الرئيسية / صفحات الحوار / حوار مطول حول الشأن السوري مع ياسين الحاج صالح

حوار مطول حول الشأن السوري مع ياسين الحاج صالح

 
أسئلة لولوة الرشيد ومحمد علي الأتاسي
1. ما هو المدى الذي بلغه القمع في سورية؟ كم سقط من الضحايا حتى اليوم؟
حتى يوم 9 آذار هناك 9321 شهيدا بالاسم والموقع، منهم 3393 من حمص وحدها. ورقم الضحايا دقيق تقريبا، هامش الخطأ فيه بين 5 و10%، وبالنقصان وليس بالزيادة. أي أن من المحتمل أن العدد أكبر قليلا. والرقم المتاح عن المعتقلين هو 20628، لكن مع هامش خطأ بالنقصان أكبر. مجموع من اعتقل منذ بداية الثورة يتجاوز كثيرا رقم 100 ألف. أما عدد اللاجئين في كل من تركيا والأردن ولبنان، فيصعب تقديره بدقة لأن أكثرهم لا يقيمون في مخيمات أو مواقع محددة. لكن يقدر أن عدد اللاجئين في الأردن حيث الظروف مناسبة ب85 ألفا. وفي لبنان 4 آلاف وفي تركيا 12 ألفا، وظروف اللاجئين في البلدين الأخيرين أقل ودية. أما مجموع من هجروا البلد، دون أن يكون كثيرون منهم مضطرين، لكنهم لا يحسون بالأمان السياسي والاقتصادي في البلد، فأعلى بأضعاف. وهناك عشرات الألوف من اللاجئين الداخليين أيضا، من حمص بخاصة.هذا يعطي فكرة عن مدى القمع في سورية. لكنه يظهر بخاصة أن هناك مجتمعا يتعرض للكسر والتحطيم من قبل نظلم محتل شديد العدوانية، يرهن حياته بموت معارضيه الثائرين، ومجده بذل محكوميه جميعا.
2. هل هناك عوارض تعب على النظام؟ ما هو تقديرك لدرجة تماسك النخبة الحاكمة (الأسرة الأسدية، الجيش، رجال الأعمال، إلخ)؟
“النظام” السوري هو الرئيس وأسرته، زائد الأجهزة الأمنية الإرهابية التي هي جيش النظام الضارب، زائد طبقة الإقطاعيين الجدد الذين يدينون بثرواتهم إلى احتلالهم للسلطة العمومية + رؤساء الأجهزة الإعلامية والبعثات الدبلوماسية وبعض الوزراء الأساسيين. وهذا التكوين متماسك لأسباب ثلاثة. أولهما أن النظام يقتل من ينشق عنه أو يتآمر ضده من أركانه على نحو ما جرى لغازي كنعان في خريف 2005 (قتل أخوه بصورة غامضة بعد أسابيع من مقتله)، وعلى نحو ما جرى لعشرات وربما مئات الضباط والجنود الذين رفضوا المشاركة في قمع الثورة. ولم يتجاسر عبد الحليم خدام على إعلان “انشقاقه” عن النظام إلا بعد أن استكمل تسفير جميع أفراد عائلته خارج البلد، لأن النظام يأخذ البناء بجريرة الآباء وبالعكس. والسبب الثاني هو التكوين المحاسيبي والطغموي لنخبة النظام العليا، الرئيس والأسرة واالمخابرات… هؤلاء يشكلون شبكة من تبادل المنافع والامتيازات، وبالتالي المسؤوليات، ما يعني ترابط مصيرهم. والثالث هو أنه ليس هناك أية مؤسسات سياسية أو عسكرية أو اجتماعية مستقلة في سورية. لا الجيش جيش محترف مستقل عن النظام ومخابراته، ولا النقابات حائزة على أدنى حد من الاستقلالية، ولا هناك برجوازية متماسكة ذاتية مستقلة في مصادر إثرائها عن النظام، ولا هناك مراكز قوة مستقلة نسبيا ضمن النظام. وفي المحصلة، فإن النظام السوري “شقفة واحدة”، صلبة ومتماسكة، لا تنقسم من مركزها، لكنها ربما تتفتت من محيطها، أو تنهار انهيارا كاملا مفاجئا. التفتت نراه في الجيش و”انشقاقاته” الطرفية المتكررة. أما الانهيار الكلي فأقدر أن نراه في وقت غير بعيد، بخاصة إذا جرى بصورة ما تقييد قدرة النظام على الحرب ضد الثورة.
