الرئيسية / صفحات الرأي / دماء على جسد الجمهورية العلمانية: سعار الإسلام الجهادي ومقتلته الباريسية/ محمد أبي سمرا

دماء على جسد الجمهورية العلمانية: سعار الإسلام الجهادي ومقتلته الباريسية/ محمد أبي سمرا

 

 

مقتلة “شارلي إيبدو” الباريسية، نتاج ومرآة لسعار إسلام جهادي في نسخة جديدة أشد ظلامية من سابقتها “القاعدة”. لا ريب في أن هذا السعار انبعث من أتون انهيار دول عربية ديكتاتورية وأمنية قام بينها وبين المنظمات الجهادية سفاح أمني عميق ومديد، له جذر فلسطيني وآخر سوري أسدي وثالث عراقي صدّامي. الجذور هذه قديمة وعميقة، أدت الى تدمير لبنان، ثم العراق وسوريا. ثم إن المقتلة الباريسية تذكّر بالفتوى الخمينية بذبح سلمان رشدي في خضم سعار الثورة الإسلامية الخمينية المحموم، في محاولتها إطلاق حركة جهاد عالمي، قصرته أخيراً على لبنان “حزب الله”، وسوريا الأسد، و”عراق ما بعد صدام حسين”، واليمن الحوثي. من سعار الإسلام الجهادي في اليمن وسوريا والعراق، ولد ما يسمّيه الفرنسيون “الجهاد الفرنسي”. لكن ماذا يبقى من فرنسية الأخوين كواشي سوى الجهاد الاسلامي، قبل مقتلتهما الباريسية وبعدها؟ لا شيء. لذا من الأفضل القول إنهما مجاهدان إسلاميان قضيا في فرنسا، حيث قاما بواجبهما المقدس.

من تسمية “الفرنسيين المسلمين” – وهي لابست، منذ سبعينات القرن العشرين، تزايد الهجرات المغاربية الى فرنسا وتوسعها، حتى بلغ عدد من تُطلق عليهم هذه التسمية ما بين 6 و7 ملايين نسمة من “المواطنين” الفرنسيين المسلمين، أو من حملة الجنسية الفرنسية – ولدت أخيراً تسمية “الجهاد الفرنسي”، أثناء تدفق مئات وربما ألوف من الإسلاميين الجهاديين من فرنسا الى سوريا. لكن هذه التسمية الجديدة لم تبرز بقوة وتصبح على كل شفة ولسان في فرنسا وأوروبا، إلا غداة مقتلة “شارلي إيبدو” الصادمة والمروعة، التي ارتكبها جهاديان فرنسيان، هما الأخوان شريف وسعيد كواشي، المتدرب أحدهما عسكرياً، الى تلقيه أصول الجهاد وفقهه، في “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” اليمنية.

بواعث الجهاد الفرنسي

البواعث أو الدوافع الفرنسية لجهاد الأخوين كواشي وسواهما من أمثالهما المهاجرين هجرة جهادية إلى سوريا وغيرها من ديار الإسلام ومنظماته الجهادية، تتعلق بالسوسيولوجيا وبسياسات الهوية والاندماج والثقافة والعمل والاجتماع المديني في الضواحي الفرنسية. لكن هذه كلها لا تكفي قط، وتظل هامشية وبلا معنى، في محاولات تفسير ظاهرة “الجهاد الفرنسي”. ذلك لأن كل قراءة لهذه الظاهرة بناءً على معطيات سوسيولوجية عامة وجمعية تتعلق بارتجاجات الهوية والتمايزات الاجتماعية والثقافية في داخل المجتمع الفرنسي، هي كناية عن إيجاد مبررات وذرائع للقتل الإجرامي العمد، الهوسي والمروع، الذي نفّذه الأخوان كواشي. هذا ما بدأ يظهر في بعض دوائر الإعلام والصحافة الفرنسية غداة مقتلة “شارلي إيبدو”، وتجلى في كلام إعلاميين وكتّاب وأصحاب صحف على ضرورة “احترام المقدسات”. فبينما طغى على ردود الفعل الفرنسية والعالمية على المقتلة، شعار “كلنا شارلي”، دار في بعض الدوائر نقاشٌ حامٍ حول نشر الرسوم الكاريكاتورية الساخرة من نبي الإسلام، أو عدم نشرها. فمنظمة “مراسلون بلا حدود”، دعت الى عدم نشرها، فيما قال رئيس تحرير صحيفة بريطانية “من يعطيني الحق في تعريض محررين وصحافيين للخطر؟”. هكذا امتنعت صحف ووكالات أنباء عالمية عن نشر الرسوم، في مقابل رأي آخر يقول إن عدم النشر “خيانة للمبدأ الذي قتل من أجله زملاؤهم”، وثالث يعتبر أن التهاون في مبدأ حرية التعبير تبرير للهجوم البربري. كما ذكّر بعض أصحاب الرأي في المسألة بالفتوى الخمينية بقتل الروائي سلمان رشدي قصاصاً له على كتابته “آيات شيطانية”، متسائلاً: ماذا كان سيعني لو عمد ناشر رواية رشدي الى سحب الرواية من الأسواق، بعد إقدام جهاديّ ما على تنفيذ الفتوى الخمينية بقتل الروائي؟! ثم ماذا يبقى من أوروبا ومن الحريات الأوروبية في حال الصدوع الى فتاوى الإرهابيين وأفعالهم؟!

