خارج النص


إبراهيم اليوسف

لعل الكتابة الحقيقية، هي تلك التي تعبر عن عوالم الكاتب، كما هي، بحيث تكون صدى عما يفكر به، من دون أي اختلاف، أو تحريف، لتكون” الكتابة/ الكاتب” نفسه، لدرجة أننا إذا أردنا استقراء رؤية الكاتب، فإننا نعود إلى عوالم كتاباته، ذاتها، حتى نتعرف على رؤيته للحياة كاملة.

وإذا كانت العلاقة بين الكاتب وإنتاجه، ينظر إليها، وفق هذا الفهم، فإن هناك ثمة كتاباً، لا يمكن التعرف على ” شخصياتهم” من خلال تتبع كتاباتهم، وهذا ما دفع بالإغريق إلى القول:” كاتبك المفضل عليك ألا تتعرف عليه”، رامين بذلك إلى احتمال وجود هوة بين سلوك الكاتب وإنتاجه، وإن مثل هذه الهوة، في ما إذا وجدت فإن لها دواعيها، وأسبابها الكثيرة.

والكتابة المرادة، هنا، هي الكتابة النثرية، من مقال، أو سيرة، أو خطاب، حيث يتطلب أن تكون درجة الصدق فيها عالية، من دون أي تزوير، أو مجافاة للحقيقة، والواقع، إذ أن مقال الكاتب، الذي يقدمه إلى قرائه، سواء أكان منتظماً في أحد أوعية النشر،أو غير منتظم، مكتوباً وفق قراءة الناص لما حوله، ليس من المعقول أن يصف خلاله طفلاً باكياً، على أنه سعيد، أو يصف مظلوماً على أنه راض، عن الظلم الذي لحق به، كما أنه لا يجوز أن يكون انتقائياً في تناول ما حوله، كأن يكتب ما يريد، و”يغمض” عينه عن ذكر ما لايريد.

وإذا كان من واجب الكاتب أن يصورما حوله، كما هو، دون زيادة أو نقصان، فإن هناك حالات ما-ولاسيما في ما يتعلق بالقصِّ- حيث أن الكاتب قد يرسم شخصيات متناقضة، منها الخيِّرأو الشرِّير، فليس من الإنصاف أن نجد في سلوكيات الشخصية الشريرة، على أنها مطابقة، أو مستنسخة عن صاحبها، وفي هذا ظلم كبير للكاتب، لأن هناك بوناً واسعاً، بين العالمين الفني والواقعي للكاتب.

لقد تناول الأدباء والفنانون –عبر تاريخ الأدب- شخصيات متناقضة، في أدبهم، حيث من الممكن أن يتم تقمص حالات الشخصيات المتناولة، كلها على حد سواء، وليتركوا مسافة بينهم وأبطالهم هؤلاء، ليبينوا حقيقة تصرفاتهم، فالقاتل الذي يوجه مسدسه إلى ضحيته، ليرديه قتيلاً، إشباعاً لغريزة القتل، يقدم القاص، أو الروائي هذه الشخصية الشاذة، كما هي، وإنه لايمكن أن نحاكمهما البتة على الرأي الذي يتبناه هذا القاتل، مادام أنه يقدم رؤى الضحية نفسها، كما هي، لأن هذا الإنتاج الأدبي، يجب أن يكون وثيقة فنية لإدانة القتل، في النهاية، وأن جوهر رسالة الأدب يكمن في إنسانيته.

ومادمنا، نميز، بين نمطين من السرد، أحدهما فني، والآخر واقعي، فإن الكتابة الواقعية مطالبة أن تكون صدى لما يجري حول صاحبها، حيث أن مسؤوليته تكون أكبر، أمام ثنائيتي الصدق والكذب، وإن درجة الصدق لديه تتعلق بذلك القدر الذي يتمتع به، في أداء خطابه، وهنا تماماً، تكمن خطورة وحساسية مهمَّة هذا الكاتب، بعكس الأديب الذي يتوغل في عوالم الفن والجمال والرمز، بما يضمن له هامشاً من التورية، وحتى المراوغة، أمام السلطة، ولهذا فإن كاتب”العمود الصحفي” أو”الريبورتاج” أو الخطيب..مثلاً…!، هم أكثر عرضة للمسؤولية، ودفع ضريبة الكتابة، حيث لا خيار ثالث أمام هذا الأنموذج من الكتاب، سوى تبني الواقع أو القفز فوقه، أو حتى تزويره……..!.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...