الرئيسية / صفحات سورية / حقيقة المعارضة وزيف الموالاة في سورية

حقيقة المعارضة وزيف الموالاة في سورية


علي جازو

يسمح بعض محللي الأخبار والصحف، ممن يسهّلون النظر المجرد، تصنيف الحالة السياسية السورية المعقدة والمتحركة إلى معارضة وموالاة ثابتتين، كأن الأمر محض اختيار سهل ونهائي بين جسمين سياسيين مميزين وبلا تقاطعات وتنقلات من أحدهما إلى الآخر.

فكثير ممن يعدون في حزب البعث أعلنوا استقالاتهم، وعشرات العسكريين انشقوا عن الجيش في خطوة بالغة الجرأة والأهمية، وهؤلاء المعلنون أقل بكثير من العدد الفعلي الذي أبدى معارضة موزعة بين العلنية والسرية، وعشرات الآلاف ممن يعدون نظرياً في ركام البعث لم يحضروا اجتماعاً حزبياً منذ سنوات، يضاف إليهم منتسبو النقابات والاتحادات، ويرى معظم المنتسبين الإجباريين أن الحزب، مع النقابات والاتحادات، لا يمثلهم في شيء بعد أن غدا أداة في يد أجهزة المخابرات. والحال أن المعارضة تتسع أفقياً، جمعة إثر أخرى، لتشمل مناطق جديدة وأعداداً أكبر، وتتعمق فكرياً وسياسياً نحو رؤى جذرية تعيد رسم خريطة توزيع السلطة السورية بعد نظام الحكم الواحد، ومثل هكذا تصنيف، بجعل المعارضة في حقل مغلق وساكن والموالاة مقابلها، وكأن ليس هناك جهازاً قمعياً يدير الأزمة بطريقة شنيعة، يغفل أن كلتا المعارضة والموالاة، ترمزان إلى ميول مختلفة ودوافع متنازعة وطبيعة اجتماعية يختلط فيها الأخلاقي مع السياسي والطائفي مع المدني والقومي مع الاقتصادي، وكل ذلك يجعل من التصنيف المفتقر إلى الدقة عملية فوق واقعية وبعيدة عن ما يجري على الأرض حقيقة، فالجمهور السياسي في سورية عريض لكنه مشتت، وليس من المصيب دائماً اعتبار تشتته صفة سلبية، فبه القوميون والمتدينون وسكان البلدات والمدن، المثقفون والكتاب، وفقراؤه أكثر من أغنيائه، ويسود الشباب الطامح إلى حكم مدني عصري، الذي لا يجد تمثيله الفكري السياسي في كل ما ذكر، معظم حراكه، ويقود تنسيقه في ظروف بالغة الخطورة، وهم الغالبية من الضحايا والمعتقلين، وقوته أخلاقية وإنسانية أكثر مما هي منظمة فكرياً وبشرياً، ومعظم من وقف ضد حكم البعث الاستبدادي، اختار الموقف المعارض لا من وجهة نظر سياسية وحسب بل هي أقرب إلى معارضة ذات جذور أخلاقية وإنسانية، ولهذا تبدو بعيدة عن التحزب السياسي وقريبة من قاع المجتمع ببعده الشعبي والتضامني العميقين.

الاحتقار والإهانة اللتان قوبل بهما أهالي درعا ساهمت في تأجيج رفضهم والإعلان صراحة عن عدم تحملهم أجهزة حكم تقتل أطفالهم لمجرد كتاباتهم شعارات مناوئة للنظام. وإذا تأملنا تواتر التوزع الجغرافي للاحتجاجات السورية وثقلها البشري المتفاوت، رأينا مدى ابتعاد الحال عن معارضة بالمعنى السياسي المنظم، وهذا لا يقلل من قوتها وصبرها الكبيرين وأحقية مطالبها.

فحركة الاحتجاجات انطلقت من درعا، التي لم تكن من المناطق المتوقع فيها حركة بهذا الزخم والاستماتة، ودعوات الخروج على نظام الحكم المفترضة خروجها في الخامس من شباط /فبراير الماضي لم تلق استجابة، رغم احتقان الشارع المديد، وعودة الثقة إلى الشعب بعد انتصار مصر وتونس، وكثير من الشباب السوريون كانوا يناقشون الأمر على أنه فكرة، ولم يتوقع أحد أن تتطور الأمور الى الحد الذي بلغته الآن.

وريف دمشق (دوما وداريا والمعضمية والقابون وحرستا والبرزة ..) إضافة إلى الميدان وحي الأكراد ‘ركن الدين’، ومعظمها مناطق أناسها فقراء، دفعوا ثمنا باهظاً، تلته بانياس وحمص وإدلب وحماه ودير الزور، ومدينتا الحسكة في الشمال الشرقي والسويداء في أقصى الجنوب مثالان على التردد السلبي وافتقار حس الانتماء إلى الإنسان السوري المقهور، ولم تظهر الرقة حركة احتجاج قوية كالتي أبدتها جارتها دير الزور.

ولا يجمع الموالين للحكم سوى التنفع والخوف ، وكثير من ساكني دمشق وحلب يرون أنفسهم بعيدين عما يحدث، ومثل هكذا حال ستؤذيهم في المستقبل، فلن يساعد المظلومين في سورية سوى السوريين، وأهالي درعا ودير الزور والقامشلي وريف دمشق وسواها، يحرضون دمشق وحلب على دعمهم، لأن الوقت يمر صعباً عليهم وسيزداد ثقلاً إن تركوا وحيدين، وما يقال في المظاهرات واضح: ‘يا أهالي الشام، يا أهالي الشام، عندنا في حماه سقط النظام’، وأظهرت حلب مؤخراً جزءاً ضئيلاً من قوة رفضها الكتيم، ولم يتحرك قلب دمشق بعد لتخفيف الجراح عن حوافها المخنوقة، وينتظر منهما أن تقدما المزيد حتى تجبر النظام على الخنوع.

فأكثر من عشرة ملايين سوري يسكنون المدينتين الأكبر في سورية، وهما اللتان ستقرران مصير الأزمة لصالح الشعب التائق للحرية ونيل كرامته غير منقوصة، ومحاسبة القتلة والمجرمين. موالو الحكم القائم إما مجبرون أو خانعون أو هم بشر بلا صفات. ويحسن بهم أن يدركوا أن الثورة كسرت حاجزي الصمت والخوف، وعلى هؤلاء الصامتين أن يبرروا موقفهم الآن، بشكل علني ودون مواربة، فلا ينفع تصفيقهم أمام كاميرات النظام، وهم يعلمون أن ذلك لا يمثل موقفهم الحقيقي، لكنه يسيء إساءة معنوية بالغة إلى أسر الضحايا والشهداء، ويقدم للنظام غير الشرعي دعاية غير شريفة ولا مقبولة تبرر استمراره في القتل والتعذيب وإهانة عموم الشعب الذي برهن دوام حركته الاحتجاجية عن بطولة خارقة وقوة تحمل فريدة.

‘ كاتب من سورية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...