3. كيف تفسر مرونة النظام؟ هل يدين النظام باستمراره إلى الجيش؟ إلى العلويين؟ إلى الدعم الخارجي واللامبالاة الخارجية بمحنة السكان المدنيين؟ أو لغير ذلك؟
بصورة أساسية يحوز النظام احتكارا مطلقا لأدوات العنف، وهيمنة واسعة على الموارد العامة، وغير قليل من الموارد الخاصة، وهيمنة كلية على حركة المعلومات وتداولها. ويحتكر النظام أيضا التنظيم، ويتحكم بتفاعلات السوريين، فلا يمكن لأحد خارجه أن ينتظم بصورة مستقلة عنه، أو يتشكل في صورة طرف سياسي أو اجتماعي متماسك. سورية قريبة من دولة “شمولية”، عمل نظامها على بقاء المجتمع السوري مبعثرا فاقدا لأي تماسك ذاتي ولأي ثقة بالنفس أو قدرة على المبادرة المستقلة. المجتمع السوري، وأكثر منه الجيش السوري، “مفخخ” بالمخابرات. ولقد ثابر النظام على حرق الأرض الاجتماعية في البلد كيلا تنبت عليها أحزاب أو أطراف سياسية. لذلك لم تكن الثورة متوقعة، ولذلك لا ينتظر منها أن تحقق هدفها في ظل مستوى العنف الذي تواجه به اليوم. من جهة أخرى، للنظام قاعدة اجتماعية تواليه بدرجات متفاوتة. نواتها الأهلية مستعدة للدفاع عنه، لكن قطاعات أخرى، أسر ثرية وشرائح عليا من الطبقة الوسطى ونخب محلية منحدرة من أقليات دينية أو مذهبية وأكثر من نصف عمومها، تفضل بقاءه، وإن لم تكن مستعدة للدفاع عنه بالضرورة.ثم أن النظام السوري متشكل منذ وقت باكر من حكم حافظ الأسد في صورة “دولة خارجية”، تغلق الداخل المحلي، وتجعل نفسها ضرورية لقوى إقليمية ودولية. ومعلوم أنه تلقى دعما متنوعا تكنولوجيا وربما بشريا من إيران وحزب الله، ويحتمل أنه تلقى دعما ماديا من الحكومة العراقية, ودعما عسكريا وسياسيا من روسيا، ومن الصين. لذلك فإن كسره يتطلب إبطال هذا الدعم الخارجي المتنوع أو الحد منه.
4. هل هناك قيادة للنشاط المعارض للنظام؟ هل يمكنك إعطاءنا بعض الأسماء؟
ليس للثورة قيادة مركزية. الثورة السورية متعدد البؤر، ولها قيادات محلية، تعرضت أكثر من غيرها للقتل والاعتقال، مثل هادي الجندي في حمص (قتل اغتيالا في حزيران) وغياث مطر في داريا (قتل تحت التعذيب في أيلول) ومعن العودات من درعا (أطلقت عليه النار في مظاهرة تموز). استراتيجية النظام في مواجهة الثورة اعتمدت على قطع الرؤوس الأنضج من أجل أن تبقى الثورة بلا قيادة، أو أن تجنح إلى العنف.وقادة الثورة الميدانيون المحليون يعيشون جميعا حياة التواري. ومن أشهرهم عبد الباسط الساروت
عاما)، وكان حارس منتخب سورية للشباب، وحارس نادي الكرامة، والذي يقول عن نفسه، بحق، إنه اليوم حارس كرامة سورية.
5. ما هو دورك الشخصي؟ وأي هامش متاح للتحرك من داخل البلد؟
منذ نهاية آذار اخترت حياة التواري. لا أقوم بدور ميداني، لكن الثورة هي موضوعي الوحيد للكتابة والتفكير، وأساهم في الاتصالات، ومساعدة بعض التشكيلات العاملة في نطاق الثورة. أتحرك بحذر قدر الإمكان، لكن لا أحبس نفسي في مكان لا يتغير.
6. إلى أي نوع من الانتقال السياسي تدعو؟ هل لا تزال هناك إمكانية لانتقال “تفاوضي”، يسمح بمخرج آمن لبشار الأسد وعشيرته؟ وماذا تشعر حين ترى صور مقتل القذافي على يد الخارجين على حكمه؟ هل ترى أن سيناريو مماثلا سيحدث في سورية؟
في الشهور الأولى للثورة تكلمت أنا وغيري على “تسوية تاريخية” تجنب البلد أسوأ المخاطر، الصراع الأهلي والعنف المنتشر، وتلبي الحاجة إلى تغيير سياسي ديمقراطي أزف وقته. نعرف أن بلدنا مصنوع من الطين نفسه الذي صنع منه لبنان والعراق والمشرق العربي ككل، ونخشى الانزلاق إلى نزاع أهلي مديد، يقترن في كل الحالات المعروفة بتدخلات خارجية من كل نوع.لكن النظام لم يكتف بعدم إفساح المجال لأية مخارج تفاوضية، وإنما أمعن في العنف، وانضبطت سياسته بشعار: الأسد أو لا أحد! الشعار الذي يرفعه الموالون له، ويكتبه شبيحته في كل مكان يمرون به. واليوم يبدو أنه فات أوان التفاوض. في سورية أناس خطرون جدا، الرئيس وقادة حربه ومموليها، ويصعب العيش مع هؤلاء. كنت آسفا من أجل ليبيا على ما جرى للقذافي. كان يستحق مصيرا قاسيا لكن بطريقة مختلفة ونظامية، وعلى يد ليبيا الجديدة، وليس بصورة غامضة على يد مقاتلين مغمورين. وبالطبع لا أتمنى مشهد القذافي للرئيس السوري، وتقديري أنه مستبعد جدا. أفضل أن أراه يحاكم أمام محكمة سورية خاصة، وإلا أن ينهي أيامه منفيا في بلد يحظر عليه العمل السياسي مثل الرئيس التونسي السابق.
