الرئيسية / صفحات الحوار / حوار مع الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو: عاونوني باش نعاونكم

حوار مع الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو: عاونوني باش نعاونكم


عبد الغفار سويريجي

خوان غويتيسولو هو أحد أبرز كتاب اللغة الإسبانية في العصر الحاضر. غادر اسبانيا عام 1950 أثناء حكم فرانكو فاستقر بباريس. انطلاقا من عام 1976 بدأ يقضي بضعة أشهر من السنة في مراكش إلى أن استقر بها نهائيا.

كتب العديد من الروايات نذكر من بينها ‘دون خوليان’، ‘فضائل الطائر المتوحد’ و’حياة آل ماركس الطويلة’.. كما ألف العديد من الريبورتاجات الروائية عن العالم العربي والإسلامي (القاهرة، الجزائر، غزة، فاس، كبادوكيا واسطنبول وغيرها) وكذا عن حرب الشيشان. تعلم في مراكش العامية المغربية وكتب روايته الشهيرة ‘مقبرة’ التي تستلهم إلى حد بعيد لغات الشارع والحياة اليومية والخيال الشعبي لرواة الساحة. كتب في فصل منها ‘قراءة لفضاء جامع الفناء’ يقول: ‘التنافس الشرس داخل الحلقة: تعايش نداءات كثيرة، متزامنة: المغادرة الحرة لاستعراض في اتجاه جدة الحلقة المجاورة وإثارتها: ضرورة رفع الصوت والمحاججة، وتجويد الكلام، والعثور على النبرة الملائمة ورسم الحركة القمينة باجتذاب انتباه العابر أو إطلاق ضحك لا يقاوم: شقلبات المهرجين والمشعبذين المهرة، وطبول ورقصات غناوة، زعيق قردة، إعلانات أطباء وأعشابيين، وهجوم مباغت للطبل في اللحظة التي تمرر فيها آنية السبيل: استيقاف جمهرة دائمة الاستعداد، إلهاؤها، إغواؤها، اجتذابها رويدا رويدا نحو فضاء محدد، إشغالها عن النداهات المنافسة، وجعلها تطلق، أخيرا، الدرهم اللامع الذي يكافئ البراعة والعناد والصرامة والموهبة’.

منذ ذلك الوقت والساحة تحتل أهمية كبرى في حياته أدبيا وإنسانيا. استطاع بفضل وجوده المستمر بالمكان أن يتتبع حركته ويرصد التغيرات: اختفت في أواسط التسعينيات مقهى ماطيش ذلك المرصد الذي كان يلتقي فيه الموسيقيون والرواة والحلايقي. كانت وسط الساحة مليئة بالحياة: كان يسميها بالمركز العالمي للثقافات. بدأ غويتيسولو منذ بداية التسعينيات يستشعر الخطر المحدق بالساحة وهو ما دعاه للتفكير في إيجاد صيغ لحماية هذا التراث الإنساني. كتب حينها نصا عنوانه: ساحة جامع الفناء، تراث الإنسانية الشفوي. وبدأ حملة للدفاع عن الساحة. في هذا الصدد صرح المدير العام السابق لليونسكو فيديريكو مايور، (مجلة المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط عدد 13/2010) بما يلي: ‘ لن أنسى أبدا زيارة قام بها الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو لي في باريس، وعرض علي خلالها فكرته، قال لي: ‘بذات الطريقة التي نهتم بالتراث الثقافي والطبيعي، علينا أن نهتم بالتعبيرات الموسيقية، والأدبية أو التعليمية التي عبرها نكتشف الخاصية التي تميز الجنس البشري، أعني خاصية الإبداع، والقدرة على التفكير والابتكار والتخيل، والتوقع والتجديد. ستستفيد الإنسانية كلها لو تنبهت للقيمة التي تمثلها هذه المنتوجات الثمينة، التي قد أهملت للأسف. لكي’نحصر ما لا يمكن لمسه’ ويصبح واقعا، علينا رؤية ما وراء الأحداث اليومية، بعيدا عن التقلبات والتحولات اليومية. من الضروري تحقيق رؤية قادرة على الجمع بين ما هو محلي وما هو عالمي، ما هو راهن وما هو بعيد، ما هو على المدى القصير والشعور بالزمن التاريخي’. لقد وضع اقتراح خوان غويتيسولو ـ المتعلق بحكواتيي ساحة جامع الفناء بمراكش ـ خطة طريق عملية قادت بعد سنوات فيما بعد إلى إقرار الاتفاقية المتعلقة بالتراث الثقافي غير المادي’.

