الرئيسية / صفحات سورية / دعايات النظام السوري ضد المحتجين

دعايات النظام السوري ضد المحتجين

 


مهند فراتي

بدأت في مقالة سابقة تحمل العنوان نفسه بتفصيل بعض النقاط في دعاية النظام السوري، الذي يحاول ان يخفي من ورائها جرائمه المستمرة ضد الاحتجاجات. ونواصل هذا من خلال الحديث على دوره في مجال المقاومة.

المؤامرة على الصمود والمقاومة

يبدو هذا العنوان أبرز ما يحاول النظام ستر عوراته وترقيعها به ولتفصيله لا بد من بعض الرجوع للتاريخ الذي يشهد أن نظام عائلة الأسد منذ بداية وصوله للمناصب القيادية كان همه الأكبر هو السلطة وما سواها ثانوي مهما كانت اهميته، ففي عام 67 أعلن حافظ الأسد (وزير الدفاع يومها) سقوط الجولان والقنيطرة أثناء عدوان حزيران قبل وصول أي جندي صهيوني إليها والقصة متواترة يذكرها ويستنكرها وزير الصحة السوري آنذاك محمود الأكتع، الذي كان في جولة للجولان وأكد ان اعلان السقوط العسكري كان كاذبا. ويوردها أيضا الرائد خليل مصطفى مسؤول الاستخبارات في الجولان عام 67 في كتابه’ سقوط الجولان’، الذي سجن بسببه بين عامي 75 و2005. كما ينقلها د محمود جامع عن السادات وجمال عبد الناصر ويؤكدها وزير الخارجية المصري السابق اسماعيل فهمي في احد كتبه نقلا عن مشادة وقعت بين الاسد والملك فيصل في قمة رباعية بالجزائر بخصوص الموضوع نفسه. أما باتريك سيل صديق الأسد ومصنف سيرته الذاتية بناء على مقابلات عدة معه فيعلق على الحادثة بعد ذكرها بأن هم الأسد في ذلك الوقت كان الالتفات للداخل لتثبيت السلطة بيد المجموعة العسكرية الحاكمة آنذاك، ولذلك آثر الهرب من الحرب الخارجية بالتخلي عن الجولان، وللقصة شواهدها من عام 69 مثلا يوم رفض الأسد تقديم الدعم الجوي للمقاومة الفلسطينية للسبب نفسه، كما يقول باتريك سيل، وهو الأمر الذي دعا صلاح جديد وقتها إلى اجتماع طارئ للقيادة القومية يحاسب فيه الأسد على حادثتي 67 و69 بالخيانة ويعزله فيها من منصبه، وانتهى الحدث طبعا بالانقلاب الذي ذهب بصلاح جديد إلى سجن المزة وسماه الأسد الحركة التصحيحية.

وتبقى فكرة تثبيت السلطة والحكم في عائلة الأسد بعيدا عن الحرب الخارجية سياسة مستمرة إلى يومنا هذا، فهي تتجلى في ما ذكره السفير السوفييتي للرئيس السادات بعد 6 ساعات فقط من بداية حرب تشرين عام 73 من ان الأسد طلب منه العمل على وقف لاطلاق النار! ومن ثم تظهر ملامحها بصورة أكثر في ما بعد 1991 حيث اعلن الرئيس حافظ الأسد عبارته الشهيرة التي يرددها وريثه بشار إلى يومنا هذا كنهج للدولة وهي ‘السلام خيارنا الاستراتيجي’، وهي عبارة تعني في لغة السياسة جملة أخرى نصها المبطن ‘المقاومة خيار مرحلي’، وحتى لا يفهم كلامي بشكل خاطئ فأنا لا أعني بهذا النقل التاريخي الحديث عن مؤامرة بيتها نظام الأسد في الخفاء، فالبحث الموضوعي يقتضي الحديث عن الوقائع لا عن الاجتماعات السرية. ومن الوقائع ان نظام عائلة الأسد قدم الكثير من الدعم لفصائل المقاومة في العقد الأخير، لكن هذا ينتمي إلى ما يسمى بالتفاهمات السياسية محدودة السقف، فهناك حواجز لا يستطيع نظام الأسد اختراقها، اهمها الجولان الذي لم تطلق فيه طلقة منذ عام 1973 ولم يذكر اسمه في مؤتمر القيادة القطرية عام 2005.. وفكرة التفاهمات والسقف هذه ليست بدعة سياسية فهي موجودة في اماكن عدة كالحدود بين لبنان والكيان.