7. من أين تأتي قوة الانتفاض السوري: شبكات اجتماعية، أحزاب سياسية سرية؟ هل تخشى الانزلاق إلى تمرد مسلح في وجه نظام متحدّ، غير راغب في التسوية مع مجتمعه؟
أعتقد أن منبع استمرارية الاحتجاج هو سخط أخلاقي عميق على النظام بسبب استبداده وطابعه التمييزي المتأصل، ثم لشدة عدوانيته وتطرفه أثناء الثورة. هناك تمييز في سورية لمصلحة السلطة والامتياز والثورة، وضد مصلحة العمل والمعرفة والابتكار. المقربون من النظام ينالون تسهيلات متنوعة في الوظائف والإيفاد الخارجي، ويتمتعون بأمن أكبر، ويحوزون منافذ إلى ما يسهل العيش ويعفي من أعباء عامة أكثر من غيرهم. وبعض هذا التمييز طائفي بصورة صريحة. بالمقابل، لا تتوفر حماية سياسية أو قانونية لعامة الناس، وتتدهور الحماية الاجتماعية لهم بفعل لبرلة اقتصادية فوقية في عهد بشار الأسد، انتفع منها المقربون من نظامه. لذلك حين توفر مثال إيجابي للتغيير في بلدان عربية أخرى انتشرت الحركة الاحتجاجية في سورية بسرعة. بلى، أخشى انزلاقا نحو تمرد مسلح تلوح بوارده بصورة متزايدة، وتتشكل نواته من الجنود والضباط المنشقين. لا يزال الوجه الأبرز للثورة هو المظاهرات السلمية التي تحاول الاستحواذ على مساحات أوسع في الفضاء العام. لكن مظاهراتنا تزداد انفعالا وغضبا، وتتسع نسبة من ينحازون إلى عسكرة الثورة. المشكلة أن من شأن ذلك أن يكون لعبا في الملعب المفضل للنظام، وأن يرفع الكلفة البشرية أكثر، وأن يقلص القاعدة الاجتماعية للثورة عبر دفع النساء والصغار وكبار السن إلى الانزواء في الحيزات الخاصة. العنف نخبوي بطبيعته، ولا يتوافق مع ثورة ديمقراطية.
8. كيف تقيم وضع المعارضة في الخارج؟ وهل تعتبر أن المجلس الوطني برئاسة برهان غليون هيكلا تمثيليا؟ هل هناك هياكل أو أطر تنسيق عاملة في السر في سورية؟
معارضة المنفي متنوعة، لكنها اليوم كتلة كبيرة من المعارضة السورية. هذا لأن الثورة في الداخل نشطت كثيرين يعيشون خارج البلد، كانوا مبعثرين أو خاملين، وكذلك لأن معارضين من الداخل خرجوا من سورية في الشهور الأخير لأسباب أمنية. وقد تكون الكتلة المنظمة الأكبر بين معارضي المنفى هي الإخوان المسلمون، المضطرون منذ أكثر من ثلاثة عقود للعيش في المنفى، لكن وزن علمانيين متنوعين كبير، وحاسم. ومن أبرز هؤلاء برهان غليون الذي يحظى باحترام كبير كمثقف، واليوم كسياسي. إذا تكلمنا على التمثيل بمعنى تأسيسي وديناميكي فلا ريب أن المجلس الوطني ذو صفة تمثيلية أكيدة. وهو الجسم السياسي الأوثق ارتباطا بالثورة والأكثر تطابقا مع توجهها الجذري المتطلع إلى إسقاط النظام. لكن الأمور سائلة في سورية اليوم، وما يكسبه طرف سياسي خلال وقت قصير قد يخسره بسرعة أيضا. العبرة في حسن السياسة وفي القدرة على وضع مبادرات سياسية فعالة. هناك تكوينات متنوعة حديثة التشكل تعمل في نطاق الثورة، وبعضها ممثل في المجلس الوطني. وأظن أن الحياة السياسية السورية في الزمن ما بعد الأسدي ستتكون من مجموعات وتيارات تتكون الآن، وتشكل الثورة تجربتها المؤسسة.