وجدت أفكار الكاتب آذانا صاغية لدى منظمة اليونسكو فتبنت مقترحاته. يذكر غويتيسولو في دراسته: ‘تاريخ موجز لإعلان’، والتي صدرت ضمن مواد كتاب له نشر العام الماضي بالاسبانية تحت عنوان ‘سفر إلى بلاد المغرب’ – مراحل الإعلان يقول: ‘ … كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لي أن أول المقالات [التي كتبت عن تراث جامع الفناء]، والذي صدرت ترجمته بعد ذلك بقليل في ‘لوموند ديبلوماتيك’، قد حظي – بفضل وساطة صديقي هانز ماينكي- باهتمام المدير العام لليونيسكو وقتها، فديريكو مايور زاراغوسا. اتصل بي الأخير وأعلن أن فكرة ‘تراث شفوي إنساني’ قد أثارت اهتمامه. وأضاف ان مفهوم تراث إنساني الموجه لحماية الأماكن والآثار والمناظر وما إليه لا يشمل أو لا يحمي كفاية الأنشطة الثقافية وكذا التقاليد للجنس البشري المتعددة والمتنوعة والمعرضة للزوال. وبمساعدة قيمة لبضعة مستشارين، تم عقد لقاء لخبراء في المجال بمراكش في حزيران/يونيو 1997. كان اللقاء غير الرسمي لخبراء قدموا من جهات الأرض الأربع بداية مرحلة انتقالية دامت ست سنوات. وقد تقرر خلاله تشكيل لجنة تحكيم تجتمع مرة كل سنتين مهمتها دراسة ملفات الترشيح المقدمة من قبل الدول الأعضاء في اليونسكو أو من قبل الجمعيات غير الحكومية. في اجتماعها الأول في ربيع 2001 درست اللجنة أربعين ترشيحا اختير منها 18، كان ترشيح ساحة جامع الفناء ضمن الفائزين’.

يستخلص القارئ مما سبق أن فكرة تراث شفوي إنساني هي ابتكار شخصي للكاتب’ولد جامع الفنا وبافتخار’ كما يحب أن يسمي نفسه.

بمناسبة زيارة الخبراء -1997- صدر النص الذي أثار اهتمام رئيس اليونسكو في كتاب بخمس لغات تحت عنوان ‘جامع الفناء تراث الإنسانية الشفوي’ مرفوقا برسومات للفنان الألماني المقيم بمراكش هانس فيرنر غوردتس. يقول في النص المذكور:’…عرفت الانسانية زمنا كان فيه الواقع والخيال يمتزجان، والأسماء تنوب عن الأشياء المسماة، والكلمات المبتكرة تأخذ بحذافرها: فتنمو وتزدهي وتحتوي بعضها البعض وتحبل كأنها كائنات من لحم ودم. كان السوق والساحة والفضاء العمومي أفضل مكان لتوالدها البهيج: فيه تختلط الخطابات وتعاش الخرافات ويصير المقدس موضوع سخرية دون أن يفقد القدسية، وتتوافق المحاكاة الهزلية مع الشعائر الدينية، وتطير الحكاية المحبوكة بلب السامعين، فيسبق الضحك دعواتهم التي يكافئون بها المنشد أو المروض الجوال(…) مدينة واحدة ظلت تمتاز حتى اليوم بصونها لهذا التراث الشفوي الإنساني المنقرض الذي ينعته الكثيرون بـ ‘العالم- ثالثي’. أعني مدينة مراكش وساحة جامع الفناء، التي بجوارها أعيش وأجول وأكتب بنشوة، منذ عشرين سنة’.

***

شكل الكاتب مع بعض مثقفي المدينة عام 1999 جمعية تهدف إلى حماية مختلف العروض الشفوية التي تلقى بالساحة وإعادة الأهلية لها. وقد أنجز عضوان مراكشيان بدعم مالي من منظمة اليونسكو كتيبا ـ في تسع صفحات- يعرض أهداف وبرامج إحياء تراث الساحة الشفوي ومن بينها: ‘تجميع الفنون الشفوية في ركائز مختلفة: صور، أوراق، سمعيات، زخارف تذكارية، وكذا إحداث خزانة وثائق وقاعة الصور والأصوات لوضع التسجيلات السمعية البصرية الخاصة بالساحة تحت تصرف الزوار.. وتنظيم موسم الحلايقي على شكل لقاءات سنوية، وإحياء حكايات الفرجة المتداولة منذ أزمان، والسهر على الإبقاء على الحلقات العريقة والعمل على إعادة المنقرضة منها لحيز الوجود. والعمل على استمرارية تكوين الحلايقية أو استخلافهم. وتيسير إعادة الكتبيين الذين كانوا يزاولون أنشطتهم وسط الساحة. ونشر وإشهار الكتب ووثائق الإرشاد والنشرات الخاصة بالساحة، وإحياء حرفة فناني الساحة والتعجيل بإحداث صندوق إعانة لفائدة الحلايقية الذين كفوا عن مزاولة أنشطتهم بسبب عائق من العوائق القصوى’. لم تعمر جمعية المراكشيين طويلا: لم يمض عام على التأسيس حتى وقعت مشاكل بين عضوين مراكشيين فانصرفا إلى حال سبيلهما.

*ماذا تحقق من مشاريع جمعية ساحة جامع الفناء تراث شفوي للإنسانية؟

– أهم ما أنجزناه هو موسم الحلايقي: نظمنا خلال بضعة أشهر جولات للرواة الشعبيين بالمدارس، ألقوا خلالها أمام الأطفال حكايات. كان الهدف من ذلك هو أن يعتاد الصغار على هكذا إرث. تلك أفضل طريقة لضمان الاستمرارية. بعد ذلك عقدنا لقاء بتاحناوت (2003). إلى جانب العديد من الباحثين ألقت باحثة ألمانية تجيد العامية المغربية مداخلة عن دور النساء بالساحة. كان ذلك آخر لقاء نعقده. كلما اتصلت بهم كي نجتمع كانت لديهم دائما أعذار. قطعوا صلتهم بي نهائيا حين بعثت الرسالة. ولأنني لا أومن بكون التدخلات السماوية يمكن أن توقف عملا، أعتقد أن ثمة أسبابا أو بالأحرى مصالح مادية في المسألة. على أية حال لقد تركوني وحيدا. ولأني لا أستطيع أن أدير جمعية بمفردي كانت رسالة استقالتي’.

***

بعث الكاتب بتاريخ 16 تشرين الاول/أكتوبر2005 إلى رئيس الجمعية والبقية الباقية رسالة قال فيها: ‘ …لاحظت منذ حزيران/يونيو 2003 أن جمعيتنا لم تعد تشتغل. انقطع التواصل بيننا دفعة واحدة. وبقيت القرارات التي اتخذناها على عجل خلال لقاءاتنا النادرة حبرا على ورق، ولم تنجز قط. كل القرارات معلقة والكلام فارغ. باختصار، لم نلتزم بتعهداتنا والتزاماتنا المبرمة مع اليونسكو، وفقدنا مصداقيتنا أمام عشاق الساحة الذين ابدوا رغبة عارمة في التطوع والتعاون معنا… من بوسعه الإحساس والتخفيف من معاناة الرواة؟… أضحى هذا الوضع بالنسبة لي لا يطاق. إن تخصيص مبلغ 3000 درهم شهريا من أجل أداء مستحقات كراء مكتب فارغ يبدو لي أمرا عبثيا، بل غير طبيعي، ألن يكون من الأفضل توزيع هذا المبلغ على الرواة وفناني الساحة الأكثر احتياجا؟ أو تحويل المقر كملجأ للذين يفترشون الأرض ويتغطون السماء وجيوبهم فارغة. رغم استقالتي النهائية من الجمعية، ورغم أني لم أعد أنتمي إليها مطلقا أعتقد أنه من الأفضل لك القيام بجرد للحصيلة المالية التي استأمنت عليها من طرف منظمة اليونسكو بصفتي رئيسا للجنة التحكيم الدولية المكلفة بالتراث الشفاهي واللا مادي للإنسانية وتغلق الحساب البنكي الذي تملك صلاحية توقيعه، وترجع ما تبقى من مال لمنظمة اليونسكو’.

*ما هي طبيعة الأموال التي أشرتم إليها في الرسالة؟

– في أيلول/سبتمبر 2001 أثناء اجتماع إلتشي سلمني أمير خليجي شيكا بمبلغ 80 ألف دولار دعما للجمعية، سلمته بدوري عند عودتي لمراكش إلى رئيس الجمعية. بهذا المال كنا ندفع مستحقات كراء مكتب فارغ بزنقة بني مرين خلف بنك المغرب. وقد طلبت من الأعضاء عدة مرات تجهيز المكتب بخط هاتف وفاكس وتشغيل سكرتيرة، لكنهم لم يفعلوا. ظل هكذا وضع إلى غاية 2005. ومن جهة أخرى فقد كان الرواة الشعبيون خلال 2003 يأتون لبيتي كل يوم جمعة حيث أسلمهم مبلغ 200 درهم لكل واحد منهم.