سعار الإسلام الجهادي

لا ريب في أن المقتلة الباريسية الإرهابية حدثت في خضمّ سعار الإسلام “السياسي” والجهادي، المنبعث من أتون انهيار دول عربية “جمهورية” ديكتاتورية وأمنية، وزوال حدود بعضها، كما حدثت الفتوى بذبح سلمان رشدي في خضمّ سعار الثورة الاسلامية الخمينية، ومحاولتها إطلاق حركة جهاد عالمي. وهي اطلقته فعلاً حيث استطاعت الى ذلك سبيلاً، فصدّرت الثورة الاسلامية الى لبنان، وانشأت فيه “حزب الله” الشيعي الخميني الذي اطلق في خضم الحروب الأهلية الملبننة جهاداً لم يتوقف حتى الساعة، على مثال القول الشائع “أطلب العلم ولو في الصين”. فمجاهدو “حزب الله” ينتشرون منذ نحو سنتين من بيروت حتى كربلاء العراقية، مروراً بالبقاع وحمص وحلب ودمشق، من دون هوادة، وبناءً على فتوى دينية مذهبية حربية من الولي الفقيه الإيراني، شبيهة بفتوى قتل سلمان رشدي.

والحق أن سعار الاسلام الجهادي الجديد، ساهمت إيران وحزبها اللبناني في بعثه من أتون انهيار دول عربية “جمهورية” ديكتاتورية وأمنية، وزوال بعضها، وتشظي شعوبها ومجتمعاتها في حروب أهلية تشكل الجماعات والمنظمات الاسلامية السياسية والجهادية العابرة للحدود والبلدان اطرافاً أساسية فيها عقب ثورات “الربيع العربي”.

وقد بلغ هذا السعار ذروته في العراق واليمن وسوريا. ومن هذه الأخيرة امتد الى لبنان، متغذياً من شقاقٍ أهلي ومناطقي عميق، ومنبعثاً حروباً أهلية طائفية مذهبية (سنّية – شيعية وعلوية)، متقاطعة مع هجوم أمبراطوري ايراني حاملاً راية إسلام حركي أصولي مذهبي شيعي، ومجنّداً جماعات مذهبية شيعية في منظمات أهلية، عسكرية وأمنية مقاتلة: “حزب الله” في لبنان، العلويون وبقايا دولتهم الأسدية وميليشياتها في سوريا، الشيعة ودولتهم وميليشياتهم في العراق، والحوثيون في اليمن.

حيال هذه السياسات الإيرانية معطوفةً على فشل ثورات “الربيع العربي” وانجلائها عن تصدع الدول والمجتمعات بعد انحباس سياسي ديكتاتوري مديد، وجد “الإسلام السني” السوري والعراقي واللبناني واليمني أنه في العراء وفي حال من “المظلومية”. هذه الحال – خصوصاً في سوريا والعراق، حيث جرى تدمير المجتمعات والجماعات السنّية والشيعية، وتعرضت لمذابح واعتقالات واقتلاع وتهجير – شكلت البطن الخصبة لتوليد منظمات جهادية سنّية أشد مغالاة في ظلاميتها ودمويتها من “القاعدة” التي انبعثت بدورها وجدّدت شبابها في اليمن في مواجهة جماعة “أنصار الله” الحوثية العسكرية الزاحفة لاحتلال المدن والمحافظات اليمنية.

