الرئيسية / صفحات الرأي / سلطويات الذات الاغترابية ونزعتها النيرونية

سلطويات الذات الاغترابية ونزعتها النيرونية


ماجد الشيخ

لا تختلف السلطة – أي سلطة – في مبناها ومعناها وبنياتها التأسيسية ومآلاتها النهائية، عن محاولتها التأسيس وحيازة سلطة مطلقة، ونزوعها إلى مستويات من العنف، والتلويح بالقوة بشكل دائم؛ قوة القهر والغلبة، في مواجهة الناس المحكومين لقوة قهر النظام السلطوي، وهو يمارس وظيفته الوحيدة التي يجيدها: قمع كل ما يتهدد سلطته أو يسعى ليكون بديلها. وما اختلافات السلطة في إطاراتها المعروفة والمتداولة، أو تلك التي يمكن اكتشافها في لحظة سياسية تاريخية معينة؛ سوى اختلافات في الدرجة والنوع من القمع وممارسة العنف السلطوي الذي يعتبر ضرورة من ضرورات حيازة السلطة، والتأكيد الدائم على هذه الحيازة، وذلك عبر ممارسة كل ما يُشعر هذه السلطة بقوتها أولا، وعبر إيلام المقموعين وسماع صرخاتهم، وتجاهل آلامهم بنوع من قسوة؛ هي من صميم ممارسة السلوك التسلطي، بعدم الالتفات إلى الخلف، لرؤية الضحايا يألمون، بل من أجل رؤية ما فعلته القسوة التسلطية، وردود أفعال الضحايا، بالخضوع لآليات القمع والترويع التي تستهدف تحقيق استجابات واسعة، لمآلات الطغيان التسلطي الفردي أو الجماعي.

القالب السلطوي الغالب

وهنا.. لا يختلف ما يجري في اليمن عما يجري في ليبيا، أو ما جرى وقد يجري في العديد من بلدان الثورات الشعبية العربية والحراكات الشبابية والمجتمعية، وهي تؤسس وتتأسس في مواجهة انحباسات الأنظمة واستعصاءاتها على التغيير أو الإصلاح التقليدي، أو الدمقرطة، أو أي من إنجازات ذات طابع تاريخي مستحقة منذ زمن طويل، وأطول من أعمار بعض هذه الأنظمة الوارثة سلطتها من سلطة الاستعمار الاحتلالي، كالتباس وتماه فظيع، حوّلت ذاتها إلى “ذات إغترابية” حلّت وانحلّت في ما صارته تلك الأنظمة؛ كسد كبير هو الحاجز المانع الذي استعصت بفعل وجوده المادي والمعنوي، كافة مسائل الإصلاح والتحديث والديمقراطية والبناء والتنمية المستدامة، وكل ما يدفع بالمجتمعات والدول لتخطي حواجز الجمود والثبات، بل والارتجاع والارتباط بالماضي القروسطي، الذي لم يقدم لها سوى نماذج باهتة ومعيارية من سلطات هلاك استبدادية، أهلكت الزرع والضرع والأجيال التي تعاقبت، ولم تترك سوى بصمات مخيفة، كاستدلال على فظاعة ما يمكن أن ترتكبه، من ارتكابات القمع والعنف السلطوي والإبادات الجماعية الإجرامية ضد شعوبها، كلما شعرت أن سلطتها تتعرض إلى مخاطر التغيير أو الإطاحة، أو حتى اهتزاز استقرارها و”ثوابت” سياساتها “المقدسة” في نظر ذاتها، وفي نظر “جمهورها” الزبائني الأكثر قربا واقترابا من مفاسدها المعروفة.

في النماذج التي نراها تتمظهر أو تتجسد اليوم على مسرح الإقطاعيات السلطوية، ليس هناك كبير خلاف أو اختلاف، بين نظام وآخر، حيث القالب السلطوي الغالب، يؤكد على واحديتها في ممارسة الكذب، والتضليل، والخداع، والاحتيال، والنهب، والفساد والإفساد، وأحاديتها في توسل حروب الإبادة الجماعية، واختلاق مسببات تدفع نحو ابتداع العديد من أشكال الفتن التي يجري اختراعها واختلاقها، وكأنها مستوردة بفعل أو أفعال عوامل خارجية، أو بفعل عوامل داخلية، لكنها “معادية” وهي إما مدعومة من الخارج أيضا، أو من قبل قوى إقليمية تصطف إلى جانب محور آخر من محاور القوى المهيمنة في فضاءات هذه البلاد المنكوبة، المحكومة لاستبداد مقيم، أقام ركائزه منذ أن نشأت سلطة الإقطاعيات الحاكمة؛ بدءا من بيروقراطيات الانقلابات العسكرية، وصولا إلى ممالك الأسر والعائلات “المالكة” التوارثية وجمهورياتها وجماهيرياتها الخاصة. وها هي تدافع عن ذاتها المتضخمة بتخمة الجنون المرضي، وفصاماتها التي افتقدت وتفتقد لأي إحساس بآلام ومعاناة الآخرين، أو حتى أي إحساس بالمسؤولية عما يجري من ترويع المواطنين، ونهب وتدمير كل ما حوته وتحويه البلاد من ثروات وإمكانيات، على اعتبار أنها الأملاك الشخصية للطاغية؛ الموهوم ببناء تلك البلاد، الممتلئ بنرجسية التملك؛ إلى حد استعداده والبدء بتدمير كل شئ قبل أن يرحل، مثل طفل لا يريد لأحد غيره أن يستفيد من لعبته، فيدمرها قبل أن تؤول إلى غيره.

