الرئيسية / صفحات سورية / سوريا إلى أين

سوريا إلى أين

 


فرزند عمر

لا بد أن سوريا إلى أين سؤال يجول في ذهن كل مواطن سوري في هذه اللحظات .

الكل يمتلك مساحة من الخوف تحتل الجزء الأكبر من الجواب الخوف من حرب أهلية الخوف من القاعدة و الاسلاميين الأصوليين الخوف من الفوضى الخوف من الدماء الكثيرة الخوف من الخوف نفسه .

هذه المخاوف لها مبرراتها بلا شك فالتشكيلة السورية لها خصوصيتها و الخصوصية هنا لا تتداخل بأي شكل من الأشكال مع المدلولات المراد لها من قبل النظام القائم في سوريا عن أنها في منأى من التحولات الجذرية التي تشهدها المنطقة برمتها إنما مدلولاتها من قبلنا تتمركز حول فقدان الهوية السورية و فقدان التنظيم الاجتماعي و التي على ما يبدو تشكل المعضلة الكبرى لكافة الأطراف سلطة و معارضة سياسية و معارضة شعبية ان جاز التعبير .

فالسلطة إن أرادت اصلاحاً حقيقياً لن تجد من تتحاور معه فالمعارضة السياسية و على مدى نصف قرن تهشمت و تشرزمت و أصبحت أطلالاً بكل معنى الكلمة فهي لا تملك إلا أصوات قياداتها التي باتت أغلبها على حافة القبر بينما الشعب معبئ على أسس لا تنظيمية و منذ فترة لا تتعدى الثلاثة أشهر من قبل وسائل الاتصلات الحديثة و التي تشكل فيها الانترنيت القسم الأقل بلا شك فالشباب يستمد أغلب تعاليمه ان لم نقل كلها من القنوات التلفيزيونية و التي لا يختلف أي أحد منا أن لكل منها أجنداتها و التي قد  تتوافق بدرجات و تختلف بدرجات عن أجندة المواطن السوري المغلوب على أمره .

و ربما هنا يقول قائل أن هذه الأمور كانت تقال في الثورتين التونسية و المصرية و إني أقر بذلك لكن أدرك في نفس الوقت أن الحراك المصري و التونسي لم يكن وليدة اللحظة فهي على الأقل تمتد إلى أكثر من خمس سنوات قبل اندلاع الثورة كذلك الهوية المصرية و ربما التونسية كانت شبه مكتملة على الأقل ضمن الشخصية الاجتماعية إن جاز التعبير .

سوريا تفتقد إلى أدنى درجات الترابط الجمعي إلا من خلال العواطف الجياشة التي تشكلت مع بداية انطلاق هذه التحولات الجذرية في المنطقة فعلى سبيل المثال و ليس الحصر المشكلة الكردية و التي تحدثت بشأنها في أكثر من مكان إن حاولنا تلمس ردود أفعالها الشعبية فهي هزيلة مقارنة مع الردود المتوقع منها و التي أصبحت تردد بشكل سري أو علني بين أطراف المعارضة بشكل أساسي و السؤال المطروح هل باع الأكراد أنفسهم بتبريكات لعيد النوروز ؟

فالأكراد نتيجة الظلم الممارس عليهم منذ أكثر من نصف قرن هذا الظلم المزدوج كونهم مواطنون سوريون و يشتركون بهذه المظالم مع كل المواطنين السوريين الآخرين و ظلم خاص كونهم أكراد و محرومون حتى من أبسط حقوقهم و بالاضافة للشخصية الكردية القاسية إن لم نقل الشرسة التي تولدت نتيجة الطبيعة الجغرافية من جهة و الطبيعة المعيشية السلوكية من جهة أخرى فكان المأمول من كل الأطراف المعارضة أن يكون لها كلمتها ضمن هذا الحراك الشعبي لكن إلى حد الآن يبدو أنها على غير المتوقع و الأسباب برأينا تصب ضمن ما أشرنا إليه سابقاً من تشرزم الهوية السورية و الانتماءات الوهمية لكل مجموعة كنتونية موجودة على قاعدة ما قبل الدولة المدنية و هذا إن دل على شيء إنما ربما يدل على الخوف المتنامي من جواب السؤال المطروح أساساً فسوريا إلى أين سيكون جوابها بلا شك إلى مزيد من التشرزم و هذا ما لا أود لا أنا و لا أي مواطن سوري أن يحدث في يوم من الأيام .