غزوة باريس المباركة

في الفرع اليمني لتنظيم “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب”، تلقّى أحد الأخوين “المجاهدين الفرنسيين” من اصل جزائري، شريف وسعيد كواشي، أصول الجهاد الاسلامي الفقهي والعسكري، أو فقه القتل والاجرام. فمنذ العام 2009 أمضى شريف كواشي سنوات متقطعة طالب علوم دينية في جامعة “الايمان” الاسلامية في صنعاء، ومتدرباً في معسكرات “القاعدة” اليمنية. في مقتلتهما الباريسية في 7 كانون الثاني الجاري، على مثال مقاتل “القاعدة” و”داعش”، توسّل الأخوان كواشي بثّ الصدمة والرعب والهلع في الديار الفرنسية “الجاهلية” التي يدين أهلها بالديموقراطية وهشاشتها وخفتها اللاهية في التعبير الفردي، الحرّ والساخر من كل سلطان، ومنه سلطان المقدّس. هذه هي رسالتهما الجهادية المقدسة التي منحتهما الحق في الانتقام والثأر من الحرية والديموقراطية “الجاهليتين”، لنيل رضوان ربّ العالمين، فيسكنهما فسيح رحمته وجناته، خالدين فيها أبداً، بعد رحيلهما عن الدنيا الفانية، شهيدَي المقتلة التي أنزلاها بمن سوّلت لهم أنفسهم ارتكاب معصية التطاول على نبي الاسلام وخاتم النبيين والمرسلين.

الأخوان “المجاهدان الفرنسيان” اللذان لقّنتهما “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” ازدراء “الجاهلية الفرنسية” التي ولدا ونشأا في كنفها، قد يكونان تساءلا اثناء التحضير لمقتلتهما: ما المانع من أن تصير باريس مثل الموصل والرقة؟ وقد يكون سؤالهما هذا من محفزات إرادتهما في الوصول الى مقر “شارلي إبيدو”، وفي إطلاقهما نيران رشاشاتهما على العاملين فيها. من المرجح أنهما تخيلا نفسيهما في جنة الموصل حقاً للحظات بعيد إنجازهما رسالتهما المقدسة، وفيما يردّد أحدهما “الله أكبر، الله أكبر”، أثناء إطلاقه النار على الشرطي الفرنسي من أصل مغربي، ليجهز عليه بعد إصابته ووقوعه على الرصيف.

غداة إنجاز الأخوين كواشي رسالتهما، بثّ “المسؤول الشرعي” في تنظيم “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب”، “الشيخ” حارث النظاري اليمني، تسجيلاً صوتياً سمّى فيه المجاهدَين بعدما برّأتهما مقتلتهما وطهّرتهما من فرنسيتهما ومن الرجس الفرنسي، ورفعتهما مجاهدَين شهيدَين ذوداً عن شرف نبي الاسلام وأمته. هذا بعدما ظنّ “أعداء رسول الله أن الله لن ينصر رسوله، فأتاهم الله من حيث لا يعلمون”. والحق أن مثل هذه اللغة والعبارات لا يكفّ كثرٌ من خطباء مساجد الجمعة عن تردادها في مساجد أحياء المدن الاسلامية وضواحيها. فالإسلام في هذه الخطب لغة أولى ثابتة ومقدّسة، لا يغيّرها الدهر في استعادتها كلام الأوّلين الثابت المقدس. واللغة هذه، كلماتها وأداؤها اللفظي، لا يختلفان قط عما يبثه “حزب الله” في شهدائه منذ شهيده الأول قبل عقود وحتى الآن.

أخيراً، لا بد من التساؤل في هذا السياق: ما الذي يبقى من فرنسية الأخوين كواشي سوى الجهاد الاسلامي، قبيل إنجازهما رسالتهما المقدسة وبعد إنجازها؟ الجواب: لا شيء. لذا ربما من الأجدى والأفضل القول إنهما مجاهدان إسلاميان قضيا في فرنسا، حيث قاما بواجبهما الجهادي المقدس.

“القاعدة”: زواج الجذور

هتاف “الله اكبر، الله اكبر” الذي ردّده أحد الأخوين كواشي بعد إنجازه وأخاه مقتلتهما، وخروجهما الى الشارع، هو نفسه الهتاف الذي ردده المتفرجون السعوديون على انزال قصاص الجلد بالمدوّن والناشط الحقوقي السعودي رائف بدوي. حدث ذلك بعد صلاة الجمعة 9 كانون الثاني الجاري، أي عقب يومين على مقتلة رسّامي “شارلي ايبدو” الذين أبادهم الأخوان كواشي قصاصاً لهم على فعلة هي نفسها الفعلة المتهم بها المدوّن السعودي: السخرية من الرموز الدينية، أي انتقاده جهاز “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

في الشريط المصوّر لعملية الجلد، والمتداول على “فايسبوك” يتراكض رجال وشبّان وأطفال في الباحة الخارجية لمسجد الجفالي في جدة، ليشاهدوا الشاب وهو يُجلَد، بعد إحضاره من السجن حيث يمضي سنتين و7 أشهر، قصاصاً على ما دوّنه في موقع الكتروني باسم “الليبيراليون السعوديون”. الى سجنه، حُكم عليه أيضاً بأن يُجلد ألف جلدة، ينال منها كل نهار جمعة 50 جلدة. سمر شقيقته سُجنت مدة وأفرج عنها، لكن والدها تخلى عنها، أي رذلها، أو وأدها، رمزياً. وهي تربّي رضيعتها وحيدة، بعدما سُجن زوجها ومحامي أخيها. أما إنصاف زوجة المدوّن رائف بدوي فهربت الى كندا مع أطفالها الثلاثة.

في نهاية عملية الجلد المشهودة، يُسمَع صوت يقول “حلّت، حلّت الزيارة”، وسط هتاف “الله اكبر، الله اكبر”.

هذه الواقعة ومثيلاتها من أحكام الإسلام الوهابي الذي تعتبره دراسات وأبحاث كثيرة أحد المراجع الفقهية للتيار “السلفي” الذي تطورت فروع منه الى “السلفية الجهادية” التي تحاربها السلطات السعودية. أما حازم الأمين فيؤرخ ميدانياً لجذر فلسطيني قديم لـ”السلفية الجهادية” ولـ”القاعدة”، في كتابه “السلفي اليتيم”. الجذر ذاك، لابس الكفاح الفلسطيني المسلح في الأردن، منذ مطالع سبعينات القرن العشرين، وحمل لواءه الى أفغانستان، لاحقاً، عبدالله عزام، الفلسطيني. حرّكت مقتلة “شارلي ايبدو” ذاكرة سعود المولى، فكتب على صفحته في “فايسبوك” شذرة نموذجية عن ذلك الجذر في سيرة الفلسطيني شاكر العبسي الشهير لبنانياً. فبعد عمليات “أيلول الأسود” الــفــلـــسطينية الإرهابية في ميونيخ وسواها من خطف الطائرات المدنية وتفجيرها في نهاية الستينات، أرسلت حركة “فتح” شاكر العبسي لدراسة الطب في تونس العام 1973، لكنه ذهب الى ليبيا معمر القذافي، ودخل الكلية العسكرية الليبية، وتخرج فيها برتبة ملازم طيار في العام 1976. كأنه في هذا استبق عبقرية أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في 11 أيلول 2001 النيويوركي المرعب والرهيب. وفي العام 1983 انشقّ العبسي عن “فتح” مع أبو خالد العملة مؤسس “فتح الانتفاضة” الموالية لـ”سوريا الاسد” في البقاع والشمال اللبنانيين، إبان تأسيس الشيخ سعيد شعبان “إمارته الاسلامية” في طرابلس. وبالتعاون مع المخابرات السورية الأسدية اغتال العبسي قيادياً في منظمة التحرير الفلسطينية، وصار قائداً لـ”معسكر حلوة” التابع للعملة على الحدود اللبنانية السورية، حيث درّب أنواعاً مختلفة من الإرهابيين الإسلاميين، منهم جمال سليمان، قائد جماعة “انصار الله” التي خرجت منها “عصبة الانصار” في مخيم عين الحلوة الفلسطيني. وفي العام 2000 بدأ العبسي تعاونه مع أبي مصعب الزرقاوي. وغداة اغتيال رفيق الحريري العام 2005، كان “معسكر حلوة” الحدودي بقيادة العبسي يضم 80 مقاتلاً جهادياً إرهابياً، زحف بهم في العام 2008 الى مخيم نهر البارد قرب طرابلس، فكان ما كان هناك، قبل فرار العبسي وبعض معاونيه الى سوريا. وقد يكون اليوم أحد أمراء “داعش” في الصحراء العراقية السورية.