مفاسد السلطة

السلطة مفسدة، هذا ما تقوله الأدبيات السياسية على اختلافها، لكن السلطة الاستبدادية وإقطاعييها في بلادنا، هي مملكة الممالك الأشد خصوصية، هي مملكة الذات السايكوباتية، الأشد خصوصية في اتجاهات وتوجهات نرجسيتها، لجهة حيازتها واستملاكها. وكل ما يمنع أو يمانع في تحقيق هذا الهدف، لا يمكن اعتباره أو التعاطي معه إلاّ كعدو، حتى في حالة القرابة من قبيل أن يكون شقيقا أو حتى ابنا للطاغية، فالطغاة لا يقيمون كبير وزن أو اعتبار لعنصر القرابة، على أن طاغية كنيرون وهو يحرق روما، لم يلتفت إلى مجموع قراباته التي احترقت، كما احترق الآخرون. وكذا نيرون ليبيا لا يلتفت اليوم إلى ما يحترق في ليبيا، طالما هو يدرك أنه برحيله عنها، فلا يجب أن يبقيها على ما كانت، أو على ما صيّرها هو، حسب تهويماته المرضية؛ بل هو يريد أن يحوّلها إلى مجرد “خردة” محترقة، بمعنى إعادتها إلى ما كانته يوم انقلابه، يوم استعاد نظامه زمام مبادرة إعادة الاحتلال الفاشي لليبيا ولو من صنع يديه. أما نيرون اليمن فهو الآخر وإذ يتذرع بشرعية دستورية مزعومة، كوسيلة لقتل اليمنيين في الشوارع، في محاولة منه لاغتيال شرعية الميادين والكومونات الشعبية، فلأنه يريد قتل كل شرعية بعده. وليس صحيحا أن الشرعيات الشكلية المفروضة بقوة القمع والترويع لاستبداديات الإقطاع السلطوي الحاكم في بلادنا اليوم، يمكنها أن تدوم، لتديم معها استبداد المفاسد السلطوية كقيمة عليا لـ “فضائل” الشرعية المزعومة.

سلطات بونابرتية

إن قراءة السلطة/ السلطات الحاكمة لواقع حال أنظمتها السياسية، كما وردت وترد في خطاباتها، لم تتأسس على قواعد سياسية، وهي التي طالما غيّبت السياسة، بل دمرتها مع تدمير وحدة مجتمعاتها أو تفجيرها من داخلها، بقدر ما أسست وتؤسس لمعالجات أمنية وعنفية، عمادها رفض الإصلاح، رغم تشدقاتها اللفظية ووعودها العرقوبية بإصلاح غائب، ترقيعي وشكلي في الغالب، حيث لا وجود ولا حضور لنيات حقيقية في إجراء تغييرات هيكلية وبنيوية، تعيد ترتيب أولويات الحياة السياسية والثقافية لشعوبنا، بعيدا من أيديولوجيات التغييب والتشويه، فكيف يمكن التخفيف من احتقانات الشوارع وانتفاضاتها الشعبية العارمة؟ في ظل إطلاق شرارات الحرب الأهلية أو التهديد بها، وإثارة نعرات الفتنة من جانب أنظمة كهذه، وإطلاق يد عصابات البلطجة و”الشّبيحة” والميليشيات التابعة لأجهزتها الأمنية وما يسمى “حرسها الجمهوري”؟؛ هذا كله لا يؤشر إلى إمكانية الوصول إلى حلول سياسية لمعضلات مجتمعاتنا ودولنا المغيّبة بفعل فاعل سلطويات الأنظمة النيرونية الحاكمة.

وهكذا بتنا نقف أمام هلاكي تلك المقولة البونابرتية: “أنا السلطة والسلطة أنا” أو الحرب الأهلية. السلطة أو الفتنة الطائفية/المذهبية. السلطة المقترنة بالاستبداد أو الفوضى. السلطة العاصية أو الثورة المضادة التي تعيد الاعتبار لقوى دينية متخلفة، إرهابية الطابع دورا وطبيعة وطبعا، كاحتياط دائم لقوى الثبات القروسطي المعادية للدولة المدنية، أما تماهيها وحنينها للدولة الاستبدادية، فهو يماهي حنينها لدولتها الدينية؛ دولة ثيوقراطية توتاليتارية في شموليتها، وحينها لا يهمها إن بقي الطاغية يمارس يوميا أشكالا مختلفة من سلوكيات نيرونية، تضاهي نيرونية النزعات السلطوية واغتراباتها، أما رحيله؛ فخسارة مؤكدة لها ولأوهام إقامة دولتها المزعومة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...