9. ما الذي يقوله لنا هذا الحراك عن المجتمع السوري؟ وفق لأي خطوط تضامن وانقسام يتشكل هذا المجتمع؟
يبدو لي أن هناك خطي انقسام في المجتمع السوري في العهد الأسدي الثاني. خط أول يفصل “مجتمع العمل”، الشرائح الاجتماعية التي تعيش من عملها حصرا أو بصورة أساسية، عن مجتمع السلطة والامتياز والثروة الذي هو “مجتمع النظام”. وخط ثان، ثقافي، يتمايز وفقا له طيفان على أسس دينية ومذهبية، طيف يتكون متنه من أقليات دينية ومذهبية، دون أن يشملها كلها بحال، وطيف يتكون متنه أساسا منى مسلمين سنيين، لكن ليس جميعهم بحال أيضا. ربما يتوحد الطيف الأول في “حداثة” من الضرب الذي يفضل أن يعرضه نظام بشار الأسد، وهو معنى شكلي، يقتصر على الأشياء والسلع، ويفتقر إلى أي مضمون إنساني أو سياسي تحرري، ما يجعله قابلا للاندراج ضمن منطق الهوية لا منطق الفعل. ولم يكن للطيف الثاني ما يوحده (ليس هناك “طائفة” إسلامية سنية موحدة بأي معنى للوحدة في سورية)، لكن يبدو أن بعض أوساطه، وليس كلها قطعا، تتماهى في الثورة بيسر أكبر. هذا التمايز الثقافي ليس نتاج تطور “طبيعي” للمجتمع السوري، بل هو نتاج سياسة واعية تميز بين السوريين من أجل تثبيت النظام وإدامته، وهي سياسة مطبقة داخليا وإقليميا. ويطلق عليها أحيانا “تحالف الأقليات”. هذان التشكلان غير متطابقين. الطيف الثقافي الأقرب إلى “حداثة” النظام يشمل مسلمين سنيين. و”مجتمع العمل” يشمل بالطبع منحدرين من الأقليات، وغير قليل منهم شاركوا بقوة في الثورة، وأسهموا بكسر الاستقطاب الطائفي الذي حاول النظام فرضه عبر الكلام على إمارات سلفية وأصوليين و”عراعير”. ولقد أخذ يتطور في الشهور الأخيرة نقد للإيديولوجية الحداثية التي بدت على الدوام منحازة للطوابق العليا من المجتمع ومتشككة بالديمقراطية ومحابية للنظام. المشكلة التي ستواجهها سورية في الزمن ما بعد الأسدي تتصل بتكوين شعب من المواطنين من مجتمع متنوع ثقافيا. النظام ليس فقط لم يعمل في هذا الاتجاه، بل اعتمد سياسة فرق تسد كي يكون هو “الحل” لانقسامات يعمل إيديولوجيوه على تصوير أنها طبيعية ومتأصلة، وليست صناعة سياسية توسع فوارق موروثة، كان يمكن تحييدها سياسيا. رأيي أن صنع الشعب السوري هو موضوع السياسة الأهم في سورية ما بعد الأسدية، بل هو تعريف السياسة.
10. هل تخشى تكسر البلد على غرار النموذج العراقي بعد تغير النظام هناك عام 2003؟
من حيث المبدأ نعم. سورية مصنوعة من الطين المشرقي نفسه. لكن لا تزال هناك فرصة لتجنب هذا المآل إذا قبل النظام بأنه لا يمكن أن يربح هذه المواجهة، وارتضى ألا يتسبب بالخراب العام. لكن لا يبدو أنه على استعداد للتعلم من أية سوابق تاريخية. ومما ألاحظه بالمعاينة الشخصية يبدو لي أن سوريين كثيرين واثقون أن بلدهم لن يشهد حربا أهلية واسعة النطاق مهما فعل النظام. وقبل حين علمت من بعض أقربائي العلويين أنه بعد كل ما فعله النظام بحمص خلال ثمانية شهور، كان الناس “نتفوا بعضهم”، لولا أنهم يعرفون جيدا أن حمص لهم وأنهم لبعضهم، وأن النظام زائل. وهم يشيرون إلى أن الجو الأهلي “كويس” رغم كل شيء، وأن ما وقع من احتكاكات طائفية وقع بعلم النظام وبرعايته. وأن هناك مقاومات للتطييف يساهم فيها بنشاط علويون، وبعضهم اعتقلوا بسبب ذلك مثل الطبيب الشاب علي ملحم.
11. ما هو البديل، إن كان من بديل، للنظام الحالي؟ هل نحن عالقون بين خياري الفوضى والإسلاميين، سواء في صيغة الإخوان المسلمين أو السلفيين؟
ما أراه هو أن الثورة أظهرت المجتمع السوري مخالفا لهذه الثنائية وفائضا عليها من كل النواحي. وحده النظام كان يطرح الأمر بهذه الصورة من أجل أن يخوف عموم السوريين، وبخاصة الأقليات. واليوم بعد نحو 8 شهور من الثورة لا يبدو أن للإخوان المسلمين أو للسلفيين وزنا خاصا في الثورة يضعهم في موضع البديل. هذا رغم الاستقطاب الطائفي المتفاقم. لا شيء يؤشر على أن الإخوان أو السلفيين هم الممثلون الطبيعيون للبيئة الإسلامية السنية، التي ظهرت في صورة المتمردة على اضطهاد عام، لا المطالبة بمكاسب خاصة. وفي تقديري أن وزن الإسلاميين في سورية ما بعد الأسدية سيكون أقل من وزن حزب النهضة في تونس بكثير. أما إذا لم تسر سورية في اتجاه حياة سياسية أقرب إلى السواء، فستكون الكلمة العليا لا للإسلاميين ولا لـ”الأسد”، بل لـ”لا أحد”، أي للخراب.
12. المواقف الغربية: لماذا حرر الغربيون ليبيا من دكتاتورية القذافي وليس سورية من الأسد؟ وفيما وراء الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن، كيف تشرح تمنع الولايات المتحدة وأوربا عن التدخل في سورية؟ وهل تفضل تدخلا عسكريا في سورية؟ أو عقوبات اقتصادية؟
يجتذب القوى الغربية إلى التدخل في ليبيا أشياء مهمة، وتخشى من تدخلها فيها أشياء قليلة. في ليبيا بترول وفير جيد النوعية وقريب من أوربا، وهي إحدى محطات الهجرة الإفريقية “غير الشرعية” إلى أوربا، وكان يتحكم بها طوال عقود طاغية معتوه لا يحبه أحد. ومن شأن نفوذ أطلسي قوي في ليبيا أن يتيح للغرب موقعا أفضل تحكما في التطورات السياسية المحتملة في تونس ومصر، وعموم شمال أفريقيا. وفي الوقت نفسه ليس هناك الكثير من العقابيل المحتملة للتدخل في ليبيا. في سورية الأمر بالعكس، ما يغري بالتدخل قليل، وما يحتمل أن يتسبب به التدخل كثير ومعقد ويصعب إحصاء مجاهليه. إلى ذلك، لا أحد يطلب التدخل الغربي في سورية، التي يظهر شعبها تشككا عريقا في مقاصد القوى الغربية منذ إقامة إسرائيل على أرض فلسطين. التشكك في القوى الغربية ليس انحيازا إيديولوجيا أو عقيدة حزبية في سورية، بل هو متأصل في الهوية الوطنية نفسها. من جهتي، أقف ضد التدخل الغربي. لا أثق بالقوى الغربية، ومن شأن تدخلها أن يحل مشكلة (يسقط النظام)، لكنه يتسبب في مشكلات كثيرة، من أهمها في تقديري تخريب معنى سورية الاستقلالي والتحرري، وقد كان دوما أكبر من حجمها، والتسبب في أزمة ضمير وطنية يصعب علاجها. فضلا عن مخاطر النزاع الأهلي. لكني أؤيد العقوبات الاقتصادية المحددة التي تستهدف رجالا بعينهم من أركان النظام ومموليهم، ولا أثار لها على الشعب السوري. أريد عقوبات قوية.
13. هل يدين النظام ببقائه إلى توازن القوى الإقليمي، أي “تفضيل” إسرائيل الوضع القائم في سورية، الدعم الإيراني، الالتباسات التركية، الغوامض العراقية، إلخ؟
بقدر لا بأس به. الواقع أن النظام يستفيد بصورة متناقضة من تفضيل إسرائيل بقاءه، ومن عقيدة “الممانعة” التي تسند إليه دورا مواجها لإسرائيل. ولعل لإسرائيل دورا في الفتور العملي للمواقف الغربية، الأميركية بخاصة، حيال النظام. ولمواجهة النظام المفترضة لإسرائيل دور في حيازته شرعية في عين إيديولوجيين في سورية والمشرق، قوميين عرب وشيوعيين بخاصة، يظهرون ما لا يقل عن تشكك حيال الثورة السورية. يبدو أن الصيغ الأقدم للنزعة الثورية هي الأكثر مخاصمة لصيغتها الأحدث، والأكثر محافظة على الأوضاع القائمة.الدعم الإيراني مهم جدا. يرجح أن إيران قدمت دعما تقنيا لمراقبة الانترنت وهراوات مكهربة وخبراء في مجالات القمع، وربما تمويلا. فضلا عما يبدو من أن النفوذ الإيراني في العراق كان مؤثرا في دفع حكومة المالكي إلى مساندة النظام سياسيا وماليا. وربما يكون اندفاع تركيا في مخاصمة النظام ثم فتور موقفها بعد ذلك أعطى رسالة مشجعة لبشار الأسد وفريقه نظام بأنهم متمتعون بحصانة كاملة في مواجهة الثورة. ندفع في سورية والمشرق ثمن التدويل البنيوي للإقليم، الأمر الذي يجعل التغير السياسي عملية هائلة التعقيد، ويهدد بتفريغ أي تطور يحصل هنا أو هناك من مضمونه ما لم يجر تحصينه بتغير أوسع على مستوى الإقليم ككل. إنها إشكالية الثورة في بلد واحد في نظام دولي فرعي، هو “الشرق الأوسط”.
14. كيف تنظر إلى المبادرات العربية الهادفة لحل الأزمة؟ وما ذا تقول في محور سني مزعوم، حيث يفترض أن السعودية تدعم السنيين في سورية لوضع حد للنفوذ الإيراني في المشرق العربي؟
كنت متشككا في مضمون المبادرة العربية ووظيفتها، وفي جدية الدول العربية لتطبيقها بسبب الانقسام العربي. لذلك كان مفاجئا أن أكثرية كبيرة من الدول العربية وافقت على تعليق مشاركة النظام السوري في اجتماعات الجامعة، وأمهلته 4 أيام كي يطبق بنودها دون مراوغة، ودعت الجيش السوري إلى الامتناع عن قمع الشعب، ويبدو أنها بصدد إعداد آلية لحماية المدنيين حسب الأمين العام للجامعة. وفي الاتجاه العام تبدو الأمور سائرة باتجاه تدويل المسألة السورية. هذا ليس لأن أي أطراف سورية أو عربية تريده، ولكن لأن السوريين يتعرضون من قبل نظامهم لقتل يومي مستمر. وحين لا حماية سورية للسوريين، ولا تملك الدول العربية للأسف سبل توفير حماية ذات صدقية للسوريين (وأكثرهم عرب)، لا تبقى غير الحماية الدولية. ما تصر عليه القوى السياسية المشاركة في الثورة هو أن يقتصر التدخل الدولي على حماية المدنيين بوسائل غير عسكرية، وربما بفرض مناطق آمنة. لكن في الواقع يصعب التحكم بمقدار التدويل، إن استمر النظام في معاملة محكوميه كالبهائم كما يفعل حتى اليوم. لذلك نحن في معضلة: إن رفضنا فكرة الحماية الدولية نكون كمن يوفر الحصانة للنظام، وإن قبلناها لا نضمن التحكم بمساراتها ونتائجها. أما الكلام على محور سني تندرج ضمنه سورية ما بعد الأسدية فسابق كثيرا لأوانه، وإن كان مرجحا في تقديري أن تخرج سورية من الهيمنة الإيرانية. لا أعتقد بأن السوريين يفكرون ببلدهم كبلد سني. تاريخ سورية الحديث ووضعها الجيوسياسي يحولان دون هذا الضرب من الوعي الذاتي، وبخاصة دون ما قد تترتب عليه من سياسة محاور ذات محددات مذهبية. لكن هناك منذ الآن خشية بأن تتحول سورية إلى موضع تجاذب إقليمي، ينعكس على استقرارها. سبق أن خبرت سورية ذلك في خمسينات القرن العشرين وبعض ستيناته، وكان تأثيره نازعا لاستقرارها الداخلي وللتراكم السياسي المثمر فيها.
15. هل لك أن تكلمنا عن لجان التنسيق، بدايتها، وكيف تشكلت، وأهميتها، ومن هم القائمين عليها؟
لست أفضل المؤهلين للإجابة على هذا السؤال، ولست مشاركا في تأسيس اللجان أو عضوا فيها، خلافا لانطباع شائع. تشكلت لجان التنسيق من اجتماع عدد من النشطاء الميدانيين عبر الانترنت من مختلف المناطق والمدن، بمبادرة من ناشطين معروفين، أبرزهم السيدة رزان زيتونة التي تحظى باحترام واسع داخل سورية وخارجها. بدأت الاجتماعات بغرفة سكايب للتشاور وتبادل الأخبار والتنسيق فيما يخص الشعارات المرفوعة في المظاهرات. ثم تطور الأمر مع توسع المجموعات الناشطة، وتم اختيار اسم اللجان وإنشاء صفحة لها على الفيس بوك. وكانت أول تشكيلات التنسيق في الثورة. طغى النشاط الإعلامي والسياسي للجان على نشاطها الميداني. وبحكم تكوينها وخطابها المنضبط، فهي تبدو نخبوية بعض الشيء وأكثر قبولا في الأوساط المثقفة والعلمانية من الأوساط الأخرى.وأيضا لأنها وجدت نفسها مجبرة على لعب دور سياسي في ضوء الفراغ السياسي الذي كانت تعيشه الثورة طيلة شهور. فقد أصدرت رؤية سياسية لسورية المستقبل في مطلع الصيف. تلعب اللجان أيضا دورا مهما في القضايا الإغاثية. أصدرت اللجان في منتصف أكتوبر تقريرا موثقا، واسعا نسبيا، لأبرز الانتهاكات التي ارتكبها النظام السوري خلال سبعة أشهر من الثورة. وصدر أول تحديث نصف شهري لهذا التقرير قبل أيام. وقبل حين نشرت لجان التنسيق رؤية حقوقية خبيرة عن مفهوم الحماية الدولية، قائمة على مفهوم سيادة الشعب وحقه في تقرير مصيره. ولجان التنسيق المحلية ممثلة في المجلس الوطني السوري، وهي منذ بداية الثورة المصدر الأكثر موثوقية للمعلومات عن المظاهرات والشهداء في سورية.
16. يومياتك كمعارض ومثقف متخفي، وكيف تعيش هذه الحالة الجديدة وكيف تتواصل مع الآخرين وما هي نشاطاتك غير كتابه المقالات?
أكتب بصورة شبه يومية عن الثورة وقضاياها. هذا محور عملي واهتمامي. لا أشارك في الأنشطة الميدانية. وفي المرات القليلة التي شاركت فيها كنت مستكشفا أكثر مما متظاهر. مضى وقت كنت أعلق عبر الهاتف على الوضع السوري لأقنية تلفزيونية وإذاعات، لكن تخليت عن الهاتف في مطلع آب لسبيين: أمني، ولأني قلما كنت مرتاحا في التعليق خلال دقيقتين أو ثلاثة على أسئلة سريعة وقلما تكون متميزة. تراجعت قراءتي للكتب بعد الثورة. أقرأ اليوم بالكاد ساعتين أو ثلاثة. وأشاهد التلفزيون أكثر. أخرج من مكاني بمعدل مرتين في الأسبوع للقاء أصدقاء، أو لتسهيل أمور متصلة بالثورة. أعتمد اليوم في التواصل على البريد الإلكتروني والفيسبوك. بالطبع لا أجلس في أماكن عامة. جهودي منصبة على المساهمة في قضية الثورة، مع البقاء داخل البلد وخارج السجن، على ما كتبت صديقة ناشطة في الثورة، خولة دنيا.
17. في قراءتك يظهر أنك تعطي أهميه أكبر لبعد الاجتماعي والطبقي في فهم جذور الصراع وكيفيه إدارته، ألا تقلل في تحليلك هذا من البعد الطائفي والمناطقي ودوره في صياغة مواقف الأطراف السياسية وتحديد أولوياتك.