ذرى الجهاد الثلاث

قد يصحّ اليوم التأريخ لظاهرة الجهاد الاسلاموي، الدولي أو العالمي، بالتوقف في ثلاث محطات متلاحقة بلغت فيها جرائمه المنظمة ذرىً مشهودة وغير مسبوقة، آخرها مقتلة “شارلي إبيدو”.

المحطة – الذروة الأولى نجمت عن جهاد “الأفغان العرب” في أفغانستان إبان الحقبة الأخيرة من الحرب الباردة. فبعد انتهاء تلك الحرب بانهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان “الأفغان العرب” يجاهدون ضد احتلاله أفغانستان، انقلبوا الى الجهاد ضد “الشيطان الأكبر”، أي الولايات المتحدة الاميركية، وقاموا بـ”غزوة” 11 أيلول 2001 الإنتحارية المدوية في نيويورك وواشنطن. خطَّط لتلك “الغزوة” السعودي اسامة بن لادن والمصري أيمن الظواهري، المتأثران بـ”افكار” الفلسطيني عبدالله عزام الجهادية الإسلاموية في “قاعدة” الجهاد الأفغانية، ونفّذها جهاديون سعوديون في معظمهم، بينهم يمني ومصري ولبناني. وأدت المقتلة الى الاحتلال الاميركي – الدولي لأفغانستان الطالبانية، والى تشريد “الأفغان العرب”، وقيام الحرب الدولية على الإرهاب.

المحطة – الذروة الثانية نجمت عن الاحتلال الأميركي لعراق صدّام حسين في العام 2003. فبعد ذلك الاحتلال اتخذ مشرّدو “قاعدة الجهاد” الأفغاني العراقَ “قاعدة” جديدة لجهادهم، بقيادة سليل “القاعدة” الأفغانية، الأردني أبو مصعب الزرقاوي (أحمد الخلايلة)، الذي جعل الأنبار العراقية قاعدته وسمّاها “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” التي استمرت ما بين العام 2004 والعام 2006، وخبتْ واحتضرت بعد مقتل الزرقاوي. شهدت تلك الحقبة ظاهرة الذبح وقطع الرؤوس، وتزامنت مع عمليات جهادية إجرامية شهيرة في متروات الأنفاق بلندن ومدريد. لابست تلك الحقبة أيضاً ظاهرة الرسوم الكاريكاتورية الدانماركية الساخرة من الإسلام ونبيّه في العام 2005. استنهضت تلك الرسوم هبّة إسلاموية عامية في أرجاء العالم الإسلامي وجالياته المهاجرة في أوروبا خصوصاً، ونفخت فيها وغذّتها جماعات الاسلام السياسي وأجهزته كافة، الى جانب أجهزة “دول الممانعة” وجماعاتها الأهلية الموالية لسوريا الأسدية وإيران.

المحطة – الذروة الثالثة نشهدها ونعيشها اليوم متمثلةً في مقتلة “شارلي إيبدو” الباريسية المتناسلة من المحطتين السابقتين، لكن متوسلةً الثأر الإجرامي من رسّامي الكاريكاتور الفرنسيين. وذلك في خضم ظهور “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” المنبعث من مذابح بشار الأسد المستمرة للشعب السوري، ومن سفاح الدولة الملّية الديكتاتورية الإرهابية مع الإرهاب الجهادي الاسلاموي في عراق نوري المالكي وسوريا الأسد ولبنان “حزب الله”، بإدارة دولة الولي الفقيه الإيرانية. هذا السفاح عزَّزه الهجوم الإيراني الاستراتيجي في المشرق العربي من اليمن الى لبنان مروراً في العراق وسوريا، لملء الفراغ الذي أحدثه انهيار الدول الأمنية الاستبدادية العربية في خضم “الربيع العربي” وإطباق الجماعات الاسلامية على ثوراته. نجم عن ذلك كله، سعار الجهاد الارهابي في سوريا والعراق واليمن، جامعاً ما هبَّ ودبّ من الشبكات الجهادية الإرهابية العالمية في “دولة أبي بكر البغدادي” وخلافته الصحراوية بين الموصل العراقية والرقة السورية، وصولاً الى القلمون على الحدود اللبنانية، وتوغلاً في الديار الطرابلسية.

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...