الرئيسية / كتاب الانتفاضة / باسل العودات / سورية بين سلطتين/ باسل العودات

سورية بين سلطتين/ باسل العودات

 

 

لم يتوقف الرئيس الراحل حافظ الأسد منذ توليه السلطة بانقلاب عسكري عام 1970،عن إحداث تغيرات على صعيد نظام الحكم وأجهزة الأمن والجيش والمجتمع والاقتصاد، لبناء دولة ذات صبغة أمنية بشعارات قومية، بهدف إحكام سيطرته على الدولة والمجتمع، وتحويلهما إلى ما يُشبه الشركات الخاصة مرسّخاً حكماً شمولياً ديكتاتورياً لم يحترم معايير الدولة الحديثة ولم يطبق منها ولو معياراً واحداً.

حوّل الأسد الأب الجيش إلى آلة لحماية السلطة السياسية، وجعل الأمن وسيلة قمع خارج القانون، ولعب على التوازنات الطائفية، وهيمن مع مواليه على الدولة والاقتصاد أي على السلطة والثروة، وتبنى سياسة تزعم الاهتمام بالصراع العربي الإسرائيلي دون أن يكون لها مرتسمات أو إسقاطات في حيز الواقع، واستخدم أساليب الخداع في سياسته العربية والدولية.

خلال عقود حكمه الثلاثة عمل الأسد الأب على هيمنة رجاله على أجهزة الأمن والاستخبارات وقيادات الجيش، وتم إبعاد كل المناصب الحكومية الكبرى عن موقع اتخاذ القرار، وتكريس التنافس الطائفي، واستخدام الطائفية بوصفها أساساً من أسس الحكم، وجعل حزب البعث والحكومة أدوات وواجهة مدنية وشرعية للنظام، ولم يعد لرئاسة الوزراء أو رئاسة مجلس الشعب أو أي جهة حكومية أهمية تُذكر، وانتقل النفوذ الفعلي إلى الأجهزة الأمنية، حيث بسطت المؤسسة الأمنية نفوذها على كل أجهزة الدولة، وتحكمت بالمناصب العليا والوظائف والنشاطات جميعها والحراك الاجتماعي وغير الاجتماعي ناهيك عن السياسي، فتحوّلت سورية إلى سجون ومعتقلات ومحاكم تفتيش.

وفي المجال الاقتصاديً، منح الأسد الأب امتيازات وتسهيلات مالية استثنائية للمقربين وكبار رجال الأمن والجيش وبعض رجال الأعمال من البطانة، وأصبح العديد منهم أصحاب شركات ومؤسسات كبرى بعد أن استحوذوا على مناقصات الدولة والمشاريع التي تُمنح بالتراضي وبأسعار خاصة، كما حوّل جزءاً غير قليل من أملاك الدولة للموالين، وأمر بغض الطرف عن كل تجاوزاتهم، وقد تراجعت الطبقة الوسطى وتدهور حالها واحتل الأغنياء الجدد وأغنياء الصفقات مكانها، وفي نفس الوقت تحدث طوال عقود عن الصراع العربي الإسرائيلي، وتقمّص دور الممانع المقاوم الصنديد، وكانت هذه السياسة حجّته لتحويل نحو ثلاثة أرباع ميزانية الدولة لخزينة الأمن والجيش، ما زاد من إفقار الدولة وتسهيل النهب، كذلك رسّخ التمايزات والفوارق بين المكونات السورية، وقدّم لرجال الدين من كل الطوائف الامتيازات والجعالات وأغرقهم بالعطايا والرشى.

على التوازي، عقد الأسد الأب علاقات جيدة مع المعسكر الاشتراكي، واستفاد من هذه العلاقة في كسب المزيد من الأموال، وفي استيراد أسلحة إما مجانية أو بقروض طويلة الأمد، وجعل هذا المعسكر قوة سياسية تدعمه في المحافل الدولية، وتكرس، دون حق، سمعة يسارية له على أنه من أعداء الإمبريالية الأمريكية والمدافع عن القضايا القومية عامة، وأقام علاقات طيبة مع معظم البلدان العربية وأمسك بالعصا معها من الوسط، فاستمرت تلك تدعمه مالياً وعسكرياً وسياسياً.

أما  الأسد الابن فقد دمّر كل ما حاول أبوه صنعه، ولم يُحسن استغلال الفرصة التي منحها له السوريون خلال السنوات الأولى من حكمه، ولم يحافظ على ما حاول والده توريثه له، وكانت تقوده ربما غريزة التدمير الذاتي، فلم تردعه عواقب الأفعال المعادية للمجتمع، وطغى ميله إلى انتهاك القانون وحقوق الآخرين على سياسته، بسهولة ودون رؤية شاملة للظروف القائمة ونتائجها المحتملة.

تم خلال السنوات الأربع الأخيرة تهالك الجيش السوري ، وتغوّل الأجهزة الأمنية وتدمير اقتصاد سورية، وأُقيم بين السلطة وبين بقية السوريين جدار يصعب هدمه، وأنهى الحزب الذي كان النظام يعمل تحت مظلته، وتخرّبت نهائياً علاقة سورية بمحيطها العربي، وتشوّهت علاقتها الدولية السابقة لصالح علاقات لا قيمة لها ولا وزن في المحيط الدولي، أما الحركات (الجهادية) التي رعاها الأب لتأمين نفوذه وتعزيز علاقاته الدولية والإقليمية فقد أفلتها الابن من عقالها ، فدمرت سورية كما دمّرت السلطة معها بعد محاولات تحويلها من تجارة محلية إلى تجارة دولية، وانفضح أمر السلطة حتى عند هذه الحركات (الجهادية) نفسها، ففقد النظام مهاراته غير التقليدية في تصنيع الإرهاب واستخدامه، ولم تستمر السيطرة على الحركات الجهادية والتكفيرية التي حالفها يوماً، وخربت السلطة السورية النسيج الاجتماعي السوري، وأثارت النعرات الطائفية إلى نهاياتها، وفتحت أبواب جهنم على بعض الشرائح الاجتماعية والمذهبية والطائفية، بحيث تحتاج لحكماء العالم لتُغلق من جديد، إن كان بالإمكان أن تُغلق أصلاً.

وهكذا لم تكتف السلطة السورية بتدمير الشعب السوري ونسيجه الاجتماعي واقتصاده الوطني وجيشه ودولته الواعدة، بل حوّلت سورية إلى ميدان حرب لكل من هب ودب، ودمرت العلاقات مع البلدان العربية ومعظم دول العالم، واستهانت بالقانون الدولي، وفقدت تواصلها مع بلدان العالم الأخرى.

المدن

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...