كان بودي أن يكون “البعد الاجتماعي والطبقي” كافيا فعلا لتفسير أساسيات الشأن السورية. ليس الأمر كذلك للأسف. هناك ما يتصل بالوضع الجيوسياسي للبلد، وهناك أيضا ما يحيل إلى البعد الطائفي المشار إليه في السؤال. ولقد تناولته في عدد غير قليل من المواد قبل الثورة، وهو حاضر بصورة ما في كثير مما كتبت بعدها. الثورة أظهرت لي أن غير قليل من الكلام على السلفية و”التخلف” و”التعصب”، أوثق صلة بالطبقات والامتيازات الاجتماعية منه بالأديان والطوائف. هناك سردية تخفض من شأن قطاعات من السوريين من أجل تسويغ حرماناتهم الاجتماعية والسياسية، أو اعتبارهم هم المسؤولين عنها، دون أن يكون لنظام الحكم ونمط ممارسة السلطة وإدارة الموارد الوطنية والسياسات الاقتصادية الممارسة شأن في ذلك. وغير قليل من الكلام على “الحداثة” لا حداثة فيه، وإنما هو إيديولوجية لتسويغ امتيازات وأوضاع اجتماعية غير عادلة وغير شرعية. ومن قبل الثورة كنت توصلت إلى أن الطائفية ظاهرة مشتقة وليست أولية، وأنه بدلا من أن تشرح لنا الطائفية شؤوننا الاجتماعية والسياسية نحتاج إلى فهم هذه الشؤون لفهم الطائفية ودروها، وأن الطائفية في الواقع إستراتيجية سيطرة سياسية لنخب تسعى وراء السلطة والنفوذ والثروة. وأن الطوائف تصنع سياسيا وليست كائنات طبيعية. وأن الطائفية هي نظام صنع الطوائف، وليست التعبير السلبي البسيط عن وجود تمايزات دينية ومذهبية. وأظن الثورة السورية فرصة للنظر في دور التمايزات المناطقية التي كان اهتمامي محدودا جدا بها. لفتني شيئان في هذا الشأن. المشاركة الضعيفة لحلب في الثورة، وليس هناك بعد إيضاح مقنع لهذه النقطة. ثم زيارة بشار الأسد للرقة، المدينة التي انحدر منها، صبيحة يوم عيد الأضحى. وهي أول زيارة لرئيس بعثي سوري للمدينة التي هي، ومنطقة الجزيرة ككل (دير الزور والحسكة والرقة)، أقرب شيء إلى مستعمرة داخلية. لم تغب الاحتجاجات عن الرقة، لكنها كانت أضعف بكثير من دير الزور، وأضعف من محافظة الحسكة. هذا يوحي بسياسة تفريق مناطقي تضاف إلى سياسة التمييز الديني والمذهبي والإثني. ويقتضي الاهتمام البحثي والعملي بها بدرجة أكبر بعد الثورة.
18. منذ شهر تشرين الثاني، كنت تتكلم على مخاوف من عسكرة الثورة. اليوم يبدو أن هذا قد وقع وانتشر مع تشكل الجيش السوري الحر؟ ما هي تقديراتك لهذا الميل؟ هل العلاقة بين الدنيين والعسكر في مسار الثورة تكاملية أم تنازعية؟
كان الجيش السوري الحر متشكلا قبل نوفمبر. لكن هناك تصاعد في دوره وفي التركيز الإعلامي عليهم منذ ذلك الوقت. وهنك ميل في بعض أوساط الثورة إلى مزيد من العسكرة على حساب السلمية. هذا خطأ في رأيي. الجيش الحر أمر واقع ويتعين العمل على تنظميه سياسيا ودعمه ماديا وتوحيد أية مجموعات مسلحة في إطاره بحيث تحتكر جهة واحدة السلاح، لكن لا شيء من ذلك ينبغي أن يتم على حساب النشاط السلمي المتعدد الوجوه الذي يخاطب قطاعات أوسع من الشعب السوري، ومضمونه الديمقراطي أقوى بكثير من مضمون العمل المسلح. لذلك أفضل النظر إلى الجيش الحر كمكون عسكري اضطراري للثورة، لكنه ليس أداة الثورة الرئيسية، ولا هو بديل عن الأنشطة الاحتجاجية السلمية. الثورة محتاجة إلى تكثير الخيارات وميادين الكفاح وأدواته وليس إلى تقليصها.
19. بعد عام من الواجهة مع النظام، ما الدروس التي تستخلصها؟ ما الذي حققته الثورة حتى الآن؟
أهم ما حققته الثورة أنها زجت ملايين السوريين في النشاط العام، وكسرت حلقة اليأس التي حبس النظام السوريين داخلها طوال عقود. وأظن أن من المبكر استخلاص الدروس. لا زلنا في قلب المعركة، ولا زال بر السلامة غير مرئي في أفق ثورتنا.
20. بعد ما جرى في حمص، هل ترى أن التوترات الطائفية تتزايد على الأرض؟ وماذا بشأن النزعات الجهوية؟ ولماذا لم تنضم دمشق وحلب إلى الثورة؟
برأيي انه كلام خرافة أن دمشق وحلب لم تنضما للثورة. ربما تأخرت حلب بعض الشيء، لكنها مشاركة بقدر متزايد. أما دمشق فكانت مشاركة على الدوام.عموما سارت التوترات الطائفية في تناسب طردي مع ممارسة العنف من قبل النظام. مزيد من العنف عنى على الدوام مزيدا من الطائفية، لأن عنف النظام لا يشبه عنف دولة، بل هو عنف منفلت وفئوي، وممتزج هو ذاته بالكراهية والعداء والهوى الطائفي. لذلك، بلى، هناك تصاعد في التوترات الطائفية بعد حمص لأنها مثلت ذروة من العنف العدواني غير مسبوقة منذ بداية الثورة. أما النزعات الجهوية فلا تكاد تكون ظاهرة على المستوى الوطني أثناء الثورة. لكنها ربما تكون مؤثرة خلسة على بعض المواقف عند بعض الناشطين السياسيين، ولعلها ذات أثر في تردد قطاعات مدينية من السكان في المشاركة الميدانية في الثورة بالنظر إلى أن سكان الأحياء غير المركزية والضواحي والبلدات الريفية هم الأنشط عموما في الثورة.
21. هل أنت راض عن أداء المجلس الانتقالي اليوم، وعن تدويل المسالة السورية؟
لا، لست راضيا طبعا بأداء المجلس الوطني السوري (هذا اسمه، وليس المجلس الانتقالي)، وإن كنت أتفهم صعوبات العمل السياسي في هذه المرحلة الشاقة من تاريخ البلد. أعتقد أن أخلاقية العمل العام داخل المجلس متواضعة، وأن بعض الشخصيات ضمنه متدنية المستوى الفكري والسياسي والأخلاقي. والمشكلة ليست في أن المجلس لم يحقق شيئا ملموسا على طريق إسقاط النظام، ولكن في أنه لا يثير انطباعا بالجدية والإخلاص عند عموم الناشطين السوريين. الثورة السورية جديرة بسياسيين أكثر إقناعا. ورأيي أن المجلس، وعموم القوى السياسية السورية باستثناءات محدودة، بالغت في الانشغال بالساحة الدولية على حساب الداخل السوري. أساس ذلك بنيوي: ضعف العلاقة مع المجتمع السوري الحي، حتى لمن هم داخل البلد، وذلك بفعل واقع الاستبداد المتطرف في سورية من جهة، واكتهال المعارضة التقليدية وقلة الشباب في صفوفها من جهة ثانية، وتقادم حساسيتها ومنظوراتها الفكرية من جهة ثالثة.
22. هل من فوراق (إيديولوجية، دينية، إلخ) بين المجموعات الثورية (اللجان، الهيئة، المجلس…) الناشطة في سورية؟
لا أعتقد أن الفروق الأساسية إيديولوجية، وإن جرى استخدامها أحيانا لإضفاء الشرعية على خلافات يحركها غير قليل من التنافس الشخصي والفئوي، ومن المطامح الشخصية غير المكبوحة. لكن هناك أيضا فروق سياسية. المجلس الوطني، ومعه لجان التنسيق المحلية في هذا الشأن، يحدد النظام بوصفه خصمه النوعي أو”آخره السياسي”. أما هيئة التنسيق الوطني فيعطي كل شيء انطباعا أن خصمها النوعي هو المجلس الوطني، وهذا خطأ جسيم وخدمة مجانية للنظام. علما أن كلما يقال من عيوب بخصوص أخلاقية العمل العام عن المجلس يقال هنا أيضا. أنا شخصيا اقرب إلى توجه لجان التنسيق المحلية التي هي إطار عمل ميداني وحقوقي وإعلامي وإغاثي، علماني التوجه، ومندرج في المجلس الوطني، لكنه نقدي جدا حيال أدائه وعمله.
23. كيف تقيم دور كل من قطر والعربية السعودية؟ وهل تقدر الثورة على حماية نفسها من التدخلات الخارجية؟
للبلدين دور مركب حيال الثورة. ساعداها إعلاميا عبر قناتي الجزيرة والعربية اللتين تحظيان بأوسع متابعة عربية. وأظهرا تعاطفا مع الثورة، وأسهما في الضغط السياسي على النظام من اجل أن يكف عن قتل محكوميه ويسحب قواته من المدن. وفي الآونة الأخيرة تكلم سياسيوهما على تقديم دعم عسكري إلى المعارضة. وهذا تطور غير محسوب كفاية، وبخاصة أنه يخشى من أن يقدما الدعم مباشرة إلى جهات متنوعة ضمن الجيش الحر. إلى ذلك لا ريب أن السعودية بخاصة تنظر إلى الأزمة السورية بمنظار الصراع مع إيران، وبمنظار صراع سني شيعي، وهذا خطير ومن شأنه إطالة أمد الصراع وشدته وليس تقصيره أو تخفيفه. ثم أنه لا قطر ولا السعودية مثال سياسي أو حقوقي إيجابي للسوريين، ومن غير المحتمل أن لدى أي من السوريين ما يتعلمانه منهما، وهذا ما قد يدفع البلدين الضعيفين فكريا وأخلاقيا إلى التوظيف في المال والسلاح كي يكون لهما نفوذ في سورية. وهذا لا يمكنه إلا أن يكون مقلقا من وجهة نظر المستقبل. لكن فرص الحد من أية تدخلات خارجية مرهونة بأن يتوقف النظام عن القتل اليومي للسوريين، وبدعم من قوى خارجية لا يبدو أنها تحمل عطفا على السوريين، مثل إيران وروسيا وحزب الله. يلزم أولا سحب السكين الأسدي من الجرح السوري، كي يستطيع المصاب أن يكون له رأي في من يعرض عليه المساعدة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...