الرئيسية / صفحات الرأي / خيارات التغيير

خيارات التغيير

 


طيب تيزيني

تحت أزيز الرصاص وتعاظم الأسى والاضطراب، تزداد الحوارات والمناقشات بين الأطراف المتعددة والفاعلة على صعيد الصراع بين النُظم العربية المعنية والجمهور العربي الواسع والمتعاظم. وفي هذا وذاك، تبرز شعارات هنا وهناك في العالم العربي، يُراد لها أن تغطي واقع الحال المضطرب والآخذ في التعقيد. ومن الواضح في ذلك تعدد الآراء والشعارات والحلول، التي يطرحها الجمهور العربي، مع ملاحظة أن هذه التعددية نشأت وتتسع طرداً مع تماهل رؤوس النظم العربية في الاستجابة لمطالب ذلك الجمهور، سواء لأسباب موضوعية تتصل بتعقيد المرحلة أو لكسب الوقت، بهدف تشتيت القوى المنتفضة وإضعافها. وفي كل الأحوال، يلاحظ أن جمهور الانتفاضات العربية يتحدر من مرجعيات اجتماعية وسياسية وطبقية وطائفية متعددة، إضافة إلى جيلية متعددة.

ويلاحظ أن تلك التعددية الجيلية والثقافية والطائفية والاجتماعية أتت بمثابتها ضماناً أو بعض ضمان للحيلولة دون اتساع أعمال طائفية خصوصاً، هنا وهناك، تلتهم الأخضر واليابس، وتعرض هذا البلد العربي الواحد أو ذاك لانهيارات عظمى. ومع ذلك، قد يظهر أن مخاطر من نمط هذه الأعمال ربما لا تزال قائمة. أما الأمر الأكثر حضوراً وفاعلية في هذا السياق فهو إجماع قوى المتظاهرين، والمتضامنين معهم، على خط عمومي واحد يتمثل في شعارهم حول الإصلاح الديمقراطي السياسي وما يلتقي فيه ويندرج تحته. ولقد ظهر ذلك في مناسبات متتالية، حين كان المتظاهرون يهتفون من أجل الحرية والديمقراطية، وحين كانوا يعلنون أن مطالبهم تتجسد خصوصاً في هذين الحالين السياسيين، هذا مع العلم بأن مطالب اقتصادية واجتماعية لم تغب نهائياً عن منظومة الشعارات والمطالب المعنية، التي رُفعت.

وعلينا أن نشير إلى أن استمرارية التظاهرات وتطويرها من طرف، وتلكؤ النظم العربية في مواقفها من مطالب العرب الثائرين من طرف آخر، أسهم في بلورة أهداف هؤلاء وتعميق وحدتهم، وفق المقولة التالية: من أقصى اليمين الوطني والقومي الديمقراطي إلى أقصى اليسار الوطني والقومي الديمقراطي! ومن شأن هذا كله أنه أتاح فرصة مهمة وضرورية لمراجعة الشعارات، التي رفعها الثائرون المنتفضون، ولضبطها وتطويرها. وبالأساس، لابد من الانتباه إلى أن ما يصل إلى نصف قرن من الزمن هو عمر النُّظم الأمنية الاستبدادية في العالم العربي، تمكن من تدمير وتفكيك هذا الأخير. وكان من النتائج المرعبة المترتبة على ذلك أن يأساً خطيراً في حياة الشعوب العربية أخذ يمعن فيها تهميشاً وإذلالاً. وبحسب المفكر التنويري عبدالرحمن الكواكبي، فإن الاستبداد هو أكثر الرذائل خطراً في حياة الناس، خصوصاً حين يكون في الحقول الأربعة: السلطة والثروة والإعلام والمرجعية.

إن وقوف النظم العربية المعْنية في وجه إصلاح عربي حقيقي وجذري رهان خاسر. وإذا كانت حوارات العرب قد انطلقت بقوة متدفقة حول خيارات التغيير في بلدانهم (بل هي -كما نرى- ستستمر)، فإن الأمر سيصب في خدمة مشروع عربي جديد في النهضة والتنوير الديمقراطي، طالما أن المشروع التاريخي إنما هو قد أصبح ضرورة قصوى لاستمرار العرب، بحدودهم الدنيا وباتجاه حدود كبرى (ولن يكون ذلك خارج التدفق العالمي المتوهج). إذن، لنقل، إن خيارات التغيير العربي تمثل -مجتمعة- الرافعة التي تقود إلى سيّد الموقف، لكن الآن وليس غداً.

الاتحاد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...