برهان غليونصفحات سورية

ثورة السوريين بين استقالتين/ برهان غليون

  لا يزال كثيرون من اليساريين والقوميين القدماء، في منطقتنا والعالم، من الذين لم تتغير صورة عالم السياسة والمجتمع كثيرا في نظرهم، عما كانت خلال الحرب الباردة، يتردد في دعم الثورة السورية، ويرفض أن يرى فيها حركة التحرر والانعتاق العظيمة التي دفعت بمئات آلاف الشباب وملايين السوريين للرمي بأنفسهم في أكثر المعارك السياسية ثم العسكرية ضراوة ودموية للحصول على حقوقهم الأساسية وكرامتهم التي مرغتها بالوحل أكثر الفاشيات التاريخية بدائية، ومن ثم قسوة وفظاظة وسوقية. ومأخذهم على الثورة والمعارضة، وحجتهم في دفاعهم ضدها، هو أنها، كما يقول صديق قديم لي، قبلت أن “تحسب نفسها” على محور العالم الحر، والمقصود الغرب، وتركت محور الشرق. ولا أدري ماذا نسمي محور روسيا والصين بعد أن هجرتا الاشتراكية واليسار، هل نقول محور العالم العبودي أو محور العداء للحرية.

على هذا النغم لا يزال يعزف الكثيرون من اليساريين المسبقي الصنع، في الصحافة والاعلام، لتبرير ارتباطهم بنظام بشار الأسد، وتعلقهم ببقائه، بل وتمنيهم انتصاره ضد شعب بأكمله، بعد كل ما قام به من أعمال يكفي واحد بالمئة منها لدفعه إلى محكمة الجنايات الدولية كأكبر مجرم حرب في القرن ال٢١. وعليه أيضا يعزفون ليبرروا التحالف العجيب بين العلمانية الخالصة التي ينتقدون الثوار باسمها وميليشيات حزب الله وأبو الفضل العباس وفيلق القدس، والذي لا يمكن أن يخفي أن ما يسمونه علمانية ليس أكثر من طائفية مقلوبة.

كان محور المعسكر الشرقي أو الاشتراكي أقرب بالفعل إلى الدفاع عن سيادة البلدان النامية الضعيفة وحركات التحرر الوطني. لكن،بعد أن انتهى عصر الشيوعية والاشتراكية وتبنى الجميع نظام الرأسمالية، لم يعد لهذا التمييز بين محورين متعاديين قيمة، كما أن سياساتهما الدولية لم تعد تقوم على المبادىء أو القيم والثوابت “التاريخية” القديمة. لا يمكن لعاقل أن يعتقد أليوم أن محور الشرق، الروسي والصيني، الذي كان المدافع الأول بالفعل عن حركات التحرر الوطني في حقبة سابقة، لايزال معنيا بحرية الشعوب، واحترام حقوق الانسان، أكثر من محور الغرب (الاستعماري)، ولا أن معسكر الغرب لا يزال أكثر ميولا استعمارية من محور الشرق، بل ربما العكس هو الصحيح.

نحن اليوم أمام نوعين من المجتمعات الصناعية الرأسمالية، تلك التي وصلت إلى درجة من التقدم التقني والعلمي والمعلوماتي لم تعد بحاجة فيه، كي تضمن مصالحها وهيمنتها الدولية، إلى السيطرة السافرة والفظة، على الدول والبلاد الأخرى لتحقق مكاسب وتراكم رساميل، كما في القرن التاسع عشر، ويكفي توحيد العالم تحت إشرافها في ما نسميه العولمة، وبين محور مجتمعات الرأسمالية الريعية والمافيوية المعاقة التي لا أمل لها بالحفاظ على نفوذها وسيطرتها الدولية من دون اللجوء إلى الوسائل الاستعمارية القديمة، من سيطرة مباشرة أو من خلال وكلاء محليين، ومن استخدام مفرط للقورة والعنف.

لذلك ليس من المستغرب أن يتسم الموقف الروسي اليوم، في كل الميادين، بالخيارات الأكثر رجعية والأكثر يمينية، وأن لا يسأل في بحثه عن المكاسب الاستراتيجية لا عن الشعوب ولا عن حقوق الأفراد، ولا يقيم وزنا لأي قيمة من القيم الانسانية، السياسية والأخلاقية.

 وما تعيشه الثورة السورية من مصاعب لا تخفى على أحد يعكس تماما هذه المعادلة الجديدة في العلاقات الدولية: تخلي محور الشرق عن هويته وسياساته المناصرة للبلدان الضعيفة وعودته إلى أساليب العمل البدائية للدفاع عن مصالحه وتأكيد نفوذه، بما في ذلك الحفاظ على الأنظمة العميلة من جهة ، ومن جهة أخرى تخلي الغرب عن شعاراته الديمقراطية وابتعاده أكثر فأكثر عن خوض صراعات عسكرية لتأكيد شعارات ومباديء وقيم إنسانية، لإدراكه أنه لم يعد يحتاجها لتحقيق نفوذه ومصالحه. باختصار نكوص روسيا والشرق وعودتها إلى وضع الاستعمار القديم الذي كان يحتله ويمارسه الغرب، وتخلي الغرب، تحت ضغط الأزمات الخانقة التي يعيشها عن تدخلاته الانسانية المكلفة التي كان يقوم بها لتبرير قيادته وشرعنة سيطرته العالمية، كما كان الحال في البوسنة والهرسك.

\\كاتب سوري \\

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى