دم وكلمات

 

الياس خوري

يهدرون الدم والكلمات، هذه هي سورية اليوم في عُرف النظام الاستبدادي وحلفائه. فبعد الغارة الاسرائيلية انفجر الرد الكلامي، وبدأ مسلسل اهدار الكلمات. صارت الكلمات جثثا، بينما تحولت اجساد ضحايا البيضا وبانياس، الى كلمات تقول صمت الضحايا وترسم الألم الإنساني الذي جعل من سورية اليوم ارض الوجع والتضحية والألم.

من الصعب ان نلجأ الى تحليل سياسي لهذا الهذر الكلامي الذي ينمو كالطحالب على ضفاف اجساد الضحايا، لأن المطلوب هو تحليل انعدام السياسة، التي تلخص اللحظة السورية الراهنة، جاعلة من سورية ساحة لصراعات القوى الاقليمية والدولية.

قصف قاسيون الذي أشعل سماء دمشق )لم يصدر حتى الآن اي توضيح سوري عن حجم الخسائر او المواقع التي استهدفها(، ليس حدثا استثنائيا، بل هو جزء من سياق اسرائيلي بدأ قبل اندلاع الثورة السورية، واستمر خلالها، وكان جواب النظام كلاماً عاماً عن اختيار زمان الرد ومكانه. لكن قصف ضاحية دمشق تميز هذه المرة بعنفه، وبالكلام السري الذي صاحبه، ما استدعى رداً كلامياً مختلفاً تولاه هذه المرة السيد حسن نصرالله نيابة عن حلفاء النظام السوري في طهران.

بالطبع لم يحظَ ردّ وزير الاعلام السوري السيد عمران الزعبي بأي اهتمام، كما لم يلتفت احد بشكل جدي الى الخبر الذي بثه التلفزيون الرسمي السوري عن قرار فتح جبهة الجولان امام المقاومة الفلسطينية! فهذا النوع من الكلام لا يجدي، لأن لا احد مستعد لتصديق بشار الأسد الذي وصفه افرايم هاليفي، الرئيس السابق للموساد الاسرائيلي بأنه ‘رجل تل ابيب في دمشق، لأن هذا الرجل ووالده تمكنا من الحفاظ على الهدوء في جبهة الجولان طوال اربعين عاما’. كما ان التسريبات التي نشرتها الصحف الإسرائيلية عن رسالة وجهها نتنياهو الى الأسد بأن الضربة لا تستهدف النظام، ولا تسعى الى احداث خلل في توازنات القوى في سورية، وضعت النقاط على الحروف، بحيث تابع النظام وميليشياته الحرب بضراوة ومن دون اي تردد.

لكن تصريحات السيد نصرالله، وقراره بتحويل سورية الى دولة مقاومة مسألة مختلفة. فالرجل الذي قاد مقاومة مديدة ضد اسرائيل، وجد نفسه محشورا في زاوية الصراع في سورية، خصوصا وان تدخل ميليشيا حزبه ومقاتلين عراقيين وايرانيين، زادا من تفاقم المشاعر الطائفية في سورية، كما ان مذبحتي بانياس والبيضا اللتين سبقتا الضربة الاسرائيلية، كي لا نقول تزامنتا معها، حملتا مؤشرات تطهير طائفي عرقي على الطريقة الصربية. وهذا التطهير هو من دون اي شك محل ترحيب اسرائيلي.

أمين عام حزب الله، على غير عادته، استبدل الأفعال بالكلام عن الأفعال. يعلم السيد نصرالله بالطبع ان ثقوب الخطاب الداعم لنظام الاستبداد لا يمكن سترها. كيف يكتشف الآن، وبعد اربعين سنة على احتلال الجولان ان سورية يجب ان تتحول الى دولة مقاومة؟ ماذا كانت سورية قبل خطاب السيد الأمين العام؟ التحالف مع المستبد كان بحجة انه نظام مقاوم ممانع، فإذا بنا نكتشف اليوم انه لم يكن كذلك، وان على حزب الله لعب دور كبير كي يحصل هذا التحول.

