شظايا غربة

من هنا، من بيروت، ألقي تحيّة الصباح على دمشق…

طالما كانت بيروت بالنسبة لي حلم تقاعد.. خبأتها في خاطري لأيام راحة، وتخبئني هي الآن لأيام عذاب…

دمشق على مرمى قلب،

ساعات بالسيارة… وسنوات ضوئية من الشوق. هل كتب عليّ البعد عنها كي «أراها»؟

المعاناة تورث الحكمة، ربما، ولكن، بعد انتهاء مدة صلاحيتها.

[ [ [

كأني روح تحوم فوق عالم تركت فيه جسدها مردياً… كأني أرى ولا أُرى، الصورة من بعيد. منتهى التناقض، منتهى الروعة، إذ تبرز تفاصيل ـ لفرط ما أمتعتنا ـ فقدنا القدرة على تمييزها، ومنتهى الألم، إذ نراقب عاجزين تفاصيل تتلاشى، وأشلاء زمن جميل تتطاير وسط دخان الحرائق…

أغص وأنا أفكر بابنتي وملايين الأطفال السوريين الذين لم ولن يعيشوه..

[ [ [

فظيع ان تنهب آثار أجدادنا وذكرياتهم. لتتبعثر جذورنا في كل مكان من العالم… والأفظع أن يخرسك عتاب متألم «تبكون على الحجر بينما يموت آلاف البشر؟!».

مؤلم أن يتشرد الملايين هاربين، فيفقد وجه البلد ملامحه: أتراهم يعودون يوماً؟…

الحمد لله أن أبي قد مات قبل يوم صار فيه سوريون لاجئين…

[ [ [

هل من معجزة توقف هذا الجنون وتنقذ بقايانا؟

خناجر الأخبار تذبحني، إعلانات في دولة عربية تطلب «خادمات سوريات»، وأهل بلد عربي آخر يستغلون محنة السوريين ليشتروا بناتهم القصّر بحجّة الزواج..

وفي القاهرة، من نافذة سيارتي المتوقفة بانتظار الضوء الأخضر لشارة المرور، اقتربت سيدة متوسطة العمر برفقتها ثلاثة أطفال وجوههم تأسر اللب. مدت يدها باستحياء تطلب مساعدة… كانت كسيرة الكبرياء. لا يتطلب الأمر فراسة كي تستشف الألم الذي اعتصرها لتتسول. بدت لي «عزيز قوم ذل»، وبدت وجوه الأطفال الثلاثة مألوفة… الطعنة التي ما زال جرحها ينزف حتى كتابة هذه السطور، حين انتبهت إلى جواز السفر الذي دفعت به شهادة على ضيق حالها: جواز سفر أزرق أعرفه جيداً… في أعلاه نسر ذهبي، خُط تحته «الجمهورية العربية السورية»…

سرت في جسدي قشعريرة، وددت لو ابتلعتني الأرض، وأنا أراها تقبل بملاليم رميت شفقة…

في لحظة كهذه أفهم أن يموت إنسان كي لا يموت وطن..

وفي لحظة كهذه يبعث حيّاً حبي الكامن لحيث ولدت وأدفن. أتلمس الحبل السري الذي يربطني بكل من وما فيه… أعانق كل تفاصيله..

أتصالح حتى مع ما اعتقدته منغصاً، أتوق له كله…

في لحظة كهذه تجن مشاعر الانتماء… يختصر معنى الوطن والغربة، في رسم نسر شامخ فوق جواز سفر أزرق…

آآآه… ليتك أخذتني معك يا أبتي، قبل أن تشهده عيوني بطاقة تسوّل…

(كاتبة سورية)

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

77 + = 87

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...