* في أواخر عام 1999، وبينما كنتم تعملون من أجل حماية تراث الإنسانية الشفوي كان عمدة ذلك الوقت قد شرع في بناء أساسات ‘قيسارية اللوكس’ بقلب الساحة، وواجهة من الكريستال يبلغ ارتفاعها 15 مترا، وكذا مرآب للسيارات يمتد تحت ثلاث طبقات أرضية. كان يرغب في جعل الساحة مركزا تجاريا. وقفت حينئذ ضد هكذا مشاريع، فتوقفت نهائيا…

– بالفعل، لقد استطعنا أن نوقف مشروع موقف السيارات وقيسارية اللوكس: كانوا سيبنون وسط الساحة سوقا ضخما على شاكلة مرجان. كانت تلك المشاريع تخرق ظهير 1922 الذي يحمي معمار المدينة. كانت لو تحققت ستقضي نهائيا على حياة البازارات الصغرى وكل الأنشطة التي تقام بالساحة. ركزنا على أن لا تتحول الساحة إلى مرآب للسيارات. وهم ينبشون الأرض كي يثبتوا أعمدة الإنارة الخاصة بالمطاعم المتنقلة وجدوا أساسات جامع المنصور الذهبي. جاء مسؤول مفتشية المآثر التاريخية السيد فيصل الشرادي وأراني ما تم اكتشافه، فأوقف الأشغال. لقد منع الإعلان بحق حدوث ذلك. كانوا سيخربون الساحة: أو ليس ذلك جنونا حقا؟ بعد الإعلان لم يعد أحد للحديث عن المشاريع إياها. بديهي، لم يرق ذلك أبدا لأصحاب البنايات الخرافية.

***

بعد تبني اليونسكو للفكرة تشكلت لجنة تحكيم مهمتها اختيار الفضاءات الثقافية أو الأشكال التعبيرية الثقافية التي تستحق أن تعلن ضمن ‘تحف التراث الشفاهي واللا مادي للإنسانية’. وضمت 18 عضوا نذكر من بينهم: الأميرة بسمة بنت طلال (الأردن)، كارلوس فوينتيس (المكسيك)، هايديكي هاياشيدا (اليابان)، وألفا كوناري (رئيس جمهورية مالي) وعزيزة بناني (سفيرة المغرب لدى اليونسكو) وأعضاء من الهند وباكستان والإمارات والقوقاز وليتوانيا وبوليفياô إبان الاجتماع الأول للجنة في 15 ايار 2001 ألقى غويتيسولو خطابا يدعم ترشيح ساحة جامع الفناء، عنوانه: ‘حماية الثقافات المهددة’، طرح فيه علاقة الكتابة والشفوية وكذا أثر وسائل الاتصال الجماهيرية على هكذا تراث، يقول: ‘وأما طبيب الحشرات الذي يتوفر على طاقة لغوية ومهارة ارتجالية أسرتا جمهور حلقته طيلة عقدين من السنين. فكان يسخر في الغالب من اللغة المتخشبة الصادرة عن إذاعة بلده وتلفزتها’. وبين كيف ‘ترفق هذه الشفوية الثانوية بفن غير مادي هو ثمرة الإطار الملموس والمادي الذي تشكله الحلقة: تكشيرات وإيماءات ولحظات صمت وضحكات وبكاء (ô) وكما لاحظ تيربانتيس أن هنالك حكايات تتركز متعتها في أسلوب سردها، ولذا فإن النجاح الشعبي للحلايقي لا يترتب عن الموضوع الذي يكون معروفا دوما لدى السامعين، وإنما عن مهارة الارتجال التي يتوفر عليها وحسن إدارته لتلك المهارة (ô) إن مشهد جامع الفناء يتكرر يوميا، لكنه مختلف في كل يوم. فالأصوات والأصداء والإيماءات تتغير مثلما يتغير الجمهور الذي يرى ويسمع ويشم ويتذوق ويلمس. هكذا يندرج الإرث الشفوي في إرث آخر أشد سعة ورحابة. يمكننا أن نطلق عليه إسم الإرث غير المادي(…) وختم كلمته بالقول: هكذا يفتح تبني اليونسكو مفهوم ‘الإرث الشفوي واللامادي’ الجديد، الطريق للمحافظة على الثقافة الشفوية لمئات اللغات التي تفتقر إلى الكتابة’. (أنظر الترجمة الكاملة للخطاب ضمن مواد ‘تراث شفاهي ولا مادي للإنسانية’/ دفاتر الهندسة المعمارية والتمدن 2007).

