صفحات سورية

بخصوص فلسطيننا وفلسطينهم


(على هامش بيان المثقفين السوريين اللبنانيين)

محمد دريوس

عبر العقود التي تلتْ استقلالَ معظم الدول العربية، ما أقيل منها عنوة وما أحجمت الخرائط عن تبنيه، خاصة المنضوية تحت ركاب وركب القومية كاستبطان ما يستبطن، أي الدول التي شكّلت أساطير القومية العربية والوحدة العربية، رافعة ثدي استحكامها بالشعوب العربية على شاطئي دجلة مرة أو في الدلتا المنكوبة مرة أخرى، جرى استخدام المفاهيم آنفة الذكر، كقافلة مشّاءة مثّلت حجر رحى لقضية مركزية تدعى القضية الفلسطينية، أو القضية المركزية للعرب كما تطلق عليها المنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الاشتراكي على رمال المتوسط، وكما تبنتها أيضا مقررات غير مؤتمر قمة حين كان لمؤتمرات القمة رصيد يُرصد، عنوان برّاق وسارية مشرعة تأخذ من العنف الثوري مأخذا جمّا وتصبّه في المكيال الذي يجب أن تؤول إليه كل النضالات المتاخمة لآونة الحل العنفي، كل الزنود وكل الجهود من أجل المعركة، هكذا كان يصرخ ضباط كوبونات البنزين، في العراق وفي شام النبض المتواتر وأيضا على لسان من رغب مرة برمي اليهود في البحر طعاما لسمك الأيام. لكن عقودا أخرى هي نفس عقود النضال القومي (بدأت ببهارها وانتهت بصحون طبيخها) أفضت بقدرة حواة السفارات المحمية وضباط الارتباط وسفراء الأمر بمعروف الرؤساء/الموظفين، أفضت إلى استبداد ليس بعده استبداد، فتموضع حماة الكرامة العربية كحرس حدود ودرك وخفراء جمارك في الآونة المعترف بها أخيرا، خدمة للجار ولجار الجار.

سنين من نصرة الحق العربي بيساره الفلسطيني ويمينه الانعزالي، من لدن أصحاب الرسائل الخالدة خلود اليأس بمرتباته السورية والعسف ببواطنه الرافدية، سواء أكانت النصرة من تحت باط أنظمة بجيوش منظمة وسلاح سوفييتي وجبهة وطنية ودور بغاء أو أحزابا شبه إلهية بصواريخ محلية الصنع ورطانة فارسية، لم تثمر إلا فقدانا أعمّ وضياعا أوفر، وما رفضه العرب في العام1947 أصبحوا يتسوّلون عِشره في العام2000، كناية عن الحق الذي لا يموت وخلفه مطالب، ( اقرأها: تاجر).

ألم يحن الوقت إذن أن يعاد النظر، أو أقله ينظر بدقة، إلى ما تطلق عليه صحافات المأزق الثوري بالقضية المركزية، أليس من الأجدى أن نعيد مفردات الهمّ الوطني إلى همّها، أليس الألم البشري مشابه، على جنبات العالم ، أم أن همّ العربي مقدس كسلالات حكامه، يورّث كبيض الحمام.

الأمثلة ماثلة أمامنا كعنب أيلول:

طريق تحرير القدس مرّ من جونيه في غابر أزمنة فتح لاند ويمرّ الآن من جسر شغور الشقيقة نفسها كما أمل البعض أن يمرّ من ميدان التحرير، لكن الحقيقة لا ترتدي قبعة اليوم، ففي ثورة يناير المصرية لم يعن المصريون، لا بقليل يعوّل عليه ولا بكثير يبهر، طبيعة العلاقة مع إسرائيل من جانب أنها عدوا سرمديا، لا يصافَح ولا يُلقى عليه سلام الله، يجب أن نعترف بهذه الحقيقة المغايرة لما صدعت به ألواح أكتافنا أدبيات القومية العربية، كان المطلوب إعادة النظر باتفاقية كامب ديفيد وبعقود الغاز المبرمة بإجحاف غير المأسوف عليه الرئيس مبارك لا أكثر ولا أقل، أي أن الخلاف في جوهره اقتصادي وليس إيديولوجي أو ديني أو جحيمي، وجاء الهجوم على السفارة الإسرائيلية وتحطيم الجدار العازل، كرد فعل على مقتل جنود مصريين في سيناء وتقاعس المجلس العسكري عن فعل ما يُفعل في آونة مشابهة، هذا في مصر، أما في سوريا وبعد ستة أشهر من الثورة السورية القائمة حتى الساعة، لم يعن أحد من المعارضة السورية أو اتحاد تنسيقيات الثورة بإشهار العداء لإسرائيل، ( لنضع جانبا هرطقات خدّام عن السلام القادم في حال توليه الحكم على أفضلية براميل النفايات التي أدخلها بمعونة ذوي المعونة) وكذلك في اليمن وليبيا، لا أريد التشكيك في وطنية الشعوب العربية المنتفضة على عهود الاستبداد، ولا أريد تخريف الربيع العربي الحالي والقادم، لكن القضية الفلسطينية لم تكن القضية رقم واحد بالنسبة لملايين المقهورين، القضية الأهم، القضية المركزية بالنسبة لهم هي التخلص من حكام مستبدين ساموهم عذابا على مر عقود، ولاحقا يتم النظر في هذه العلاقة في ما يخدم مصالح الشعوب المنتفضة لا حكامها، ذلك أن مصر حرة وسوريا حرة ويمن حر وليبيا حرة وتونس حرة هي أقدر بعشرات المرات على نصرة القضية الفلسطينية مما لو بقيت تلك النظم المستبدة على رأس البلاد والعباد.

والشعوب العربية بما تملك من وعي فطري، تستشعر أن ثمة تحالفا غير معلن، تحالف أرسته تقارير المخابرات بفروعها المختلفة وإملاءات السفارات الغربية، تحالف مستتر بين أنظمة الممانعة تلك والنظام الصهيوني، ذلك أن النظم الطاغية في جوهرها متشابهة أكانت أنظمة ملكية أو جمهورية- ملكية أو عنصرية – دينية.

والتحالف ينشأ طالما تساهم تلك الأنظمة بتعويم بعضها البعض وضمان سيطرتها على مختلف البلاد، فلم تكن تلك الكيلومترات المكونة لمزارع شبعا والتي يملك بعض فلاحي قريتي أكثر منها مساحة سببا لتحطيم بنى البلد الصغير لبنان كما أن الخمسة أمتار التي رفضت إسرائيل الانسحاب منها وأدت لتوقف مباحثات السلام بين سوريا وإسرائيل في العام2000 لم تكن سببا بدورها لتعطيل حياة ثلاثين مليون بشري يشكلون سكان منطقة الشرق الأوسط، لب الأسباب وعصير رمّانها هو إبقاء جذوة الصراع مشتعلة لضمان بقاء تلك الأنظمة مهيمنة على مقدرات تلك الجغرافيا القلقة، في الجنوب اللبناني وفي فلسطين المحتلة وفي الجولان السوري، وجهان لعملة واحدة هي العنف، يغذي أحدهما بقاء الآخر ويؤدي زوال أحدهم تلقائيا لزوال الآخر.

ثمة من يهاجم الدولة الفلسطينية الناشئة أو التي في طور النشوء، وثمة من يرى أن الأنظمة المسمّاة ممانعة تخدم فلسطينه، ثمة من يستلذ بإبقاء العنف، وإذ لا يدفع ثمنا لذلك طالما يعيش في المنفى الأوروبي، فلا بأس من المطالبة بحروب تحريرية أخرى، وثمة من لا يرى في اليهود سوى جنودا وقتلة رغم أنه يهاجم بالشعوبية من لا يرى في فلسطينيي مخيمات الشتات في لبنان وسوريا وفي الأرض المحتلة أكثر من متعاطي مخدرات وحملة شعارات عنف وتكفير، يتساوى في ذلك الجميع، ألا يرى أحد أن في اليهود أيضا من هم ضحية نظامهم العنفي العنصري مثلما أن السوري والعراقي والمصري هم ضحايا ذات النظام وإن بلسان عربي مبين.

الكل يتحدث عن همجية الغرب ( إسرائيل ضمنا) ولاديموقراطيته واستعماره الجديد ورغبته بالسيطرة على منابع النفط وبيارات الليمون وكأن تلك المعرفة بمساوئ الغرب تجعلنا ملائكة لا أقل، لم نسمع أحدا يرفع عقيرته بنصرة الإنسانية حين كان الكرد يُقصفون بكيمياء الأب القائد، ذلك أنهم أكراد، ليسوا عربا، لم يجدوا في الحرب العراقية الإيرانية إلا نصرة للحق العربي من براثن الفارسي، متجاهلين مئات آلاف القتلى الذين خلّفتهم الحرب، كل العرب استثمروا في القضية الفلسطينية وكل العرب لا يريدون لهذه القضية أن تنتهي، يريدونها مشتعلة لأن في ذلك ضمان بقاءهم وضمان بقاء سيطرتهم على الماء والهواء والعنصر الآدمي، يسحب النظام المصري لحاف منظمة فتح نحوه ويشد السوري ببساط حماس وبين هذا وذاك، يستمر القتل ويستمر الجرح الفلسطيني في الداخل نزفا وجوعا وثمة من يريد، إلى هذه اللحظة، كفاحا مسلحا وعنتريات كما أفاد أحدهم بما معناه في جريدة الأخبار اللبنانية 22-9-2011، يشبه في ذلك بعضا من المعارضة السورية التي في الخارج والتي ترفض الحوار جملة وتفصيلا مع النظام السوري، لأنها ببساطة لم تدفع دما، لم تفقد قريبا أو أخا، لم تر الحرب الأهلية تظهر براثنها في سوريا وتستعد أكثر من أي وقت مضى لأن تشتعل، يريدون إسقاط النظام وإعدام الرئيس من دون محاكمة حتى، أما كيف سيسقطون وكيف سيعدمون وكيف هو شكل النظام الجديد فلا رأي واضح هناك، إسرائيل هي أكثر الدول دفاعا عن بقاء الأنظمة المستبدة في العالم العربي (ومن ضمنها المقاومات الدينية المشابهة)، لأنها تشبهها من حيث الجوهر، أنظمة عنصرية دموية فاشية، أما آن لنا أن نتخلص من تلك السلالات السرمدية التي أنشأت تحالفاتها مع الاستبداد في كل مكان وزمان، أما آن لنا أن نتفحص تلك القضية المركزية لنعرف أن فلسطين للفلسطينيين فقط مثلما سوريا للسوريين ومصر للمصريين والعراق للعراقيين لا أكثر ولا أقل وإن تدخلا من هذا النوع يحولنا إلى أفغان جدد، وأن أي طرح غير هذا هدفه صرف النظر عن القضية الأساسية : الحرية، والتخلص من حكم الإقطاع السياسي بلاحقاته الجمهورية، نتفاعل مع القضية الفلسطينية وننصرها لكننا لسنا فلسطينيين أكثر منهم، نرضى بما يرتضوه لأنفسهم، والثورة السورية تعني إعادة الصواب السوري إلى الصواب السوري وليس للصواب الفلسطيني والثورة المصرية تعني إرجاع حق المصري في نيله وسيناه وكرامته المهدورة على يد صاحب الفخامة وابنيه، لندع تلك الأوهام العروبية جانبا، لندع الأساطير المؤسسة للقومية العربية بتفسيرها العفلقي وترجمتها الصدّامية والأسدية، خطب تفيد استثمار الباقي من النَفَس السوري والعراقي والفلسطيني ووو، لا عروبة حقا إلا بسورية حقّة ومصرية حقّة وفلسطينية حقّة.

عندما سترفع الثورة السورية علم فلسطين سيكون هذا بداية لانحرافها عن مسارها القويم وإعادتها إلى الحظيرة الشوفينية، حظيرة ذوي الطبول ولا دبكة.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى