومجلس ‘إسطنبول’ ونشارك في مؤامرة تدمير آخر قلاع الممانعة والصمود وجسر العبور إلى تحرير الأراضي العربية المحتلة في فلسطين والجولان ولبنان. ونود أن نحسم هذا الجدل لنبين موقفنا بكل وضوح بعيدا عن النفاق والتزلف لأحد وحرصا على ما إقتنعنا به طوال العمر من مبادئ ولنوضح لأصحابنا قبل خصومنا مواقفنا مما يجري في سورية.

-1من غير المنطق أن نؤيد ثورات الشعب التونسي والمصري والليبي واليمني والبحريني وعندما يتعلق الأمر بسورية ننقلب على عقبينا ونقول لا هذه مؤامرة ولا أحد في سورية يطالب بالحرية والكرامة، فالشعب السوري سعيد بقيادته الحالية الوارثة للقيادة السابقة والتي كان يجسدها الشعار الذي كان يملأ شوارع سورية ‘قائدنا إلى الأبد الرئيس حافظ الأسد’.هل يوجد بلد في الدنيا يرفع شعارا مفاده أن القائد سيبقى قائدا حتى بعد الموت إلا إذا كان من صنف الأنبياء المرسلين؟ ألهذا الحد يتم تحقير الشعب السوري باعتباره فائضا بشريا على إستعداد أن يضحي بتلك المطالب من أجل عيون قائد مهما كان على قدر من الحكمة والحصافة والتواضع على فرض أنه يتمتع بأي من تلك الصفات؟

-2من غير المنطق أن نكون ضد كل الدكتاتوريات في العالم وعندما يتعلق الأمر بسورية ننقلب مرة أخرى على عقبينا ونقول لا يا سادة هذه دكتاتوية عظيمة لا نريد لها أن تتزحزح عن رقابنا ولا أن تنزل عن ظهرانينا ولا أن تترجل عن كواهلنا. هذه دكتاتورية الإنجازات الكبرى فقد حررت البلاد وعممت الرخاء وحاربت الفساد وبيضت السجون وعمقت حرية الإنسان وأعلت من قيمة المواطن…..هذه دكتاتورية رحيمة لا تعض أحدا، ولا تظلم أحدا ولا تهمش أحدا….حمت أمن البلاد من أي إختراق إلا ثلاث أو خمس أو عشر مرات دمر فيها مفاعل دير الزور مثلا أو إغتيل عماد مغنية أو حلقت الطائرات المعادية فوق القصور أو ضبطت كمشة من الجواسيس أو قتل قائد عسكري هنا أو هناك…كيف تريدوننا أن نقف مع دكتاتورية شمولية على طريقة كوريا الشمالية تبني جيشا وأجهزة أمن لا لمحاربة أعدائها بل لقمع شعبها وتهتم بتسمين الطبقة الحاكمة حتى لو جاع الشعب وتتراجع عند الضغط الخارجي أو تنضم لتحالف حفر الباطن لكنها تستـنمر على فقراء حمص وإدلب وحماة ودرعا؟

-3من غير المنطق أن نرى كل الطغاة يسقطون الواحد بعد الآخر ولا نتوقع المصير نفسه لبقية الطغاة العرب …سقط الشاه الإيراني، وماركوس الفلبيني وساموزا النيكاراغوي وباتيستا الكوبي وبينوشيه التشيلي وتشاوتشسكو الروماني ومنغستو مريام الإثيوبي وموبوتو الزائيري وهونيكر الألماني والنميري السوداني ومعاوية ولد طايع الموريتاني وعيدي أمين اليوغندي ودي كليرك ونظام الأبرثايد الجنوب أفريقي ثم جاء دور الطغاة العرب ففر زين العابدين التونسي وإعتقل مبارك المصري وقتل القذافي الليبي وهرب إلى الخارج علي صالح اليمني. أما بالنسبة لبشار الأسد فقف هنا…لا ينطبق عليه ما ينطبق على الطغاة الآخرين لأنه إبن حافظ وريث عائلة الأسد العريقة وصاحب الإنجازات الكبرى في الداخل السوري والخارج العربي. لا يجوز مقارنته مع أي طاغية آخر.كيف تتجرأ على ذلك خاصة أن الحريري وجعجع وسنيورة يرونه طاغية لذلك عليك أن تفتل دماغك وتبحث عن مبررات لترى فيه قائدا تاريخيا لا يجوز التعرض له أو مقارنته بأي من الطغاة. قولوا لي كيف يختلف طاغية عن آخر علما أن مؤشرات الطغيان كالقمع والفساد وكتم الأنفاس وتقييد حرية الصحافة وتغول الأجهزة الأمنية كلها ترجح كفته عشرات الأضعاف قياسا للزين ومبارك وصالح وخليفة بل ويتفوق بمرات على القذافي المعتوه.إن مقارنة بسيطة بين حجم القمع في دولة ‘قمعستان’ كما سماها المرحوم نزار قباني مع نظيره في مصر أو تونس يجعل من مبارك والزين أقرب إلى ‘الأم تيريسا’ قياسا للأسدين الأب والإبن.

