الرئيسية / كتاب الانتفاضة / زين الشامي / رسالة من داخل سورية: هكذا نعيش… هكذا نفكر… هذا ما نحلم به

رسالة من داخل سورية: هكذا نعيش… هكذا نفكر… هذا ما نحلم به

 زين الشامي

منذ أيام وصلتني الرسالة التالية أو «الإيميل» من أحد الاصدقاء من دمشق أنقلها حرفيا للقراء، أفعل ذلك لأن النظام في دمشق منع وسائل الإعلام العربية والدولية كافة من دخول الأراضي السورية، أعتقد أنه من المهم أن نسمع اولئك الشبان الذين يشاركون في التظاهرات الاحتجاجية كل يوم تقريباً، ويتعرضون لظروف قاسية، لكنهم رغم ذلك لم يتخلوا عن حلمهم الأول والأوحد… بناء سورية حرة ديموقراطية لكل أبنائها.

«الصديق والأخ أبو… المحترم

في البداية ابلغك تحيات أبورياض وأم رياض وأبو ثائر وأبو محمد، أم ثائر ولدت بنتا، أنت تعرف أنها منذ زمن كانت تحلم بأن تلد بنتا بعد أربعة صبيان، هي بخير والبنت تشبه أبيها، عيونها ملونة، ووجهها أبيض مثل الثلج، سبحان الله على هذه الخلقة. دائماً نتذكركم وأنت في البال.

لكن ما هو مؤسف هو أن أم رياض، وبعد استشهاد وجدي في التظاهرات وصورته لا تفارقها، أحياناً تستيقظ في الليل فيما الجميع نيام لتتحدث عن حلم رأته عن وجدي، وأحياناً نضع الطعام فلا تأكل، ننظر إليها، نعرف ماذا تفكر به، نصمت جميعاً ونتوقف عن الطعام، نحن نعرف أن المرحوم خطر على بالها، هو دائماً في بالها، لكن حصل آخر مرة أننا وبينما كنا نعد طعام الإفطار وكان الجميع صائماً، وبينما كان رياض يحمل أبريق الماء، قالت أم رياض فجأة: «أخاف أن يكون وجدي في ذلك اليوم قد استشهد وهو عطشان، كان الطقس حاراً وكان مع زملائه وأصدقائه يتظاهرون، أنا متأكدة أنه كان عطشانا حينما أطلقوا النار عليه». هذه الجملة جعلتنا جميعاً نصمت ونتوقف عن تناول الطعام، اغرورقت عيوننا جميعاً.

لا أريد أن أزعجكم لكن أريد ان اضعك بصورة ما يحدث، أنت تعرف أنك من العائلة ولست غريباً. لكن بصراحة أبو رياض، ما شاء الله عليه، عنده صبر وقوة إرادة لم أرها في رجل في حياتي. أحياناً أشعر أن أعصابه من حديد، منذ استشهاد وجدي وكلما أتى أحد معزياً، أو كلما فتحت السيرة، تراه مبتسماً، فخوراً، معتزاً بما حصل، ويقول أنا متأكد ان دم ابني لن يذهب سدى، علينا أن نضحي من أجل حريتنا، وإن لم يستشهد ابني او ابنك او ابنه، فكيف سنحصل على حريتنا؟ هل تصدق أن أباً في الدنيا يتحدث عن ابنه بهذه الطريقة! أنت تعلم أن أبو رياض رجلاً طيباً وغير مسيس، لكنه صار يتحدث كما لو أنه رئيس حزب، أو كما لو أنه قائد في هذه الثورة.

منذ أيام ذهبت أنا وأبو ثائر لعند الشباب في السوق، مررنا عليهم واحداً واحداً، وضعهم في غاية السوء منذ أشهر بسبب الاوضاع، الله وكيلك انهم يفتحون محلاتهم في اليوم ساعات قليلة فقط، وخلال هذه الساعات قلما ترى زبوناً واحداً يأتي ليشتري شيئاً، أنت تعرف أن أوضاع الناس في غاية السوء منذ الأحداث، بصراحة ما حدا معه نقود، والمخابرات والأمن والجيش في كل حارة وشارع، يعني حتى لو في مع الناس نقود، فهم لا يستطيعون التجول والتحرك بسهولة، يعني إذا خرجت لتشتري خبزاً مثلاً، فإنك ستمر على كذا دورية مخابرات وسيسألونك من أنت وأين بطاقتك الشخصية ومتى سترجع وهل تعرف أحداً من (المتظاهرين اخوات الشـ… يللي بدهم حرية) وغيرها من الأسئلة والعلاك والاستفزاز. المهم، أني وأبو ثائر ذهبنا إلى السوق، تحدثنا مع الأصدقاء والأحباب وأولاد الحلال وقلنا لهم ماذا سنفعل، وكيف سنساعد الأسر الفقيرة في رمضان، أنت تعرف أن هناك أسراً كثيرة لا يوجد عندها معيل، وإذا كان موجوداً، فربما عمله متوقف بسبب الأحداث. وفوق ذلك هناك أسر فقدت شباناً خلال التظاهرات، يعني أوضاعهم في الويل، وهم يصومون لكن لا يوجد في بيوتهم ما يفطرون عليه. سألنا الشباب في السوق عن مساعدة مالية، وإن يكن هناك امكانية فمساعدة عينية، يعني برغل، سكر، رز، طحين، شاي، كم حبة بطاطا… بصراحة كنا وقبل أن نذهب اليهم، خائفين من الاحراج، يعني صعب كثير في هذه الظروف أن تسأل الناس عن مساعدة، لكن قلنا في أنفسنا، لنحاول والله لن يخيبنا أبداً.

هل تعرف أن الجميع ساهموا وأعطوا من جيوبهم ما تيسر وما اقتدروا عليه، هل تعلم أن أحدهم لم يستفتح ذلك اليوم ولم يبع بيعة واحدة، لكنه رغم ذلك أخرج خمسين ليرة من جيبه وأعطانا إياها، أنا أعتقد أنه لم يكن يملك غيرها، لقد قرأت ذلك في عينيه.

المهم أننا جمعنا مبلغاً معقولاً، ومساعدات عينية تكفي لعشر أسر تقريباً، بحيث يأكلون لمدة يومين أو ثلاثة، وبدأنا ندور في اليوم التالي على المنازل… هل تعرف الحاجة أم صالحة التي توفي زوجها ومنذ خمسة أعوام وهي تعيش وحيدة؟ لقد رفضت أن تأخذ منا شيئاً وقالت انه هناك من يستحق أكثر منها، أنت تعرف كم هي فقيرة وطاعنة في السن ولا مورد ولا معيل لها.

نسيت أن أخبرك أننا كنا نسأل حين جمع المساعدات عن الشمع، أنت تعرف أنه في أغلب الأحيان الكهرباء تكون مقطوعة، كلما نزل الشباب الى التظاهر يعاقبونهم بقطع الماء والكهرباء، وأنت تعرف أن الحرارة عالية جداً، لكن الناس تعودت وتستطيع التحمل، لكن الشمع انفقد من الأسواق ولا يمكن للناس أن تعيش في الظلام.

الجمعة الماضية، قررنا أن نتحداهم، قررنا أن نتظاهر في حي البعلة، أنت تعرف أنه يقع بين القابون وحرستا، قلنا ان الأمن والمخابرات إذا ما عرفوا بالمظاهرة فسيلحقوننا، عندها سيتركون الشوارع المتمركزين فيها في القابون فنكون قد خففنا قليلاً عن أهل القابون، لكن أولاد الكلب عرفوا بعد نصف ساعة ولحقونا لهناك، أطلقوا النار علينا لكن لم يقتل أحد، فقط شاب من بلدة حفير الفوقا، تحداهم ووقف على مسافة قريبة، فأطلقوا عليه رصاصة، أصابوه في رجله، حملناه بسرعة ولم نسمح لهم بأسره رغم أنهم أطلقوا النار علينا لكن الحمد لله عدت على خير.

بالنسبة لأحمد… فهو اليوم هارب، ينام في البساتين، لقد ألقوا القبض على خالد ونخاف تحت التعذيب أن يخبرهم باسمه، عبد السلام ومالك، لا نعرف عنهما شيئاً، سمعت أنهم ينامون في دوما عند أبو حسام، أما رياض فهو لا يزال ينام في الورشة مع أبو خالد. هناك في الورشة التي تعرفها نخطط اللافتات يومي الأربعاء والخميس ونحضرها ليوم الجمعة، كنا نعاني من مشكلة نقص الدهان، فاقترح علينا وسيم أن نشتري سائل تلميع الأحذية «بوفالو»، أنت تعرف أنه رخيص ومتوافر ولا يجعل الأمن والمخابرات يشكون فينا إذا اشتريناه أو وجدوا كم علبة منه معنا، هذا وسيم ذكي وملعون بطريقة لا تعقل، مرة كنا في المظاهرة في شارع النهر في القابون، وكان هناك حوالي شخصين أو ثلاثة مدسوسين من المخابرات بيناتنا يصورون وجوه المتظاهرين من أجل التعرف عليهم لاحقا ثم القبض عليهم، هل تعرف ماذا فعل؟ أتى وأخبرنا، واقترح أن نطوقهم بالعشرات ثم نسرق منهم الهواتف ونضربهم كم كف ونطلب منهم أن يخبروا معلمهم المسؤول عنهم أننا كاشفون كل شيء، وبالفعل، طوقناهم من دون أن يشعروا بنا ثم أخذنا الموبايلات، وقلنا لهم انقلعوا يا خونة من بيناتنا، يا عيب الشوم عليكم، يا عيب الشوم يللي ما عندو ناموس وأخلاق ودين، لكن الملعون وسيم كيف عرفهم وميزهم من بين كل الناس أنا نفسي ما عرفت!

لن أطيل عليكم، الناس هنا بخير، ونحن صدقني متفائلون، بس الناس بصراحة (عتبانين) على الدول العربية والإسلامية، بس مو معولين أو سائلين على الدول الغربية كثيرا، وبيقولوا بين بعضهم، مو مشكلة الله وحده معنا وهذه بلدنا وما راح حدا يبنيها ويساويها غيرنا.

سلامي للجميع، ونشكرك على المساعدة، واعلم اننا سنلتقي قريباً حين يسقط النظام، وإذا حصل، وشرفنا الله بالشهادة، فربما نلتقي بالجنة، لكن لا تنسى كما قلت لك، إن حصل لي شيء، فالأولاد أمانة برقبتكم، كذلك إن سجنت، فاعلم أني لن أتكلم كلمة واحدة حتى لو قلعوا قلبي من مكانه أنا بعرف أساليبهم، كم يوم تعذيب وبعدين بملوا مني.

كاتب سوري

الراي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

81 − = 78

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...