هذا واقع مؤلم لكن لا بد من الاعتراف به لأن عدم الاعتراف في هذه اللحظات يبدو أنه يشكل أزمة مضافة لأن القفز فوق الحقائق تولد الكوارث و هذا ليس طعناً بأي معنى من المعاني في وطنية الشعب الكردي فالتاريخ كفيل بأن يجيب عن هذا السؤال لكنها الحقيقة التي تكرست نتيجة الأخطاء التي مررنا بها في هذا الوطن الغالي و التي أرجو أن تحل بطرق تليق بحضارة هذا البلد .

هذا من جهة و من جهة أخرى و كما أرى أن السلطة السورية تحاول القفز عن الجرح المفتوح على الأقل ظاهرياً كما تفعل الجهات المعارضة فالتغطية التي تمارسها القنوات الحكومية هي مخزية على الرغم من أني أدرك تماماً أن هناك من هم حقيقة موالون للنظام السوري على أسس معرفية حقيقية لأننا لا نستطيع في أي حال من الأحوال أن نجرد النظام السوري من محاسنه المتمحورة حول وقوفه مع متطلعات شعوب المنطقة المتمثلة في الوقوف بوجه الكيان الاسرائلي الغاصب لأراض هي ما تزال حية في ضمير كل مواطن سوري و هؤلاء عموماً على الأقل حتى هذه اللحظة ليس لهم الصوت الأعلى أو على الأقل يحاول بعض من المشوهيين الاعلاميين السوريين أن يأتو ببعض المتملقين الذين يحاولون فقط التصفيق و غض النظر عن الأخطاء التي على ما يبدو أنها باتت علنية و اعترف به النظام عبر أعلى القيادات .

ما أود قوله الآن أنني ( و هذه حكماً تعنيني كرأي شخصي )  ضد اراقة أي قطرة من الدماء السورية الغالية على قلوبنا و ضد التصعيد من أي جهة كانت راجياً أن تقف الخسائر عند هذه النقطة متوجهاً بكل أحاسيسي لأني لا أملك غيرها في هذه اللحظة إلى السلطات المعنية أولاً في بلدي الغالي لأنه ليس من جهة أخرى منظمة أتجه إليها أن نقف أياماً من الصمت لأن الدقائق لا تكفي لأرواح الشهداء الذين سقطو و أن نحترم تلك الدماء الذكية سلوكاً لا شعاراتاً لأنه البارحة ومن خلال رجوعي من حلب إلى عفرين كنت أبكي طوال الطريق لأن مظاهر الفوضى التي رأيتها و الأهازيج و أصوات أبواق السيارات التي لا تقف عند أي اشارة مرور و التي كادت أن تتسبب لي بأربع حوادث محتملة هذه المظاهر أراها مخجلة في هذه الأوقات الصعبة التي نمر بها .

إن هذه المظاهر كما أراها تزيد من تأجيج المشاعر المتأججة أصلاً راجياً أن يبدأ العقل بأخذ مكانه الصحيح لدى كل المواطنين السورين لنقف معاً الكل دون استثناء كي لا تتسع الجراح لأن الكل معني بالسؤال و لأن سوريا بلد تسع الجميع و على مر العصور أتوجه بكل هواجسي إلى كل فئات الشعب السورية و الذين بيدهم السلطة أولاً أن نقف قليلاً من الصمت علنا نستدرك ما ضاع منا و نبدأ في مسيرة جديدة علنا نلتئم من جديد و نزيل عن كاهلنا حلولاً تتماشى مع الهاوية .

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...