-4 من غير المنطق أن تكون 137 دولة كلها متآمرة على نظام الممانعة ومخدوعة بدعاية محطتي الجزيرة والعربية وكل ما يجري من مذابح في حمص وإدلب وريف دمشق تلفيق في تلفيق من صنع غرفة عمليات الجزيرة. ألم تتراجع الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل عن مواقفها السابقة عندما إمتنعت عن التصويت في شهر تشرين الأول /أكتوبر الماضي ثم عادت وصوتت مع قرار أشد في شباط /فبراير في مجلس الأمن (الذي أعدمه الفيتو المزدوج) والجمعية العامة لأنها أدركت أن حجم المذابح أكبر من أن تشيح بوجوهها عنها إلى الجانب الآخر؟ كل العرب متآمرون وكل أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية كل الشرق والغرب والشمال والجنوب يريدون وقف العنف المفرط الذي يمارسه النظام إلا إحدى عشرة دولة من بينها إيران وكوريا الشمالية والصين وروسيا وغواتيمالا وبيلوروسيا وحفنة أخرى من الدول التي يجمعها قاسم مشترك واحد: كلها غير ديمقراطية.

-5-ألا يكفيكم ترديد مقولة الإصطفاف إلى جانب الدول المتآمرة على نظام الممانعة؟ فهل عندما يؤيد الظواهري وأوباما رحيل بشار يجعلهما حليفين؟ وإذا أيد حزب الله وأوباما سقوط القذافي يجعلهما رفيقي سلاح؟ وإذا إلتقى حمد بن جاسم وسعود الفيصل على رحيل بشارمع المشير الطنطاوي ومنصف المرزوقي يلغي الفوارق بينهم؟ ألا يمكن أن يكون شخص ما في صف جماعة 14 آذار في مسألة بشار وضدهم في كل شيء آخر، وضد تحالف 8 آذار في مسألة بشار ومعهم في كل شيء آخر؟ هل يمكن أن يبقى الإنسان مع حزب الله إلى الأبد وضد خصومه إلى الأبد وكأنه أصبح المعيار لكل قضايا الأمة؟ ونحن نقول إن حزب الله كان في صفنا عندما أيدنا ثورات تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين ثم عندما قلنا وما الفرق بين تلك الثورات وثورة سورية قالوا هذه مؤامرة ولا أحد في سورية يريد الثورة وكأن الشعب السوري لا يعشق الحرية والكرامة والتعددية وسيادة القانون ومحاربة الفساد. فكيف نقبل مثل هذا القول الشطط؟ هل الاصطفاف الطائفي هو المعيار، ونحن أبعد الناس عن الطائفية المقيتة؟ لماذا يجوز للأغلبية في البحرين أن تثور ونؤيدها في مطالبها وننتصر لها ونرفع شعاراتها في كل مقالاتنا وخطبنا ومحاضراتنا وعندما تثور الأغلبية المقهورة والمهمشة في سورية لا نؤيدها؟ كيف لأحد في الدنيا تبرير مثل هذا الموقف الأعوج علما أن مستوى القمع في سورية لا يقارن بمكان في العالم إلا في كوريا الشمالية الذي فتح شهية التوريث لدى الأنظمة الشمولية؟

