الرئيسية / صفحات سورية / خطاب الأسد، أول مسمارٍ في نعش عرشه

خطاب الأسد، أول مسمارٍ في نعش عرشه

 

 


هوشنك بروكا

بعد أسبوعين في التمام والكمال، خرج الرئيس السوري بشار الأسد، أمس، على الشعب السوري والعالم، بخطاب، قيل أنه “سيسعد السوريين”، طال انتظاره كثيراً، لكنه لم يأتِ بجديد، ولم يقل فيه إلا القليل.

لهذا سميته، في مقامٍ آخر، ب”الخطاب رقم صفر”، لفرط هروبه من حقيقة ما يدور حوله، من شعبٍ سوريٍّ حقيقي، يغضب الآن، لأجل سوريا حقيقية، في حريةٍ حقيقية.

الأسد تحدث في خطابه، طيلة 50 دقيقة، طائراً في العموميات، دون الدخول في العمق والجوهر.

جلّ كلامه، جاء كلاماً في “الإصلاح العام”، دون أن يقدّم للشعب السوري، خطة إصلاح واضحة المعالم، ضمن جدولٍ زمنيٍّ محدد.

هو، أجاب، بشكل عام، على سؤال “لماذا الإصلاح؟”. وقال نعم للإصلاح، و”البقاء بدونه مدمّر”، ولكنه لم يجيب على أسئلة الشعب السوري الأساسية، والتي تتضمن في أسئلة أكثر جوهريةً وأولويةً، من قبيل، كيف الإصلاح؟ وأين الإصلاح؟ ومتى الإصلاح؟ وفي ماذا ولمن الإصلاح؟

كلّ ما حاوله الرئيس، هو الإجابة البديهية على سؤال “لماذا الإصلاح”، في كونه سؤالاً عاماً وضرورياً، وما الحياة بدونه إلا “دماراً”، كما قال.

ثم أنّ كلام الرئيس في الإصلاح، كان كلاماً في “ماضي الإصلاح”، الذي عبّر عنه ب”مسودات قديمة”، أكثر من كونه كلاماً في حاضر الإصلاح ومستقبله.

والحال، حضرت الأقوال في “إصلاحات” الرئيس، على حساب الأفعال.

حتى حزمة الإصلاحات التي أعلنتها مستشارة الرئيس الدكتورة بثينة شعبان، التي قالت أنها “قيد الدراسة”، مثل “قانون الطورائ، وقانون الأحزاب، وقانون الصحافة والإعلام وحرية التعبير” وغيرها من القوانين، لم يتحدث الرئيس فيها كثيراً، معتبراً إياها، عبارة عن “مسودات قديمة” من مشروعه الإصلاحي القديم، الذي لمّح إليه أكثر من مرة، مؤكداً أنه مع الإصلاح لأنه صحيح وضروري.

عليه، يمكن قراءة ثلاث رسائل أساسية، في خطاب الأسد، وهي:

أولاً: النظام غير جاهز، لا بل غير مستعد للإصلاح، ربما لأنّ الرئيس يفهم نظامه أكثر من الخارجين عليه، ويعلم جيداً، أنّ أية محاولة نحو إصلاح “تحت النظام”، سيدفع بالشعب السوري، إلى رفع سقف مطالبه، لإصلاح “فوق النظام”، بما فيه رأسه. وهذا ما لن يقبل به الرئيس، حتى لو دخل في “حرب استنزافٍ” مع الشعب، كما هو حال فاشي ليبيا الأخير، العقيد معمّر القذافي، الآن.

ثانياً: من يطالب بالإصلاح، ويخرج تحت شعاراته إلى الشارع، كما حدث في درعا وأخواتها، هو داخلٌ في “المؤامرة الخارجية”، وشريك فيها. ربما لهذا السبب، دون غيره، اختزل الأسد غضب الشعب السوري الأخير، في “المؤامرة الخارجية التي تستهدف سوريا”. هذا يعني أن من الآن فصاعداً، ليس أمام الشعب السوري إلا طريقين، لا ثالث لهما: إما السير مع الرئيس ولأجل الرئيس، و”سوريا الرئيس”، والهتاف بإسمه، تحت شعار “الله..سوريا..بشار وبس”، وانتظاره إلى أن يشاء هو ونظامه إصلاحاً، لن يأتي على أية حال. أو الخروج إلى الشارع مع “سوريا الشعب” التي تساوي في فقه النظام “سوريا المؤامرة”، ولن يكون هذا الخروج سهلاً، بل سيكلّف من يقوم به، “قيامة كثيرة”، وبطشاً ودماً وقتلاً كثيراً.

الأسد أعلن “الحرب” على ما سمّاها ب”المؤامرة” و”المتآمرين” بكل صراحة ووضوح، قائلاً: إذا فرضت المعركة علينا اليوم فأهلا وسهلاً بها”!

فمعركة الأسد ونظامه القادمة، لن تكون مع “العدوة إسرائيل” لأجل الجولان، كما هو مفترض منذ عقودٍ، وإنما ستكون مع “الشعب المتآمر”، و”سوريا المؤامرة”، لأجل سوريا(ه) أي “سوريا النظام”.

ثالثاً: بعد خطاب الإسد الأخير، أصبح السيناريو الأكثر احتمالاً الذي ستعبره سوريا القادمة، في القادم القريب من ثورتها، شبه واضحاً. هذا السيناريو سيشبه في قيامه وقعوده، على الأغلب، السيناريو الليبي المجنون.

النظام السوري، سيختار المعركة التي تنتظره على الباب كما قال، ألا وهي معركة “إما أنا أو الخراب”، كما قالها القذافي ونجله، قبيل حربهما على الشعب الليبي. السيناريو المحتمل هذا، إن وقع، سيكون كارثياً بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى. ربما سيكون لبعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن مواقف قوية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا، ولكن الفوز بإجماعٍ أمميّ، على موقف موّحد تجاه القادم من معركة “سوريا النظام” ضد “سوريا الشعب، سيكون صعباً، إللهم إلا بعد أن يقع الرأس بالفأس، كما جرى في ليبيا.

على العموم، وفي كلّ الأحوال، لا يمكن فهم خطاب الأسد، على الجهة السورية الأخرى (سوريا الشعب)، إلا بإعتباره المسمار الأول في نعش “سوريا النظام”.

أعتقد أن الأسد حفر بخطابه “الإستفزازي” الأخير، أمس، قبر نظامه بنفسه.

أول نتائج هذا الخطاب، على مستوى الشارع السوري، ظهرت أمس في اللاذقية، والقادم سيكون أصعب وأخطر.

فالأكراد الذين كانوا حتى يوم أمس، يحلمون ببعض إصلاحٍ في جهتهم، وتحقيق بعضٍ ولو قليلٍ من مطالبهم الأساسية، غابوا تماماً بل سقطوا من خطاب الرئيس، وكأنّ هؤلاء الذين طالما وعدهم الرئيس، لا مطلب لهم سوى الكلام في “فلسفة الإصلاح”، كما سمعناه أمس.

الأكراد(أقصد أكراد الأحزاب)، الذي تمّ تحييدهم إلى حدٍّ كبير، حتى يوم أمس، ذهبوا مع وعود الرئيس ونظامه، إلى باب خطابه الأخير. حتى نوروزهم الأخير، خطفه النظام منهم، تحت ألف حجة وحجة، ومسخه من “عيدٍ للحرية” إلى عيدٍ للربيع، والرقص والدبكة والسيران. الأكراد سيستيقظون، برأيي، بعد خطاب الرئيس، من غفوتهم بل من كبوتهم، متأخرين كما دائماً. سيشعرون للتو، بأنهم “خرجوا من مولد دمشق بدون حمص”، كما أشرت في مقالٍ سابق من قبل. ما يعني أنّ الأكراد لا طريق أمامهم الآن سوى القيام مع درعا وأخواتها، ودمج مطالبهم في مطالبها، ضمن إطار سوريا واحدة، لكلّ السوريين، بحريةٍ كثيرة.

الشيء ذاته يمكن سحبه على جماعة الإخوان المسلمين أيضاً. هذه الجماعة التي علّقت أنشطتها المعارضة منذ أكثر من سنتين، لأسباب تتعلق ب”سياسة المقاومة” التي تنتهجها سوريا على المستوى الخارجي. الإخوان الساكتون حتى اللحظة، كفصيل قوي، يمكنه شحن الشارع وتعبئته، كما هو حال الأكراد في الشمال السوري، أمامهم طريقان، إما الوقوف مع الأسد في صف “سوريا النظام”، أو الوقوف مع المعارضة، التي توحدت مواقفها أكثر بعد خطاب أمس، في صف “سوريا الشعب”.

الخطاب الأخير للأسد، سيدفعهم، على الأغلب، للإنضمام إلى مطالب المعارضة في التغيير ضد ثبات النظام، الذي ما وفى بوعوده لهم حتى الآن، كما جاء على لسان مراقبهم العام السابق صدرالدين البيانوني، واللاحق رياض الشقفة، أكثر من مرة.

نفهم من كلّ هذا، أنّ خطاب الرئيس الأسد، “التوعيدي” في بعضه، والداخل في شئون عموميات “الإصلاح العام”، أكثر من دخوله في صلبه وجوهره، قد أحبط آمال غالبية الشعب السوري، معارضين وموالين معتدلين، ووحّد المعارضة السورية أكثر في جبهة “سوريا الشعب”، للدخول في مشروع أكثر عمليةً وفاعليةً، نحو “سوريا متغيّرة”، ضد سوريا النظام الثابت.

الخطابُ، كان مسماراً أولاً دقه الرئيس الأسد، في نعش نظامه.

غداً، أو بعده سيكتشف الأسد، أنّ الشعب سيدق مسماراً تلو المسمار في نعش عرشه، حتى يسقط..فالشعب السوري الذي ما عاد يصدق “كذبة” الإصلاح، ليس له أن يصدّق ويمشي إلى القادم الأكيد من شعاره:

الشعب يريد إسقاط النظام!

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...