الرئيسية / كتاب الانتفاضة / صبحي حديدي / رؤيا محمد خضير الخضراء/ صبحي حديدي

رؤيا محمد خضير الخضراء/ صبحي حديدي

 

 

«ما يمسك وما لا يمسك: إنشاءات سِيَرية»، منشورات المتوسط، 2017؛ هو الكتاب الرابع غير السردي للقاصّ العراقي الكبير محمد خضيّر؛ بعد «الحكاية الجديدة»، 1995؛ و«حدائق الوجوه: أقنعة وحكايات»، 2008؛ و«السرد والكتاب: السيرة الذاتية للكتابة»، 2010. وعلى امتداد 33 فصلاً، وشذرات وجيزة هنا وهناك داخل بعض الفصول، يتابع خضير تأملاته في معنى ومستويات «الرؤيا»؛ تلك المفردة التي يحلو له استخدامها على أكثر من وجه، ملموسة مرئية تارة، وغائمة خافية طوراً؛ مسرفاً مرّة في إدراجها ضمن مشروعه السردي الزاخر المتغاير، ودافعاً بها مرّة أخرى إلى عوالم مستقلة عابرة للنوع ومنفتحة على تجارب شتى، ذاتية أو تخصّ سواه.

ليس ثمة سيرة بأيّ معنى تقليدي لرواية التاريخ الشخصي، رغم توفّر عناصر سيرية عديدة، ذات صلة بالمكان والزمان والأمّ والأب والصحبة وأطوار الكتابة وتطوراتها؛ ورغم أنّ حسّ «الإنشاء»، من حول وقائع السيرة، هو الذي يتولى زمام الإيحاء بانسياب المرويات نحو مآلات عرض هذا الطور أو ذاك، في النصّ كما في الحياة، وفي المجاز المنسرح كما في الأحدوثة الصلبة. حتى الفصل الثاني، الذي يسميه «الرؤيا الخضراء» ويعتبره سيرة حياته، فإنه لم يتعدّ ألف كلمة، يعرّفها خضير هكذا: «تصورت حياتي وحياة نصوصي مقاطعَ من رؤيا مشتركة مع سكان بلادي، عمالها وفلاحيها وكسبتها ومثقفيها، مزارعها ومصانعها وأسواقها ومدارسها، وكانت هذه المقاطع تنبثق في صيغة رؤيا، لا أمسك إلا بجزء منها (…) لستُ إذن إلا جزءاً من هذه الرؤيا، مَقطعاً منها، وُلد ونشأ وتعلّم وكتب وقرأ إلى جانب النهر والنخيل».

وكما في كلّ توغّل له في بواطن فنّ السرد، في إطاره المفهومي والفلسفي التأملي، قبل تطبيقاته المختلفة في القصة القصيرة والرواية؛ يجنح خضير إلى رياضة أثيرة لديه، وبهيجة تماماً لدى قارئ مثلي؛ هي استثارة الوشائج القائمة بين القصّ والفنون الأخرى، التشكيلية بصفة خاصة، فيتحدّث باستفاضة عن «المطابقة البصرية» و«السرد التشكيلي»، و«التشكيل السردي»، والاستعاضة عن «لغة الوصف الشيئي» بـ«لغة التوليف البصري»، أو «المونتاج». إنه يحتفي برسوم وشخوص «باقية على سطح اللوحات، وفي زوايا الكتب» و«يتتبع آثارها في خرائب الذاكرة وأطلال الوجدان». يبدأ بملاحظات سيزان عن تفاحاته، فتنقله هذه إلى رواية فؤاد التكرلي «الوجه الآخر» حيث الحصان المحتضر؛ وإذْ يقارنها بلوحة فائق حسن، فلكي يسارع إلى الرسام الأمريكي أندرو وايث في «عالم كريستينا»؛ ومن جيكور بدر شاكر السياب، إلى حانة سركون بولص، ليس دون استرجاع غراب إدغار ألن بو، أو حيرة محمود البريكان أمام أسطوانات سترافنسكي…