-6 ننتقد القيادة الفلسطينية ولا أحد يساوره شك أننا نعشق فلسطين، وننزل بلكماتنا على قيادة مبارك ولا أحد يشكك في حبنا لمصر ونصرخ ضد قيادة معتوه ليبيا دون أن ينال ذلك من إحترامنا وإجلالنا للشعب الليبي وليبيا، ونحرض ضد شاويش اليمن دون أن يمس ذلك من إجلالنا وحبنا لليمن بلدا وشعبا….ولكن عندما نصرخ ضد الدكتاتورية السورية وننتصر للشعب على النظام يصطف من تبقى من مؤيدي الدكتاتورية ويتهموننا بأننا نتآمر على سورية. أي منطق هذا؟ نحن أعلناها مرارا وتكرارا في كل ما صدر عنا من قول شفاهة أو كتابة أننا نعشق سورية شعبا وتاريخا وحضارة ومدنا وبادية وريفا وسجلا نضاليا يشرف كل العرب.’هنا جذوري هنا قلبي هنا لغتي’ لهذا نحن نريد لهذا البد العظيم أن يتعافي من داء الدكتاتورية القاتل. إقترحنا في البداية مثل الآلاف الحريصين على سورية أن يكون العلاج بالإصلاح الجذري والانصياع لمطالب الجماهير ولكن النظام والطبقة الحاكمة إختارت دروب الموت والقصف والتنكيل، فكيف يمكن لعروبي حريص على أمته أن ينحاز للنظام ضد الشعب؟

-7إنهيار الدكتاتوريات في كل الدنيا يؤدي إلى إنهيار حكم الأمن والعسكر والفساد والمحسوبيات والعلاقات القائمة على النفاق والتزوير والدجل ويحل محلها قيام نظام مدني يعتمد الكفاءة لا المحسوبية والتنمية الإنتاجية الشاملة بدل إعتماد إقتصاد الخدمات وتلعب فيه الصحافة الحرة دور الرقيب والناقد والمدافع عن مصالح الناس والفاضح للفاسدين وتشجيع الموهوبين والمخلصين….يعود أبناء الوطن المهاجرون للمساهمة في البناء بدل أن يفروا منه بحثا عن لقمة عيش وجرعة كرامة، وما هي إلا سنوات حتى تبدأ البلاد نهضة شاملة يتحسن الاقتصاد وتنتعش التجارة وتزدهر السياحة وتتعزز الثقة في العملة المحلية وترتفع المداخيل وتزداد ثقة المستثمرين في المستقبل وتتعدد المبادرات وينعكس كل ذلك على المواطنين جميعا لا على زبانية الرئيس وحواشيه وجواريه ورجال أمنه.

قارنوا أيها الرفاق بين تركيا في عهد العسكر وتركيا اليوم التي تحتل المرتبة 17 في العالم من حيث القوة الاقتصادية والبرازيل التي إنهارت إقتصاديا تحت حكم العسكر في السبعينات قد أنزلت بريطانيا مؤخرا عن المرتبة السادسة وجلست محلها وأن بولندا الفقيرة في عهد الشيوعية تحتل المرتبة العشرين وأن رومانيا الجائعة في عهد تشاوتشسكو تحتل المرتبة 47 وتشيلي التي دمرها بنوشية تحتل الآن المرتبة 43. عندما سئل رجب طيب أردوغان كيف يفسر الفائض في الميزانية الذي يعادل 150 مليار دولار قال بكل بساطة ‘لأنني لم أسرق’ وهو يقصد أن النظام بشكل عام ليس فاسدا. لذلك نؤيد سقوط الدكتاتوريات في كل مكان لما تفتحه من فرص عطيمة أمام كل أفراد الشعب بغض النظر عن ولاءاتهم وأحزابهم وأديانهم وألوانهم وأعراقهم.