طيب اذا لم تكن سورية دولة مقاومة فماذا كانت؟ ام كان على الشعب السوري ان ينتظر اربعين عاما كي يستكمل آل مخلوف نهب ثروات سورية، قبل اتخاذ القرار بالتحول الى دولة مقاومة!

يبدو الكلام عبثيا واهدارا للكلام. المسألة لا علاقة لها بالمقاومة على الاطلاق، وعلى حزب الله، بدل ان يتكلم عن قرارات لن تُنفذ سحب مقاتليه من القصير والسيدة زينب وريف دمشق، ونشرهم على جبهة الجولان، عندها يصير الكلام فعلا، وعندها لا يستطيع احد ان يشكك في ان مقاومة الاحتلال هي الهدف، وان من يريد مقاومة العدو الاسرائيلي المحتل، لا يمكن ان يقبل بأن تتلوث يداه بالدم الطائفي، ويساهم في تلويث سورية بالجريمة.

لقد علمتنا تجربة الحرب الأهلية اللبنانية المريرة ان من يقاوم العدو لا يتلوث بالدم الطائفي، وهذا ما قام به حزب الله لحظة تحرير الجنوب. فكيف تصير الممارسات الطائفية واعمال التطهير المتوحشة التي يقوم بها النظام مدخلا الى المقاومة؟ وكيف يمكن للمرء ان يقبض هذا الكلام المليء بالثقوب، والعاجز عن قول الحقيقة؟

يقولون ان هناك مؤامرة في سورية، وهذا صحيح، يكفي ان نتابع مفاوضات كيري- لافروف كي نكتشف ان علامة المؤامرة الكبرى هي اخراج السوريين والسوريات من المعادلة، كي تستمر حرب تدمير سورية الى ما لا نهاية.

يقولون ان دول الخليج النفطية ضالعة في هذه المؤامرة، وان ايران شريك مضارب فيها، وهذا صحيح ايضا. فدول الخليج تريد وأد الديموقراطية في العالم العربي قبل ولادتها، وتسليم السلطة لقوى متأسلمة تعيد الزمن قرونا الى الوراء، كما ان ايران لا ترى في سورية الا نافذة تتسلل منها الى المشرق العربي بهدف توسيع نفوذها ونشر دعوتها الايديولوجية.

لكن ما لا يقال هو ان ستة أشهر من المظاهرات السلمية الصاخبة في مدن سورية واريافها التي رد عليها النظام بالقتل والذبح والدوس على الأجساد، ستة أشهر لم تحرّك نخوة حزب المقاومة في لبنان، وقوبلت بخبرات ايرانية كي تتحول الثورة الى ركام، مثلما حصل خلال الثورة الخضراء في ايران.

ستة أشهر من الكذب والقتل اوصلت الناس الى اليأس، وتفاقم اليأس مع قيادة سياسية للمعارضة، تميزت بالجهل والخفة وعدم الجدية والاتكال على الدعم الخارجي، والاستسلام للمال القطري، اوصلت الى فراغ سمح للقوى العظمى بتحويل سورية الى ساحة للدمار.

نعم الذي استجلب التدخل الخارجي هو بشار الأسد، والذي سمح لنفسه بالقتال ضد الشعب السوري هو ايران ومعها حزب الله، والذي اضاع الفرص هو المعارضة السورية التي لم تستطع ان تواجه هذا العسف المتوحش بعقلانية صارمة ورؤية جديدة.

كل هذا اوصلنا الى حقيقة سورية لها اسمان:

اسمها الاول هو الدم السوري الذي يغطّي العيون، وينتشر شهادة على الحرية التي يدفع السوريات والسوريون ثمنها مضاعفاً.

واسمها الثاني هو الكلام السياسي المهدور، الذي جعل من الكلمة ممسحة، ومن اللغة لغوا.

ليس بكلام خفيف عن تحويل سورية الى دولة مقاومة يمكن استعادة الموضوع. الموضوع يبدأ حين تكون مقاومة الاحتلال جزءا من بل طليعة مقاومة الاستبداد، ومتحررة من اي اعتبار مذهبي او طائفي.

لكن للأسف، فنحن امام فرصة جديدة ضائعة ثمنها اجساد الضحايا في سورية التي هي الشاهد والشهيد في آن معا.

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...