مدهش، إلى هذا وذاك، أنّ خضيّر لا يتردد في الإصرار على الانتماء إلى الواقعية، الأمر الذي يعني أيضاً منح مخيّلته «حقّ أن تذهب إلى الحافة الخطرة للواقعية»، وإثقالها بواجبات وأعباء ذلك الحقّ. ولعلّ التجسيد الأمثل لتلك «الحافة الخطرة» هو عمل خضيّر الأشهر «بصرياثا ــ صورة مدينة»، 1993، الذي أعاد تمثيل مدينة البصرة ضمن رؤى استبصارية وتمثيلات حُلمية ومجازات أسطورية استثنائية حقاً، تعيد تذكيرنا ببهجة استحضار الوشائج بين الفنون. ثمة تخييل حرّ، ولكنه يغرف من الواقع والتاريخ والخرافة السائرة على الألسن، كما يعتمد على التسجيل الوثائقي؛ وثمة لغة شعرية عالية، تساهم في بسط أو تكثيف مشهد روائي، تماماً كما تفلح في تجزئة بعض عناصره بهدف صناعة مشهد يوحي بالقصة القصيرة؛ وثمة تقطيع سينمائي، وحصر للحركة في إطارات مسرحية، وتنفيذ بارع لصيغة الرواية داخل الرواية.

وفي رسم المدينة على هيئة صُوَر، يستعيد خضيّر سدوم وعمورة (في باب الانحراف)، وروما (في باب الجبروت)، وطروادة وقرطاجة (في باب الخراب). وهو لا يكفّ عن تقديم الصورة المزدوجة المتواصلة، الناجمة عن المزج بين المدينة الفعلية والمدينة الأسطورية، منطلقاً من مسلّمة مدهشة مفادها أنّ المدينة الحقيقية لا يمكن أن تكون أسطورة في حدّ ذاتها، وإن كانت تستحوذ على عناصر الأسطورة. وأمّا ردّ فعل المخيّلة البشرية على مدينة كونية فعلية ومجازية مثل بصرياثا فهو يتمثّل في أنّ الفنّان لا يحاكي ما يراه في المدينة، ولكنه يجعل ما يراه وسيطاً حوارياً مع طراز من التركيب المجازي قائم في ذهنه.

وفي محاضرة تعود إلى سنة 1987، نُشرت بعدئذ تحت عنوان «ذاكرة العطار»، طالب خضيّر مستمعيه بأن يتأملوا سلسلة مشاهد راكدة: طريق ترابية بين حائطين طينيين يتلويان في أعماق بستان نخيل، جدول ضيّق تزاحم الأعشاب مجراه وتغمره الظلال، جذع شجرة معمّر رُبطت إليه القوارب مراراً فتركت في لحائها جروحاً غائرة، طبل يُقرع طوال الليل في زاوية مجهولة بالمدينة، دكان عطّار مزدحم بالعلب المغبرّة… وعلّق خضيّر على هذه السلسلة: «أضيفوا ما شئتم من مشاهد، أما أنا فقد عثرت على بغيتي في المشهد الأخير لأنه ملائم لوصف الفنّ الصغير القصير. فلا أكبر من دكان عطّار هي ذاكرة القصاص وقد اختلطت فيها روائح الأعشاب والبذور والزيوت».

ولا عجب أن يعلن، في العمل الجديد هذا: «وقعت أسيراً في قبضة الرؤيا الخضراء التي ستشيعني موسيقاها الجنائزية حتى القبر، وتخصّب عظامي بدورها»!

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تفريغ المجال العام: لغة مقدسة ومجاذيب!/ مهاب نصر

    1 واحد من المؤلفات المثيرة للتأمل كتاب الباحثة الإيرانية نيلوفر حائري “لغة مقدسة ...