الرئيسية / صفحات سورية / سوريا: نحو المجهول

سوريا: نحو المجهول


أحمد شاهين

أكمل الرئيس السوري ، بشار الأسد ، خطواته نحو الإصلاح الذي وعد به ، والغرض النهائي من كل هذه الإجراءات ، إذا دخلت حيز التطبيق ، الحفاظ على السلطة القائمة ، المهددة بالسقوط بفعل حركة شباب غاضب .

إلا أن دخول هذه القوانين حيز التطبيق يقتضي ، حسب تصريحات الأسد ، توفر أجواء أمنية مناسبة ، الأمر الذي تقوم به قوات الأمن السورية بكل أذرعها ، إضافة إلى دعم الميليشيا التي صارت تعرف شعبيا باسم ‘ الشبيحة ‘، ومن غير المعروف رسميا الصفة القانونية التي تعمل بها هذه الميليشيا ، فقد تكون ميليشيا حزبية ، وهو تقليد بعثي اعتمده حزب البعث في بداية مجيئه للسلطة في عام 1963 بتشكيل ما عرف في حينه باسم ‘ الحرس القومي ‘ ؛ وقد تكون هذه الميليشيا من مكونات طائفية ، جرى الهمس بوجودها منذ أيام الأسد الأب ، وقام بتشكيلها في حينه أخوه جميل الأسد ، وتردد آنذاك الهمس بأن الجنرال حافظ الأسد كان يعد الأرضية في مناطق جبال العلويين لإنشاء دولته فيها في حال سقطت من يده السلطة في دمشق . والحديث عن طائفية الشبيحة أقوى من الحديث عن حزبيتها.

التنوع السوري

يبلغ عدد سكان سوريا نحو 23 مليون نسمة ، ويمثل سكان المناطق الحضرية نحو 56 بالمائة منهم ، وتعتبر حلب بنحو 3 ملايين نسمة أكبر المدن السورية ، تليها دمشق العاصمة بنحو 2،5 مليون نسمة ، ثم حمص بنحو مليون و300 ألف نسمة ، وبعدها حماة بنحو 600 ألف نسمة .

ويحتوي المجتمع السوري على تنوع متعدد من الإثنيات القومية : عرب وأكراد وأرمن وشركس وآشوريون وسريان وآراميون ، يشكل العرب منهم نحو 90 بالمائة ، بينما يشكل الآخرون نحو 10 بالمائة ، أكثرهم عددا من الأكراد وهؤلاء هم الأكثر حيوية من بين الأقليات الإثنية لارتباطهم بما يعرف بالقضية الكردية التي يدعو القائمون بها إلى حق تقرير المصير للأكراد في منطقة كردستان التي تتقاسمها تركيا وإيران والعراق وسوريا . ويحتوي المجتمع السوري تنوعا دينيا ومذهبيا ، يمثل فيه المسلمون السنة نحو 74 بالمائة ، بينما يمثل المسلمون من الطوائف الأخرى نحو 16 بالمائة ، تعتبر الطائفة العلوية أكثرهم عددا بنسبة تقارب العشرة بالمائة من عدد السكان .

هذا ويمثل المسيحيون بكل مذاهبهم نحو 10 بالمائة من عدد السكان .( الأرقام من : C I A the world factbook). وقد عاشت هذه الجماعات البشرية المكونة للمجتمع السوري الراهن كجماعات مغلقة ، في مناطق جغرافية خاصة بها تشكل كل منها ما يشبه ‘ الغيتو ‘ ، وكانت تحكم علاقات هذه الجماعات العدوانية ضد بعضها البعض ، ولدى كل جماعة منها صورا مشوهة عن الجماعات الأخرى تولدت عبر تاريخية هذا الانفصال العدواني . ولا نجانب الصواب إذا قلنا أن تجربة حزب البعث في السلطة كانت نقلة نوعية في تعريف هذه الجماعات بعضها ببعض وفتح قنوات تواصل ، أحدثت نوع من التعارف بين هذه المكونات البشرية ؛ مع ملاحظة أن هذا الانفتاح ظل محصورا فيما بين الفئات العليا من هذه الجماعات : رجال السلطة وتجار المدن ، وبعض الحالات القليلة في أوساط المثقفين. كان هذا الأمر طبيعيا في ظروف النظم التي حكمت المنطقة ، فقد كانت تلك نظما امبراطورية، ولا مركزية مما يسمح للجماعات المغلقة بالاستمرار في انغلاقها ، الذي تشكل فيه قاعدة ‘ الزواج الداخلي ‘ إحدى أسس ركائزه.

ضبابية الوضع في سوريا

مع الأخذ بعين الاعتبار أن تجربة الدولة في سوريا حديثة العهد ، حيث نشأت في عام 1946 بعد الحصول على الاستقلال ، وحاكت في هذه التجربة شكل الدولة الأوروبية الحديثة ، فحاكت هيكليتها الإدارية ، فصارت فيها الوظيفة الحكومية قيمة اجتماعية ومكسبا ماديا ، كما تقول جدتي ‘ أكل ومرعى وقلة صنعة ‘ ، بمعنى دخل بلا إنتاج .

بين استقلال سوريا في 1946 وسيطرة حزب البعث على السلطة في 1963 شهدت سوريا سلسلة من الانقلابات العسكرية ، لم يسلم البعث نفسه من عدواها ، فقد حصل داخل سلطة البعث نفسه ثلاث انقلابات ناجحة ، كان آخرها انقلاب الجنرال حافظ الأسد في 1970 ، وهو أول سلطة في تاريخ سوريا الحديثة تستمر كل هذه المدة ؛ وكان قاعدتها إقامة دولة أمنية بكل معنى الكلمة . وقد ورّث الأسد الأب ابنه بشار هذه الدولة باعتبارها ‘إرثا شخصيا ‘ ، ولا نبالغ في هذا الوصف .

وباعتبارها دولة أمنية فهي تقوم على قاعدة القهر لعموم المجتمع ، وهو تقليد طبيعي لتجربة السلطة في هذه المنطقة من العالم منذ نظام الدولة المدينة ، حيث يعتبر أي خروج على السلطة ‘ تطاولا على الأسياد ‘ ، وهو التعبير الذي استخدمه الملثمون الذين اعتدوا على الصديق الفنان على فرزات . ولذا يمكن اعتبار ‘ الخارجين على النظام إلى الشوارع ‘ ، في إطار هذه الثقافة ،’ متطاولين على أسيادهم ‘، ويجب ‘ تربيتهم ‘ من جديد وتأهيلهم ، وقتل المحرضين من بينهم كعملية استئصال ل ‘ الجراثيم ‘ لاستعادة ‘مناعة ‘ السلطة ، وهو ما تقوم به أدوات أمن السلطة التي تدفع لهم رواتبهم للقيام بهذه المهمة . وفي هذا الاطار أذكر بالبيان الثلاثي الذي أصدرته بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية احتجاجا على إنشاء جيوش عربية ، وكان عنوان البيان ‘ اسرائيل وجدت لتبقى ‘ ، فكان رد دول الجامعة العربية في حينه ( 1953 ) ، وكانت سوريا من بينها ‘ أن هذه الجيوش تعد للحفاظ على الأمن الداخلي وليس للحرب ضد إسرائيل ‘ . وما يمارسه الجيش السوري ، وما مارسه ، يدخل في هذا الإطار .

على الطرف الآخر من المعادلة السورية يوجد شارع غاضب ، كان مطلبه الإصلاح ، لكن رد فعل السلطة دفعه للمطالبة بإسقاطها ، حتى أن بعض الهتافين حكم على الرئيس ب ‘ الإعدام ‘ . ويدعي مؤيدو النظام أن هؤلاء المحتجين أقلية تحرضهم جماعات متآمرة تهدف إلى ‘ تقسيم ‘ سوريا . والمتظاهرون في الحالة السورية هم طلائع أولى ، تتزايد عدديا بقدرتها على الاستمرار ، وقدرتها على الحفاظ على سلميتها التي تعني أنها تحمل للمستقبل السوري روحا مدنية قابلة لاحتضان مكونات المجتمع السوري المتنوعة في دولة مدنية : إنه حلم ، لكنه قابل للتحقق .

إلى جانب هؤلاء الغاضبين ، يقبع أغلبية السوريين ، في حالة خوف : من السلطة ، ومن المستقبل الذي لا يعرف أحد ما الذي يخبئه ؛ حتى المنجمين لم يستطيعوا قراءة هذا المستقبل ، خاصة أن وسائل الإعلام المرئي تعرض يوميا جماعات سورية مقيمة منذ زمن طويل خارج سوريا ، تملك من الأموال ما يكفيها لإقامة مؤتمرات تدعو فيها لتشكيل هيئات لقيادة ‘ الثورة السورية ‘ ، إلى درجة أن أحد هذه المؤتمرات سمى أشخاصا لقيادة الثورة السورية من غير أن يستشيرهم . وبعض هذه الجماعات ، خاصة منها التنظيمات السياسية ، استدركت مؤخرا تقصيرها وصارت تعلن عبر وسائل الاتصال الحديثة ( الأنترنت ) عن تشكيلات قيادية داخل سوريا تحت مسميات موحية وبعيدة عن أسماء هذه التنظيمات : من مثل ، الهيئة العامة ، وتجمع الأحرار ، عدا عن أن كل شخص يستدعى للحديث مع محطة تلفزيونية يعلن أنه ‘ ناطق رسمي ‘ . وفي هذا الإطار قال الصديق هيثم مناع ( العودات ) : ياخي كل واحد مستعجل يخطف الكعكة .

فما يجري في سوريا خطوة أول نحو بناء مجتمع سوريا الحديث الذي يستطيع احتضان كل مكوناته ، بالرغم من كل القنابل الدخانية التي تطلق من كل الجهات .

‘ كاتب سوري

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...