-8ليس من حق أحد أن يفرض على الشعب السوري أن ينسى مجزرة حماة عام 1982. قد لا تعني هذه المجزرة شيئا لشلة من المحللين السياسيين الجالسين على الأرائك في بيروت، أو بقايا خلايا بعثية في الأردن واليمن أو حفنة من التروتسكيين الذين يصرخون يوميا على الفضائيات معلنين أن ثورة عالمية إنطلقت من لبنان ودمشق وطهران مستلهمة فكر تروتسكي والخميني معا لتحرير العالم. لكن تلك المجزرة لن تمّحي من ذاكرة الملايين في سورية الذين فقدوا أحبابهم وأقاربهم وأولاد عمومتهم وأبناء أخواتهم وجيران طفولتهم، ولا من ذاكرة الملايين في الوطن العربي والعالم الذين يرفضون المجازر كلها ويدينون مرتكبيها سواء إرتكبت في حماة أو دارفور أو حلبجة أو صبرا وشاتيلا أو دير ياسين أو سطيف (على يدي الفرنسيين) أو ولاية غليزان (على يد الميليشيات المسلحة) أو رواندا أو بورندي أو مدغشقر أو هايتي أو مانروفيا أو شاربفيل أو سانتـياغو أو مذابح الهنود الأصليين في الأمريكتين.

-9وأخيرا، لماذا لا تثقون في الشعب السوري العظيم؟ لماذا تعتقدون أن سقوط نظام القمع والموت سيؤدي في النهاية إلى إستبداله بنظام خائن وعميل ومتصالح مع الكيان الصهيوني؟ كيف لأحد أن يتخيل أن هذا الشعب المناضل وريث سلطان باشا الأطرش ويوسف العظمة وإبراهيم هنانو وجول جمال وصالح العلي سيتنازل عن وطنه المحتل ويفرط في فلسطين والمقاومة العربية ويتحول إلى عميل للغرب وإسرائيل؟ وهل سيقبل الشعب السوري بأن تقوده ثلة عميلة تفرط في البلاد وتتنازل عن الأرض والكرامة معا وهي التي أطلقت ثورة الكرامة؟ هل الوطنية السورية بدأت مع عائلة الأسد وستنتهي برحيل بشار؟ كيف يصور لكم خيالكم الغريب أن البديل لهذا النظام الجائر سيكون نظاما عميلا؟ وهل تعتقدون أن مستقبل سورية مرتبط بتصريح أو أمنية أو بيان يصدر عن برهان غليون؟ هل يقبل الشعب السوري نظاما لا يمثل طموحه وآلامه وآماله ويضع سورية على طريق النهضة الشاملة ويحول جيشها من جيش يطلق النار على شعبه إلى جيش يحمي الوطن فعلا ويعمل على تحرير الأجزاء المحتلة منه بعد أن غاب عنها 45 سنة. ألم تشاهدوا تصرف الجماهير المصريـة ليلة التاسع من أيلول /سبتمبر الماضي عندما لم يعجبها موقف المجلس العسكري من مقتل ستة جنود مصريين على أيدي السلطات الإسرائيلية؟ ألم تقتحم الجماهير الغاضبة سفارة الكيان وهرب الدبلوماسيون الصهاينة من الأبواب الخلفية متخفين بملابس عربية وبعد أن تدخل أوباما شخصيا لدى المشير؟ هل كان يمكن أن يحدث هذا في عهد مبارك؟

أود في الختام أن أذكر أصحاب نظرية المؤامرة بمقولة هيغل، الفيلسوف الألماني العظيم، الذي قال ‘إن أعظم درس تعلمناه من التاريخ أننا لا نتعلم من التاريخ’. أبعد إنهيار إمبراطورية الأتحاد السوفييتي التي قامت على النظام الشمولي بقي من يراهن على أنظمة الحزب الواحد والقائد الواحد؟ ألم يسقط الطغاة الواحد بعد الآخر فكيف تراهنون على نظام دموي ولغ في دم شعبه ؟ ومتى إنتصر قائد دموي على شعب قرر أن يضحي بكل شيء من أجل كرامته وحريته واسترداد حقوقه المهيضة وبناء دولته الواعدة بالخير والرخاءوالعزة والمنعة لكل مواطنيها؟

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...