وكذلك في حدود قطاع غزة، إذ يرتبط تجاوز السقف والتصعيد بتصعيد وحرب غالبا. وطبعا تجاوز السقف او التصعيد هذا غير موجود تقريبا في الحالة السورية منذ عقود إلا في حالات نادرة وغالبا ما يبدأ من طرف الكيان الصهيوني كسرقة الطيارة المحدثة ميج 23 عام 1989 عن طريق الجاسوس الطيار بسام العدل، واغتيال اللواء محمد سليمان في الداخل السوري وقصف المبنى الذي قيل انه سيصبح منشأة نووية في ما بعد، والجواب السوري في جميع هذه الحالات كان الاحتفاظ بحق الرد، ولا ندري إلى متى سيبقى محفوظا! لكن المهم ان الحالة التي لم يسكت عنها النظام السوري كانت حديث ليبرمان الذي أشار فيه إلى ان الأسد الذي لا تهمه خسارة الحرب او الأرواح أو القيم الانسانية يجب ان يعرف ان خسارة الحرب تعني’ خسارته وعائلته للسلطة ‘ فهذه المفاضحة السياسية واللعب على المكشوف التي قام بها ليبرمان قبل عام تقريبا احرجت النظام السوري واخرجت رئيس الحكومة عطري يومها للحديث عن قدرات صاروخية سورية والعجب أكبر العجب أن يخرج نتنياهو بعدها فورا لتخفيف كلمات ليبرمان هذه بعبارات غيرها وتنتقد هذه الكلمات من الولايات المتحدة ويطالب رؤساء عدد من الاحزاب الصهيونية باقالة ليبرمان، ثم يخرج باراك لينتقدها علنا وكل هذا ينتمي إلى عدم المساس بأولويات النظام السوري في تثبيت حكم العائلة، ولذلك لا عجب أن تضج الصحافة العبرية منذ اندلاع الثورة السورية بالحديث عن الخوف من زوال النظام المهادن وتغييره بنظام يغير معادلة السقف المقاوم المحدود واستدعى هذا الهلع في الصحافة ومقالات بعض المحللين والسياسيين تصريحات وزير الحرب باراك لطمأنة الشارع بقدرات الكيان الحربية، وأشار فيها الى أنه لا داعي لاظهار كل هذا الخوف من زوال نظام الأسد.

مع ذلك يحاول النظام السوري استغلال هذا الدعم محدود السقف للمقاومة في الحديث عن مؤامرة تستهدف المقاومة نفسها ولذلك هو يضغط على فصائل المقاومة الفلسطينية لتصدير مواقف مؤيدة له بينما تصر المقاومة على الحياد لئلا تخسر الشعب السوري ولا شك ان ضغوط النظام هذه كانت احد أسباب المصالحة الفلسطينية التي أسرعت إليها حماس مؤخرا.

أما في حالة حزب الله فيبدو الأمر مختلفا ذلك أن الحزب يستخدم طريقة النظام السوري نفسها في توظيف المقاومة للسياسات الداخلية، وكثيرا ما يجيب الحزب على انتقاد سياسته هذه بحديث التخوين والمؤامرة على المقاومة، والحقيقة أن ما يخشى عليه الحزب من زوال النظام السوري ليس زوال الدعم عن المقاومة لأن الشعب السوري هو الحاضن الحقيقي والفعلي لها ولكنها الخشية من زوال الدعم السياسي لمصالح الحزب في لبنان.

وأخيرا لا ننسى الحديث عن المواقف الغربية المتأرجحة التي تبدو باردة في الرد على جرائم النظام بحق المتظاهرين وتتأرجح بين الأخذ والجذب، ففي حين طالبت الولايات المتحدة حليفها مبارك بالتنحي في الأسبوع الرابع للاحتجاجات فإن شهرين من القمع والقتل مرا على سورية بين صعود التصريحات الغربية ونزولها، وآخرها استثناء الرئيس الأسد من العقوبات الاوروبية وحديث كلينتون عن قدرته على الاصلاح!

صحيح أن زوال النظام السوري يبدو مغريا لكل من الكيان الصهيوني والغرب من زاوية إضعاف جناح إيران في المنطقة، لكن المخاوف من أن يأتي التغيير بنظام شعبي يدعم خيارات الشعب الواسعة في دعم المقاومة تبدو أكبر، وهي كفيلة بجعل موقف الغرب أكثر مهادنة مع حكم الأسد لاسيما بعد فشل مؤتمر استانبول للمعارضة في طرح بديل يمكن ان يكون مقنعا للغرب في مواصلة دور الأسد في تأمين حدود الجولان.

في ظل هذا كله يتضح أن محاولات النظام إلباس جرائمه لباس الدفاع عن نهج المقاومة تبدو عارية من الصحة، ومثلها محاولة احتكار المقاومة في شخص هذا النظام من خلال ايهام الناس بأن من سيخلف النظام هم اعداء المقاومة وحقيقة هذه الدعوى تخوين لكامل الشعب السوري الذي كان ولا يزال الحاضن الشعبي الحقيقي لهذه المقاومة. ولا شك ان تحرر هذا الشعب من قيوده الداخلية ومن القمع سيطلق يده أكثر في مجال دعم هذه المقاومة دعما حقيقيا لا محدودا بالتفاهمات من تحت الطاولة .. وهنا تستحضرنا كلمة قالها شداد لابنه عنترة يوما حين رأى القبائل تغزو بني عبس فقال: كرّ ياعنترة .. فأجابه عنترة: إن العبد لا يتقن الكر والفر. فقال شداد: كر وانت حر .. وعندها قدم عنترة معاركه التي سجلتها له الأيام في الدفاع عن قومه ..

‘ إعلامي من سورية

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...