***

*أعلنت ساحة جامع الفناء رسميا من قبل اليونسكو تراثا شفاهيا ولاماديا للإنسانية في 18 ايار/مايو 2001. كيف تلقى المغرب نبأ الإعلان؟

*

– توصلت بصفتي رئيسا للجنة من كافة المدن التي ترشحت للإعلان برسائل شكر. وحدها مدينة مراكش لم ترسل شيئا. لم يفاجئني الأمر قط، وأكثر من ذلك فقد صرح عمدة المدينة، في تظاهرة نظمها بعيد الإعلان، أن اليونسكو قد سرقت صوت الساحة. لم أجد العون طيلة مدة اشتغالي في الموضوع إلا من عزيزة بناني سفيرة المغرب لدى المنظمة والمعماري الكبير سعيد ملين.

* نظمت كلية الآداب بمراكش (تديرها الآن عضوة سابقة في الجمعية سالفة الذكر)، والمجلس الجماعي مؤخرا احتفالا بالذكرى العاشرة لتصنيف الساحة تراثا شفويا للإنسانية. لم تتم دعوتك لهكذا احتفال.. غريب أمرك ايتها البلاد الجاحدة: غريب أمرك مراكش..؟

– منذ ثلاثين سنة خلت وأنا أعرف إدارة ومسؤولي البلدية لذلك لم أستغرب بتاتا. لم تكن الثقافة يوما شاغلا يشغل بالهم، مع ذلك أرى أن الأدب ليس من خصالهم. باختصار، ذلك مشكل يعنيهم وحدهم، أما بالنسبة لي فالأمر سيان. لا شيء يجبرهم على دعوتي. كنت طيلة أربع سنوات رئيسا للجنة تحكيم اليونسكو، أما الآن فقد أصبحت مواطنا لا أمثل إلا نفسي. ربما لأنهم يعرفون أني لا أطيق الأنشطة الرسمية، ربما رغبوا أن يجنبونني عناء الإصغاء طيلة نصف ساعة لكلام، أضحى في عمري، لا يمكن احتماله. لقد فعلوا خيرا عندما دعوا شخصا مثل فريدريك متران الذي يمثل عالما رسميا لا أنتمي له قط. ليس الاعتراف من قيم البيروقراطية المراكشية.

وهذا مثال آخر حدث في وقت آخر: كنت عضوا في لجنة ابن رشد التي كلفت بتنظيم سنة المغرب في اسبانيا. علمت أن ليس ثمة موارد لتنظيم تظاهرات، فتحدثت مع مجموعة من الأصدقاء واقترحت تنظيم أشياء بسيطة لا تكلف شيئا. أعرف مجموعات موسيقية مغربية في كاتالونيا ومدريد وبعض جهات الأندلس، كانت الفكرة هي تنظيم حفلات موسيقية في الأماكن التي يتواجد بها مهاجرون مغاربة، كانت طريقة لنقول لهم إننا نفكر فيكم. لم يكن الأمر يستدعي سوى التنسيق مع الأشخاص الذين أعرفهم. وجدوا الفكرة مهمة جدا لكنهم لم يفعلوا شيئا. أعيد دائما وأكرر: ‘عاونوني باش نعاونكم’.

***

انتشرت في العقد الأخير مطاعم متنقلة داخل الساحة واحتلت مكان الرواة الشعبيين. وهو ما يجعلنا نتساءل: ما هي الإجراءات التي اتخذتها السلطات المحلية للمحافظة على تراث الإنسانية الشفوي.. ألم يحن الأوان بعد لتوكل شؤون تسيير الساحة إلى هيئة مختصة بدل ترك الأمور بيد مجالس محلية تتلاعب بمستقبل المكان.

يذكر أن لوائح اليونسكو التي حددت إجراءات التصنيف (اتفاقية التراث 1972) تتضمن أيضا إجراءات لإلغاء التصنيف وذلك في حالة عدم تحقيق الأهداف. ومن بين أسباب سحب التصنيف حدوث تغييرات أو ضرر للموقع، وتحويل وظائفه الأساسية، وتعديل الأهداف التي من أجلها كان التصنيف. نقرأ في نهاية نص ‘جامع الفناء تراث شفوي للإنسانية’ ما يلي: ‘تتوهج الكلمات وتتألق وتمد في عمر هذا الملكوت الخارق. لكن الخطر المحدق بالساحة يقلقني أحيانا. فيتكوم الخوف سؤالا على شفتي: إلى متى؟’.

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...