الرئيسية / كتاب الانتفاضة / صبحي حديدي / حَيْوَنَة الإنسان

حَيْوَنَة الإنسان

 


صبحي حديدي

خلال زيارته الأخيرة إلى باريس، سنة 2003، قبل نحو عام من رحيله، كان الشاعر والمثقف السوري الكبير ممدوح عدوان (1941ـ2004) قد حمل لي نسخة من ‘حَيْوَنَة الإنسان’، كتابه الأحدث آنذاك، وكتب إهداء شخصياً جاء في بعض سطوره: ‘سيقول لك هذا الكتاب إننا هناك لم نكن نتفرّج محايدين’. والحال أنّ الكتاب كان يقول لي هذا، وأكثر، من جانب أوّل؛ ولكني، من جانب ثانٍ، لم أكن بحاجة إلى هذا الكتاب لكي أتذكّر مواقف عدوان من قضايا البلد السياسية والفكرية والثقافية. منذ مطلع السبعينيات أتابع ما تعرّض له من تنكيل، وإبعاد عن الوظيفة، وتجميد، وتهميش، ومضايقات؛ فضلاً عن الحرب المخابراتية الخفيّة التي كان يديرها وزير تارة، أو مدير إدارة طوراً، لكي لا نحتسب العشرات من صغار الكتبة، الذين كانت مهاراتهم في كتابة التقارير لا تعادل أياً من ألعاب الحواة التي اعتادوا ممارستها تحت مسمّيات الشعر أو الرواية أو الدراسات!

والكتاب مجموعة مقالات حول مقدار ما فقد البشر من كرامة وتضامن إنساني وإحساس بعذابات الآخر، حتى صاروا معتادين على الإذلال المحيط بهم وبغيرهم، وصاروا أكثر استعداداً لقبول التعذيب والمهانة والعنف على شاشات التلفزة. والموضوعات تتناول تعبيرات شتى عن ‘عالم القمع، المنظّم منه والعشوائي، الذي يعيشه إنسان هذا العصر’؛ وتسير بعض عناوينها هكذا: ‘ورطة الإنسان الأعزل’، ‘هل نحن جلادون؟’، ‘صناعة الوحش… صناعة الإنسان’، ‘ولادة الوحش… بين الجلاد والضحية’، ‘القامع والمقموع’، ‘أصل العنف’، ‘الدولة القمعية’… وثمة فصل بعنوان ‘السلبطة السلطوية’، يكتسب اليوم دلالات بالغة الخصوصية في ضوء الثورات والإنتفاضات العربية، لأنه ببساطة يناقش شخصية ‘البلطجي’ و’الشبّيح’، وأدوار كلّ منهما في تحريك آلة القمع، ويرسم لكلّ منهما قسمات، كما يستعرض سلسلة خصائص، تجعل المقالة معاصرة تماماً، تكاد تصف بدقّة عالية ما فعله ‘البلطجية’ في مصر، وما فعله ويفعله ‘الشبيحة’ في سورية.

يكتب عدوان أنّ ‘لكلّ شعب عبقريته في التعبير عن الظلم والقمع والإضطهاد، وطرائقه في ابتكار التسميات لرموز القمع واساليبه’؛ وهكذا اخترع السوريون مفردة ‘الشبّيح’، لوصف الذين يتصرّفون وكأنّ القانون غير موجود إلا للآخرين’. الطريف، كما يتابع، أنّ للمفردة أصولها في ‘لسان العرب’، إذْ شَبَح الشيء أي مدّه، وشبّح الشيء عرّضه، أي زاده عرضاً، ومشبوح الذراعين عريضهما وواسعهما، وقد اخذها الناس لجعلها تنطبق على تمديد الصلاحيات وتعريضها وتوسيعها. والشبّيح ‘مدعوم ومحمي وواثق من أنّ هذا الدعم يجعله في عصمة، فلا يطاله قانون، ولا يجرؤ على مواجهته أو التفكير في محاسبته أحد’؛ والتشبيح ‘مزيج من الزعرنة والسلبطة والتبلّي، وهي كلّ ما يقفز فوق القانون علناً، ومن ثمّ فهي عقلية مثلما هي سلوك، ولذلك قد تجد الشبّيحة في المدارس والنقابات والمنظمات ومجلس الشعب ومجلس الوزراء وفي الحزب ذاته’.

 

ويضيف عدوان: ‘الشبّيح بهلوان بارع، ووقح، يقفز بك مباشرة إلى مجالات لا تخطر لك على بال، فأنت إذا اعترضتَ على تهريبه مشكوك في إخلاصك للوطن، وإذا طالبتَ بتطبيق القانون مشكوك في إخلاصك الوظيفي، وإذا تساءلتَ عن سبب إجراء معيّن هبّ الشبيحة للتشكيك في إخلاصك للمسيرة أو القائد. وهذا ينطبق على احتجاجك عليه إذا تسبب لك في أذى شخصي، أو إذا تطاول على بيتك أو ممتلكاتك، او إذا أراد ان يغشّش ابنه علناً في الامتحانات’. إنه شخص ‘تخلى عن كرامته، ويريد أن يجعل المجتمع من حوله خائفاً مذعوراً وبلا كرامة أيضاً’. ويروي عدوان هذه الحكاية الطريفة: شخص يحرّك سيّارته عندما تصبح شارة المرور خضراء، فيعترضه شبّيح يقود درّاجة نارية تأتي من الزاوية الأخرى حيث الشارة حمراء. ومع أنّ الشبّيح هو الذي خالف قانون السير، إلا أنه نزل وراح يشتم سائق السيّارة، فقال الأخير: يا أخي الشارة خضراء والطريق لي، فردّ الشبّيح بعد أن لكمه على وجهه: الطريق لك أنت، ولكن ألا تعرف أنّ البلد كلّه لنا؟

وعند عبد الرحمن الكواكبي، ‘كلما كان المستبدّ حريصاً على العسف، احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له والمحافظين عليه، واحتاج إلى الدقة في اتخاذهم من أسفل السافلين الذين لا أثر عندهم لدين او وجدان’. وأما عند جان بول سارتر، فإنّ هذا الطراز من أدوات القمع ‘لم يعد يتذكّر أنه كان إنساناً، وإنما يحسب نفسه سوطاً أو بندقية’؛ أو، في تنويعاتنا المحلية، هو بلطة في يد ‘المعلّم’، أو شبح يسير خلفه. ولهذا، قد ‘تكون للشبّيح صفة رسمية (كأن يكون عنصر مخابرات، أو عنصراً في قطعة عسكرية لها موقع خاصّ في البلد)، وقد يدّعي هذه الصفة، وقد لا يحتاج إلى هذه الصفة أصلاً…

ورغم أنه استبق تمثيلها في سلسلة المقالات هذه، وفي أعمال شعرية وسردية ودرامية أخرى، فإنّ ممدوح عدوان لم يعش لكي يرى بأمّ عينيه كيف انقلب الشبّيحة ـ منذ اليوم الأوّل للإنتفاضة السورية، في درعا وبانياس وجبلة واللاذقية وحمص… ـ إلى مسدّس وبندقيــــة، بعد أن كانوا بلطة وهراوة وسوطاً. لعلّ الراحل كان سينحت تعبيراً أكثر قسوة، ولكن ليس أقلّ دقّة وذكاء، لتوصيف سلوك هذا الحيوان البشري.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...